سورة آل عمران
ซูเราะฮ์ที่ 3 · ตอน 2/14 · เล่ม 2 หน้า 20–34
الضحاك وغيره، وقيل: ألف دينار. وقيل: ألف ومائتا دينار. وقيل: اثنا عشر ألفا. وقيل: أربعون ألفا. وقيل: ستون ألفا وقيل: سبعون ألفا. وقيل: ثمانون ألفا. وقيل غير ذلك.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا (١) حماد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "القِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ ألْف أوقيَّةٍ، كُلُّ أوقِيَّةٍ خَيْر مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ".
وقد رواه ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد ابن سلمة، به. وقد رواه ابن جرير عن بُنْدار، عن ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن عاصم -هو ابن بَهْدَلة-عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٢) موقوفا، وهذا أصح. وهكذا رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل وابن عمر. وحكاه ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة وأبي الدرداء، أنهم قالوا: القنطار ألف ومائتا أوقية.
ثم قال ابن جرير: حدثني زكريا بن يحيى الضرير، حدثنا شبابة، حدثنا مَخْلَد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زِرّ بن حُبَيْش عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: "القِنْطَارُ ألْفُ أوقِيَّةٍ ومائَتَا أوقِيَّةٍ" (٣).
وهذا حديث منكر أيضًا، والأقربُ أن يكون موقوفا على أبي بن كعب، كغيره من الصحابة. وقد روى ابن مَرْدُويَه، من طريق موسى بن عُبَيْدة الرَبَذِي (٤) عن محمد بن إبراهيم عن يحنَّش (٥) أبي موسى، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ قَرَأ مائة آيةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، ومَنْ قَرَأ مِائَةَ آيةٍ إِلَى ألْف أصْبَح لَهُ قِنْطار مِنْ أجْرٍ عندَ الله، القِنْطارُ مِنْهُ مِثلُ الجبَلِ العَظِيمِ". ورواه وَكِيع، عن موسى بن عُبَيدة، بمعناه (٦) وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي بتنِّيس (٧) حدثنا عَمْرو (٨) بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد، حدثنا حُمَيد الطويل، ورجل آخر، عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله، ﷿: (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ) قال: "القِنْطَارُ ألفا أُوقِيَّةٍ". صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، هكذا رواه الحاكم (٩).
(١) في جـ: "عن".
(٢) المسند (٢/ ٣٦٣) وابن ماجة في السنن برقم (٣٦٦٠) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٦٦٣) "موارد". قال البوصيري في مصباح الزجاجة: "إسناده صحيح ورجاله ثقات" والأرجح تحسينه للكلام في عاصم بن بهدلة. ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٢٤٤) موقوفا.
(٣) تفسير الطبري (٦/ ٢٤٥) وفي إسناده مخلد بن عبد الواحد، ضعفه أبو حاتم، وقال ابن حبان: "منكر الحديث جدا".
(٤) في جـ، ر: "الترمذي".
(٥) في جـ، ر: "يحنس".
(٦) ورواه عبد بن حميد في تفسيره، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ١٠٧) من طريق وكيع به، وهو مضطرب، فتارة يروى خمسين، وتارة يروى ألفا، وتارة يروى مائة، وقد اختلف فيه على موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف.
(٧) في ر: "تبتيس".
(٨) في المخطوطة أ، و: "محمد بن عمرو بن أبي سلمة" وهو خطأ.
(٩) المستدرك (٢/ ١٧٨) وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وفي إسناده عمرو بن أبي سلمة الشامي ضعيف خاصة إذا روى عن زهير. قال الإمام أحمد: "روى عن زهير أحاديث بواطيل كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله فغلط فقلبها زهير".
وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر فقال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الرَّقِّي، حدثنا عمرو ابن أبي سلمة، حدثنا زهير -يعني ابن محمد-حدثنا حميد الطويل ورجل آخر قد سماه-يعني يزيد الرَّقَاشي-عن أنس، عن رسول الله ﷺ في قوله: قنطار، يعني: "ألف دينار". وهكذا [رواه] (١) ابن مَرْدُويه، ورواه (٢) الطبراني، عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم، عن عَمْرو بن أبي سلمة، فذكر بإسناده مثله سواء (٣).
وروى ابن جرير عن الحسن البصري مرسلا عنه وموقوفا عليه: القنطار ألف ومائتا دينار. وكذا (٤) رواه العَوْفي عن ابن عباس.
وقال الضحاك: من العرب من يقول: القنطار ألف دينار. ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارِم، عن حَمّاد، عن سعيد الجُرَيرِي (٥) عن أبي نضْرة، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: [القنطار] (٦) ملء مَسْك الثور ذهبا.
قال أبو محمد: ورواه محمد بن موسى الحرشي، عن حماد بن زيد، مرفوعا. والموقوف أصح (٧).
وحب الخيل على ثلاثة أقسام، تارة يكون ربطَها أصحابُها معدَّة لسبيل الله تعالى، متى احتاجوا إليها غزَوا عليها، فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخرا ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزْر. وتارة للتعفف واقتناء نسلها. ولم يَنْسَ حق الله في رقابها، فهذه لصاحبها ستْر، كما سيأتي الحديث بذلك [إن شاء الله تعالى] (٨) عند قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (٩)﴾ [الأنفال: ٦٠].
وأما (الْمُسَوَّمَةِ) فعن ابن عباس، ﵄: المسومة الراعية، والمُطَهَّمة الحسَان، وكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن عبد الله (١٠) بن أبْزَى، والسُّدِّي، والربيع بن أنس، وأبي سِنَان وغيرهم.
وقال مكحول: المسومة: الغُرَّة والتحجيل. وقيل غير ذلك.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن (١١) يزيد بن أبي حبيب، عن سُوَيْد بن قيس، عن معاوية بن حُدَيج، عن أبي ذر، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليسَ مِنْ فَرَسٍ عَرَبِيّ إلا يُؤذَنُ لَهُ مَعَ كُلِّ فَجْر يَدْعُو بِدَعْوَتَيْنِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّكَ خَوَّلْتَنِي مَنْ خَوَّلْتَني [من]
(١) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٢) في و: "عن".
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١/ ١١١) وفي إسناده عمرو بن أبي سلمة وهو ضعيف كما سبق كلام الإمام أحمد عنه.
(٤) في و: "وهو".
(٥) في هـ، جـ، أ، و: "الجرشي" وهو خطأ.
(٦) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ١١٥) ورواه الطبري في تفسيره (٦/ ٢٤٨) من طريق سعيد الجريري عن أبي نضرة موقوفا.
(٨) زيادة من جـ، أ.
(٩) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(١٠) في جـ، ر، أ، و: "عبد الله بن عبد الرحمن".
(١١) في جـ، ر: "حدثني".
(١) بَنِي آدَم، فاجْعَلنِي مِنْ أحَبِّ مَالِهِ وأهْلِهِ إليه، أوْ أحَبِّ أهْلِه ومالِهِ إليهِ" (٢).
وقوله: (وَالأنْعَامِ) يعني: الإبل والبقر والغنم (وَالْحَرْث) يعني: الأرض (٣) المتخذة للغِرَاس والزراعة (٤).
قال الإمام أحمد: حدثنا رَوْح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي، عن مسلم بن بُدَيل (٥) عن إياسِ بن زهير، عن سُويد بن هُبَيرة، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ مَالِ امرئ لَهُ مُهْرة مَأمُورة، أو سِكَّة مَأبُورة" (٦) المأمورة الكثيرة النسل، والسّكَّة: النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة.
ثم قال تعالى: (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) أي: حسن المرجع والثواب.
وقد قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عُمَر بن سعد قال: قال عمر بن الخطاب، ﵁: لما أنزلت: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ]) (٧) (٨).
