سورة آل عمران

ซูเราะฮ์ที่ 3 · ตอน 10/14 · เล่ม 2 หน้า 140–154

ج2 · ص140

رسول (١) الله ﷺ كنانته يوم أحد قال: "ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي".

وأخرجه البخاري، عن عبد الله بن محمد، عن مروان بن معاوية (٢).

وقال محمد بن إسحاق (٣) حدثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعد، عن سعد بن أبي وقاص؛ أنه رمى يوم أحد دونَ رسول الله ﷺ، قال سعد: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يناولني النَّبْلَ ويقول: "ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي" حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل، فأرمي به.

وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن جده، عن سعد بن أبي وقاص (٤) قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي ﷺ وعن يساره رجلين، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده، يعني: جبريل وميكائيل ﵉ (٥).

وقال أبو الأسود، عن عروة بن الزبير قال: كان أبَيُّ بن خَلَف، أخو بني جُمَح، قد حلف وهو بمكة لَيَقْتُلَن رسول الله ﷺ، فلما بلغتْ رسولَ الله ﷺ حَلْفَتُه قال: "بَلْ أنَا أقْتُلُهُ، إنْ شَاءَ الله". فلما كان يوم أحد أقبل أبَي في الحديد مُقَنَّعا، وهو يقول: لا نَجَوْتُ إن نجا محمد. فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتْله، فاستقبله مُصْعَب بن عُمَير، أخو بني عبد الدار، يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسولُ الله ﷺ تَرْقُوَة أبي بن خلف من فَرْجةَ بين سابغة الدرع والبيضة، وطعنه فيها بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، لم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خُوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش؟ فذكر لهم قول رسول الله ﷺ: "أنا أقْتُلُ أُبيا". ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المَجَاز لماتوا أجمعون. فمات إلى النار، فسحقا لأصحاب السعير.

وقد رواه موسى بن عُقْبة في مغازيه، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيّب بنحوه.

وذكر محمد بن إسحاق قال: لما أسْنِدَ رسول الله ﷺ في الشعب، أدركه أبي بن خَلَفَ وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ فقال القوم: يا رسول الله، يَعْطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله ﷺ: "دَعُوُه" فلما دنا تناول رسول الله [ﷺ] (٦) الحربة من الحارث بن الصِّمَّة، فقال بعض القوم ما ذكر (٧) لي: فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة، تطايرنا عنه تطاير الشّعْر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدَأ منها عن فرسه مرارًا.

وذكر الواقدي، عن يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه نحو ذلك (٨).

قال الواقدي: كان ابن عمر يقول: مات أبَيّ بن خلف ببطن رَابِغٍ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد

(١) في ر: "نثل- قال الحسن بن عرفة: نثل: أي نفض لي رسول الله".

(٢) صحيح البخاري برقم (٤٠٥٥).

(٣) في: "سعيد".

(٤) في جـ، ر، أ، و: "إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه".

(٥) صحيح البخاري برقم (٤٠٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٠٦).

(٦) زيادة من جـ، ر، أ، و.

(٧) في أ، و: "كما ذكر".

(٨) سيرة ابن إسحاق (ظاهرية ق ١٧١) برواية محمد بن سلمة.

ج2 · ص141

هوى من الليل إذا أنا بنار تتأجّح (١) فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ، هذا أبيّ بن خلف.

وثبت في الصحيحين، من رواية عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِرَسُولِ اللهِ -وهو حينئذ يشير إلى رباعيته-اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللهِ" (٢).

ورواه البخاري أيضًا (٣) من حديث ابن جُرَيج، عن عَمْرو بن دينار، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: اشتد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ، بيده في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسول الله ﷺ. وقال محمد بن إسحاق بن يسار، ﵀: أصيبت رَبَاعِية رسول الله ﷺ وشج في وَجْنَته، وكُلِمَت شَفَتُه (٤) وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص.

فحدثني صالح بن كَيْسان، عمن حدثه، عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حَرَصْتُ على قتل أحد قَط ما حرصت على قتل عُتْبة بن أبي وقاص وإن كان ما علمته لسيئ الخلُق، مُبْغَضًا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله ﷺ: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ الله ﷺ" (٥).

وقال عبد الرزاق: أنبأنا معْمَر، عن الزهري، عن عثمان الجزَري، عن مقْسَم؛ أن رسول الله ﷺ دعا على عُتْبةَ بن أبي وقاص يوم أحُد حين كَسر رَبَاعيتَه ودَمى وجهه فقال: "اللَّهُمَّ لا تحل (٦) عَلَيْهِ الْحَوْل حَتَّى يموتَ كَافِرًا". فما حال عليه الحولُ حتى مات كافرًا إلى النار (٧).

ذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة، عن أبي الحُويرث، عن نافع بن جبير قال: سمعتُ رجُلا من المهاجرين يقول: شهدت أحُدًا فنظرت إلى النَّبْل يأتي من كل ناحية، ورسول الله ﷺ (٨) وسطها، كُلُّ ذلك يُصْرَف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دُلّوني على محمد، لا نَجَوتُ إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ليس معه (٩) أحد، ثم جاوره (١٠) فعاتبه في ذلك صَفْوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع. خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك.

قال الواقدي: الثَّبْتُ عندنا أن الذي رمى في وَجْنَتي رسول الله ﷺ ابن قَميئة (١١) والذي دَمى شفته (١٢) وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص (١٣).

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله،

(١) في أ، و: "تأجج لي".

(٢) صحيح البخاري برقم (٤٠٧٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٣).

(٣) صحيح البخاري برقم (٤٠٧٤، ٤٠٧٦).

(٤) في و: "شفتاه".

(٥) سيرة ابن إسحاق (ظاهرية ق ١٧٢).

(٦) في جـ، ر: "لا يحل".

(٧) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٣٦).

(٨) في و: "ورسول الله ﷺ في وسطها".

(٩) في و: "ما معه".

(١٠) في جـ، ر، أ، و: "جاوزه".

(١١) في جـ، ر: "قمأة".

(١٢) في و: "شفتيه".

(١٣) المغازي للواقدي (١/ ٢٤٤).

ج2 · ص142

أخبرني عيسى بن طلحة، عن أم المؤمنين عائشة، ﵂، قالت: كان أبو بكر، ﵁، إذا ذكر يوم أحد قال (١) ذاك (٢) يوم كُله لطلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فَاء يوم أحد، فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه -وأراه قال: حَميَّة فقال (٣) فقلت: كن طَلْحَةَ، حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلا من قومي أحب إلي، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطف المشي خطفا لا أحفظه (٤) فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ: وقد كسرت رَبَاعِيتُه وشُجّ في وجهه، وقد دخل في وَجْنَته حلقتان من حِلَق المِغْفَر، قال رسول الله ﷺ: "عَليكُما صَاحِبَكُما". يريد طلحة، وقد نزف، فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبت لأن أنزع (٥) ذلك (٦) من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني. فتركته، فكره أن يتناولها بيده فيؤذي النبي (٧) ﷺ، فَأزَمَّ عليها (٨) بِفِيهِ فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثَنيَّته مع الحلقة، ذهبت لأصنع ما صنع، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة، ﵁، أحسن (٩) الناس هَتْما، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورَمْيَة وضربة، وإذا قد قُطعَتْ إصبعه، فأصلحنا من شأنه.

ورواه الهيثم بن كُلَيب، والطبراني، من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم: فقال أبو عبيدة: أنشدك (١٠) يا أبا بكر إلا تركتني؟ فأخذ أبو عبيدة السّهم بفيه، فجعل يُنَضْنِضَه كراهيةَ (١١) أن يؤذي رسول الله ﷺ، ثم اسْتل السهم بفيه فبدرت (١٢) ثنية أبي عبيدة.

وذكر تمامه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه (١٣) وقد ضَعّف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا، فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو زُرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي وغيرهم.

وقال ابن وَهْب: أخبرني عَمْرو بن الحارث: أن عُمَر بن السائب حدثه: أنه بلغه أن مالكا أبا [أبي] (١٤) سعيد الخُدْري لمَّا جرح النبي ﷺ يوم أحد مَصّ الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض، فقيل له: مُجَّه. فقال: لا والله لا أمجه أبدا. ثم أدبر يقاتل، فقال النبي ﷺ: "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظُرْ إلى هذا " فاستشهد (١٥).

وقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم (١٦) عن أبيه، عن سَهْل بن سَعْد أنه

(١) في جـ، ر، أ، و: "قال: كان".

(٢) في أ: "ذلك".

(٣) في جـ، ر: "قال".

(٤) في جـ، ر: "لا أخطفه".

(٥) في جـ، ر: "لأنزع".

(٦) في جـ، ر، أ، و: "ذاك".

(٧) في و: "رسول الله".

(٨) في و: "عليه".

(٩) في أ، و: "من أحسن".

(١٠) في جـ، أ، و: "أنشدك بالله".

(١١) في ر: "كراهة".

(١٢) في جـ: "فبذرت" وفي ر، أ، و: "فنذرت".

(١٣) مسند الطيالسي (ص ٣) والمختارة للضياء المقدسي برقم (٤٩) من طريق الهيثم بن كليب، ورواه البزار في مسنده برقم (٦٣) وابن حبان في صحيحه برقم (٤٩٤١) "الإحسان" من طريق إسحاق بن يحيى به. قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١١٢): "فيه إسحاق بن يحيى وهو متروك".

(١٤) زيادة من جـ.

(١٥) ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٦٦) من طريق ابن وهب به.

(١٦) في ر: "حاتم".

