سورة آل عمران

ซูเราะฮ์ที่ 3 · ตอน 13/14 · เล่ม 2 หน้า 185–199

ج2 · ص185

وقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله، ﷿، حَسَن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة.

وقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها، وكان يبكي عند ذلك حتى يُرْفع صَريعا من بين أصحابه، قد ذهب عقله.

وقال عبد الله بن المبارك: مَرَّ رجل برَاهبٍ عند مَقْبَرة ومَزْبَلَة، فناداه فقال: يا راهب، إن عندك كَنزين من كنوز الدنيا لك فيهما مُعْتَبَر، كنز الرجال وكنز الأموال.

وعن ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه، يأتي الخَرِبة فيقف على بابها، فينادي بصوت حزين فيقول: أين أهْلُك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].

وعن ابن عباس أنه قال: ركعتان مقتصدتان في تَفكُّر، خير من قيام ليلة والقلب ساه (١).

وقال الحسن: يا ابن آدم، كُلْ في ثلث بطنك، واشرب في ثلثه، ودع ثلثه الآخر تتنفَّس للفكرة.

وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطَمَسَ مِنْ بَصَرِ قلبه بقدر تلك الغَفْلَة.

وقال بِشْر بن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه.

وقال الحسن، عن عامر بن عبد قيس قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ يقولون: إن ضياء الإيمان، أو نور الإيمان، التفكر.

وعن عيسى، ﵇، أنه قال: يا ابن آدم الضعيف، اتق الله حيثما كنت، وكُنْ في الدنيا ضَيْفًا، واتَّخِذِ المساجدَ بيتا، وعَلِّم عينيك البكاء، وجَسَدك الصَّبْر، وقلبك الفِكْر، ولا تهتم برزق غد.

وعن أمير المؤمنين عُمَرَ بن عبد العزيز، ﵁، أنه بكى يوما بين أصحابه، فسُئل عن ذلك، فقال: فَكَّرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها، فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تَنْقَضي حتى تكدرها مرارتُها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادّكر.

وقال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحُسَين بن عبد الرحمن:

نزهَة المؤمن الفكَرْ … لذّة المؤمن العِبرْ

نحمدُ اللهَ وَحْدَه … نحْنُ كل عَلَى خَطَرْ

رُبّ لاهٍ وعُمْرُه … قد تَقَضّى وما شَعَرْ

رُبّ عيش قَدْ كَانَ فو … ق المُنَى مُونقَ الزَهَرْ

في خَرير (٢) من العيُو … ن وَظل من الشَّجَرْ

وسُرُور من النَّبا … ت وَطيب منَ الثَمَرْ

غَيَّرَتْه وَأهْلَهُ (٣) … سرعةُ الدّهْر بالغَيرْ

(١) في ر: "ساهي".

(٢) في ر: "جرير".

(٣) في ر: "وغيرت أهله".

ج2 · ص186

نَحْمَد الله وحده … إنّ في ذا لمعتبر

إن في ذَا لَعبرةً … للبيب إن اعْتَبَرْ

وقد ذمّ الله تعالى مَنْ لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥، ١٠٦] ومدح عباده المؤمنين: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) قائلين (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا) أي: ما خلقت هذا الخلق عَبَثًا، بل بالحق لتجزي (١) الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي (٢) الذين أحسنوا بالحسنى. ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل فقالوا: (سُبْحَانَكَ) أي: عَنْ أن تخلق شيئا باطلا (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أي: يا من خَلَق الخلق بالحق والعدل يا من هو مُنزه عن النقائص والعيب والعبث، قنا من (٣) عذاب النار بحولك وقوتك وَقيضْنَا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم.

ثم قالوا: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) أي: يوم القيامة لا مُجِير لهم منك، ولا مُحِيد لهم عما أردت بهم.

(رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإيمَانِ) أي: داعيا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول ﷺ (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) أي يقول: (آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) أي: فاستجبنا له واتبعناه (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أي: بإيماننا واتباعنا نبيك فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) أي: فيما بيننا وبينك (وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ) أي: ألحقنا بالصالحين (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ) قيل: معناه: على الإيمان برسلك. وقيل: معناه: على ألسنة رسلك. وهذا أظهر.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن محمد، عن أبي عِقَال، عن أنس بن مالك، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "عَسْقَلان أحد العروسين، يبعث الله منها يوم القيامة سبعين (٤) ألفًا لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسين (٥) ألفا شهداء وُفُودًا إلى الله، وبها صُفُوف الشهداء، رؤوسهم مُقَّطعة في أيديهم، تَثِجّ أوداجهم دما، يقولون: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) فيقول: صَدَق عبدي، اغسلوهم بنهر البيضة. فيخرجون منه نقاء بيضًا، فيسرحون في الجنة حيث شاؤوا".

وهذا الحديث يُعد من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعا، والله أعلم (٦).

(١) في جـ، ر، أ، و: "ليجزي".

(٢) في ر، أ، و: "يجزي".

(٣) في أ: "فقنا".

(٤) في ر: "سبعون".

(٥) في جـ، ر، أ: "خمسون".