ولهذا قال تعالى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ) أي: قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة. ثم أخبر عن ذلك، فقال: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) أي: تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، من أنواع الأشربة؛ من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
خَالِدِينَ فِيهَا) أي: ماكثين فيها أبد الآباد (٩) لا يبغون (١٠) عنها حِوَلا.
وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) أي: من الدَّنَس، والخَبَث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا.
وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ) أي: يحل عليهم رضوانه، فلا يَسْخَط عليهم بعده أبدا؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم،
(١) زيادة من جـ، ر، أ، و، والمسند.
(٢) المسند (٥/ ١٧٠) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٤٤) من طريق يحيى بن سعيد به، وقال: صحيح الإسناد على شرطهما ووافقه الذهبي.
(٣) في جـ، ر: "الأراضي".
(٤) في جـ: "للزراعة والغراس".
(٥) في أ: "نديل".
(٦) المسند (٣/ ٤٦٨) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٦٤) والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١٠٧) من طريق مسلم بن بديل به، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٥٨): "رجال أحمد ثقات".
(٧) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(٨) تفسير الطبري (٦/ ٢٤٤).
(٩) في جـ، ر: "فيها أبدا".
(١٠) في جـ، ر: "يجدون".
ثم قال [تعالى] (١) (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (١٧)﴾
يصف تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا) أي: بك وبكتابك وبرسولك (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من (٢) أمرنا بفضلك ورحمتك (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
ثم قال: (الصَّابِرِين) أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات (وَالصَّادِقِينَ) فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة (وَالقَانِتِينَ) والقنوت: الطاعة والخضوع (٣) (والْمُنفِقِينَ) أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخَلات، ومواساة ذوي الحاجات (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ) دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار.
وقد قيل: إن يعقوب، ﵇، لما قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] أنه أخرهم إلى وقت السحر. وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند (٤) والسنن، من غير وجه، عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله ﷺ قال: "ينزلُ الله ﵎ في كُلِّ لَيْلَةٍ إلَى سمَِاءِ الدُّنيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِر (٥) فيقولُ: هَلْ مِنْ سَائل فأعْطِيَه؟ هَلْ مِنْ دَاع فَأسْتجيبَ له؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِر فأغْفِرَ لَهُ؟ " الحديث (٦) وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءًا على حدة (٧) فرواه من طرق متعددة.
وفي الصحيحين، عن عائشة، ﵂، قالت: مِنْ كُلِّ اللَّيلِ قَدْ أوْترَ رَسُولُ الله ﷺ، مِنْ أولِهِ وأوْسَطِهِ وآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتره إلَى السّحَرِ (٨).
وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل جاء السَّحَر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبي، عن حُرَيْث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: ربّ أمرتني فأطعتك،
(١) زيادة من جـ، أ.
(٢) في و: "في".
(٣) في أ: "الخشوع".
(٤) في أ: "المسانيد".
(٥) في أ: "الأخير".
(٦) جاء من حديث أبي هريرة: رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٤٩٤) وبرقم (٦٣٢١) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٧٥٨) وأبو داود في السنن برقم (١٣١٥) والترمذي في السنن برقم (٤٣٩٨). وجاء من حديث أبي سعيد الخدري وجبير بن مطعم ورفاعة الجهني وعلي بن أبي طالب وابن مسعود. انظر الكلام عليها في كتاب إرواء الغليل للشيخ ناصر الألباني (٢/ ٤٥٠).
(٧) في أ: "حدته".
(٨) رواه البخاري في صحيحه برقم (٩٩٦)، ورواه مسلم في صحيحه برقم (٧٤٥).
وهذا سحر، فاغفر لي. فنظرت فإذا ابن مسعود، ﵁ (١).
وروى ابن مَرْدُويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أنْ نستغفر في آخر السحر سبعين مرة.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾
شهد (٢) تعالى -وكفى به شهيدا، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين- (أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ) أي: المتفَرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ (٣) شَهِيدًا﴾ الآية [النساء: ١٦٦].
ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام.
(قَائِمًا بِالْقِسْطِ) منصوب على الحال، وهو في جميع الأحوال كذلك.
لا إِلَهَ إِلا هُوَ) تأكيد لما سبق (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) العزيز: الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بَقِيَّة بن الوليد، حدثني جبير بن عَمْرو القرشي، حدثنا أبو سَعِيد (٤) الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بعرفةَ يقرأ هذه الآية: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) "وأَنَا عَلَى ذلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ يا رَبِّ" (٥).
وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال: حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عُمَر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير قال: سمعت رسول الله ﷺ حين قرأ هذه الآية: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ) قال: "وأَنَا أشْهَدُ أيْ رَبِّ" (٦).
(١) تفسير الطبري (٦/ ٢٦٦) وفي إسناده سفيان بن وكيع ضعيف، وحديث ابن أبي مطر ضعفه أبو حاتم وابن معين والبخاري.
(٢) في و: "يشهد".
(٣) في جـ، ر: "به" وهو خطأ.
(٤) في أ، و: "أبو سعد".
(٥) المسند (١/ ١٦٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٢٥): "في إسناده مجاهيل".
(٦) تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ١٤٦) وفي إسناده مجاهيل".
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي قالا حدثنا عَمَّار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردتُ أن أنْحَدِرَ قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ) ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ) قالها مرارا. قلت: لقد سمع فيها شيئا، فغدوت إليه فودعته، ثم قلت: يا أبا محمد، إني سمعتك تردد هذه الآية. قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة. فأقمت سنة فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة. قال: حدثني أبو وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ الله ﷿: عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ، وأنَا أحَقُّ مَن وَفَّى بالْعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ" (١).
وقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ) إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد ﷺ، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد ﷺ، فمن لقي الله بعد بعثته محمدًا ﷺ بدِين على غير شريعته، فليس بمتقبل. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ (٢) غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ] (٣)﴾ [آل عمران: ٨٥] وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ)
وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ) بكسر إنه وفتح (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ) أي: شهد هو وملائكته وأولو العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام. والجمهور قرأوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح. ولكن هذا على قول الجمهور أظهر والله أعلم.
ثم أخبر تعالى بأن (٤) الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة، بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بُغْض البَعْض الآخر (٥) على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا، ثم قال: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) أي: من جحد بما أنزل (٦) الله في كتابه فإن الله
(١) المعجم الكبير (١٠/ ٢٤٥) وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٣٢٦): "فيه عمر بن المختار وهو ضعيف". ورواه ابن عدي في الكامل (٥/ ٣٦) من طريق عمار بن عمر المختار به. قال: "لا يحدث به غير عمر المختار، ومقدار ما يرويه فيه نظر".
(٢) في أ: "يتبع".
(٣) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(٤) في أ، و: "أن".
(٥) في جـ: "فحمل بعضهم على بغض الآخر".
(٦) في أ، و: "أنزله".
سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه (١)
ثم قال تعالى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ) أي: جادلوك في التوحيد (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) أي: فقل أخلصت عبادتي لله وحده، لا شريك له ولا ند [له] (٢) ولا ولد ولا صاحبة له (وَمَنِ اتَّبَعَنِ) على ديني، يقول كمقالتي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ] (٣)﴾ [يوسف: ١٠٨].
ثم قال تعالى آمرًا لعبده ورسوله محمد ﷺ أن يدعو إلى طريقته ودينه، والدخول في شرعه وما بعثه الله به الكتابيين (٤) من الملتين والأميين من المشركين فقال: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ) أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة البالغة؛ ولهذا قال: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) أي: هو (٥) عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وما ذاك (٦) إلا لحكمته ورحمته.
وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته، صَلوات الله وسلامه (٧) عليه، إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير (٨) ما آية وحديث، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وفي الصحيحين وغيرهما، مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة، أنه بعث كتبه ﷺ يدعو إلى الله ملوك الآفاق، وطوائف (٩) بني آدم من عربهم وعجمهم، كتابِيِّهم وأمِّيِّهم، امتثالا لأمر الله له بذلك. وقد روى عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة، عن النبي (١٠) ﷺ أنه قال: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ يَهُوديّ وَلا نَصْرَانِي، ومَاتَ وَلمَ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أرْسلتُ بِهِ، إلا كان مِنْ أَهْلِ النَّارِ" رواه مسلم (١١).
وقال ﷺ: "بُعِثْتُ إلَى الأحْمَرِ والأسْودِ" (١٢) وقال: "كَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِه خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً". وقال الإمام أحمد: حدثنا مُؤَمِّل، حدثنا حَمَّاد، حدثنا ثابت عن أنس، ﵁: أن غلاما يهوديا كان يَضع للنبي ﷺ وَضُوءه ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي ﷺ فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه فقال له النبي ﷺ: "يا فُلانُ، قُلْ: لا إله إلا الله" فَنَظَرَ إلَى أبيه، فَسَكَتَ أبوه، فأعَادَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَنَظَرَ إلَى أَبيهِ، فَقَالَ أبُوهُ: أطِعْ أبا الْقَاسِم، فَقَالَ الْغُلامُ:: أشْهَدُ أن
(١) في أ، و: "بكتابه".
(٢) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٣) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(٤) في جـ: "أهل الكتابين".
(٥) في أ، و: "وهو".
(٦) في أ، و: "وذلك".
(٧) في جـ: "الله".
(٨) في أ: "وغير".
(٩) في و: "من طوئف".
(١٠) في جـ، ر، أ، و: "رسول الله".
(١١) صحيح مسلم برقم (١٥٣).
(١٢) في جـ، ر، أ، و: "الأسود والأحمر".
لا إلَهَ إلا الله وأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَخَرَجَ النَّبَيُّ (١) ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أخْرَجَهُ بِي مِنِ النَّارِ" أخرجه البخاري في الصحيح (٢) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾
هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديما وحديثا، التي بلغتهم إياها الرسل، استكبارًا عليهم وعنادًا لهم، وتعاظما على الحق واستنكافا عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحقّ (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي (٣) ﷺ: "الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْط النَّاسِ".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الزُّبَيْر الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري، نزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص -يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري-حدثنا محمد بن حمزة، حدثني أبو الحسن مولى لبني أسد، عن مكحول، عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح، ﵁ قال: قلت يا رسول الله، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: "رَجلٌ قَتَلَ نَبِيا أوْ مَنْ أمر بِالمْعْرُوفِ ونَهَى عَنِ المُنْكَر". ثم قرأ رسول الله ﷺ: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [إلى قوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ]) (٤) الآية. ثم قال رسول الله ﷺ: "يا أبَا عُبَيَدَةَ، قَتَلَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ ثَلاثَةً وأَرْبَعين نَبيا، من أوَّلِ النّهَارِ في ساعةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَامَ مِائَة (٥) وسَبْعُونَ رَجُلا مِنْ بَني إسْرائيلَ، فأمَرُوا مَنْ قَتَلَهُم بالْمَعْرُوفِ ونَهَوْهُمْ عَنِ المنكرِ، فقتلوا جَمِيعًا مِنْ آخِرِ النَّهارِ مِنْ ذَلكَ اليَوْمِ، فَهُم الذِينَ ذَكَرَ اللهُ، ﷿".
وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عبيد الوصّابي محمد بن حفص، عن ابن حُمَيْر، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول، به (٦).
(١) في جـ، ر، أ، و: "رسول الله".
(٢) المسند (٣/ ١٧٥) والبخاري برقم (١٣٥٦).
(٣) في جـ، ر، أ، و: "رسول الله".
(٤) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٥) في جـ، ر، أ، و: "مائة رجل".
