سورة آل عمران
ซูเราะฮ์ที่ 3 · ตอน 11/14 · เล่ม 2 หน้า 155–169
حدثنا عُبَيْدة بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن عبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ كان يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم، ثم يقول: "مَا لِيَ فِيهِ إلا مِثْلَ مَا لأحَدِكُمْ، إيَّاكُمْ والْغُلُولَ، فَإنَّ الْغُلُولَ خزْي عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أدُّوا الخَيْطَ والمِخْيَطَ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَجَاهِدُوا فِي سبيل الله الْقَرِيب (١) والْبَعِيدَ، في الْحَضَرِ والسَّفَرِ، فإنَّ الجِهَادَ بَابٌ مِنْ أبْوَابِ الْجَنَّةِ، إنَّهُ لَيُنْجِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهَمِّ والْغَمِّ؛ وأقِيمُوا حُدُودَ اللهِ فِي الْقَرِيبِ والْبَعِيدِ، وَلا تَأْخُذُكُمْ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائمٍ". وقد روى ابنُ ماجة بَعْضَه عن المفلوج، به (٢).
حديث آخر: عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ: "رُدُّوا الْخِيَاط (٣) وَالْمِخْيَطَ، فَإنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٤).
حديث آخر: قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن مُطَرِّف، عن أبي الجَهْم، عن أبي مسعود الأنصاري قال: بعثني رسول الله ﷺ ساعيًا ثم قال: "انْطَلِقْ -أَبَا مَسْعُودٍ-لا أُلْفِيَنَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَجِيءُ عَلَى ظَهْرِكَ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لَهُ رُغَاءٌ قَدْ غَلَلْتَهُ". قال: إِذًا لا أَنْطَلِقُ. قال: إِذًا لا أُكْرِهُكَ". تفرد به أبو داود (٥).
حديث آخر: قال أبو بكر بن مَرْدُويَه: أنبأنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، أنبأنا عبد الحميد بن صالح أنبأنا أحمد بن أبان، عن علقمة بن مَرْثَد، عن ابن (٦) بُرَيدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: إنَّ الْحَجَرَ لَيُرْمَى بِهِ [فِي] (٧) جَهَنَّمَ فَيَهْوِي سَبْعِينَ خَرَيِفًا مَا يَبْلُغُ قَعْرَهَا، وَيُؤْتَى بِالْغُلُولِ فَيُقْذَفُ مَعَهُ"، ثم يُقَالُ لَمَنْ غَلَّ ائْتِ بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (٨).
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم (٩) بن القاسم، حدثنا عِكْرِمة بن عمار، حدثني سماك الحَنفي أبو زُميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عُمَر بن الخطاب قال: لما كان يومُ خَيْبَر أقبل نَفَر من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد. حتى أَتوْا على رجل فقالوا: فلان شهيد؟ فقال رسول الله ﷺ: "كَلا إنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا -أو عَبَاءَةٍ". ثم قال رسول الله ﷺ: "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: إنَّه لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا الْمُؤْمِنُونَ". قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.
(١) في و: "بالقريب".
(٢) المسند (٥/ ٣٣٠) وهذا الحديث من زيادات عبد الله بن أحمد على مسند أبيه، وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٤٠).
(٣) في ر: "المخياط".
(٤) المسند (٢/ ١٨٤).
(٥) سنن أبي داود برقم (٢٩٤٧).
(٦) في جـ، ر، أ: "أبي".
(٧) زيادة من جـ، ر، والمعجم الكبير.
(٨) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٢١) والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٣٣٤) من طريق محمد بن أبان عن علقمة بن مرثد به، وفي إسناده محمد بن أبان الجعفي ضعيف.
(٩) في جـ: "هشام".
وكذا رواه مسلم، والترمذي من حديث عكرمة بن عمار به. وقال الترمذي: حسن صحيح (١).
حديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ بعث سعد بن عُبَادة مُصَدقًا، فقالَ: "إيَّاكَ يَا سَعْدُ أنْ تَجِيء يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ تَحْمِلُهُ لَهُ رُغَاءٌ" قَالَ: لا آخذه ولا أجيء به. فأعفاه. ثم رواه من طريق عُبَيد الله (٢) عن نافع، به، نحوه (٣).
