سورة آل عمران

ซูเราะฮ์ที่ 3 · ตอน 6/14 · เล่ม 2 หน้า 80–94

ج2 · ص80

حَشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار (١) في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعا وموقوفًا.

ففي الصحيحين، واللفظ لمسلم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح فتح مكة: "لا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ ونية، وإذَا استَنْفَرْتُمْ فَانْفِرُوا"، وقال يوم الفتح فتح مكة: "إنَّ هَذَا الْبَلَدَ (٢) حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحرمَةِ الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شَوْكُهُ، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا يَلْتَقطْ لُقَطتَه إلا من عَرَّفها، ولا يُخْتَلى خَلاها (٣) فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذْخَرَ، فإنه لقَيْنهم ولبُيوتهم، فقال: "إلا الإذْخَر" (٤).

ولهما عن أبي هريرة، مثله أو نحوه (٥) ولهما واللفظ لمسلم أيضًا عَن أبي شُرَيح العَدوي أنه قال لعَمْرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكةَ: ائذَنْ لي أيها الأمير أن أُحدِّثك قَولا قام به رسول الله ﷺ الغَدَ من يوم الفتح سَمعَتْه أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حَمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إنَّ مَكِّةَ حَرَّمَهَا اللهُ ولَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لامرئ يُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخر أنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، ولا يَعْضد بِهَا شَجَرةً، فَإنْ أحَد تَرخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا له: إنَّ اللهَ أذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وإنَّمَا أذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأمْسِ فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهدُ الغائِبَ" فقيل لأبي شُرَيح: ما قال لك عَمْرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحَرَم لا يُعيذ عاصيا ولا فَارا بِدَمٍ ولا فارا بخَزْيَة (٦) (٧).

وعن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يَحِلُّ لأحَدِكُمْ أنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاحَ" (٨) رواه مسلم.

وعن عبد الله بن عَدِيّ بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول، وهو واقف بالحَزْوَرَة في سوق مكة: "واللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أرْضِ اللهِ، وأحَبُّ أرْضِ اللهِ إلَى اللهِ، ولَوْلا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ".

رواه الإمام أحمد، وهذا لفظه، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. وقال الترمذي: حسن صحيح (٩) وكذا صَحَّح من حديث ابن عباس نحوه (١٠) وروى أحمد عن أبي هريرة، نحوه (١١).

(١) في جـ: "الآثار والأحاديث".

(٢) في أ، و: "البيت".

(٣) في ر: "خلالها".

(٤) صحيح البخاري برقم (١٨٣٤) وصحيح مسلم برقم (١٣٥٣).

(٥) صحيح البخاري برقم (٢٤٣٤)، وصحيح مسلم برقم (١٣٥٥).

(٦) في أ: " بخرمة".

(٧) صحيح البخاري برقم (١٨٣٢) وصحيح مسلم برقم (١٣٥٤).

(٨) صحيح مسلم برقم (١٣٥٦).

(٩) المسند (٤/ ٣٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٩٢٥) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٤٢٥٤) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٠٨).

(١٠) سنن الترمذي برقم (٣٩٢٦) وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه".

(١١) المسند (٤/ ٣٠٥).

ج2 · ص81

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا بِشْر بن آدم ابن بنت أزهر السمان (١) حدثنا أبو عاصم، عن زُرَيق بن مسلم (٢) الأعمى مولى بني مخزوم، حدثني زياد بن أبي عياش، عن يحيى بن جَعْدَةَ بن هُبَيْرَة، في قوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) قال: آمنا من النار.

وفي معنى هذا القول الحديثُ الذي رواه البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عَبْدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن سليمان الواسطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا ابن المُؤَمَّل، عن ابن مُحَيْصِن، عن عطاء، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي حَسَنةٍ وَخَرَجَ مِنْ سَيِّئَةٍ، وَخَرَجَ مَغْفُورًا له": ثم قال: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وليس بقوي (٣).

وقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) هذه آية وُجُوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والأول أظهر.

وقد وَرَدَت الأحاديثُ المتعددة بأنه أحدُ أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا، وإنما يجب على المكلَّف في العُمْر مَرّة واحدة بالنص والإجماع.

قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الربيع بن مسلم القُرَشيّ، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: " أيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا". فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا. فقال رسول الله ﷺ: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ". ثم قال: "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وإذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ". ورواه مسلم، عن زُهَير بن حرب، عن يزيد بن هارون، به نحوه (٤).

وقد روى سُفْيان بن حسين، وسليمان بن كثير، وعبد الجليل بن حُمَيد، ومحمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن أبي سنَان الدؤلي -واسمه يزيد بن أمية-عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يَأيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُم الحَجَّ". فقام الأقرع بن حابس فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ قال: "لَوْ قُلْتُهَا، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا، وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْمَلُوا بِهَا؛ الحَجُّ مَرَّةً، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ".

رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم من حديث الزهري، به. ورواه شريك، عن سِمَاك، عن عِكرمة، عن ابن عباس، بنحوه. وروي من حديث أسامة بن زيد (٥).

(١) في ر: "السماك".

(٢) في أ: "أسلم".

(٣) السنن الكبرى (٥/ ١٥٨) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٠١) والبزار في مسنده برقم (١١٦١) من طريق عبد الله بن المؤمل به.

(٤) المسند (٢/ ٥٠٨) وصحيح مسلم برقم (١٣٣٧).

(٥) المسند (١/ ٢٩٠) وسنن أبي داود برقم (١٧٢١) وسنن النسائي (٥/ ١١١) وسنن ابن ماجة برقم (٢٨٨٦) والمستدرك (٢/ ٢٩٣).

ج2 · ص82

[و] (١) قال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وَرْدَان، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البَخْتَرِيّ، عن علِيّ قال: لما نزلت: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) قالوا: يا رسول الله، في كل عام؟ فسكت، قالوا: يا رسول الله، في كل عام؟ قال: "لا ولَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ". فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].

وكذا رواه الترمذي، وابن ماجة، والحاكم، من حديث منصور بن وَرْدان، به: ثم قال (٢) الترمذي: حسن غريب. وفيما قال نظر؛ لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البَخْتَرِيّ من عليّ (٣).

وقال ابن ماجة: حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمَيْر، حدثنا محمد بن أبي عُبَيدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك قال: قالوا: يا رسول الله، الحج في كل عام؟ قال: "لَوْ قُلْتُ: نعم، لوجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَقُومُوا (٤) بِهَا، ولَوْ لَمْ تَقُومُوا بِهَا لَعُذِّبتُمْ" (٥).

وفي الصحيحين من حديث ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن جابر، عن (٦) سُراقة بن مالك قال: يا رسول الله، مُتْعَتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: "لا بَلْ لِلأبَدِ". وفي رواية: "بل لأبَد أبَدٍ" (٧).

وفي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، من حديث واقد بن أبي واقد الليثي، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ قال لنسائه في حجته: "هَذِه ثُمَّ ظُهُورَ الحُصْر" (٨) يعني: ثم الزَمْنَ ظُهور الحصر، ولا تخرجن من البيوت.

وأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعا بنفسه، وتارة بغيره، كما هو مقرر في كتب الأحكام.

قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عَبْدُ بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا إبراهيم بن يزيد قال: سمعت محمَّد بن عَبَّاد بن جعفر يحدث عن ابن عمر قال: قام رجل إلى رسول الله (٩) ﷺ فقال: مَن الحاجّ يا رسول الله؟ قال: "الشَّعثُ التَّفِل" (١٠) فقام آخر فقال: أيّ الحج أفضل يا رسول الله؟ قال: "العَجُّ والثَّجُّ"، فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله (١١)؟ قال: "الزَّادُ والرَّاحِلَة".

(١) زيادة من جـ، ر.

(٢) في أ: "وقال".

(٣) المسند (١/ ١١٣) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٥) وسنن ابن ماجة برقم (٢٨٨٤) والمستدرك (٢/ ٢٩٤).

(٤) في ر: "يقوموا".

(٥) سنن ابن ماجة برقم (٢٨٨٥) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٤): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".

(٦) في أ: "أن".

(٧) صحيح البخاري برقم (٢٥٠٥) وصحيح مسلم برقم (١٢١٦).

(٨) المسند (٥/ ٢١٨، ٢١٩) وسنن أبي داود برقم (١٧٢٢).

(٩) في جـ، ر، أ، و: "النبي".

(١٠) في ر: "الثقل" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.

(١١) في جـ: "يا رسول الله ما السبيل".

ج2 · ص83

وهكذا رواه ابن ماجة من حديث إبراهيم بن يزيد وهو الخُوزي. قال الترمذي: ولا نعرفه (١) إلا من حديثه، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. كذا قال هاهنا. وقال في كتاب الحَجّ: هذا حديث حسن (٢).

[و] (٣) لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات سوى الخوزي هذا، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث.

لكن قد تابعه غيره، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله العامري، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن محمد بن عباد بن جعفر قال: جلست إلى عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال له: ما السبيل؟ قال: "الزَّادُ والرِّحْلَة". وكذا رواه ابن مَرْدُويَه من رواية محمد بن عبد الله بن عُبَيد بن عمير، به.

ثم قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس، وأنس، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس، وقتادة -نحو ذلك (٤).