(٦) ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٦١) والطبري في تفسيره (٦/ ٢٨٥) وأبو عبيد الوصابي لم يدرك محمد بن حمير كما ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وقد توبع أبو عبيد، تابعه عبد الوهاب بن نجدة، فرواه البزار من طريق عبد الوهاب بن نجدة عن محمد ابن حمير به. ثم قال البزار: لا نعلم له عن أبي عبيدة غير هذه الطريق، ولم نسمع أحدا سمى أبا الحسن هذا الذي روى عنه محمد بن حمير. وقال الحافظ ابن حجر: "فيه أبو الحسن مولى بني أسد وهو مجهول".
وعن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بَقْلِهِمْ من آخره. رواه ابن أبي حاتم. ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة، فقال: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أي: موجع مهين. (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾
يقول تعالى منكرًا على اليهود والنصارى، المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللَّذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما، من اتباع محمد ﷺ، تولَّوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد.
ثم قال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) أي: إنما حملهم وجَرّأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يوما. وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال: (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [أي غرهم في دينهم] (١) أي: ثَبَّتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطانا قال الله تعالى متهددا لهم ومتوعدا: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله وكذبوا رسله وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله، ومحاسبهم عليه، ومجازيهم به؛ ولهذا قال: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) لا شك في وقوعه وكونه (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)
(١) زيادة من و.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾
يقول تعالى: (قُلِ) يا محمد، معظما لربك ومتوكلا عليه، وشاكرًا له ومفوضًا إليه: (اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) أي: لك الملك كله (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) أي: أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن.
وفي هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله ﷺ وهذه الأمة؛ لأن الله حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي المكي الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين الإنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصه بخصائص لم يُعْطهَا نبيًا من الأنبياء ولا رسولا من الرسل، في العلم بالله وشريعته وإطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه عن حقائق الآخرة ونشر أمته في الآفاق، في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان، والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، ما تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى: ([قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]) (١) أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد، كما رد ﵎ على من يتحكم (٢) عليه في أمره، حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
قال الله تعالى ردًا عليهم: ﴿[أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ]﴾ (٣) الآية [الزخرف: ٣٢] أي: نحن نتصرف في خلقنا كما نريد، بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة والحجة في ذلك، وهكذا نعطي النبوة لمن نريد، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا] (٤)﴾ [الإسراء: ٢١] وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة "إسحاق بن أحمد" من تاريخه عن المأمون الخليفة: أنه رأى في قَصْرٍ ببلاد الروم مكتوبا بالحميرية، فعرب له، فإذا هو: باسم الله ما اختلف الليل والنهار، ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن مَلِك قد زال سلطانه إلى ملك. ومُلْكُ ذي العرش دائم أبدًا ليس بِفَانٍ ولا بمشترك (٥).
وقوله: (تُولِجُ (٦) اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ (٧) النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان، ثم يعتدلان. وهكذا في فصول السنة: ربيعًا وصيفًا وخريفًا وشتاء.
وقوله: (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) أي: تخرج الحبَّة من الزرع والزرع من الحبة، والنخلة من النواة والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: تعطي من شئت من المال ما لا يَعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين، لما لك
في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل. قال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا جعفر بن جسْر بن فَرْقَد، حدثنا أبي، عن عَمْرو (١) بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "اسْم اللهِ الأعْظَمَ الَّذي إذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، " فِي هَذِهِ الآيةِ مِنْ آلِ عِمْرانَ: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (^٢» (٣).
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾
نهى الله، ﵎، عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يُسِرُّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك فقال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) أي: من يرتكب نهى الله في هذا فقد برئ من الله كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] وقال [تعالى] (٤) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] (٥)﴾ [المائدة: ٥١].
[وقال تعالى] (٦) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] وقال تعالى -بعد ذكر موالاة المؤمنين للمؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣].