(٦) المسند (٣/ ٢٢٥) وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٥٤) وقال: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، وجميع طرقه تدور على أبي عقال واسمه: هلال بن زيد بن يسار. قال ابن حبان: يروي عن أنس أشياء موضوعة ما حدث أنس بها قط، لا يجوز الاحتجاج به بحال"، وذكره الذهبي في الميزان (٤/ ٣١٣) وقال: "باطل". وانظر كلام الحافظ ابن حجر في: القول المسدد برقم (٨) فقد ذكر أن الحديث في فضائل الأعمال والتحريض على الرباط في سبيل الله وأن التسامح في رواية مثله طريقة الإمام أحمد ﵀ ثم ساق له شواهد، فراجعها إن شئت.

ج2 · ص187

(وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: على رؤوس الخلائق (إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرتَ عنه رسُلَك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك.

وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن سُرَيْج (١) حدثنا المعتمر، حدثنا الفضل بن عيسى، حدثنا محمد بن المنكدر؛ أن جابر بن عبد الله حدثه: أن رسول الله ﷺ قال: "العار والتخزية تبلغ (٢) من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي الله، ﷿، ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار" حديث غريب (٣).

وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده، فقال البخاري، ﵀:

حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نَمْر، عن كُرَيب عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثُلث الليل الآخر قَعد فنظر إلى السماء فقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ) ثم قام فتوضأ واستن. فصلى إحدى عَشْرَة (٤) ركعة. ثم أذّن بلالٌ فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح.

وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني، عن ابن أبي مريم، به (٥) ثم رواه البخاري من طُرقٍ عن مالك، عن مَخْرَمَة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس (٦) أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ، وهي خالته، قال: فاضطجعت في عَرْض الوسادة، واضطجع (٧) رسول الله ﷺ وأهله في طُولها، فنام رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليل -أو قبله بقليل، أو بعده بقليل -استيقظَ رسولُ الله ﷺ من منامه، فجعل يمسحُ النومَ عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيمَ من سُورة آل عمران، ثُم قام إلى شَنّ معلقة فتوضأ منها فأحسن وُضُوءه (٨) ثم قام يصلّي -قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذَهَبتُ فقمت إلى جَنْبه -فوضع رسولُ الله ﷺ يَدَه اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يَفْتلُها (٩) فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خَرَجَ فصلّى الصبح.

وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طُرُق عن مالك، به (١٠) ورواه مسلم أيضًا وأبو داود من وجوه أخرَ، عن مخرمة بن سليمان، به (١١).

(١) في جـ، ر: "شريح".

(٢) في جـ، ر: "يبلغ".

(٣) مسند أبي يعلى (٣/ ٣١١) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٥٠): "وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو مجمع على ضعفه".

(٤) في ر: "عشر" والصحيح ما أثبتناه.

(٥) صحيح البخاري برقم (٤٥٦٩) وصحيح مسلم برقم (٧٦٣).

(٦) في جـ، رأ، و: "ابن عباس أخبره".

(٧) في جـ: "فاضطجع".

(٨) في أ: "الوضوء".

(٩) في جـ، ر، أ، و: "ففتلها".

(١٠) صحيح البخاري برقم (٤٥٧٠، ٤٥٧١) وصحيح مسلم برقم (٧٦٣) وسنن أبي داود برقم (١٣٦٧) وسنن النسائي (٣/ ٢١٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٦٣) وأما الترمذي فرواه في الشمائل برقم (٢٥٢).

(١١) صحيح مسلم برقم (٧٦٣) وسنن أبي داود برقم (١٣٦٤).

ج2 · ص188

" طريق أخرى " لهذا الحديث عن ابن عباس [﵄] (١).

قال أبو بكر بن مَرْدُويه: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي، أخبرنا أبو يحيى بن أبي مسرَّة (٢) أنبأنا خَلاد بن يحيى، أنبأنا يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عَمْرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس (٣) قال: أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله ﷺ وأحفظ صلاته. قال: فصلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة العشاء الآخرة، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره قام (٤) فمرّ بي، فقال: "من هذا؟ عبد الله؟ " فقلت (٥) نعم. قال: "فَمَه؟ " قلت: أمرني العباسُ أن أبيت بكم الليلة. قال: "فالحق الحق" فلما (٦) أن دخل قال: "افرشَنْ عبد الله؟ " فأتى بوسادة من مسوح، قال فنام رسول الله ﷺ عليها حتى سَمعتُ غَطِيطه، ثم استوى على فراشه قاعدا، قال: فَرَفَع رأسَه إلى السماء فقال: "سُبحان الملك القدوس" ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها.

وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث علي بن عبد الله بن عباس (٧) حديثا (٨) في ذلك أيضا (٩).

طريق أخرى رواها ابن مَرْدُويَه، من حديث عاصم بن بَهْدَلَة، عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ خرج ذات ليلة بعد ما مَضى ليل، فنظر إلى السماء، وتلا هذه الآية: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ) إلى آخر السورة. ثم قال: "اللهم اجعل في قلبي نُورا، وفي سَمْعي نورا، وفي بَصَري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، ومن بين يَدَيّ نورا، ومن خَلْفي نورا، ومن فَوْقي نورا، ومن تحتي نورا، وأعْظِم لي نورا يوم القيامة " وهذا الدعاء (١٠) ثابت في بعض طرق الصحيح، من رواية كُريب، عن ابن عباس، ﵁. (١١).