وقد روي هذا الحديث من طُرُق أخَر من حديث أنس، وعبد الله بن عباس، وابن مسعود، وعائشة كُلها مرفوعة، ولكن في أسانيدها مقال (٥) كما هو مقرر في كتاب الأحكام، والله أعلم.

وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه بجمع طرق هذا الحديث. ورواه الحاكم من حديث قَتَادَة (٦) عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) فقيل (٧) ما السبيل (٨)؟ قال: "الزَّاد والرَّاحِلَة". ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (٩).

وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن يُونس، عن الحسن قال: قرأ رسول الله ﷺ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) قالوا: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: "الزَّادُ والرَّاحِلَةُ " (١٠).

ورواه وَكِيع في تفسيره، عن سفيان، عن يونس، به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل -وهو أبو إسرائيل الملائي-عن فُضَيْل -يعني ابن عمرو-عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "تَعَجَّلُوا

(١) في ر: "يرفعه".

(٢) سنن الترمذي برقم (٨١٣)، (٢٩٩٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٨٩٦).

(٣) زيادة من جـ، ر.

(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٢٢).

(٥) وقد جمع هذه الطرق وتكلم عليها الشيخ ناصر الألباني في كتابه: "إرواء الغليل" (٤/ ١٦٠) بما يكفي وانتهى إلى ضعف الحديث فأفاد وأجاد جزاه الله خيرا.

(٦) في جـ: "أبي قتادة".

(٧) في أ: "فقال"، وفي و: "قالوا".

(٨) في و: "فقيل: يا رسول الله، ما السبيل".

(٩) المستدرك (١/ ٤٤٢).

(١٠) تفسير الطبري (٧/ ٤٠) وإسناده مرسل.

ج2 · ص84

إلى الحَجِّ -يعني الفريضة-فإنَّ أحَدَكُمْ لا يَدْرِي مَا يَعْرضُ لَهُ " (١).

وقال أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحسن بن عمرو الفُقَيْمي، عن مِهْرَان بن أبي صفوان (٢) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ أرَادَ الحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ".

ورواه أبو داود، عن مسدد، عن أبي معاوية الضرير، به (٣).

وقد روى ابن جُبَير، عن ابن عباس في قوله: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) قال: من مَلَك ثلاثمائة دِرْهم فقد استطاع إليه سبيلا.

وعن عِكْرمة مولاه أنه قال: السبيل الصِّحَّة.

وروى وَكِيعُ بن الجَرّاح، عن أبي جَنَاب (٤) -يعني الكلبي-عن الضحاك بن مُزاحِم، عن ابن عباس قال: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) قال: الزاد والبعير.

وقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي ومن جَحَد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه (٥).

وقال سَعيد بن منصور، عن سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن عِكْرِمة قال: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت اليهود: فنحن مسلمون. قال الله، ﷿ (٦) فاخْصَمْهُمْ فَحَجَّهُمْ -يعني فقال لهم النبي ﷺ: "إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى الْمسلمِينَ حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاع إِلَيْه سَبِيلا" فقالوا: لم يكتب علينا، وأبَوْا أن يحجوا. قال الله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (٧).

وروى ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، نَحْوَه.

وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، أخبرنا مسلم بن إبراهيم وشَاذ (٨) بن فياض قالا أخبرنا هلال أبو هاشم الخُراساني، أخبرنا أبو إسحاق الهمداني، عن الحارث، عن علي، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَلَمْ يَحُجَّ بَيْتَ اللهِ، فَلا يَضُرُّهُ مَاتَ يَهُودِيّا أوْ نَصْرانِيّا، ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ قَالَ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).

ورواه ابن جرير من حديث مسلم بن إبراهيم، به.

وهكذا رواه ابنُ أبي حاتم عن أبي زُرْعة الرازي: حدثنا هلال بن فياض، حدثنا هلال أبو هاشم

(١) المسند (١/ ٣١٣).

(٢) في أ: "ضرار"، وفي و: "مهران".

(٣) المسند (١/ ٢٢٥).

(٤) في جـ، ر: "حباب".

(٥) في ر: "عنه غني".

(٦) في ر: "الله تعالى".

(٧) ورواه الطبري في تفسيره (٧/ ٥٠) من طريق عيسى عن سفيان به.

(٨) في أ: "وساد".

ج2 · ص85

الخراساني، فذكره بإسناده مثله. ورواه الترمذي عن محمد بن يحيى القُطَعي، عن مسلم بن إبراهيم، عن هلال بن عبد الله مولى رَبيعة بن عَمْرو بن مسلم الباهلي، به، وقال: [هذا] (١) حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده (٢) مقال، وهلال مجهول، والحارث يضعف في الحديث (٣).