وقوله: (إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي: إلا من خاف في بعض البلدان أوالأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: "إنَّا لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ".
وقال الثوري: قال ابن عباس، ﵄: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية، وأبو الشعثاء والضحاك، والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [النحل: ١٠٦].
وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة.
ثم قال تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) أي: يحذركم نقمته، أي مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه.
ثم قال تعالى: (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) أي: إليه المرجع والمنقلب، فيجازي كل عامل بعمله.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي حسين، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون [بن مِهْران] (١) قال: قام فينا معاذ ابن جبل فقال: يا بني أود، إني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد [إلى الله] (٢) إلى الجنة أو إلى النار (٣).
﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾
يخبر ﵎ عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والآناث واللحظات وجميع الأوقات، وبجميع ما في السموات والأرض، لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، وهو (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: قدرته (٤) نافذة في جميع ذلك.
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾
وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يَبْغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإنْ أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر؛ ولهذا قال بعد هذا: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) (٥) الآية، يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر (٦) كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] فما رأى من أعماله حسنا سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه، وود لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترنًا به في الدنيا، وهو الذي جرَّأه على فعل السوء: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨].
ثم قال تعالى مؤكدا ومهددا ومتوعدا: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) أي: يخوفكم عقابه، ثم قال مرجيًا لعباده لئلا ييأسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)
قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه. وقال غيره: أي: رحيم بخلقه، يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم، وأن يتبعوا رسوله الكريم.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾
هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عليه أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ" ولهذا قال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنافِسي، حدثنا عبيد الله بن موسى عن عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "وَهَلِ الدِّينُ إلا الْحُبُّ والْبُغْضُ؟ " قَالَ الله تَعَالَى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) قال أبو زُرْعَة: عبد الأعلى هذا منكر الحديث (١).
ثم قال: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: باتباعكم للرسول ﷺ يحصل لكم هذا كله ببركة سفارته.
ثم قال آمرًا لكل أحد من خاص وعام: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: خالفوا عن أمره (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب لله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس (٢) الذي لو كان الأنبياء -بل المرسلون، بل أولو العزم منهم-في زمانه لما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [آل عمران: ٨١] [إن شاء الله تعالى] (٣).
(١) تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٠٢)، ورواه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٦٨) والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩١) من طريق عبد الأعلى بن أعين عن يحيى بن أبي كثير به. قال الحاكم: صحيح على شرطهما، وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه عبد الأعلى بن أعين، قال الدارقطني: ليس بثقة". وقال ابن حبان: "يروي عن يحيى بن أبي كثير ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به بحال". وقال العقيلي: "جاء بأحاديث منكرة ليس منها شيء محفوظ".
(٢) في جـ: "الإنس والجن".
(٣) زيادة من و.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾
يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم، ﵇، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها، لما له في ذلك من الحكمة.
واصطفى نوحا، ﵇، وجعله أول رسول [بعثه] (١) إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظَهْرَاني قومه، يدعوهم إلى الله ليلا ونهارًا، سرا وجهارًا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم يَنْجُ منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به.
واصطفى آل إبراهيم، ومنهم: سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ، وآل عمران، والمراد بعمران هذا: هو والد مريم بنت عمران، أم عيسى ابن مريم، ﵈. قال محمد بن إسحاق بن يَسار (٢) ﵀: هو عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يوثم بن عزاريا (٣) ابن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان (٤) بن رخيعم بن سليمان بن داود، ﵉. فعيسى، ﵇، من ذرية إبراهيم، كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام، إن شاء الله وبه الثقة.