ثم روى ابن مَرْدُويَه وابن أبي حاتم من حديث جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: بما جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده البيضاء (١٢) للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يُبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع لنا ربك (١٣) يجعل لنا الصَّفَا ذَهَبًا. فدعا ربه، ﷿، فنزلت: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ) قال: "فليتفكروا فيها" (١٤) لفظ ابن مَرْدُويَه.

(١) زيادة من و.

(٢) في أ: "ميسرة".

(٣) في أ: "عن أبيه" وفي و: "عن ابن عباس".

(٤) في و: "قال".

(٥) في جـ، ر: "قلت".

(٦) في ر، أ، و: "قال: فلما".

(٧) في جـ، ر، أ، و: عباس عن أبيه".

(٨) في ر: "حدثنا".

(٩) صحيح مسلم برقم (٧٦٣) وسنن أبي داود برقم (١٣٥٣) وسنن النسائي (٣/ ٢٣٦).

(١٠) في إسناده عاصم وقد تكلم فيه وشيخه مجهول. ورواه البخاري في صحيحه برقم (٤٥٦٩) ومسلم في صحيحه برقم (٧٦٣) من طريق كريب عن ابن عباس بنحوه.

(١١) في و: "عنهما".

(١٢) في جـ، ر، أ، و: "بيضاء".

(١٣) في أ، ر: "ربك أن".

(١٤) ورواه ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن المنذر كما في الدر (٢/ ٤٠٧). قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٣٥): "رجاله ثقات إلا الحماني فإنه متكلم فيه، وقد خالفه الحسن بن موسى، فرواه عن يعقوب عن جعفر عن سعيد مرسلا وهو أشبه، وعلى تقدير كونه محفوظا وصله، ففيه إشكال من جهة أن هذه السورة مدنية وقريش من أهل مكة، ويحتمل أن يكون سؤالهم لذلك بعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة ولا سيما زمن الهدنة".

ج2 · ص189

وقد تقدم سياق الطبراني لهذا الحديث في أول الآية، وهذا يقتضي أن تكون (١) هذه الآيات مكية، والمشهور أنها مدنية، ودليله الحديث الآخر، قال ابن مَرْدويه:

حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن على الحراني، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا حَشْرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم، عن الكلبي -هو أبو جَنَاب (٢) [الكلبي] (٣) -عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعُبَيد بن عُمَير إلى عائشة، ﵂، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد، ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول الشاعر:

زُر غبّا تزدد حُبّا

فقال ابن عمر: ذرينا (٤) أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ﷺ. فَبَكَتْ وقالت: كُلُّ أمره كان عجبا، أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي، ثم قال: ذريني أتعبد لربي [﷿] (٥) قالت: فقلت: والله إني لأحب قربك، وإني أحب (٦) أن تَعبد لربك. فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي، فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بَل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى، حتى إذا أتى بلال يُؤذنه بصلاة الصبح قالت: فقال: يا رسول الله، ما يُبكيك؟ وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر، فقال: "ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل (٧) عليّ في هذه الليلة: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ) " ثم قال: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها".

وقد رواه عَبْد بن حُمَيد، عن (٨) جعفر بن عَوْن، عن أبي (٩) جَنَاب (١٠) الكلبي عن (١١) عطاء، بأطول من هذا وأتم سياقا (١٢).

وهكذا رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، عن عمران بن موسى، عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سُوَيد النَّخعي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: دخلت أنا [وعبد الله بن عمر] (١٣) وعُبَيد بن عُمَير على عائشة (١٤) فذكر (١٥) نحوه.

وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب "التفكر والاعتبار" عن شجاع بن أشرص، به. ثم قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز: سمعت سُنَيْدًا يذكر عن سفيان -هو الثوري-رفعه قال: من قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيه ويْلَه. يعد بأصابعه عشرا. قال الحسن بن عبد العزيز: فأخبرني

(١) في ر: "يكون".

(٢) في أ: "حبان".

(٣) زيادة من ر.

(٤) في جـ، ر: "ذرنا"

(٥) زيادة من جـ، ر، أ، و.

(٦) في جـ، ر، أ: "لأحب".

(٧) في أ:: أنزل الله".

(٨) في و: "طريق أخرى: قال عبد بن حميد في تفسيره: أنبأنا".

(٩) في و: "حدثنا أبو".

(١٠) في جـ، ر: "حباب".

(١١) في و: "حدثنا".

(١٢) ومن طريق ابن مردويه رواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب برقم (٦٦٦) فقال: أخبرنا أحمد الذكواني، أنبأنا أحمد بن موسى ابن مردويه، فذكره. وفي إسناده أبو جناب الكلبي تفرد به وهو ضعيف.

(١٣) زيادة من و.

(١٤) في و: "على أم المؤمنين".

(١٥) في جـ: "فذكره".

ج2 · ص190

عُبَيد بن السائب قال: قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرأهن وهو يعقلهن.

قال ابن أبي الدنيا: وحدثني قاسم بن هاشم، حدثنا علي بن عَيَّاش، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان قال: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يَتَعلق به المتعلق من الفكر فيهن وما ينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هُنَيّة (١) ثم قال: يقرؤهن وهو يَعْقلُهُن.