وقال البخاري: هلال هذا منكر الحديث. وقال ابن عَدِيّ: هذا الحديث ليس بمحفوظ.

وقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث [أبي] (٤) عمرو الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد الله (٥) بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غَنْم أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهوديا مات أو نصرانيا.

وهذا إسناد صحيح إلى عمر (٦) ﵁، وروى سَعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جَدةٌ فلم (٧) يحج، فيضربوا عليهم الجِزْية، ما هم بمسلمين. ما هم بمسلمين (٨).

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾

هذا تعنيف من الله تعالى لكَفَرة أهل الكتاب، على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله، وصَدِّهم عن سبيله مَنْ أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم (٩) مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين، والسادة المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وما بَشَّروا به ونوَّهُوا، من ذِكْر النبي [ﷺ] (١٠) الأميّ الهاشمي العربي المكّيّ، سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول رب الأرض والسماء. وقد توعدهم [الله] (١١) تعالى على ذلك بأنه شهيد على صَنِيعهم ذلك بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومقاتلتهم (١٢) الرسول المُبشر بالتكذيب والجحود والعناد، وأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي: وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم مال ولا بنون.

(١) زيادة من جـ.

(٢) في أ: "أسانيده".

(٣) تفسير الطبري (٧/ ٤١) وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٢١) وسنن الترمذي برقم (٨١٢).

(٤) زيادة من جـ.

(٥) في ر، أ: "عبد الله" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه "تهذيب التهذيب ١/ ٣١٧".

(٦) ورواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور كما في الدر المنثور (٢/ ٢٧٥) وروى مرفوعا من حديث أبي أمامة الباهلي وابن مسعود وعلي وأبي هريرة، لكن لم يصح منها شيء. انظر تخريجها والكلام عليها في: "نصب الراية" للزيلعي (٤/ ٤١٠).

(٧) في جـ، ر، أ: "ولم".

(٨) ذكره المؤلف ابن كثير في "مسند عمر" وعزاه لمحمد بن إسماعيل البصري، وسعيد بن منصور في سننه قال: "وفيه انقطاع" (١/ ٢٩٣).

(٩) في جـ، أ: "طاعتهم".

(١٠) زيادة من أ.

(١١) زيادة من أ.

(١٢) في جـ، ر، أ، و: "ومقابلتهم".

ج2 · ص86

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾

يحذر تعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من الذين أوتوا الكتاب، الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، وما مَنَحهم به من إرسال رسوله (١) كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] وهكذا قال هاهنا: (إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ)

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾

ثُمَّ قَالَ (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) يعني: أن الكفر بعيد منكم وحاشاكم منه؛ فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلا ونهارًا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٨] والآية بعدها. وكما جاء في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: "أيُّ الْمُؤمِنِينَ أعْجَبُ إلَيْكُمْ إيمَانًا؟ " قالوا: الملائكة. قال: "وَكَيْفَ لا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟! " وذكروا الأنبياء (٢) قال: "وَكَيْفَ لا يُؤْمِنُونَ وَالْوَحْيُ يَنزلُ عَلَيْهِمْ؟ " قالوا: فنحن. قال: "وَكَيْفَ لا تُؤْمِنُونَ وأنَا بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟! ". قالوا: فأيّ الناس أعجب إيمانًا؟ قال: "قَوْمٌ يَجِيئونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يَجِدونَ صُحُفًا يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا" (٣). وقد ذكرت سَنَد هذا الحديث والكلام عليه في أول شرح البخاري، ولله الحمد.

ثم قال تعالى: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أيّ: ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العُمْدة في الهداية، والعُدَّة في مباعدة الغَواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنان، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان وشُعْبَة، عن زُبَيْد الياميّ، عن مُرَّة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) قال: أن يُطاع فلا يُعْصَى،

(١) في أ: "ورسله".

(٢) في جـ، أ، و: "قالوا فالأنبياء".

(٣) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ٢٢، ٢٣) من حديث أبي جمعة الأنصاري.

ج2 · ص87

وأن يُذْكَر فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر (١).

وهذا إسناد صحيح موقوف، [وقد تابع مرة عليه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود] (٢).

وقد رواه ابن مَرْدُويه من حديث يونس بن (٣) عبد الأعلى، عن ابن وَهْب، عن سفيان الثوري، عن زُبَيْد، عن مُرَّة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: " (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) أن يُطَاعَ فَلا يُعْصَى، وَيُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ، ويُذْكَر فَلا يُنْسَى".

وكذا رواه الحاكم في مستدركه، من حديث مِسْعَر، عن زُبَيْد، عن مُرَّة، عن ابن مسعود، مرفوعا فذكره. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. كذا قال. والأظهر (٤) أنه موقوف (٥) والله أعلم.

