سورة آل عمران
ซูเราะฮ์ที่ 3 · ตอน 3/14 · เล่ม 2 หน้า 35–49
الزبيدي] (١) عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه. ورَوَى من حديث قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مَا مِنْ مَوْلُود إلا وَقَدْ عَصَرَهُ الشَّيطانُ عَصْرَةً أو عَصْرَتَيْن إلا عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَمَرْيمَ". ثم قرأ رسول الله ﷺ: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (٢).
ومن حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه مسلم، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عَمْرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة. ورواه وهب أيضًا، عن ابن أبي ذئب، عن عَجْلان مولى المِشْمَعَلِّ، عن أبي هريرة. ورواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بأصل الحديث. وهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، الأعرج (٣) قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: "كُلُّ بني آدَمَ يَطْعنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِه حِينَ تَلِدهُ أمُّهُ، إلا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَاب" (٤).
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾
يخبر ربنا (٥) أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه " أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا " أي: جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا، ويَسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين. ولهذا (٦) قال: (وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا) وفي قراءة: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) بتشديد الفاء ونصب زكريا على المفعولية، أي جعله كافلا لها.
قال ابن إسحاق: وما ذاك إلا أنها كانت يتيمة. وذكر غيره أن بني إسرائيل أصابتهم سَنَةُ جَدْب، فكفل زكريا مريم لذلك. ولا منافاة بين القولين. والله أعلم.
وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علما جما نافعًا وعملا صالحًا؛ ولأنه كان زَوْجَ خالتها، على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير [وغيرهما] (٧) وقيل: زوج أختها، كما ورد في الصحيح: "فإذا بِيحيى (٨) وعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ"، وقد يُطْلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضا تَوسُّعا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قضى في عمارة بنت حمَْزَةَ أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب وقال: "الخَالَةُ بِمَنزلَةِ الأمِّ" (٩).
(١) زيادة من أ، و.
(٢) تفسير الطبري (٦/ ٣٣٩).
(٣) في أ: "عن الأعرج".
(٤) تفسير الطبري (٦/ ٣٤٢) ورواه أحمد في مسنده (٢/ ٥٢٣) من طريق أبي الزناد عن الأعرج به.
(٥) في جـ، ر، أ، و: "تعالى".
(٦) في جـ، ر، أ، و: "فلهذا".
(٧) زيادة من و.
(٨) في جـ، ر: "يحيى".
(٩) صحيح البخاري برقم (٢٦٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٨٣).
ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخَعيّ، والضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وعطية العَوْفي، والسُّدِّي [والشعبي] (١) يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد (وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) أي: علما، أو قال: صحفًا فيها علم. رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة. فإذا رأى زكريا هذا عندها (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا) أي: يقول من أين لك هذا؟ (قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سَهْل بن زنْجَلة، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا عبد الله ابن لَهِيعَة، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر؛ أن رسول الله ﷺ أقام أيامًا لم يَطْعَمْ طعاما، حتى شَقّ ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئًا، فأتى فاطمة فقال: "يا بُنَيَّة، هَلْ عِنْدَكِ شَيْء آكُلُهُ، فَإِنَّي جَائِع؟ " فقالت: لا والله بأبي أنتَ وأمّي. فلما خَرَج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جَفْنَةٍ لها، وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله [ﷺ] (٢) على نفسي ومن عندي. وكانوا جميعًا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حَسَنا أو حُسَينا إلى رسول الله [ﷺ] (٣) فرجع إليها فقالت له: بأبي وأمي (٤) قد أتى الله بشيء فخَبَّأتُه لك. قال: "هَلُمِّي يا بُنيَّة" قالت: فأتيته بالجفنة. فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزًا ولحمًا، فلما نظرَتْ إليها بُهِتتْ وعرفَتْ أنها بركة من الله، فحمدَت الله وصلَّت على نَبِيِّهِ، وقدّمَتْه إلى رسولِ الله ﷺ. فلما رآه حمد الله وقال: "مِنْ أيْنَ لَكِ هَذَا يَا بُنَية؟ " فقالت (٥) يا أبت، (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) فحمد الله وقال: "الحَمْدُ للهِ الَّذي جَعَلَكِ -يا بُنَيّة-شَبيهَةِ بسيدةِ (٦) نِساء بَنيِ إسْرَائيلَ، فَإنَّها كَانَتْ إذَا رَزَقَهَا اللهُ شَيْئًا فَسُئِلَتْ عَنْهُ قَالَتْ: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) فبعث رسول الله ﷺ إلى عَلِي (٧) ثم أكل رسولُ الله ﷺ وأكل علي، وفاطمة، وحسن، وحسين، وجميع أزواج النبيّ ﷺ وأهل بيته جميعًا حتى شبعوا. قالت: وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت ببقيتها (٨) على جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرا كثيرا" (٩).