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا صالح بن محمد بن زائدة، عن سالم بن عبد الله، أنه كان مع مَسْلَمة بن عبد الملك في أرض الروم، فوُجِد في متاع رجل غُلُول. قال: فسأل سالمَ بْنَ عبد الله فقال: حدثني أبي عبدُ الله، عن عمر بن الخطاب، ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ وَجَدْتُمْ فِي مَتَاعِهِ غُلُولا فأحْرِقُوهُ": قال: وأحسبه قال: واضربوه قال: فأخرج متاعَه في السوق، فَوَجَد فيه مصحفا، فسأل سالم: بعهُ وَتَصَدَّقْ بثمنه.
وهكذا رواه علي بن المديني، وأبو داود، والترمذي من حديث عبد العزيز بن محمد الأتَدْرَاوَرْدي (٤) -زاد أبو داود: وأبو إسحاق الفزاري-كلاهما عن أبي واقد الليثي الصغير صالح بن محمد بن زائدة، به (٥).
وقد قال علي بن المديني، ﵀، والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر من رواية أبي واقد هذا. وقال الدارقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط، وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإمام [أحمد] (٦) بن حنبل، ﵀، ومن تابعه من أصحابه، وخالفه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، والجمهور، فقالوا: لا يحرق متاع الغالّ، بل يعزر تعزير مثله. وقال البخاري: وقد امتنع رسولُ الله ﷺ من الصلاة على الغال، ولم يحرق متاعه، والله أعلم.
طريق أخرى عن عمر: قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن موسى بن جُبَير حدثه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه: أن عبد الله بن أنيس حدثه: أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يوما الصدقة فقال: ألم تسمع رسول الله ﷺ حين ذكر غلول الصدقة: "مَنْ غَلَّ مِنْهَا بَعِيرًا أوْ شَاةً، فإنَّهُ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى.
ورواه ابن ماجة، عن عمرو بن سَوّاد، عن عبد الله بن وهب، به (٧).
ورواه الأموي عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: عقوبة الغال
(١) المسند (١/ ٣٠) وصحيح مسلم برقم (١١٤) وسنن الترمذي برقم (١٥٧٤).
(٢) في جـ، ر، أ: "عبد الله".
(٣) تفسير الطبري (٧/ ٣٦١).
(٤) في جـ، ر، أ: "الدراوردي".
(٥) المسند (١/ ٢٢) وسنن أبي داود برقم (٢٧١٣، ٢٧١٤) وسنن الترمذي برقم (١٤٦١) وقال: "حديث غريب".
(٦) زيادة من جـ، ر، أ.
(٧) تفسير الطبري (٧/ ٣٦٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٨١٠) وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٥٦): "هذا إسناد فيه مقال موسى بن جبير قال فيه ابن حبان في الثقات: يخطئ ويخالف، وقال الذهبي في الكاشف: ثقة، ولم أر لغيرهما فيه كلاما، وعبد الله بن عبد الرحمن ذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات".
أن يخرج رحله ويحرق على ما فيه.
ثم روي عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن علي [﵁] (١) قال: الغال يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حد [المملوك، ويحرم نصيبه، وخالفه أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا: لا يحرق متاع الغال، بل يعزر تعزير مثله، وقد قال البخاري: وقد امتنع رسول الله ﷺ من الصلاة على الغال ولم يحرق متاعه، والله أعلم] (٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن خُمَيْر (٣) بن مالك قال: أُمر بالمصاحف أن تُغَيَّرَ قال: فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يَغُلَّ مصحفا (٤) فلْيغُلُّه، فإنه من غَلَّ شيئا جاء به يوم القيامة، ثم قال (٥) قرأت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة، أفأترك ما أخذتُ من في رسول الله ﷺ؟ (٦).
وروى وَكِيع في تفسيره عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، قال: لما أمر بتحريق (٧) المصاحف قال عبد الله: يا أيها الناس، غُلُّوا المصاحف، فإنه من غَلّ يأت بما غَلّ يوم القيامة، ونعم الغُل المصحف. يأتي به أحدكم يوم القيامة (٨).
وقال [أبو] (٩) داود عن سَمُرَة بن جُنْدُب قال: كان رسول الله ﷺ إذا غنم غنيمة أمر بلالا فينادي في الناس، فَيَجيئُون بغنائمهم يخمسه ويُقسمه، فجاء رجل يوما بعد النداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله، هذا كان مما (١٠) أصبنا (١١) من الغنيمة. فقال: "أسَمِعْتَ بِلالا يُنَادِي ثلاثا؟ "، قال: نعم. قال: "فَمَا مَنَعَكَ أنْ تَجِيء بِه؟ " فاعتذر إليه، فقال: "كَلا أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَنْ أقْبَلَهُ مِنْكَ" (١٢).