ثم قال ابن أبي حاتم: ورُوي نحوهُ عن مُرة الهَمْداني، والربيع بن خُثَيم، وعمرو بن ميمون، وإبراهيم النَّخَعي، وطاووس، والحسن، وقتادة، وأبي سِنان، والسُّدِّي، نحوُ ذلك.

[وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي العبد الله حق تقاته حتى يخزن من لسانه] (٦).

وقد ذهب سعيد بن جُبَير، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حَيّان، وزيد بن أسلم، والسُّدِّي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].

وقال علي بن أبي طَلْحة، عن ابن عباس في قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) قال: لم تُنْسخ، ولكن (حَقَّ تُقَاتِهِ) أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لَوْمَة لائم، ويقوموا بالقِسْط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.

وقوله: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك.

قال الإمام أحمد: حدثنا رَوْح، حدثنا شُعْبة قال: سمعتُ سليمان، عن مجاهد، أنّ الناس كانوا يطوفون بالبيت، وابنُ عباس جالس معه مِحْجَن، فقال: قال رسول الله ﷺ: " (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) وَلَوْ أنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ لأمَرّتْ عَلَى أهْلِ الأرْضِ عِيشَتَهُمْ (٧) فَكَيْفَ بِمَنْ لَيْسَ لَهُ طَعَامٌ إلا الزَّقُّومُ".

وهكذا رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن حِبَّان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من

(١) في جـ: "أن يشكر فلا يكفر وأن يذكر فلا ينسى".

(٢) زيادة من و.

(٣) في أ: "عن".

(٤) في أ، و: "الأشهر".

(٥) المستدرك (٢/ ٢٩٤).

(٦) زيادة من جـ، ر، و.

(٧) في أ، و: "عيشهم".

ج2 · ص88

طرق عن شعبة، به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (١).

وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وَهْب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عَمْرو قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ أَحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّار وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ، وَهُوَ يُؤْمِنُ (٢) بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، ويَأْتِي إلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أنْ يُؤتَى إلَيْهِ " (٣).

وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: "لا يَمُوتَنَّ أحَدُكُمْ (٤) إلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ ﷿". ورواه مسلم من طريق الأعمش، به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا [أبو] (٥) يونس، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنَّ اللهَ قال: أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فإنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإنْ ظَنَّ شَرا فَلَهُ " (٦).

وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين (٧) من وجه آخر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يَقُولُ اللهُ [﷿] (٨) أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي" (٩).

وقال الحافظ أبو بكر البزّار: حدثنا محمد بن عبد الملك القُرَشي، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت -وأحسبه-عن أنس قال: كان رجل من الأنصار مريضًا، فجاءه النبي ﷺ يَعودُه، فوافقه في السوق فسلَّم عليه، فقال له: "كَيْفَ أنْتَ يَا فُلانُ؟ " قال (١٠) بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ: "لا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ إلا أعْطَاهُ اللهُ مَا يَرْجُو وآمَنَهُ ممَّا يَخَافُ".

ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان. وهكذا رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة من حديثه، ثم قال الترمذي: غريب. وقد رواه بعضهم عن ثابت مرسلا (١١).

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعبة، عن أبي بِشْر، عن

(١) المسند (١/ ٣٠١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٧٠) والمستدرك (٢/ ٢٩٤).

(٢) في ر: "مؤمن".

(٣) المسند (٢/ ١٩٢).

(٤) في أ، و: "أحد منكم".

(٥) زيادة من ر.

(٦) المسند (٢/ ٣٩١).

(٧) في جـ: "الصحيح".

(٨) زيادة من أ.

(٩) صحيح البخاري برقم (٧٥٠٥) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وصحيح مسلم برقم (٢٦٧٥) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.

(١٠) في جـ: "فقال".

(١١) سنن الترمذي برقم (٩٨٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٦١) ورواه ابن أبي الدنيا في "حسن الظن بالله" برقم (٣١) وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٦٨). أما المرسل: فرواه ابن أبي الدنيا في "المرضى والكفارات" برقم (١٠٨) ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان من طريق حماد عن ثابت عن عبيد بن عمير مرسلا.

ج2 · ص89

يوسف بن مَاهُك، عن حكيم بن حِزَام قال: بايعتُ رسولَ الله ﷺ على ألا أخِرَّ إلا قائما. ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، به، وترجم عليه فقال: (باب كيف يخر للسجود) (١) ثم ساقه مثله (٢) فقيل: معناه: على ألا أموت إلا مسلمًا، وقيل: معناه: [على] (٣) ألا أُقتل إلا مُقبِلا غير مُدبِر، وهو يرجع إلى الأول.

وقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) قيل (بِحَبْلِ اللَّهِ) أي: بعهد الله، كما قال في الآية بعدها: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أي بعهد وذمة (٤) وقيل: ﴿بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن، كما في حديث الحارث الأعور، عن علِيّ مرفوعا في صفة القرآن: "هُوَ حَبْلُ اللهِ الْمتِينُ، وَصِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ".

وقد وَرَدَ في ذلك حديث خاص بهذا المعنى، فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أسباط بن (٥) محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي، عن عطية عن [أبي] (٦) سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "كِتَابُ اللهِ، هو حَبْلُ اللهِ الْمَمْدُودُ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ" (٧).

وروى ابن مَرْدُويَه من طريق إبراهيم بن مسلم الهَجَريّ، عن أبي الأحْوَص، عن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هو حَبْلُ اللهِ الْمتِينُ، وهو النور المبين وهُوَ الشِّفَاءُ النَّافِعُ، عِصْمةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، ونَجَاةٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ" (٨).

وُروي من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك. [وقال وَكِيع: حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين، يا عبد الله، بهذا الطريق هلم إلى الطريق، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن] (٩).

وقوله: (وَلا تَفَرَّقُوا) أمَرَهُم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة (١٠) وقد وردت الأحاديثُ المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف (١١) كما في صحيح مسلم من حديث سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضى لَكُمْ: أنْ تَعْبدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاهُ اللهُ أمْرَكُمْ؛ وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: قيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ الْمَالِ" (١٢).

(١) المسند (٣/ ٤٠٢) وسنن النسائي (٢/ ٢٠٥).

(٢) في جـ، أ: "عليه".

(٣) زيادة من أ.

(٤) في ر: "بعهد ذمة".

(٥) في أ: "عن".

(٦) زيادة من جـ.

(٧) تفسير الطبري (٧/ ٧٢) وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف.

(٨) ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٥) وابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٨٢) وابن حبان في المجروحين (١/ ٩٩) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٠١) وقال: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، ويشبه أن يكون من كلام ابن مسعود".

(٩) زيادة من و.

(١٠) في أ، و: "الفرقة".

(١١) في جـ: "بالائتلاف والاجتماع".

(١٢) صحيح مسلم برقم (١٧١٥).

ج2 · ص90

وقد ضُمِنتْ لهم العِصْمةُ، عند اتفاقهم، من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا، وخِيفَ عليهم الافتراق، والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة (١) ناجية إلى الجنة ومُسَلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه رسولُ الله ﷺ وأصحابه.

وقوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا] (^٢» إلى آخر الآية، وهذا السياق في شأن الأوْس والخَزْرَج، فإنه كانت (٣) بينهم حُروبٌ كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن، وإحَنٌ وذُحُول (٤) طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ إلى آخر الآية، وهذا السياق في شأن الأوْس والخَزْرَج، فإنه كانت (٥) بينهم حُروبٌ كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن، وإحَنٌ وذُحُول (٦) طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]﴾ (٧) [الأنفال: ٦٢] كانوا على شفا حُفْرة من النار بسبب كفرهم، فأبعدهم (٨) الله منها: أنْ هَدَاهُم للإيمان. وقد امتن عليهم بذلك رسولُ الله ﷺ يوم قَسَم غنائم حُنَيْنٍ، فَعتَبَ من عتب (٩) منهم لمّا فَضَّل عليهم في القِسْمَة بما أراه الله، فخطبهم فقال: "يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، ألَمْ أجدْكُمْ ضُلالا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَألَّفَكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةً فأغْنَاكُمْ اللهُ بِي؟ " كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمنّ.

وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يَسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلا من اليهود مَرَّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هُمْ عليه من الاتفاق والألْفَة، فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم (١٠) ما كان من حروبهم يوم بُعَاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبُه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاهم فجعل يُسكِّنهم ويقول: "أبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وأَنَا بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟ " وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح، ﵃ (١١) وذكر عِكْرِمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفْك. والله أعلم.

(١) في ر: "فرقة منها".

(٢) زيادة في جـ، ر، أ، و.

(٣) في أ: "قد كان"، وفي و: "قد كانت".

(٤) في ر: "دخول". وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.

(٥) في أ: "قد كان"، وفي و: "قد كانت".

(٦) في ر: "دخول". وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.

(٧) زيادة من و.

(٨) في أ، و: "فأنقذهم".

(٩) في جـ، ر: "فعنت من عنت".

(١٠) في جـ، ر، أ، و: "ويذكر لهم".

(١١) انظر: تفسير الطبري (٧/ ٧٨، ٧٩).