(١) زيادة من جـ، أ.
(٢) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٣) زيادة من أ، و.
(٤) في جـ، ر، أ، و،: "بأبي أنت وأمي".
(٥) في أ: "فقلت".
(٦) في ر: "سيدة".
(٧) في أ: "وحملوا".
(٨) في أ، و: "بقيتها".
(٩) مسند أبي يعلى كما في المطالب العالية لابن حجر (٤/ ٧٤)، وفي إسناده عبد الله بن صالح متكلم فيه، وابن لهيعة ضعفه الجمهور.
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ (٤١)﴾
لما رأى زكريا، ﵇، أن الله تعالى يرزق مريم، ﵍، فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، و[إن] (١) كان شيخا كبيرا قد [ضعف و] (٢) وَهَن منه (٣) العظم، واشتعل رأسه شيبا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خَفيا، وقال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ) أي: من عندك (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) أي: ولدا صالحا (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).
قال الله تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ) أي: خاطبته الملائكة شفاها خطابًا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته، وصلاته. ثم أخبر عما بشّرته به الملائكة: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سُمِّي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان.
وقوله: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) روى العَوْفيّ وغيره عن ابن عباس. وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسُّدي والربيع بن أنس، والضحاك، وغيرهم في هذه الآية: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) أي: بعيسى ابن مريم؛ قال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم، وقال قتادة: وعلى سننه (٤) ومنهاجه. وقال ابن جُرَيْج: قال ابن عباس في قوله: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يَسْجُد للذي في بطنك فذلك تصديقه بعيسى: تصديقه له في بطن أمه، وهو أول من صدق عيسى، وكلمة الله عيسى، وهو أكبر من عيسى (٥) عليه (٦) السلام، وهكذا قال السدي أيضا.
وقوله: (وَسَيِّدًا) قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، وسعيد بن جبير، وغيرهم: الحكيم (٧) وقال قتادة: سيدًا في العلم والعبادة. وقال ابن عباس، والثوري، والضحاك: السيد الحكيم (٨) المتقي (٩) وقال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم. وقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف. وقال مجاهد وغيره (١٠) هو
الكريم على الله، ﷿.
وقوله: (وَحَصُورًا) رُوي عن ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، وعطية العَوْفي أنهم قالوا: هو الذي لا يأتي النساء. وعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا يولد له. وقال الضحاك: هو الذي لا ولد له ولا ماء له.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس في الحَصُور: الذي لا ينزل الماء، وقد روى ابن أبي حاتم في هذا حديثا غريبًا جدا فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب البغدادي، حدثني سعيد بن سليمان، حدثنا عبادة -يعني ابن العوام-عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن ابن العاص -لا يدري عبد الله أو عمرو-عن النبي ﷺ في قوله: (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) قال: ثم تناول شيئا من الأرض فقال: "كان ذكره مثل هذا" (١).
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنان، حدثنا يحيى بن سعيد القَطَّان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري؛ أنه سمع سعيد بن المُسَيَّب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ليس أحد من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا، ثم قرأ سعيد: (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) ثم أخذ شيئا من الأرض فقال (٢) الحصور ما كان ذكره مثل ذي وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف إصبعه السبابة. فهذا موقوف (٣) وهو أقوى (٤) إسنادًا من المرفوع، بل وفي صحة المرفوع نظر، والله ﷾ أعلم.
وقد قال القاضي عياض في كتابه (٥) الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه (٦) كان (حَصُورًا) ليس كما قاله بعضهم: إنه كان هيوبا، أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حُذَّاقُ المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا تليق (٧) بالأنبياء، ﵈، وإنما معناه: أنه معصوم من الذنوب، أي لا يأتيها كأنه حصر عنها، وقيل: مانعا نفسه من الشهوات. وقيل: ليست له شهوة في النساء.