وقوله: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي: لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه وأُجِير من وَبِيل عقابه، ومن استحق غضب الله وألزم به، فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير.
وهذه لها نظائر في القرآن كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩] وكقوله ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِين] (١٣)﴾ [القصص: ٦١].
(١) زيادة من ر.
(٢) زيادة من و.
(٣) في هـ، جـ، ر: "جبير" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من المسند (١/ ٤١٤). وانظر تعليق أحمد شاكر على الحديث رقم (٣٩٢٩).
(٤) في جـ، ر، أ، و: "مصحفه".
(٥) في جـ، ر: "قال: ثم قال".
(٦) المسند (١/ ٤١٤) ورواه ابن أبي داود في المصاحف (ص ٢١) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به.
(٧) في أ، و: "بتمزيق".
(٨) ورواه بن أبي داود في المصاحف (ص ٢٢) من طريق وكيع به.
(٩) زيادة من جـ، ر.
(١٠) في جـ، ر، أ: "فيما".
(١١) في ر:، أ: "أصبناه".
(١٢) رواه أبو داود في سننه برقم (٢٧١٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقول الحافظ ابن كثير ﵀ بأنه عن سمرة بن جندب وهم. وقد ذكر هذا الحديث الحافظ المزي من مسند عبد الله بن عمرو في كتابه القيم "تحفة الأشراف".
(١٣) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
ثم قال: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني: أهل الخير وأهل الشر درجات، وقال أبو عبيدةَ والكسائي: منازل، يعني: متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ الآية [الأنعام: ١٣٢]؛ ولهذا قال: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) أي: وسَيُوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرا ولا يزيدهم شرا، بل يجازي كلا بعمله.
وقوله: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ (١) لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١] أي: من جنسكم. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسل إليهم منهم، بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فَهْم الكلام عنه، ولهذا قال: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) يعني: القرآن (وَيُزَكِّيهِمْ) أي: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكُوَ نفوسهم وتطهر من الدَّنَسِ والخَبَث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم (٢) (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) يعني: القرآن والسنة (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل هذا الرسول (لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: لفي غَي وجهل ظاهر جليّ بين لكُل أحد.
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾
يقول تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) وهي ما أصيب منهم يوم أُحد من قتل السبعين منهم (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) يعني: يوم بَدْر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلا وأسروا سبعين أسيرا (قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا) أي: من أين جرى علينا هذا؟ (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)
قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا قُرَاد أبو (١) نوح، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سِمَاك الحنفي أبو زُميل، حدثني ابن عباس، حدثني عُمَر بن الخطاب قال: لما كان يومُ أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفِدَاء، فقتل منهم سبعون وفَرَّ أصحاب رسول الله ﷺ عنه، وكُسرت رَبَاعِيتُه وهُشمَت البَيْضَة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله ﷿: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) بأخذكم الفداء.
وهكذا رواه الإمام أحمد (٢) عن عبد الرحمن بن غَزْوان، وهو قُرَاد أبو نوح، بإسناده ولكن بأطول منه، وكذا قال الحسن البصري.
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة عن ابن عوْن، عن محمد عن عَبيدة (ح) قال سُنَيد -وهو حسين-: وحدثني حجاج عن جَرير، عن محمد، عن عَبيدة، عن علي، ﵁، قال: جاء جبريل، ﵇، إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن الله قد كَرِه ما صنع قومُك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين، إما أن يُقدموا فتضرب (٣) أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء، على أن يُقْتَل منهم عدّتهم. قال: فدعا رسولُ الله ﷺ الناسَ فذكر ذلك لهم، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، ألا نأخذ فداءهم فَنتَقوّى (٤) به على قتال عدونا، ويستشهد منا عدّتهم، فليس في ذلك ما نكره؟ قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر.
وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي داود الحَفْري، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، به. ثم قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة. وروى أبو أسامة عن هشَام نحوه. وروى عن ابن سِيرِين عن عبيدة، عن النبي ﷺ مرسلا (٥).
وقال محمد بن إسحاق، وابن جريج، والربيع بن أنس، والسديِّ: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) أي: بسبب عصيانكم رَسُول الله ﷺ حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا مُعَقبَ لحكمه (٦).