ج2 · ص143

سئل عن جُرح رسول الله ﷺ فقال: جُرح وجه رسول الله ﷺ، وكسِرت رَبَاعِيتُه، وهُشِمَت البَيْضة على رأسه، فكانت (١) فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم، وكان عَلِي يسكب عليها (٢) بالمِجَنّ (٣) فلما رأت فاطمة [﵂] (٤) أن الماء لا يزيدُ الدم إلا كثرة، أخذت قطعةَ حَصِير فأحرقته، حتى إذا صار (٥) رمادا ألصقته بالجُرْح، فاستمسك الدم (٦).

وقوله: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) أي: فجازاكم غَما على غَم كما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان.

قال ابن جرير: وكذا قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] [أي: على جذوع النخل] (٧).

قال ابن عباس: الغم الأول: بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل محمد ﷺ، والثاني: حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي ﷺ: "اللَّهُمَّ لَيْسَ لَهُمْ أنْ يَعْلُونا".

وعن عبد الرحمن بن عوف: الغم الأول: بسبب الهزيمة، والثاني: حين قيل: قُتِلَ محمد ﷺ، كان ذلك عندهم أعظم من الهزيمة.

رواهما ابن مَرْدُويَه، وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك. وذكر ابن أبي حاتم عن قتادة نَحْوَ ذلك أيضا.

وقال السُّدِّي: الغم الأول: بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني: بإشراف العدو عليهم.

وقال محمد بن إسحاق (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) أي: كَرْبا بعد كرب، قَتْل مَنْ قُتل من إخوانكم، وعُلُو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: "قُتل نبيكم" (٨) فكان (٩) ذلك متتابعا (١٠) عليكم غما بغم.

وقال مجاهد وقتادة: الغم الأول: سماعهم قتل محمد، والثاني: ما أصابهم من القتل والجراح. وعن قتادة والربيع بن أنس عكسُه.

وعن السُّدِّي: الأول: ما فاتهم من الظَّفَر والغنيمة، والثاني: إشراف العدو عليهم، وقد تقدم هذا عن السدي.

قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قولُ من قال: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) فأثابكم بغَمكُم أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمةَ المشركين والظَّفر بهم والنصرَ عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذ -بعد الذي أراكم (١١) في كل ذلك ما تحبون -بمعصيتكم ربكم، وخلافكم أمر النبي (١٢) ﷺ، غَم ظنكم أن نبيكم قد قتل، وميل العدو عليكم بعد فُلولكم منهم.

(١) في جـ، ر: "وكانت".

(٢) في جـ، ر، أ، و: "عليه".

(٣) في جـ، ر، أ، و: "عليه الماء بالمجن".

(٤) زيادة من جـ، أ، و.

(٥) في أ: "صارت".

(٦) صحيح البخاري برقم (٢٩١١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٠).

(٧) زيادة من جـ.

(٨) في أ، و: "من قبل قتل نبيكم".

(٩) في جـ: "وكان".

(١٠) في أ، و: "مما تتابع".

(١١) في جـ، ر، أ، و: "الذي كان قد أراكم".

(١٢) في أ، و: "نبيكم".

ج2 · ص144

وقوله: (لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) أي: على ما فاتكم من الغنيمة بعدوكم (وَلا مَا أَصَابَكُمْ) من القتل والجراح، قاله ابن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، والحسن، وقتادة، والسدي (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾

يقول تعالى مُمْتَنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمَنَة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مسْتَلْئمو السلاح في حال هَمِّهم وغَمِّهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان (١) كما قال تعالى في سورة الأنفال، في قصة بدر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [وَيُنزلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ] (٢) [الأنفال: ١١].

وقال [الإمام] (٣) أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم وكيع (٤) عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود قال: النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان.

قال البخاري: قال (٥) لي خليفة: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، ﵁، قال: كنت فيمن تَغَشاه (٦) النعاس يوم أحُد، حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه.

هكذا رواه في المغازي معلقا. ورواه في كتاب التفسير مُسْنَدًا عن شيبان، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قال: غَشينا النعاس ونحن في مَصَافنا يوم أحد. قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه.

وقد رواه الترمذي والنسائي والحاكم، من حديث حَمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن

(١) في جـ، ر، أ، و: "الإيمان".

(٢) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".

(٣) زيادة من جـ، ر، أ، و.

(٤) في جـ، ر، أ، و: "ووكيع".

(٥) في أ، و: "وقال".

(٦) في جـ، ر: "يغشاه".

ج2 · ص145

أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحُد، وجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميد (١) تحت جَحَفَتِه من النعاس. لفظ الترمذي، وقال: حسن صحيح.

ورواه النسائي أيضا، عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن أبي قتيبة، عن ابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس قال: قال أبو طلحة: كنت فيمن ألقي عليه النعاس -الحديث (٢).

وهكذا رُوي عن الزبير وعبد الرحمن بن عوف، ﵁ (٣).

وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك؛ أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحُد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هَمٌّ إلا أنفسهُم، أجبن قوم وأرعنه، وأخْذَله للحق (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) كَذَبَةَ، أهل (٤) شك وريب في الله، ﷿ (٥).

هكذا رواه بهذه الزيادة، وكأنها من كلام قتادة، ﵀، وهو كما قال؛ فإن الله ﷿ يقول: (ثُمَّ أَنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ) يعني: أهل الإيمان واليقين والثبات (٦) والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله ويُنْجِز له مأموله، ولهذا قال: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (٧) [الفتح: ١٢] وهكذا هؤلاء، اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنَّها الفيصلة (٨) وأن الإسلام قد باد وأهلُه، هذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة.

ثم أخبر تعالى عنهم أنهم (يَقُولُونَ) في تلك الحال: (هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ) قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ) ثم فَسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) أي: يسرون (٩) هذه المقالة عن رسول الله ﷺ.

قال [محمد] (١٠) بن إسحاق بن يسار: فحدثني يحيى بن عباد (١١) بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول مُعْتَب بن

(١) في جـ، ر: "يمتد".

(٢) صحيح البخاري (٤٥٦٢، ٤٠٦٨) وسنن الترمذي برقم (٣٠٠٧، ٣٠٠٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٨٠).

(٣) في ر: "عنهما".

(٤) في جـ، ر، أ، و: "كذبة، إنما هم أهل".

(٥) دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٧٣).

(٦) في ر: "والبيان".

(٧) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية.

(٨) في ر: "الفضيلة".

(٩) في أ: "أي لا يسرون".

(١٠) زيادة من جـ، ر، أ، و.

(١١) في أ: "عباد الله".

ج2 · ص146

قُشَير، ما أسمعه إلا كالحلم، [يقول] (١): " لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا " فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله [تعالى] (٢) (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) لقول مُعتَب. رواه ابن أبي حاتم.

قال الله تعالى: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) أي: هذا قدر مقدر من الله ﷿، وحكم حَتْم لا يحاد (٣) عنه، ولا مناص منه.

وقوله: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) أي: يختبركم بما جرى عليكم، وليميز الخبيثَ من الطيب، ويظهر أمْرَ المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال، (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: بما يختلج (٤) في الصدور من السرائر والضمائر.

ثم قال (٥) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) أي: ببعض ذنوبهم السالفة، كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من جَزَاء السيئةَ السيئة بعدها (٦).

ثم قال تعالى: (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) أي: عَمّا كان منهم من الفرار (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) أي: يغفر الذنب ويحلُم عن خلقه، ويتجاوز عنهم، وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان، ﵁، وتوليه يوم أحد، وأن الله [قد] (٧) عفا عنهم، عند قوله: (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) ومناسب ذكره هاهنا.

قال (٨) الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عَمْرو، حدثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبدُ الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة (٩) فقال له الوليد: ما لي أراك جفوتَ أمير المؤمنين عثمانَ؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عَيْنَيْن (١٠) -قال عاصم: يقول يوم أحد-ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سُنة عمر. قال: فانطلق فَخَبر ذلك عثمان، قال: فقال: أما قوله: إني لم أفر يوم عَيْنَيْن (١١) فكيف يعَيرني بذَنْب قد (١٢) عفا الله عنه، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) وأما قولُهُ: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقَيَّة بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهِد. وأما قوله: "إني لم أترك سنَّة عمر" فإني لا أطيقها ولا هو، فأته فحدثه بذلك (١٣).

(١) زيادة من ر.

(٢) زيادة من ر، وفي جـ، أ: "﷿".

(٣) في ر، أ، و: "مجيد".

(٤) في جـ، ر، أ: "يتخالج".

(٥) في أ: "وقال".

(٦) في جـ، ر، أ، و: "إن من جزاء السيئة السيئة بعدها وإن من جزاء الحسنة الحسنة بعدها".

(٧) زيادة من جـ، ر، أ، و.

(٨) في ر، أ، و: "وقال".

(٩) في و: "عتبة".

(١٠) في جـ، ر، أ: "حنين".

(١١) في ر، أ: "حنين".

(١٢) في جـ، ر، أ، و: "بذلك وقد".

(١٣) المسند (١/ ٦٨).

ج2 · ص147

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾

ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار وفي (١) الحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم. فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإخْوَانِهِمْ) أي: عن إخوانهم (إِذَا ضَرَبُوا فِي الأرْضِ) أي: سافروا للتجارة ونحوها (٢) (أَوْ كَانُوا غُزًّى) أي: في الغزو (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا) أي: في البلد (مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) (٣) أي: ما ماتوا في السفر ولا قتلوا في الغزو.

وقوله: (لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتهم وقتْلهم (٤) ثم قال تعالى ردا عليهم: (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت إلا بمشيئته وقدره، ولا يُزَاد في عُمُر أحد ولا يُنْقَص منه إلا بقضائه وقدره (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أي: وعلمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم شيء.