وقد (٨) بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قمعها: إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله ﷿، كيحيى، ﵇. ثم هي حق من أقدر (٩) عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله (١٠) عن ربه درجة علياء، وهي درجة نبينا محمد ﷺ
الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة، بتحصينهن وقيامه عليهن، واكتسابه لهن، وهدايته إياهن. بل قد صرّح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: "حُبِّبَ إليَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ".
هذا لفظه. والمقصود أنه مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: (هَبْ (١) لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعَقِب، والله ﷾ أعلم.
[وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عيسى بن حماد زُغْبَة ومحمد بن سلمة المرادي قالا حدثنا حجاج، عن سلمان بن القمري، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه، إن شاء أو يرحمه، إلا يحيى بن زكريا، فإنه كان سيدًا وحصورًا ونبيا من الصالحين"، ثم أهوى النبي ﷺ إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: "كان ذكره مثل هذه القذاة"] (٢).
قوله: (وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى كقوله (٣) تعالى لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فلما تحقق زكريا، ﵇، هذه البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ) أي الملك: (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) أي: هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر.
(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني (قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا) أي: إشارة لا تستطيع النطق، مع أنك سوي صحيح، كما في قوله: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] ثم أمر بكثرة الذكر والشكر والتسبيح في هذه الحال، فقال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ) وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أول سورة مريم، إن شاء الله تعالى.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾
هذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم، ﵍، عن أمر الله لهم بذلك: أن الله قد اصطفاها، أي: اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهرها من الأكدار والوسواس (٤) واصطفاها ثانيًا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين.
قال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب في قوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ: "خَيْرُ نِسَاءٍ رَكبْن الإبلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، أحْناهُ عَلَى وَلَدٍ في صِغَرِهِ، وأرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ، ولمَْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ". لم يخرجوه من هذا الوجه، سوى مسلم فإنه رواه عن محمد بن رافع وعبد بن حُمَيد (١) كلاهما عن عبد الرزاق (٢) به.
وقال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ". أخرجاه في الصحيحين، من حديث هشام، به مثله (٣).
وقال الترمذي: حدثنا أبو بكر بن زَنْجَوِيْه، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا (٤) مَعْمَر، عن قتادة، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ قال: "قَالَ حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ". تفرد به الترمذي وصححه (٥).
وقال عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه قال: كان ثابت البُنَاني يحدث عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ قال: "خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أرْبَع، مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بَنْتُ رَسُولِ اللهِ [ﷺ] " (٦) رواه ابن مردويه (٧).
وروى ابن مردويه من طريق شعبة، عن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا ثَلاث: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ " (٨).
(١) في ر: "عبد الحميد".
(٢) عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٢٨) ومسلم في صحيحه برقم (٢٠٠) ورواه البخاري في صحيحه برقم (٥٠٨٢) من وجه آخر: فرواه عن ابن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به.
(٣) صحيح البخاري برقم (٣٨١٥)، (٣٤٣٢) وصحيح مسلم برقم (٢٤٣٠).
(٤) في أ: "عن".
(٥) سنن الترمذي برقم (٣٨٧٨).
(٦) زيادة من جـ، أ.
(٧) ورواه ابن عدي في الكامل (٤/ ٢١٧) من طريق عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه قال: كان ثابت البناني فذكره. وقال ابن عدي بعد ما ساق له هذا الحديث: "لا يتابع في بعض حديثه". وقد توبع فرواه الخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٤٠٤) من طريق عبد الرحمن بن سعد حدثنا أبو جعفر الرازي عن أبي عبد الرحمن محمد بن سعيد عن ثابت به، وأبو جعفر الرازي عيسى بن ماهان متكلم فيه، لكن روي عن أنس من وجه آخر، فرواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس به. مصنف عبد الرزاق (١١/ ٤٣٠) ومن طريقه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٢٢٢) "موارد".
(٨) وقد ذكره الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية (٢/ ٥٦).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا آدم العسقلاني، حدثنا شُعْبة، حدثنا عمرو بن مُرَّة، سمعت مُرَّة الهَمْداني بحديث عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: "كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ". وقد أخرجه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن شعبة به (١) ولفظ البخاري: "كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ".
وقد استقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في قصة عيسى ابن مريم (٢) ﵉، في كتابنا: "البداية والنهاية" ولله الحمد والمنة (٣).