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾
ثم قال تعالى:
(وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ) أي: فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك. [وقوله] (٧) (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا.
(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ) يعني [بذلك] (١) أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول الذين رجعوا معه في (٢) أثناء الطريق، فاتبعهم من اتبعهم من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة؛ ولهذا قال: (أَوِ ادْفَعُوا) قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، والضحاك، وأبو صالح، والحسن، والسُّدِّي: يعني (٣) كَثروا سواد المسلمين. وقال الحسن بن صالح: ادفعوا بالدعاء. وقال غيره: رابطوا. فتعلَّلوا قائلين: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ) قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربا لجئناكم، ولكن لا تلقون قتالا.
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد (٤) بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كُلهم قد حدث قال: خَرَجَ رسول الله ﷺ -يعني حين خرج إلى أحد-في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشَّوط -بين أحد والمدينة-انحاز (٥) عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس، وقال (٦) أطاعهم فخرج وعصاني، ووالله ما ندري علام نقتُل أنفسنا هاهنا أيها الناس، فرجع بمن (٧) اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عَمرو بن حرام أخو بني سَلمة، يقول: يا قوم، أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبَوْا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيُغْنى (٨) الله عنكم. ومضى رسول الله ﷺ (٩).
قال الله تعالى: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ) استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب [إلى] (١٠) الإيمان؛ لقوله: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ)
ثم قال: (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) يعني: أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ) فإنهم يتحققون أن جندا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة، يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من سراتهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين، أنه كائن بينهم قتال (١١) لا محالة؛ ولهذا قال تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ).
وقوله: (الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل. قال الله تعالى: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: إن كان القُعود يَسْلَم (١٢) به الشخص من القتل والموت، فينبغي، أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في
(١) زيادة من جـ، ر.
(٢) في أ، و: "من".
(٣) في أ: "بعد".
(٤) في ر: "وعن محمد".
(٥) في جـ، ر، أ، و: "انحذل".
(٦) في أ، و: "فقال".
(٧) في ر: "من".
(٨) في أ: "يستغنى".
(٩) سيرة ابن إسحاق (ظاهرية ق ١٦٦ - ١٦٨) ورواه الطبري في تفسيره (٧/ ٣٧٨) من طريق ابن إسحاق به.
(١٠) زيادة من جـ، ر.
(١١) في ر: "قتالا".
(١٢) في ر: "القول يدفع".
بروج مُشَيّدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد، عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول.
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾
يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار فإن أرواحَهم حية مرزوقة في دار القرار.
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا عُمَر بن يونس، عن عِكْرِمة، حدثنا ابن إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي ﷺ الذين (١) أرسلهم نبي الله ﷺ إلى أهل بئر معونة قال: لا أدري أربعين أو سبعين. وعلى ذلك الماء عامر بن الطُّفَيل الجعفري، فخرج أولئك النَّفَر من أصحاب رسول الله ﷺ، حتى أتَوْا (٢) غارا مُشْرِفا على الماء فقعدوا (٣) فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يُبَلِّغ رسَالَة رسول الله ﷺ أهْلَ هذا الماء؟ فقال -أرَاه ابن ملْحان الأنصاري-: أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ. فخَرَج حتى أتى حيا (٤) [منهم] (٥) فاختبأ أمام البيوت، ثم قال: يا أهل بئر مَعُونة، إني رسولُ رسول الله إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه رَجُل من كسر البيت برُمْح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر. فقال: الله أكبر، فُزْتُ ورب الكعبة. فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجمعين عامرُ بن الطفيل. وقال إسحاق: حدثني أنس بن مالك: أن الله [تعالى] (٦) أنزل فيهم قرآنا: بَلِّغُوا عنا قَوْمَنا أنَّا قد لقينا رَبَّنا فَرَضي عَنَّا ورَضينا عَنْه ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناه زَمَنًا (٧) وأنزل الله: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (٨).
وقد قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمَير، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمَشُ، عن عبد الله بن مُرَّةَ، عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) فقال: أما إنَّا قد سألنا عن ذلك فقال: "أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ (٩)
(١) في أ: "الذي".
(٢) في ر: "حتى إذا أتوا".
(٣) في جـ، ر: "قعدوا".
(٤) في هـ، جـ، ر، أ، و: "حول"، والمثبت من الطبري.
(٥) زيادة من جـ، ر.
(٦) زيادة من أ.
(٧) في أ، و: "زمانا".