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾
امرأة عمران هذه أم مريم [بنت عمران] (٥) ﵍ (٦) وهي حَنَّة بنت فاقوذ، قال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يوما طائرًا يَزُقُّ فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله، ﷿، أن يهبها ولدا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرته أن يكون (مُحَرَّرًا) أي: خالصا مفرغا للعبادة، ولخدمة بيت المقدس، فقالت: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي: السميع لدعائي، العليم بِنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكرا أم أنثى؟ (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) قرئ برفع التاء على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقُرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله ﷿ (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى) أي: في القوة والجَلَد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق؛ لأنه شرع من
قبلنا، وقد حكي مقررًا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ حيث قال: "وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ وَلَد سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِي إبْرَاهِيمَ". أخرجاه (١) وكذلك ثبت فيهما أن أنس بن مالك ذهب بأخيه، حين ولدته أمه، إلى رسول الله ﷺ، فَحَنَّكه وسماه عبد الله (٢) وفي صحيح البخاري: أن رجلا قال: يا رسول الله، وُلِدَ لي وَلَد، فما أُسمِّيه؟ قال: "اسْم وَلدِك (٣) عَبْد الرَّحْمَنِ" (٤) وثبت في الصحيح أيضًا: أنه لما جاءه أبو أسَيد بابنه ليُحنّكه، فذَهَل عنه، فأمر به أبوه فَرَدّه إلى منزلهم، فلما ذكرَ رسولُ الله ﷺ في المجلس سَمّاه المنذر (٥).
فأما حديث قتادة، عن الحسن البصري، عن سَمُرَة بن جُنْدُب؛ أن رسول الله ﷺ قال: "كُلُّ غُلامٍ رَهِين (٦) بِعقِيقتِهِ، يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، ويُسَمَّى وَيحْلَقُ رَأْسُهُ" فقد رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي بهذا اللفظ، ويروي: "ويُدَمَّى"، وهو أثبت وأحفظ (٧) والله أعلم. وكذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب: أن رسول الله ﷺ عقّ عن ولده إبراهيم يوم سابعه وسماه إبراهيم. فإسناده لا يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح (٨) ولو صح لَحُمِل (٩) على أنه أشْهَرَ اسمَه بذلك يومئذ، والله أعلم.
وقوله إخبارًا عن أم مريم أنها قالت: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) أي: عَوَّذتها بالله، ﷿، من شر الشيطان، وعوذت ذريتها، وهو ولدها عيسى، ﵇. فاستجاب الله لها ذلك كما قال عبد الرزَّاق: أنبأنا مَعْمَر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَا مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا مَسَّه الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلّ صَارخًا مِنْ مَسِّهِ إيَّاهُ، إلا مَرْيَم َوابْنَهَا". ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) أخرجاه (١٠) من حديث عبد الرزاق. ورواه ابن جرير، عن أحمد بن الفرج، عن بَقِيَّة، [عن
(١) رواه البخاري تعليقا برقم (١٣٠٣) ورواه مسلم برقم (٢٣١٥) من حديث أنس بن مالك.
(٢) رواه البخاري برقم (٥٤٧٠) ورواه مسلم برقم (٢١٤٤).
(٣) في جـ، ر: "ابنك".
(٤) صحيح البخاري برقم (٦١٨٦) من حديث جابر.
(٥) رواه البخاري برقم (٦١٩١) ورواه مسلم برقم (٢١٤٩) من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(٦) في أ، و: "رهينته".
(٧) المسند (٥/ ١٢) وسنن أبي داود برقم (٢٨٣٨) وسنن الترمذي برقم (١٥٢٢) وسنن النسائي (٧/ ١٦٦) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٦٥). وقد صرح الحسن بسماعه هذا الحديث من سمرة؛ لذا قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
(٨) وقال ابن القيم، ﵀، في كتابه "تحفة المودود في أحكام المولود" ص ٦٧ بعد ما ساق قول الزبير بن بكار عن أشياخه: "هكذا قال الزبير وسماه يوم سابعه، والحديث المرفوع أصح من قوله وأولى".
(٩) في جـ، ر: "يحمل".
(١٠) صحيح البخاري (٤٥٤٨) وصحيح مسلم برقم (٢٣٦٦).