ثم أخبر تعالى عن الملائكة: أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والخضوع والسجود والركوع والدؤوب في العمل لها، لما يريد الله [تعالى] (٤) بها من الأمر الذي قدره وقضاه، مما فيه محنة لها ورفعة في الدارين، بما أظهر الله تعالى فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولدًا من غير أب، فقال تعالى: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) أما القنوت فهو الطاعة في خشوع (٥) كما قال تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٦) [البقرة: ١١٦].
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عَمْرو بن الحارث: أن دَرَّاجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: "كُلُّ حَرْفٍ فِي الْقُرآنِ يُذْكَرُ فِيهِ القُنُوتُ فَهُوَ الطَّاعَةُ". ورواه ابن جرير من حديث (٧) ابن لهيعة، عن دَرّاج، به، وفيه نكارة (٨)
وقال مجاهد: كانت مريم، ﵍، تقوم حتى تتورم كعباها، والقنوت هو: طول الركوع (٩) في الصلاة، يعني امتثالا لقوله تعالى: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ) بل قال الحسن: يعني اعبدي لربك (وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) أي: كوني منهم.
(١) تفسير الطبري (٦/ ٣٩٧) ورواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤١١)، (٣٤٣٣) ومسلم برقم (٢٤٣١) والترمذي برقم (١٨٣٤) والنسائي في الكبرى برقم (٨٣٥٦) وابن ماجة في السنن برقم (٣٢٨٠).
(٢) في جـ، ر، أ، و: "عيسى ومريم".
(٣) البداية والنهاية (٢/ ٥٥ - ٥٧).
(٤) زيادة من و.
(٥) في جـ، أ: "الخشوع".
(٦) في أ، و: (وَلِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتون) [الروم: ٢٦].
(٧) في جـ، أ، و: "طريق".
(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٢٦١) وتفسير الطبري (٦/ ٤٠٣) ورواه أحمد في مسنده (٣/ ٧٥) قال الهيثمي في المجمع (٦/ ٣٢٠): "في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف" وفيه أيضا دراج قال أحمد: "أحاديثه مناكير" وضعفه النسائي وأبو حاتم وقال أبو داود: "أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد".
(٩) في أ: "الذكر".
وقال الأوزاعي: ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة، حتى نزل الماء الأصفر في قدميها، ﵂.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمتها من طريق محمد بن يونس الكُدَيمي -وفيه مقال-: حدثنا علي بن بحر بن بَرّي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير في قوله: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي) قال: سَجَدت حتى نزل الماء الأصفر في عينيها (١) (٢).
وذكر ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا ضَمْرة، عن ابن شَوْذَب قال: كانت مريم، ﵍، تغتسل في كل ليلة.
ثم قال تعالى لرسوله [عليه أفضل الصلوات والسلام] (٣) بعدما أطلعه على جلية الأمر: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) أي: نقصه عليك (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) أي: ما كنت عندهم يا محمد فَتُخْبرهم (٤) عنهم معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك كأنك كنت حاضرا وشاهدًا لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر.
قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن (٥) جُرَيْج، عن القاسم بن أبي بَزَّة، أنه أخبره عن عكرمة -وأبي بكر، عن عكرمة-قال: ثم خَرَجَتْ بها -يعني أم مريم بمريم-تحملها في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى، ﵉ -قال: وهم يومئذ يلون في (٦) بيت المقدس ما يلي الحَجَبَة من الكعبة-فقالت لهم: دُونكم هذه النَّذِيرة فإني حررتها وهي ابنتي، ولا تدخل (٧) الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي؟ فقالوا (٨) هذه ابنة إمامنا -وكان عمران يؤمهم في الصلاة-وصاحب قرباننا فقال زكريا: ادفعوها إليَّ: فإن خالتها تحتي. فقالوا: لا تطيب أنفسنا، هي (٩) ابنة إمامنا فذلك حين اقترعوا بأقلامهم عليها (١٠) التي يكتبون بها التوراة، فَقَرَعَهُم زكريا، فكفلها (١١)
وقد ذكر عكرمة أيضًا، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس، وغير واحد -دخل حديث بعضهم في بعض-أنهم دخلوا (١٢) إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم [فيه] (١٣) فأيهم ثبت في جَرْية الماء فهو كافلها، فألقوا أقلامهم فاحتملها (١٤) الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت. ويقال: إنه ذهب صُعُدًا يشق جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم، وعالمهم وإمامهم ونبيهم صلوات الله
(١) في ر: "عينها".