[حديث آخر فيه غرابة: قال أبو بكر بن مردويه: أنبأنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم البستي ح وقال: أنبأنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو قالا أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي، أنبأنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة. مظاهر بن أسلم ضعيف] (٢).

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾

يقول تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ) أي: فأجابهم ربهم، كما قال الشاعر:

وداعٍ دعا: يَا مَن يجيب إلى النّدى … فَلم يَسْتجبْه عنْد ذاك مجيب (٣)

قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سلمة، رجل من آل أم سلمة، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا نَسْمَع اللهَ ذَكَر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله [﷿] (٤) (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) إلى آخر الآية. وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قَدمت علينا.

وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عُيَيْنة، ثم قال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه (٥).

وقد روى ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن أم سَلَمة قالت: آخر آية أنزلت هذه الآية: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) إلى آخرها. رواه ابن مَرْدُويَه.

ومعنى الآية: أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا -مما تقدم ذكره-فاستجاب لهم ربهم -عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].

(١) في جـ: "هنيهة".

(٢) زيادة من أ، و.

(٣) البيت في تفسير الطبري (٧/ ٤٨٨) وهو لكعب بن سعد الغنوي.

(٤) زيادة من أ.

(٥) سنن سعيد بن منصور برقم (٥٥٢) والمستدرك (٢/ ٣٠٠) ورواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٤٤) ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٤٨٨) ولم يذكر قوله: "وقالت الأنصار إلى آخره" من طريق سفيان بنحوه.

ج2 · ص191

وقوله: (أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) هذا تفسير للإجابة، أي قال لهم مُجِيبًا (١) لهم: أنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يُوَفّي كل عامل بقسط عمله، من ذكر أو أنثى.

وقوله: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي: جميعكم في ثوابي سَواء (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا) أي: تركوا دار الشِّرك وأتَوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران، (وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم؛ ولهذا قال: (وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي) أي: إنما كان ذنْبُهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨].

وقوله: (وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا) وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فيُعْقَر جَواده، ويعفَّر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيح أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرا مُحْتَسبا مُقْبلا غير مُدبِر، أيُكَفِّر الله عني خطاياي؟ قال: "نعم" ثم قال: "كيف قلت؟ ": فأعاد عليه (٢) ما قال، فقال: "نعم، إلا الدَّين، قاله لي جبريل آنفًا".

ولهذا قال تعالى: (لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب، من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك، مما لا عَيْنَ رَأتْ، ولا أذن سَمِعت، ولا خَطَر على قلب بَشَر.

وقوله: (ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أضافه إليه ونسبه إليه لِيدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جَزيلا كثيرًا، كما قال الشاعر:

إن يُعَذب يَكُن غَرامًا وإن يُعْ … طِ جَزيلا فإنَّه لا يُبَالي

وقوله: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) أي: عنده حُسْن الجزاء لمن عمل صالحا.

قال ابن أبي حاتم: ذكر عن دُحَيم بن إبراهيم: حدثنا الوليد بن مسلم، أخبرني حَرِيز (٣) بن عثمان: أن شداد بن أوس كان يقول: يا أيها الناس، لا تَتهِموا الله في قضائه، فإنه (٤) لا يبغي على مؤمن، فإذا نزل بأحدكم شيء مما يُحِب فليحْمَد الله، وإذا أنزل (٥) به شيء مما يكره فَليَصْبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب.

(١) في جـ، ر، أ، و: "مخبرا".

(٢) في أ، و: "قال: فأعاد عليه".

(٣) في جـ، ر: "جرير".

(٤) في أ: "فإن الله"، وفي و: "فالله".

(٥) في جـ، ر، أ: "نزل".

ج2 · ص192

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ (١٩٨)﴾

يقول تعالى: لا تنظروا (١) إلى ما هؤلاء الكفار مُتْرفون فيه، من النِّعْمَة والغِبْطَة والسرور، فعَمّا قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مُرتَهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نَمُدّ لهم فيما هم فيه استدراجا، وجميع ما هم فيه (مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)

وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر: ٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩، ٧٠]، وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]، أي: قليلا وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١].

وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر مآلهم إلى النار قال بعده: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نزلا) أي: ضيافة من عند الله (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ).

وقال (٢) ابن مَرْدُويه: حدثنا أحمد بن نصر (٣) أخبرنا أبو طاهر سهل بن عبد الله، أنبأنا (٤) هشام بن عَمَّار، أنبأنا سعيد بن يحيى، أنبأنا عُبَيد الله بن الوليد الوصافي (٥) عن مُحَارب بن دِثَار، عن عَبْد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال: "إنما سُمّوا الأبرار لأنهم بَرّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقا، كذلك لولدك عليك حق".

كذا رواه ابن مَرْدُويه عن عَبْد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا (٦) وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن جَنَاب، حدثنا عيسى بن يونس، عن عُبَيد الله بن الوليد الوصافي (٧) عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بَرّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك (٨) عليك حقا، كذلك لولدك عليك حق، وهذا أشبه والله أعلم (٩).

ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدَّسْتَوائي، عن رجل، عن الحسن قال: الأبرار الذين لا يؤذون الذَّرّ.

وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيْثَمَة، عن الأسود قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: ما من نَفْس بَرّة ولا فاجرة إلا الموت خيرٌ لها، لئن كان برا لقد قال الله: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ).

(١) في ر: "تنظر".

(٢) في جـ، أ، و: "قال".

(٣) في جـ، أ: "نصير".

(٤) في جـ: "ابن".

(٥) في جـ: "عبد الله بن الوليد الرصافي".

(٦) وهو غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن ابن عمر، وقد تفرد به أبو طاهر سهل بن عبد الله.

(٧) في جـ: "عبد الله بن الوليد الرصافي".

(٨) في أ، و: "لوالدك".

(٩) ورواه ابن عدي في الكامل (٤/ ٣٢٣) من طريق محمد بن خريم عن هشام بن عمار عن سعيد بن يحيى عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر بن الخطاب مرفوعا. ورواه البخاري في الأدب المفرد برقم (٩٤) من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر بن الخطاب موقوفا. قال السيوطي في الدر (٢/ ٤١٦): "ووقفه أصح". وفي إسناده عبيد الله بن الوليد الوصافي متفق على ضعفه. وقال ابن عدي: "ضعيف جدا يتبين ضعفه على حديثه".

ج2 · ص193

وكذا رواه عبد الرزاق، عن الأعمش، عن الثوري، به، وقرأ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ (١) الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨].

وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا ابن أبي جعفر، عن فرج بن فضالة، عن لقمان، عن أبي الدرداء أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ) ويقول: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾

﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾

يخبرُ تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، وبما أنزل على محمد، مع ما هم يؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله، أي: مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه، (لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا) أي: لا يكتمون بأيديهم من البشارات بمحمد ﷺ، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو نصارى. وقد قال تعالى في سورة القصص: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى (٢) عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية [القصص: ٥٢ - ٥٤]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية [البقرة: ١٢١]، وقال: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]، وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلا كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود ولم يبلغوا عَشْرَةَ أنفُس، وأما النصارى فكثير منهم مهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. (٣)] فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية [المائدة: ٨٢ - ٨٥]، وهكذا قال هاهنا: (أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ] (^٤» الآية.

(١) في أ: "ولا تحسبن".

(٢) في جـ أ: "تتلى".

(٣) زيادة من جـ، ر، و. وفي هـ: "إلى قوله تعالى".

(٤) زيادة من جـ، ر، أ.

ج2 · ص194

وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب، ﵁، لَمّا قرأ سورة ﴿كهيعص﴾ بحضرة النجاشي ملك الحبشة، وعنده البطاركة والقساوسة (١) بَكَى وبَكَوْا معه، حتى أخْضَبُوا (٢) لِحَاهُم.

وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نَعَاه النبي (٣) ﷺ إلى أصحابه، وقال: "إن أخًا (٤) لكم بالحبشة قد مات فصَلُّوا عليه". فخرج [بهم] (٥) إلى الصحراء، فَصفَّهم، وصلّى عليه (٦).

وروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: لما تُوُفي النجاشي قال رسولُ الله ﷺ: استغفروا لأخيكم. فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لِعِلْج مات بأرض الحبشة. فنزلت: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ) الآية.

ورواه عبد بن حميد وابن (٧) أبي حاتم من طريق أخرى عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن (٨) عن النبي ﷺ (٩). ثم رواه ابن مَرْدويه [أيضا] (١٠) من طرق عن حُمَيْد، عن أنس بن مالك نحو ما تقدم (١١).

ورواه أيضًا ابن (١٢) جرير من حديث أبي بكر الهُذَلي، عن قَتَادة، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن جابر قال: قال [لنا] (١٣) رسول الله ﷺ حين مات النجاشي: "إن أخاكم أصْحَمة قد مات". فخرج رسولُ الله ﷺ فصلَّى كما يُصَلِّي على الجنائز فكبر عليه أربعا، فقال المنافقون: يصلي على علج مات بأرض الحبشة: فأنزل الله [﷿] (١٤) (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ] (^١٥» (١٦).

وقد روى الحافظُ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه أنبأنا أبو العباس السياري بمرو، حدثنا عبد الله بن علي الغزال، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، أنبأنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: نزل بالنجاشي عَدُوّ من أرضهم، فجاءه المهاجرون فقالوا: نحب (١٧) أن نَخْرُجَ إليهم حتى نقاتل معك، وترى جرأتنا، ونجزيك بما صنعت بنا. فقال: لا دواء

(١) في جـ، ر: "القساقسة".

(٢) في جـ، ر: "أخضلوا".

(٣) في جـ، ر، أ، و: "رسول الله".

(٤) في جـ: "أخاكم".

(٥) زيادة من جـ، أ، و.

(٦) صحيح البخاري برقم (١٣٢٠) وصحيح مسلم برقم (٩٥٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.

(٧) في ر: "عن".

(٨) في جـ، ر: "أنس".

(٩) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٢٦٨٨) من طريق مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به. ثم قال: "لم يروه عن حماد إلا مؤمل".

(١٠) زيادة من أ، و.