وقوله: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) تضمن هذا أن القتل في سبيل الله، والموت أيضا، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعَفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني.

﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾

ثم أخبر بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله، ﷿، فيجزيه بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرا فشر فقال: (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ)

(١) في جـ، ر، و: "أو في".

(٢) في جـ: "وغيرها".

(٣) في ر: "ولا".

(٤) في جـ، ر، أ، و: "موتاهم وقتلاهم".

ج2 · ص148

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾

يقول تعالى مخاطبا رسوله ﷺ، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته، المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) أي: أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم.

قال قتادة: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) يقول: فبرحمة من الله لنت لهم. و"ما" صلة، والعربُ تصلها بالمعرفة كقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥، المائدة: ١٣] وبالنكرة كقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] وهكذا (١) هاهنا قال: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) أي: برحمة من الله (٢).

وقال الحسن البصري: هذا خُلُقُ محمد ﷺ بعثه الله به.

وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].

وقال الإمام أحمد: حدثنا حَيْوة، حدثنا بَقِيَّة، حدثنا محمد بن زياد، حدثني أبو راشد الحُبْراني قال: أخد بيدي أبو أمَامة الباهلي وقال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: "يَا أبَا أُمامَةَ، إنَّ مِنَ الْمُؤْمِنينَ مَنْ يَلِينُ لِي قَلْبُه". (٣) انفرد (٤) به أحمد (٥).

ثم قال تعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) الفظ: الغليظ، [و] (٦) المراد به هاهنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك: (غَلِيظَ الْقَلْبِ) أي: لو كنت سيِّئَ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه رأى صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة: أنه ليس بفَظٍّ، ولا غليظ، ولا سَخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح (٧).

وروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، أنبأنا بشْر بن عُبَيد الدارمي، حدثنا عَمّار بن عبد الرحمن، عن المسعودي، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله أمَرَنِي بِمُدَارَاةِ النَّاس كَمَا أمَرني بِإقَامَة الْفَرَائِضِ" (٨) حديث غريب (٩).

(١) في جـ، أ، و: "كذا".

(٢) في أ: "فبما رحمة من الله -أي برحمة من الله- لنت لهم".

(٣) في جـ، ر، أ، و"له قلبي".

(٤) في جـ، ر، أ، و: "تفرد".

(٥) المسند (٥/ ٢٦٧).

(٦) زيادة من جـ، ر، أ، و.

(٧) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٨٣٨).

(٨) في أ: "الصلاة".

(٩) ورواه ابن مرديه في ثلاثة مجالس من الأمالى برقم (٤٢) وابن عدي في الكامل (٢/ ١٥) والديلمي في مسند الفردوس برقم (٦٥٩) من طريق بشر بن عبيد به. وبشر بن عبيد قال ابن عدي: منكر الحديث عن الأئمة. وساق له الذهبي أحاديث، منها هذا الحديث، ثم قال: "وهذه الأحاديث غير صحيحة فالله المستعان".

ج2 · ص149

ولهذا قال تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ) ولذلك (١) كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حَدَث، تطييبًا لقلوبهم؛ ليكونوا فيما يفعلونه (٢) أنشط (٣) لهم [كما] (٤) شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير (٥) فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عُرْض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى بَرْك الغَمَاد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن [شمالك] (٦) مقاتلون.

وشاورهم -أيضا-أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعتق ليموتَ، بالتقدم إلى أمام القوم، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهُورُهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم.

وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه ذلك السَعْدَان: سعدُ بن معاذ وسعدُ بن عُبَادة، فترك ذلك.

وشاورهم يومَ الحُدَيبية في أن يميل على ذَرَاري المشركين، فقال له الصديق: إنا لم نجيء (٧) لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال.

وقال ﵇ (٨) في قصة (٩) الإفك: "أشِيروا عَلَيَّ مَعْشَرَ الْمُسْلِمينَ فِي قَوْمٍ أبَنُوا (١٠) أهلِي ورَمَوهُم، وايْمُ اللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِي مِنْ سُوءٍ، وأبَنُوهم بمَنْ -واللهِ-مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلا خَيْرًا". واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة، ﵂.

فكان (١١) [ﷺ] (١٢) يشاورهم في الحروب ونحوها. وقد اختلف الفقهاء: هل كان ذلك واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ على قولين.

وقد قال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف (١٣) بمصر، حدثنا سعيد بن [أبي] (١٤) مريم، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عَمْرو بن دينار، عن ابن عباس في قوله: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ) قال: أبو بكر وعمر، ﵄. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (١٥).

وهكذا رواه الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر وعمر، وكانا حَوَاري رسول الله ﷺ ووزيريه وأبَوَي المسلمين.

وقد روى الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا عبد الحميد، عن شَهْرَ بن حَوْشَب، عن عبد الرحمن

(١) في جـ، ر، أ، و: "وكذلك".