(٢) تاريخ دمشق لابن عساكر (ص ٣٦٩) تراجم النساء ط. المجمع العلمي بدمشق، ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٦/ ٧٨).
(٣) زيادة من و.
(٤) في جـ، أ، ر، و: "فتخبر".
(٥) في أ: "أبي".
(٦) في أ، و: "من".
(٧) في أ، و: "يدخل".
(٨) في أ: "فقال".
(٩) في ر: "تلي".
(١٠) في أ: "اقترعوا بالأقلام".
(١١) لم أجده في تفسير الطبري المطبوع.
(١٢) في أ، و: "ذهبوا".
(١٣) زيادة من أ.
(١٤) في جـ: "فاحتمل".
وسلامه عليه سائر النبيين (١) [والمرسلين] (٢)
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾
هذه بشارة من الملائكة لمريم، ﵍، بأن سيوجد منها ولد عظيم، له شأن كبير. قال الله تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله له: "كن" فيكون، وهذا تفسير قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] كما ذكره الجمهور على ما سبق بيانه (اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) أي يكون مشهورًا بهذا في الدنيا، يعرفه المؤمنون بذلك.
وسمي المسيح، قال بعض السلف: لكثرة سياحته. وقيل: لأنه كان مسيح (٣) القدمين: [أي] (٤) لا أخْمَص لهما. وقيل: لأنه [كان] (٥) إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى.
وقوله: (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) نسبة له إلى أمه، حيث لا أب له (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا، بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزل (٦) عليه من الكتاب، وغير ذلك مما منحه به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه، أسوة بإخوانه (٧) من أولي العزم، صلوات الله عليهم.
﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾
وقوله: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا) أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، في حال صغره، معجزة وآية، و[في] (٨) حال كهوليته (٩) حين يوحي الله إليه بذلك (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) أي: في قوله وعمله، له علم صحيح وعمل صالح.
قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن محمد بن شرحبيل، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مَا تَكَلَّمَ مَوْلُود فِي صِغَرِهِ إلا عِيسَى وصَاحِبَ جُرَيْج" (١٠).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الصقر يحيى بن محمد بن قَزْعَة، حدثنا الحسين -يعني المروزي-حدثنا جرير -يعني ابن حازم-عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لمَْ يَتَكَّلَمْ فِي المهدِ إلا ثَلاثَة، عِيسى، وصَبِيٌّ كَانَ فِي زَمَنِ جُرَيْج، وصبيٌّ آخَرُ" (١١).
(١) في جـ، أ: "الأنبياء".
(٢) زيادة من أ.
(٣) في ر: "يسيح".
(٤) زيادة من أ.
(٥) زيادة من أ.
(٦) في أ، و: "وينزله".
(٧) في جـ، أ: "إخوانه"، وفي ر، و: "إخوته".
(٨) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٩) في جـ، أ، و: "كهولته".
(١٠) ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٢٧٢، ٢٧٣) من طريق أبيه عن أحمد بن شعيب عن محمد بن سلمة عن ابن إسحاق به.
(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٢٧٢) ورواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٣٦) (٢٤٨٢) ومسلم في صحيحه برقم (٢٥٥٠) من طريق جرير بن حازم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به.
فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك، عن الله، ﷿، قالت في مناجاتها: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) تقول: كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بَغيا؟ حاشا لله. فقال لها الملك -عن الله، ﷿، في جواب هذا السؤال-: (كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) أي: هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء. وصرح هاهنا بقوله: (يَخْلُقُ) ولم يقل: "يفعل" كما في قصة زكريا، بل نص هاهنا على أنه يخلق؛ لئلا يبقى شبهة، وأكد ذلك بقوله: (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أي: فلا يتأخر (١) شيئًا، بل يوجد عقيب (٢) الأمر بلا مهلة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] أي: إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعًا كلمح بالبصر (٣).
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾
يقول تعالى -مخبرا عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى، عليه (٤) السلام-أن الله يعلمه (الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) الظاهر أن المراد بالكتاب هاهنا الكتابة. والحكمة تقدم الكلام على تفسيرها في سورة البقرة (٥).
(وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ) فالتوراة: هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى بن عمران. والإنجيل: الذي أنزله الله على عيسى عليهما (٦) السلام، وقد كان [عيسى] (٧) ﵇، يحفظ هذا وهذا.