(١١) ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٩٢٨) "مجمع البحرين" من طريق أبي بكر بن عياش عن حميد عن أنس به. قال الهيثمي في المجمع (٣/ ٣٨): "رجاله ثقات". ورواه الواحدي في الوسيط (١/ ٥٣٦) من طريق معتمر بن سليمان عن حميد عن أنس به.

(١٢) في ر: "وابن".

(١٣) زيادة من جـ، ر.

(١٤) زيادة من جـ، أ.

(١٥) زيادة من جـ، ر، أ، و.

(١٦) تفسير الطبري (٧/ ٤٩٦).

(١٧) في جـ، ر: "إنا نحب".

ج2 · ص195

بنصرة الله ﷿ خَيْر من دواء بنصرة الناس. قال: وفيه نزلت: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ) الآية، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (١).

وقال أبو داود: حدثنا محمد بن عَمْرو الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، ﵂، قالت: لما مات النجاشي كنا نُحَدِّث أنه لا يزال يرى على (٢) قبره نور (٣).

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) يعني: مسلمة أهل الكتاب.

وقال عَباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ]) (٤) الآية. قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد ﷺ، فاتبعوه وعرفوا الإسلام، فأعطاهم الله تعالى أجر اثنين (٥) للذي (٦) كانوا عليه من الإيمان (٧) قبل محمد ﷺ وبالذي اتبعوا محمدًا ﷺ. رواهما ابن أبي حاتم.

وقد ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة يُؤتَوْنَ أجرَهم مرتين" فذكر منهم: "ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي" (٨).

وقوله: (لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا) أي: لا يكتمون ما بأيديهم من العلم، كما فعله الطائفة المرذولة منهم (٩) بل يبذلون ذلك مجانا؛ ولهذا قال: (أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)

قال مجاهد: (سَرِيعُ الْحِسَابِ) يعني: سريع الإحصاء. رواه ابن أبي حاتم وغيره.

وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا) قال الحسن البصري، ﵀: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإسلام، فلا يدعوه لسرّاء ولا لضرّاءَ ولا لشِدَّة ولا لرِخَاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون (١٠) دينهم. وكذلك قال غير واحد من علماء السلف.

وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات. وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قاله [مجاهد و] (١١) ابن عباس وسهل بن حُنَيف، ومحمد بن كعب القُرَظي، وغيرهم.

وروى ابن أبي حاتم هاهنا الحديث الذي رواه مسلم والنسائي، من حديث مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحُرَقَة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ألا

(١) المستدرك (٢/ ٣٠٠) وأقره الذهبي.

(٢) في جـ، أ: "في".

(٣) سنن أبي داود برقم (٢٥٢٣).

(٤) زيادة من جـ، ر، أ، و.

(٥) في جـ، ر: "إحدى اثنتين".

(٦) في أ: "للذين".

(٧) في جـ، ر، أ، و: "الإسلام".

(٨) صحيح البخاري برقم (٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٤).

(٩) في أ: "بينهم".

(١٠) في ر، أ، و، "يملون".

(١١) زيادة من و.

ج2 · ص196

أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّبَاط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" (١).

وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسحاق حدثنا أبو جُحَيْفة (٢) علي ابن يزيد الكوفي، أنبأنا ابن أبي كريمة، عن محمد بن يزيد (٣) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل عليَّ أبو هريرة يوما فقال: أتدري يا ابن أخي فيم نزلت (٤) هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا)؟ قلت: لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد، يصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أنزلت: (اصْبِرُوا) أي: على الصلوات الخمس (وَصَابِرُوا) [على] (٥) أنفسكم وهواكم (وَرَابِطُوا) في مساجدكم (وَاتَّقُوا اللَّهَ) فيما عليكم (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٦).

وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن منصور بن المبارك عن مصعب بن ثابت، عن داود بن صالح، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -بنحوه (٧).

وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثني ابن فضيل (٨) عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن شرحبيل، عن علي، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أدلكم على ما يُكَفِّر الذنوب والخطايا؟ إسْباغُ الوُضُوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط" (٩).

وقال ابن جرير أيضا: حدثنا موسى بن سَهْل الرملي، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا محمد بن مُهاجر، حدثني يحيى بن يزيد، عن زيد بن أبي أُنَيْسَة، عن شُرَحْبيل، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أدُلُّكم على ما يَمْحُو الله به الخطايا ويُكفّر به الذنوب؟ " قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "إسباغ الوُضوء في أماكنها، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط" (١٠).

وقال ابن مَرْدُويه: حدثني محمد بن علي، أنبأنا محمد بن عبد الله بن (١١) السلام البيروتي، أنبأنا محمد بن غالب الأنطاكي، أنبأنا عثمان بن عبد الرحمن، أنبأنا الوازع بن نافع، عن أبي سلمة

(١) رواه مالك في الموطأ في قصر الصلاة برقم (٥٥) ومن طريقه مسلم في صحيحه برقم (٢٥١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٣٩).

(٢) في جـ: "حجية"، وفي أ: "جحيفة".

(٣) في أ: "سويد".

(٤) في جـ، ر، أ، و: "أنزلت".

(٥) زيادة من أ.

(٦) ذكره السيوطي في الدر (٢/ ٤١٧) وعزاه لابن مردويه.