(٢) في و: "ليكون ما يفعلونه".

(٣) في ر: "أبسط".

(٤) زيادة من جـ.

(٥) في أ، و: "النفير".

(٦) زيادة من جـ، أ، و.

(٧) في أ: "لم نأت".

(٨) في أ: "ﷺ".

(٩) في جـ، أ: "قضية".

(١٠) في جـ، ر: "آنبوا".

(١١) في أ: "وكان".

(١٢) زيادة من و.

(١٣) في أ: "العلائي".

(١٤) زيادة من جـ، ر.

(١٥) المستدرك (٣/ ٧٠).

ج2 · ص150

بن غَنْم أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر: "لوِ اجْتَمَعْنا (١) فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا" (٢).

وروى ابن مَرْدُويه، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن العَزْم؟ قال (٣) "مُشَاوَرَةُ أهْلِ الرَّأْي ثُمَّ اتِّبَاعُهُمْ" (٤).

وقد قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير (٥) عن شيبان (٦) عن عبد الملك بن عُمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ".

ورواه أبو داود والترمذي، وحسّنه [و] (٧) النسائي، من حديث عبد الملك بن عُمير بأبسط منه (٨).

ثم قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عَمْرو الشيباني، عن أبي (٩) مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ". تفرد به (١٠).

[وقال أيضا] (١١) وحدثنا أبو بكر، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعلي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ "إذَا اسْتَشَارَ أحَدُكُمْ أخَاهُ فَليشِر (١٢) عليْهِ. تفرد به أيضا (١٣).

وقوله: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزَمْت عليه فتوكل على الله فيه (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)

وقوله: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) وهذا كما تقدم من قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)

وقوله: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد: ما ينبغي لنبي أن يخون.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيَّب بن واضح، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن

(١) في جـ، ر، أ، و: "اجتمعتما".

(٢) المسند (٤/ ٢٢٧).

(٣) في أ، و: "فقال".

(٤) ذكره السيوطي في الدر (٢/ ٣٦٠) وعزاه إلى ابن مردويه.

(٥) في جـ، أ: "بكر".

(٦) في جـ، ر، أ: "سفيان".

(٧) زيادة من جـ، ر، أ، و.

(٨) سنن ابن ماجة برقم (٣٧٤٥) وسنن أبي داود برقم (٥١٢٨) وسنن الترمذي برقم (٢٨٢٢، ٢٣٦٩، ٢٣٧٠).

(٩) في جـ، ر: "ابن".

(١٠) سنن ابن ماجة برقم (٣٧٤٦) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٨١): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".

(١١) زيادة من و.

(١٢) في أ: "فليشير".

(١٣) سنن ابن ماجة برقم (٣٧٤٧).

ج2 · ص151

سفيان (١) [عن] (٢) خصيف، عن عكرمة عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول الله ﷺ أخذها. فأنزل الله: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) أي: يخون.

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا خصِيف، حدثنا مِقْسَم حدثني ابن عباس أن هذه الآية: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) نزلت في قطيفة (٣) حمراء فُقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: أخذها (٤) قال فأكثروا في ذلك، فأنزل الله: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)

وكذا رواه أبو داود، ﵀، والترمذي جميعا، عن قتيبة، عن عبد الواحد بن زياد، به. وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه بعضهم عن خَصِيف، عن مِقْسَم -يعني مرسلا (٥).

وروى ابن مَرْدُويه من طريق أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: اتهم المنافقون رسول الله ﷺ بشيء فُقِد، فأنزل الله، ﷿: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)

وقد وروي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم. وهذا تبرئة له، صلوات الله وسلامه عليه، عن جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك.

وقال العوفي عن ابن عباس: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) أي: بأن يَقْسم لبعض السرايا ويترك بعضا (٦) وكذا قال الضحاك.

وقال محمد بن إسحاق: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغه أمته.

وقرأ الحسن البصري وطاوس، ومجاهد، والضحاك: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) بضم الياء أي: يخان.

وقال قتادة والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية يوم بدر، وقد غَلّ بعض أصحابه. رواه ابن جرير عنهما، ثم حكى عن بعضهم أنه قرأ (٧) هذه القراءة بمعنى يُتَّهم بالخيانة.

ثم قال تعالى: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد. وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضا في أحاديث متعددة.

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك، حدثنا زهير -يعني ابن محمد-عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي مالك الأشجعي [﵁] (٨) عن النبي ﷺ (٩) أعْظَمُ الْغُلُولِ عِنْدَ اللهِ ذِراعٌ مِنَ الأرْضِ: تَجِدُونَ الرَّجُلَيْن جَارَيْن في الأرْضِ -أو فِي الدَّار-فَيَقْطَعُ أحَدُهُمَا

(١) في ر: "شقيق".

(٢) زيادة من جـ، ر.

(٣) في جـ، ر، أ، و: "أن هذه الآية نزلت: "وما كان لنبي أن يغل" في قطيفة".