ج2 · ص91

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)﴾

يقول تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) أي: منتصبة للقيام بأمر الله، في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) قال الضحاك: هم خاصّة الصحابة وخاصة الرُّواة، يعني: المجاهدين والعلماء.

وقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله ﷺ: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) ثم قال: "الْخَيْرُ اتِّبَاعِ القُرآنِ وَسُنَّتِي" رواه ابن مردويه.

والمقصود من هذه الآية أن تكون فرْقَة من الأمَّة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَده، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ". وفي رواية: "وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (١).

وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عَمْرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن النبي (٢) ﷺ قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ".

ورواه الترمذي، وابن ماجة، من حديث عَمْرو بن أبي عمرو، به وقال الترمذي: حسن (٣) والأحاديث في هذا الباب كثيرة مع الآيات الكريمة كما سيأتي تفسيرها في أماكنها.

ثم قال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (^٤» ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضية في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم.

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صَفْوان، حدثني أزْهَر بن عبد الله الْهَوْزَنِي (٥) عن

(١) صحيح مسلم برقم (٤٩) من حديث أبي موسى الأشعري، قال الشيخ أحمد شاكر ﵀: "وهم الحافظ ابن كثير وهما شديدا، فحديث: "من رأى منكم منكرا" هو حديث أبي موسى".

(٢) في أ: "أن رسول الله".

(٣) المسند (٥/ ٣٨٨) وسنن الترمذي برقم (٢١٦٩).

(٤) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".

(٥) في جـ، ر: "الهوري"، وفي هـ ومسند الإمام أحمد (٤/ ١٠٢): "الهوزي". قال أبو المغيرة في موضع آخر: الحرازي" والله أعلم بالصواب.

ج2 · ص92

أبي عامر عبد الله بن لُحَيٍّ (١) قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة قام حين صلى [صلاة] (٢) الظهر فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أهْلَ الْكَتَابَيْنِ افْتَرَقُوا في دِينِهِمْ عَلَى ثنتيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وإنَّ هذِهِ الأمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً -يعني الأهواء-كُلُّهَا فِي النَّار إلا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تُجَارى بِهِمْ تِلْكَ الأهْواء، كَمَا يَتَجَارى الكَلبُ بصَاحِبِهِ، لا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلا مَفْصِلٌ إلا دَخَلَهُ. واللهِ -يَا مَعْشَر العَربِ-لَئِنْ لَمْ تَقُومُوا بِمَا جاء بِهِ نَبِيُّكُمْ ﷺ لَغَيْرُكم (٣) مِن النَّاسِ أحْرَى ألا يَقُومَ بِهِ".

وهكذا رواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى، كلاهما عن أبي المغيرة -واسمه عبد القدوس بن الحجاج الشامي-به، وقد رُوي هذا الحديث من طرق (٤).

وقوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) يعني: يوم القيامة، حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودّ وجوه أهل البِدْعَة والفرقة، قاله ابن عباس، ﵄ (٥).

(فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) قال الحسن البصري: وهم المنافقون: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) وهذا الوصف يَعُمّ كل كافر.

(وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) يعني: الجنة، ماكثون فيها أبدا لا يبغون عنها حوَلا. وقد قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن رَبِيع -وهو ابن صَبِيح (٦) -وحَمَّاد بن سلمة، عن أبي غالب قال: رأى أبو أمامة رءوسا منصوبة على دَرَج دمشق، فقال أبو أمامة: كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، خَيْرُ قتلى من قتلوه، ثم قرأ: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) إلى آخر الآية. قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا -حتى عَدّ سبعا-ما حَدّثتكموه.

ثم قال: هذا حديث حسن: وقد رواه ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن أبي غالب، وأخرجه أحمد في مسنده، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أبي غالب، بنحوه (٧). وقد روى ابن مَرْدُويَه عند تفسير هذه الآية، عن أبي ذر، حديثًا مطولا غريبا عجيبا جدا.

ثم قال [تعالى] (٨) (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ) أي: هذه آيات الله وحُجَجُه وبيناته (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ) يا محمد (بِالْحَقِّ) أي: نكشف (٩) ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة.

(وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ) أي: ليس بظالم لهم بل هو الحَكَم العدل الذي لا يجور؛ لأنه القادر

(١) في ر: "لجي".

(٢) زيادة من أ، و.

(٣) في جـ: "فغيركم".

(٤) المسند (٤/ ١٠٢) وسنن أبي داود برقم (٤٥٩٧).

(٥) في ر: "عنه".

(٦) في ر: "صبح".

(٧) سنن الترمذي برقم (٣٠٠٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٧٦).

(٨) زيادة من أ، و.

(٩) في جـ: "ينكشف".