(٧) المستدرك (٢/ ٣٠١) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وأقره الذهبي. ورواه الطبري في تفسيره (٧/ ٥٠٤) من طريق ابن المبارك عن مصعب بن ثابت عن داود من كلام أبي سلمة كما سيأتي.

(٨) في ر: "فضل".

(٩) تفسير الطبري (٧/ ٥٠٥) وفي إسناده المقبري: عبد الله بن سعيد، ضعيف ورمى بالكذب.

(١٠) تفسير الطبري (٧/ ٥٠٥، ٥٠٦) ورواه البزار (١/ ٢٢٣) "كشف الأستار" وقال: "لا نعلم يروى هذا عن جابر بغير هذا الإسناد" ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٦١) "موارد" كلاهما من طريق محمد بن سلمة عن خالد بن يزيد عن محمد بن سلمة به.

(١١) في جـ، ر، أ، و: "عبد الله بن عبد السلام".

ج2 · ص197

بن عبد الرحمن، عن أبي أيوب، ﵁، قال: وقف علينا رسول الله ﷺ فقال: "هل لكم (١) إلى ما يمحو الله به الذنوب ويعظم به الأجر؟ " قلنا: نعم، يا رسول الله، وما هو؟ قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة".

قال: "وهو قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فذلك هو الرباط في المساجد" وهذا حديث غريب من هذا الوجه جدًا (٢).

وقال عبد الله بن المبارك، عن مُصْعَب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبَيْر، حدثني داود بن صالح قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا)؟ قال: قلت: لا. قال: إنه -يا ابن أخي-لم يكن في زمان النبي ﷺ غَزْو يُرَابَطُ فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة. رواه ابن جرير، وقد تقدم سياقُ ابن مَرْدُويه، وأنه من كلام أبي هريرة، فالله أعلم.

وقيل: المراد بالمرابطة هاهنا مرابطة الغزو في نُحور العدو، وحفظ ثُغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حَوْزَة بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك، وذِكْر كثرة الثواب فيه، فرَوَى البخاري في صحيحه عن سَهْل بن سَعْد الساعدي، ﵁ (٣) أن رسول الله ﷺ قال: "رباطُ يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها" (٤).

حديث آخر: روى مسلم، عن سَلمان الفارسي، عن رسوله الله ﷺ أنه قال: "رباطُ يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وَإنْ مات جَرَى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجْرِيَ عليه رزْقُه، وأمِنَ الفَتَّان " (٥).

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا ابن المبارك، عن حَيْوة بن شُرَيح، أخبرني أبو هانئ الخولاني، أن عمرو بن مالك الجَنْبي (٦) أخبره: أنه سمع فُضالة بن عُبيد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ميّت يُخْتَمُ على عمله، إلا الذي مات مُرَابطًا في سبيل الله، فإنه يَنْمى (٧) له عملُه إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر".

وهكذا رواه أبو داود، والترمذي من حديث أبي هانئ الخولاني. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضًا (٨).

حديث آخر: وروى الإمام أحمد أيضًا عن يحيى بن إسحاق وحسن بن موسى وأبي (٩) سعيد

(١) في جـ، أ: "هل أدلكم".

(٢) وفي إسناده الوازع بن نافع، قال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: منكر الحديث وتركه النسائي. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه الوازع غير محفوظ. ميزان الاعتدال (٤/ ٣٢٧).

(٣) في أ، و: "عنهما".

(٤) صحيح البخاري برقم (٢٨٩٢).

(٥) صحيح مسلم برقم (١٩١٣).

(٦) في أ: "الختني".

(٧) في جـ، ر: "ينمو".

(٨) المسند (٦/ ٢٠) وسنن أبي داود برقم (٢٥٠٠) وسنن الترمذي برقم (١٦٢١) وصحيح ابن حبان (٧/ ٦٩) "الإحسان".

(٩) في جـ، أ: "أبو".

ج2 · ص198

[وعبد الله بن يزيد] (١) قالوا: حدثنا (٢) ابن لَهِيعة حدثنا مَشْرَح بن هاعان، سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ميّت يُخْتَم له على عمله، إلا المرابط في سبيل الله، فإنه يجري عليه (٣) عمله حتى يُبْعَثَ ويأمن من الفَتَّان" (٤).

وروى الحارث بن محمد بن أبي أسامة في مسنده، عن المقبري وهو عبد الله بن يزيد، به إلى قوله: "حتى يبعث" دون ذكر "الفتان" (٥). وابن لَهِيعة إذا صرح بالتحديث فهو حَسَن، ولا سيما مع ما تقدم من الشواهد.

حديث آخر: قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد الله بن وَهْب، أخبرني اللَّيْث، عن زُهرة بن مَعْبَد (٦) عن أبيه، عن أبي هُرَيرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من مات مُرَابطًا في سبيل الله، أجرى (٧) عليه عمله الصالح الذي كان يعمل وأجْري عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفَزَع" (٨).

طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا موسى، أنبأنا ابن لَهِيعة، عن موسى بن وَرْدان، عن أبي هريرة، ﵁، قال رسول الله ﷺ: "من مات مُرَابطا وقي فِتنة القبر، وأمن (٩) من الفَزَع الأكبر، وغَدَا عليه وريح برزقه من الجنة، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة" (١٠).