(٤) في جـ: "سمعت رسول الله ﷺ أخذها"، وفي أ: "لعل رسول الله ﷺ أخذها".

(٥) تفسير الطبري (٧/ ٣٤٨) وسنن أبي داود برقم (٣٩٧٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠٠٩).

(٦) في أ: "بعضها".

(٧) في جـ، ر، أ، و: "فسر".

(٨) زيادة من جـ، ر، أ.

(٩) في جـ، ر: "النبي ﷺ قال"

ج2 · ص152

مِنْ حَظِ صِاحِبِه ذِراعًا، فَإذَا اقْتَطَعَهُ طُوِّقَهُ مِنْ سَبعِ (١) أرضِينَ إلى يَوْمِ الْقِيَامة" (٢).

[وفي الصحيحين عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: "من ظلم قَيْد شبر من الأرض طُوِّقَه يوم القيامة من سبع أرضين"] (٣) (٤).

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لَهِيعة، عن ابن (٥) هُبَيْرة والحارث بن يزيد (٦) عن عبد الرحمن بن جبير. قال: سمعت المُسْتَوْرد بن شدّاد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ وَلِيَ لَنَا عَمَلا وَلَيْسَ لَهُ مَنزلٌ فَلْيَتَّخِذْ مَنزلا أَوْ لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيَتَزَوَّجْ، أَوْ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَتَّخِذْ خَادِمًا، أَوْ لَيْسَت (٧) لَهُ دَابَّةٌ فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ" (٨).

هكذا رواه الإمام أحمد، وقد رواه أبو داود بسند آخر وسياق آخر فقال:

حدثنا موسى بن مروان الرَّقِّي، حدثنا المعافي، حدثنا الأوزاعي، عن الحارث بن يزيد (٩) عن جبير بن نُفَير، عن المستورد بن شداد. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلا فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا". قال: قال أبو بكر: أُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ، أَوْ سَارِقٌ" (١٠).

قال شيخنا الحافظ المزّي [﵀] (١١) رواه جعفر بن محمد الفرْيَابي، عن موسى بن مروان فقال: عن عبد الرحمن بن جُبَير بدل جبير بن نفير، وهو أشبه بالصواب.

حديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا حَفْص (١٢) بن بشْر، حدثنا (١٣) يعقوب القُمّي (١٤) حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى لله عليه وسلم "لا أعْرِفَنَّ أحَدَكُمْ يَأْتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْملُ شَاةً لَهَا ثُغَاءٌ، فَيُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ [لَكَ] (١٥) مِنَ اللهِ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُكَ. ولا أعْرِفَنَّ أحَدَكُمْ [يأْتِي] (١٦) يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ جَمَلا لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِن اللهِ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُكَ. ولا أعْرِفَنَّ أَحَدكمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ فَرَسًا لَهُ حَمْحَمَةٌ، يُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، قَدْ

(١) في أ، و: "في سبع".

(٢) المسند (٤/ ١٤٠).

(٣) زيادة من أ، و.

(٤) صحيح البخاري برقم (٢٤٥٢) وصحيح مسلم برقم (١٦١٠).

(٥) في جـ، ر، أ، و: "أبي".

(٦) في أ: ": سويد".

(٧) في أ: "أو ليس".

(٨) المسند (٤/ ٢٢٩).

(٩) في جـ، أ: "شريك".

(١٠) سنن أبي داود برقم (٢٩٤٥).

(١١) زيادة من و.

(١٢) في جـ: "جعفر".

(١٣) في جـ، ر: "عن".

(١٤) في جـ: "العمي".

(١٥) زيادة من جـ، والطبري.

(١٦) زيادة من جـ، والطبري.

ج2 · ص153

بَلَّغْتُكَ. وَلا أعْرِفَنَّ أحَدَكُمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ [قَشْعًا] (١) من أدْمٍ، يُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ. فأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُكَ".

لم يروه أحدٌ من أهل (٢) الكتب الستة (٣).

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، سمع عُرْوَة يقول: أخبرنا أبو حميد الساعدي قال: استعمل رسولُ الله ﷺ رَجُلا من الأزْد يقال له: ابن اللُّتْبِيَّة على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام رسولُ الله ﷺ على المنبر فقال: "مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. أَفَلا جَلَسَ (٤) فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لا؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَأْتِي أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا بِشَيْءٍ إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ" ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ" ثَلاثًا.

وزاد هشَام بن عُرْوَة: فقال (٥) أبو حميد: بَصَرُ عيني، وسمع أذني، وسلوا (٦) زيد بن ثابت.

أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة (٧) وعند البخاري: وسلوا زيد بن ثابت. ومن غير وجه عن الزهري، ومن طريق (٨) عن هشام بن عروة، كلاهما عن عروة، به.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عَيَّاش، عن يحيى بن سعيد، عن عروة بن الزبير، عن أبي حُمَيد أن رسول الله ﷺ قال: "هَدَايا الْعُمَّالِ غُلُولٌ".