ج2 · ص93

على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدا من خلقه؛

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (١٠٩)﴾

ولهذا قال (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ) أي: الجميع ملْك له وعبيد له. (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) أي: هو المتصرف في الدنيا والآخرة، الحاكم في الدنيا والآخرة.

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾

يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم فقال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).

قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن مَيْسَرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قال: خَيْرَ الناس للناس، تأتون (١) بهم السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام (٢).

وهكذا قال ابن عباس، ومُجاهد، وعِكْرِمة، وعَطاء، والربيع بن أنس، وعطية العَوْفيّ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) يعني: خَيْرَ الناس للناس.

والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ (٣) بِاللَّهِ)

قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سِماك، عن عبد الله بن عُمَيرة عن زوج [ذُرّةَ] (٤) بنت أبي لَهَب، [عن درة بنت أبي لهب] (٥) قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، أيّ الناس خير؟ فقال: "خَيْرُ النَّاسِ أقْرَؤهُمْ وأتقاهم للهِ، وآمَرُهُمْ بِالمعروفِ، وأنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ" (٦).

ورواه أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث سماك، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس في قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة (٧).

(١) في جـ، ر، أ، و: "يأتون".

(٢) صحيح البخاري برقم (٤٥٥٧).

(٣) في ر: "يؤمنون".

(٤) زيادة من جـ، ر، أ، والمسند.

(٥) زيادة من جـ، ر، أ، والمسند.

(٦) المسند (٦/ ٤٣٢).

(٧) المسند (١/ ٣١٩) والنسائي في السنن الكبرى (١١٠٧٢) والمستدرك (٢/ ٢٩٤) وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم" ووافقه الذهبي.

ج2 · ص94

والصحيح أن هذه الآية عامةٌ في جميع الأمة، كل قَرْن بحسبه، وخير قرونهم الذين بُعثَ فيهم (١) رسول الله ﷺ، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: خيارا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا] (٢) الآية.

وفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجة، ومستدرك الحاكم، من رواية حكيم بن مُعَاوية بن حَيْدَة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أنْتُمْ خَيْرُهَا، وأنْتُمْ أكْرَمُ عَلَى اللهِ ﷿" (٣).

وهو حديث مشهور، وقد حَسَّنه الترمذي. ويروى من حديث معاذ بن جبل، وأبي سعيد [الخدري] (٤) نحوه.

وإنما حازت هذه الأمة قَصَبَ السَّبْق إلى الخيرات بنبيها محمد ﷺ (٥) فإنه أشرفُ خلق الله أكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يُعْطه نبيًّا قبله ولا رسولا من الرسل. فالعمل [على] (٦) منهاجه وسبيله، يقوم القليلُ منه ما لا يقوم العملُ الكثيرُ من أعمال غيرهم مقامه، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا عبد الرحمن، حدثنا ابن زُهَير، عن عبد الله -يعني ابن محمد بن عقيل-عن محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، أنه سمع علي بن أبي طالب، ﵁، يقول: قال رسول الله ﷺ: "أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنْ الأنْبِيَاءِ". فقلنا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: " نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الأرْضِ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأمَمِ". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن (٧).

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو العلاء الحسن بن سَوَّار، حدثنا لَيْث، عن معاوية عن بن أبي حُلَيْس يزيد بن مَيْسَرَةَ قال: سمعت أم الدرداء، ﵂، تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ، وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها، يقول (٨) إنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: "يَا عِيسَى، إنِّي بَاعِثٌ بَعْدَكَ أُمَّةً، إنْ أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ حَمِدُوا وشَكَرُوا، وإنْ أصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا، وَلا حِلْمَ وَلا عِلْمَ". قال: يَا رَبِّ، كَيْفَ هَذَا لهُمْ، وَلا حِلْمَ وَلا عِلْمَ؟. قال: "أُعْطِيهِمْ مِن حِلْمِي وعلمي" (٩) (١٠).

(١) في أ: "الذي بعث فيه".

(٢) زيادة من جـ، ر، أ، و.

(٣) المسند (٤/ ٤٤٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠٠١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٨٧) والمستدرك (٤/ ٨٤).

(٤) زيادة من جـ.

(٥) في و: "صلوات الله وسلامه عليه".

(٦) زيادة من جـ، ر.

(٧) المسند (١/ ٩٨) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٦٠): "فيه عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سيئ الحفظ. وقال الترمذي: صدوق وقد تكلم فيه بعض العلماء من قبل حفظه، وسمعت محمد البخاري يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل. قلت: فالحديث حسن".

(٨) في ر: "تقول".

(٩) المسند (٦/ ٤٥٠).

(١٠) المسند (٦/ ٤٥٠).