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عيَّاش، عن محمد بن عمرو بن حَلْحَلَة الدؤلي، عن إسحاق بن عبد الله، عن أم الدَّرْداء ترفع الحديث قالت: (١١) "من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام، أجزأت عنه رباط سنة" (١٢).

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا كَهْمَس، حدثنا مُصْعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: قال عثمان، ﵁ -وهو يخطب على منبره-: إني مُحدِّثكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الضّن بكم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حَرْسُ ليلة في سبيل الله أفضل (١٣) من ألف ليلة يقام ليلها ويُصَام نهارها" (١٤).

وهكذا رواه أحمد أيضا عن رَوْح عن كهمس عن مصعب بن ثابت، عن عثمان (١٥). وقد رواه ابن ماجه عن هشام بن عمَّار، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن مُصْعب بن ثابت،

(١) زيادة من جـ، ر، أ، و.

(٢) في جـ، ر، أ، و: "كلهم عن عبد الله بن لهيعة".

(٣) في أ: "له".

(٤) المسند (٣/ ١٥٧) وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٨٩): "فيه ابن لهيعة وحديثه حسن".

(٥) مسند الحارث برقم (٦٢٧) "بغية الباحث" ورواية عبد الله بن يزيد عن ابن لهيعة صحيحة، فهو ممن روى عنه قبل الاختلاط.

(٦) في ر: "وابن سعيد".

(٧) في أ، و: "أجر".

(٨) سنن ابن ماجة برقم (٢٧٦٧) وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٩١): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".

(٩) في ر: "وأومن".

(١٠) المسند (٢/ ٤٠٤).

(١١) في ر، أ، و: "قال".

(١٢) المسند (٦/ ٣٦٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٨٩): "رواه أحمد والطبراني من رواية إسماعيل بن عياش عن طريق المدنيين وبقية رجاله ثقات".

(١٣) في أ: "خير".

(١٤) المسند (١/ ٦٤).

(١٥) المسند (١/ ٦١).

ج2 · ص199

عن عبد الله بن الزبير قال: خطب عثمان بن عفان الناس فقال: يأيها الناس، إني سمعت حديثا من رسول الله ﷺ لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الضّنّ بكم وبصحابتكم، فَليخْتَرْ مُخْتَار لنفسه أو ليَدَعْ. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رَابطَ لَيْلة في سَبِيل الله كانت كألْفِ ليلة صِيامها وقِيامها" (١).

طريق أخرى عن عثمان [﵁] (٢) قال الترمذي: حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا أبو (٣) عَقِيل زهْرَة بن مَعْبد، عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان قال: سمعت عثمان -وهو على المنبر-يقول: إني كَتَمْتُكُمْ حديثا سمعته من رسول الله ﷺ كَرَاهية تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكُمُوه، ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رباطُ يوم في سَبِيل الله خَير من ألف يوم فيما سِوَاه من المنازل".

ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، قال محمد -يعني البخاري-: أبو صالح مولى عثمان اسمه بُرْكان (٤) وذكر غير الترمذي أن اسمه الحارث، فالله أعلم (٥) وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث الليث بن سعد وعبد الله بن لَهِيعة وعنده زيادة في آخره فقال -يعني عثمان-: فليرابط امرؤ كيف شاء، هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد (٦).

حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، حدثنا محمد بن المُنْكَدر قال: مر سَلْمان الفارسي بشُرَحْبِيل بن السِّمْط، وهو في مُرَابَط له، وقد شَق عليه وعلى أصحابه فقال: أفلا (٧) أحدثك -يا ابن السمط-بحديث سمعتُه من رسول الله ﷺ؟ قال: بلى. قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "رِبَاط يوم في سبيل الله أفضل -أو قال: خير-من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وُقي فِتْنَة القبر، ونَمَا له عمله إلى يوم القيامة".

تفرد به الترمذي من هذا الوجه، وقال: هذا حديث حسن (٨). وفي بعض النسخ زيادة: وليس إسناده بمتصل، وابن المنكدر لم يدرك سلمان.

قلت: الظاهر أن محمد بن المنكدر سمعه من شرحبيل بن السِّمط وقد رواه مسلم والنسائي من حديث مكحول وأبي عُبيدة بنُ عقبة، كلاهما عن شرحبيل بن السمط -وله صحبة-عن سلمان الفارسي عن النبي ﷺ أنه قال: "رِباطُ يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرِي عليه رزقُه، وأمن الفَتَّان" وقد تقدم (٩) سياق مسلم بمفرده (١٠).

حديث آخر: قال ابن ماجة: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سَمُرة، حدثنا (١١) محمد بن يَعْلى

(١) سنن ابن ماجة برقم (٢٧٦٦) وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٩٠): "إسناده ضعيف".

(٢) زيادة من و.

(٣) في جـ: "أبي".

(٤) في جـ، أ: "تركان".

(٥) سنن الترمذي برقم (١٦٦٧) ورواه النسائي في السنن (٦/ ٣٩).

(٦) المسند (١/ ٦٢).

(٧) في جـ: "ألا".

(٨) سنن الترمذي برقم (١٦٦٥).

(٩) في جـ: "قدم".

(١٠) صحيح مسلم برقم (١٩١٣) وسنن النسائي (٣٩١٦).

(١١) في جـ: "قال: حدثنا".