وهذا الحديث من أفراد أحمد (٩) وهو ضعيف الإسناد، وكأنه مختصر من الذي قبله، والله أعلم.

حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي في كتاب الأحكام، حَدّثنا أبو كُرَيْب، حدثنا أبو أسامة، عن داود بن يزيد الأوْدي، عن المغيرة بن شِبْل، عن قيس بن أبي حازم، عن معاذ بن جَبَل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثَري فَرُددتُ، فقال: "أَتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إلَيْكَ؟ لا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِي فَإنَّهُ غُلُولٌ، (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لهذا دَعَوْتُكَ، فَامْضِ لِعَمَلِكَ".

هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن عَدِيّ بن عَميرة، وبُرَيدة، والمستورد بن شداد، وأبي حُمَيد، وابن عمر (١٠).

(١) زيادة من جـ، ر، والطبري وفي أ، و: "قسمان".

(٢) في جـ، ر: "أصحاب".

(٣) تفسير الطبري (٧/ ٣٥٨).

(٤) في أ: "أجلس".

(٥) في أ، و: "قال".

(٦) في أ: "وسألوا".

(٧) المسند (٥/ ٤٢٣) وصحيح البخاري برقم (٢٥٩٧، ٧١٧٤) وصحيح مسلم برقم (١٨٣٢).

(٨) في أ: "طرق".

(٩) المسند (٥/ ٤٢٤).

(١٠) سنن الترمذي برقم (١٣٣٥).

ج2 · ص154

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، حدثنا أبو حيان يحيى بن سعيد التّيْميّ، عن أبي زُرْعَة بن عُمَر بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسول الله ﷺ يوما، فذكر الغُلُول فعَظَّمه وعَظَّم أمره، ثم قال: "لا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُكَ".

أخرجاه من حديث أبي حَيَّان، به (١).

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني قيس، عن عدِيّ بن عُميرَة الكندي قال: قال رسول الله ﷺ: "يَأَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَمِلَ لَنَا [مِنْكُمْ] (٢) عملا (٣) فكَتَمَنَا مِنْهُ (٤) مِخْيَطا فَمَا فَوْقَهُ فَهُوَ غُلُّ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قال: فقال (٥) رجل من الأنصار أسود -قال مُجَالد: هو سعيد (٦) بن عبادة -كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك. قال: "وَمَا (٧) ذَاك؟ " قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: "وَأَنا أقُولُ ذَاكَ (٨) الآن: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئ بِقَليلِهِ وَكَثِيرِه، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَهُ. وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى". وكذا رواه مسلم، وأبو داود، من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، به (٩).

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الفَزَاري، عن ابن جُرَيج، حدثني منبوذ، رجل من آل أبي رافع، عن الفضل بن عبيد الله (١٠) بن أبي رافع، عن أبي رافع قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى العصر رُبَّما ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث معهم حتى ينحدر المغرب (١١) قال أبو رافع: فبينا رسولُ الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب إذ مر بالبقيع فقال: "أُفٍّ لَكَ .. أُفٍّ لَكَ" مرتين، فكبر (١٢) في [ذرعي] (١٣) وتأخرت وظننت أنه يريدني، فقال: "مَا لَكَ؟ امش" قال: قلتُ: أحدثت حدثا يا رسول الله؟ قال: "وَمَا ذَاكَ؟ " قلت: أفَّفْتَ بي (١٤) قال: "لا وَلَكِنْ هَذَا قَبْرُ فُلانٍ، بَعَثْتُهُ (١٥) سَاعِيًا عَلَى آلِ فُلانٍ، فَغَلَّ نَمِرَة فَدُرِعَ الآنَ مِثْلَهُ مِنْ نَارٍ" (١٦).

حديث آخر: قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن سالم الكوفي المفلوج -وكان بمكة-

(١) المسند (٢/ ٤٢٦) وصحيح البخاري برقم (٣٠٧٣) وصحيح مسلم برقم (١٨٣١).

(٢) زيادة من جـ، والمسند.

(٣) في أ، و: "في عمل".

(٤) في جـ: "من عمل منكم لنا في عمل كتمنا به".

(٥) في جـ، ر: "فقام".

(٦) في أ، و: "سعد".

(٧) في جـ، أ: "فما".

(٨) في أ: "ذلك".

(٩) المسند (٤/ ١٩٢) وصحيح مسلم برقم (١٨٣٣).

(١٠) في جـ، ر، أ: "عبد الله".

(١١) في جـ، ر، أ، و: "للمغرب".

(١٢) في جـ، ر: "فليس".

(١٣) زيادة من جـ، ر، أ، و، والمسند.

(١٤) في جـ، ر، أ، و: "لي".

(١٥) في و: "نبعثه".

(١٦) المسند (٦/ ٣٩٢).