وقوله: (وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: [و] (٨) يجعله رسولا إلى بني إسرائيل، قائلا لهم: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) وكذلك كان يفعل: يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخُ فيه، فيطير عيانًا بإذن الله، ﷿، الذي جعل هذا معجزة يَدُلّ على أن الله أرسله.
(وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ) قيل: هو الذي يبصر نهارًا ولا يبصر ليلا. وقيل بالعكس. وقيل: هو الأعشى. وقيل: الأعمش. وقيل: هو الذي يولد أعمى. وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي (والأبرص) معروف.
(وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى، ﵇، السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بَهَرَت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى، ﵇، فبُعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد ﷺ بعثه [الله] (١) في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله، ﷿، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا.
وقوله: (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) أي: أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر [له] (٢) في بيته لغده (إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: في ذلك كله (لآيَةً لَكُمْ) أي: على صدْقي فيما جئتكم به. (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
(وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) أي: مقرر لهم ومُثَبّت (وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) فيه دلالة على أن عيسى، ﵇، نسَخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئًا، وإنما أحَلّ لهم بعض ما كانوا يتنازعون (٣) فيه فأخطؤوا، فكشف (٤) لهم عن المغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] والله أعلم.
ثم قال: (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم. (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾
يقول تعالى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى) أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال قال: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) قال مجاهد: أي من يَتبعني إلى الله؟ وقال سفيان الثوري وغيره: من أنصاري مع الله؟ وقول (٥) مجاهد أقربُ.
والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج، قبل أن يهاجر: "مَنْ رَجُل يُؤْوِيني عَلى [أن] (٦) أبلغ كلامَ رَبِّي، فإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلامَ
رَبِّي" (١) حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فآسوه (٢) ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا (٣) عيسى ابن مريم، انْتدَبَ له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه. ولهذا قال تعالى مخبرًا عنهم: (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) الحواريون، قيل: كانوا قَصّارين وقيل: سموا بذلك لبياض ثيابهم، وقيل: صيادين. والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما نَدبَ الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدَبَ الزبير [ثم ندبهم فانتدب الزبير] (٤) فقال: "إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَاريًا وَحَوَارِيي الزُّبَيْرُ" (٥).
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) قال مع أمة محمد ﷺ. وهذا إسناد جيد.
ثم قال (٦) تعالى مخبرا عن [ملأ] (٧) بني إسرائيل فيما هَمُّوا به من الفتك (٨) بعيسى، ﵇، وإرادته بالسوء والصَّلب، حين تمالؤوا (٩) عليه وَوَشَوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافرًا، فأنْهَوا إليه أن هاهنا رجلا يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك، وَيُفَنِّد الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه (١٠) إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زانية (١١) حتى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه ويُنَكّل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظَفروا به، نجاه الله من بينهم، ورفعه من رَوْزَنَة ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل [ممن] (١٢) كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، ﵇، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك. وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجى نبيه ورفعه من بين أظهرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطَلبتِهم، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادا للحق ملازما لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد؛ ولهذا قال تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾
اختلف المفسرون في قوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر، تقديره: إني رافعك إلي ومتوفيك، يعني بعد ذلك.
(١) رواه أحمد في المسند (٣/ ٣٢٢) من حديث جابر ﵁.
(٢) في أ: "فآمنوه".
(٣) في أ: "وكذا".
(٤) زيادة من أ، و.
(٥) صحيح البخاري برقم (٣٧١٩) وصحيح مسلم برقم (٢٤١٥) من حديث جابر ﵁.
(٦) في أ: "وقال".
(٧) زيادة من أ، و.
(٨) في أ: "القتل".
(٩) في أ: "مالوا".
(١٠) في جـ، أ، و: "الابن وأبيه".
(١١) في جـ، ر، أ، و: "زنية".
(١٢) زيادة من أ، و.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي: مميتك.
وقال محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وَهْب بن مُنَبِّه، قال: توفاه الله ثلاث ساعات من النهار حين رفعه الله إليه.
قال ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات ثم أحياه.
وقال إسحاق بن بشر (١) عن إدريس، عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه، ثم رفعه.
وقال مطر الوراق: متوفيك من (٢) الدنيا وليس بوفاة موت (٣) وكذا قال ابن جرير: توفيه هو رفعه.
وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ (٤)﴾ [الأنعام: ٦٠] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٥)﴾ [الزمر: ٤٢] وكان رسول الله ﷺ يقول -إذا قام من النوم-: "الْحَمْدُ لله الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النُّشُورُ"، وقال الله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلى قوله [تعالى] (٦) ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٦ - ١٥٩] والضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عائد على عيسى، ﵇، أي: وإن من أهل الكتاب إلا يؤمن (٧) بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، على ما سيأتي بيانه، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلّهم؛ لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، حدثنا الربيع بن أنس، عن الحسن أنه قال في قوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) يعني وفاة المنام، رفعه الله في منامه. قال الحسن: قال رسول الله ﷺ لليهود: "إنَّ عِيسَى لمَْ يَمُتْ، وَإنَّه رَاجِع إلَيْكُمْ قَبْلَ يَوْمِ الْقَيامَةِ" (٨).
وقوله تعالى: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: برفعي إياك إلى السماء (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وهكذا وقع؛ فإن المسيح، ﵇، لما رفعه الله إلى السماء تَفَرَّقت أصحابه شيَعًا بعده؛ فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورَد على كل فريق، فاستمروا كذلك قريبا من ثلاثمائة سنة، ثم نَبَع لهم ملك
(١) في أ: "بشير".
(٢) في أ: "في".
(٣) في أ: "مرة".
(٤) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٥) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(٦) زيادة من ر، أ.
(٧) في جـ، أ، و: "ليؤمن"، وفي ر: "فيؤمن".
(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٢٩٦) ورواه الطبري في تفسيره (٦/ ٤٥٥) من طريق عبد الله بن جعفر عن أبيه عن الربيع عن الحسن به مرسلا.
من ملوك اليونان، يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفا، وقيل: جهلا منه، إلا أنه بَدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة -التي هي الخيانة الحقيرة-وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصَلّوا له إلى المشرق (١) وصوروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه، فيما يزعمون. وصار دين المسيح (٢) دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارت ما يزيد على اثنى عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه (٣) الطائفة المَلْكِيَّة منهم. وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيَّدهم (٤) الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفار، عليهم لعائن الله.
فلما بعث الله محمدًا ﷺ، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق -كانوا هم أتباع كُل نبي على وجه الأرض-إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي، خاتم الرسل، وسيد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا (٥) أولى بكل نبي من أمته، الذين يزعمون أنهم على ملّته وطريقته، مع ما قد حَرّفوا وبدلوا.
ثم لو لم يكن شيء من ذلك لكان قد نسخ الله بشريعته (٦) شريعة جميع الرسل بما بعث به محمدًا ﷺ من الدين الحق، الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائما منصورًا ظاهرا على كل دين. فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا (٧) جميع الممالك، ودانت لهم جميعُ الدول، وكسروا كسرى، وقَصروا قيصر، وسلبوهما كُنُوزَهما، وأنفقت في سبيل الله، كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم، ﷿، في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ الآية [النور: ٥٥] ولهذا (٨) لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقا (٩) سلبوا النصارى بلاد الشام وأَجْلَوهم إلى الروم، فلجؤوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق المصدوق أمَّته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية، ويستفيؤون (١٠) ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مَقْتلة عظيمة جدا، لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءا مفردا. ولهذا قال تعالى: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) أي: يوم القيامة (فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) وكذلك فعل تعالى (١١) بمن كفر بالمسيح من اليهود، أو غلا فيه وأطراه من النصارى؛ عَذبهم في الدنيا بالقتل والسبي وأخْذ الأموال وإزالة الأيدي عن
الممالك، وفي الدار الآخرة عَذابُهم أشد وأشق ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤].
(وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ (١) أُجُورَهُمْ) أي: في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)
ثم قال تعالى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) أي: هذا الذي قَصَصْنَاه عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، هو مما قاله الله تعالى، وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٤ - ٣٥] وهاهنا قال تعالى.
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾
يقول تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ) في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب (كَمَثَلِ آدَمَ) فإن الله تعالى خلقه من غير أب ولا أم، بل (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) والذي (٢) خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادًا. ولكن الرب، ﷿، أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١].
وقال هاهنا: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي: هذا القول هو الحق في عيسى، الذي لا محيد عنه ولا صحيح (٣) سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
ثم قال تعالى -آمرا رسوله ﷺ أن يُبَاهِلَ مَنْ عَانَدَ الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيانِ: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ) أي: نحضرهم في حال المباهلة (ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) أي: نلتعن (فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) أي: منا أو منكم.
وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران، أن النصارى حين