(٨) تفسير الطبري (٧/ ٣٩٢، ٣٩٣) ورواه البخاري في صحيحه برقم (٢٨٠١) من طريق همام عن إسحاق بن أبي طلحة به.
(٩) في أ: "أهل الجنة".
حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ فَقَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ (١) يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا" (٢). وقد روي نحوه عن أنس وأبي سعيد.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حَمَّاد، حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ، لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا إِلا الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ".
انفرد (٣) به مسلم من طريق حماد (٤) (٥).
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان، عَن (٦) محمد بن علي بن رَبيعة السلمي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: قال لي رسولُ الله ﷺ: "أما عَلِمْتَ (٧) أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاكَ فَقَالَ لَهُ: تَمَنَّ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ: أُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا، فَأُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: إِنِّي قَضَيْتُ الْحُكْمَ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ".
انفرد (٨) به أحمد من هذا الوجه (٩) وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن أبا جابر -وهو عبد الله بن عَمْرو بن حَرام الأنصاري ﵁-قتل يوم أحد شهيدا. قال البخاري: وقال أبو الوليد، عن شعبة عن ابن المُنْكَدِر قال: سمعت جابرا قال: لما قُتِل أبي جعلتُ أبكي وأكشفُ الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله ﷺ ينْهَوني (١٠) والنبي ﷺ لم يَنْه، وقال النبي ﷺ: "لا تَبْكِهِ (١١) -أو: مَا تَبْكِيهِ (١٢) -ما زَالَتِ الْملائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِها حَتَّى رُفِعَ". وقد أسنده هو ومسلم والنسائي من طريق آخر (١٣) عن شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: لما قتلَ أبي يوم أحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي … وذكر تمامة بنحوه (١٤).
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا إسماعيل بن أمية بن عَمْرو بن سعيد، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "لَمَّا أُصِيبَ (١٥) إخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ،
(١) في أ: "لم".
(٢) صحيح مسلم برقم (١٨٨٧).
(٣) في و: "تفرد".
(٤) في أ: "حماد به".
(٥) المسند (٣/ ١٢٦) وصحيح مسلم برقم (١٨٧٧) لكن من طريق حميد وقتادة عن أنس به.
(٦) في جـ، ر، أ، و: "حدثنا".
(٧) في جـ، ر، أ، و: "أعلمت".
(٨) في أ، و: "تفرد".
(٩) المسند (٣/ ٣٦١).
(١٠) في و: "ينهونني".
(١١) في أ، و: "تبكه" وهو الصحيح.
(١٢) في أ، و: "ما يبكيه".
(١٣) في أ، و: "من طرق أخر".
(١٤) صحيح البخاري برقم (٤٠٨٠) وصحيح مسلم برقم (٢٤٧١) وسنن النسائي (٤/ ١٣).
(١٥) في أ: "أصيبت".
وَمَأْكَلِهِمْ، وَحُسْنَ مُنْقَلَبِهِم (١) قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّهُ لَنَا، لِئَلا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، وَلا يَنْكُلُوا عَنْ الْحَرْبِ فَقَالَ اللَّهُ ﷿: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ. فَأَنزلَ اللَّهُ ﷿ هَؤُلاءِ الآيَاتِ: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) وما بعدها".
هكذا رواه [الإمام] (٢) أحمد، وكذا رواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وَهْب، عن إسماعيل بن عَيَّاش (٣) عن محمد بن إسحاق به (٤) ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس فذكره، وهذا أثبت (٥). وكذا رواه سفيان الثوري، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس.
وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان (٦) عن إسماعيل (٧) بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (٨).
وكذا قال قتادة، والربيع، والضحاك: إنها نزلت في قتلى أحد.
حديث آخر: قال أبو بكر بن مَرْدُويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا هارون بن سليمان (٩) أنبأنا علي بن عبد الله المديني، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري، سمعت طلحة بن خِرَاش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة الأنصاري، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إليّ رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: "يا جابر، مَا لِي أراك مُهْتَما؟ " قال: قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك (١٠) دَينا وعيالا. قال: فقال: "ألا أُخْبِرُكَ؟ مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا قَطُّ إلا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإنَّهُ كَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا -قال علي: الكفَاح: المواجهة -فَقَالَ: سَلْني أعْطكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ أنْ أُرَدَّ إلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِيْكَ ثَانِيَةً فَقَالَ الرَّبُّ ﷿: إنَّهُ سَبَقَ مِنِّي القول أنَّهُمْ إلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ. قَالَ: أيْ رَبِّ: فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي". فَأَنزلَ اللهُ [﷿] (١١) (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) الآية (١٢).
ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن سليمان بن سبيط الأنصاري، عن أبيه، عن جابر، به نحوه. وكذا رواه البيهقي في "دلائل النبوة" من طريق علي بن المديني، به (١٣).
(١) في أ: "مقيلهم".
(٢) زيادة من أ.
(٣) في أ: "عباس".
(٤) المسند (١/ ٢٦٥) وتفسير الطبري (٧/ ٣٨٥).
(٥) سنن أبي داود برقم (٢٥٢٠) والمستدرك (٢/ ٢٩٧) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي.
(٦) في ر: أبي سفيان" وهو خطأ. انظر: المستدرك (٢/ ٣٨٧).
(٧) في و: "أبي إسماعيل" وهو خطأ.
(٨) المستدرك (٢/ ٣٨٧).
(٩) في و: "سليم".
(١٠) في أ: "وترك عليه".
(١١) زيادة من جـ، أ.
(١٢) في أ، و: "حتى أنفذ الآية".
(١٣) دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٩٩).
وقد رواه البيهقي أيضا من حديث أبي عبادة الأنصاري، وهو عيسى بن عبد الرحمن، إن شاء الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة [﵂] (١) قالت: قال النبي ﷺ لجابر: "يَا جَابِرُ، ألا أُبَشِّرُكَ؟ قال: بلى. بشّرك الله بالخير. قال (٢) شَعَرْتُ أنَّ اللهَ أحْيَا أَبَاكَ فَقَالَ: تَمَنَّ عَلَيَّ عَبْدِي مَا شِئْتَ أُعْطِكَه. قَالَ: يَا رَبِّ، مَا عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ. أتَمَنَّى عَلَيْكَ أنْ تَرُدَّنِي إلَى الدُّنْيَا فَأُقَاتِلَ (٣) مَعَ نَبِيَّكَ، وأُقْتَلَ فِيْكَ مَرَّةً أُخْرَى. قَالَ: إنَّهُ سَلَفَ مِنِّي أنَّهُ إلَيْهَا [لا] (٤) يَرْجعُ" (٥).
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فُضَيْل الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ، فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا".
تفرد (٦) به أحمد، وقد رواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، وعَبَدة (٧) عن محمد بن إسحاق، به. وهو إسناد جيد (٨).
وكان الشهداء أقسام: منهم من تسرح (٩) أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم.
وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة؛ فإن الإمام أحمد، ﵀، رواه عن [الإمام] (١٠) محمد بن إدريس الشافعي، ﵀، عن مالك بن أنس الأصبحي، ﵀، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "نَسَمةُ الْمؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلق (١١) في شَجِر الجَنَّةِ، حتى يُرْجِعَهُ اللهُ إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" (١٢).
قوله: "يعلق" (١٣) أي: يأكل (١٤).
وفي هذا الحديث: "إنَّ روحَ الْمؤْمنِ تَكُونُ عَلَى شَكْلِ طَائِرٍ فِي الْجَنَّةِ".
وأما أرواح الشهداء، فكما تقدم في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب (١٥) بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يثبتنا (١٦) على الإيمان.
(١) زيادة من ر.
(٢) في جـ، أ: "قال: قال".
(٣) في جـ، ر، أ، و: "فأقتل".
(٤) زيادة من جـ، ر، ودلائل النبوة".
(٥) دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٩٨).
(٦) في أ: "انفرد".
(٧) في جـ، ر: "عبيدة".
(٨) المسند (١/ ٢٦٦) وتفسير الطبري (٧/ ٣٨٧).
(٩) في جـ: "يسرح".
(١٠) زيادة من أ.
(١١) في جـ، ر: "تعلق".
(١٢) المسند (٣/ ٤٥٥).
(١٣) في جـ، ر: "تعلق"، وفي أ: "يتعلق".
(١٤) في جـ: "تأكل".
(١٥) في جـ، ر: "كالراكب".
(١٦) في و: "يمتنا".
وقوله: (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ [مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ] (^١» أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند الله، وهم فَرحون (٢) مما هم فيه من النعمة والغبطة، ومستبشرون (٣) بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدَمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم.
قال محمد بن إسحاق (وَيَسْتَبْشِرُونَ) أي: ويُسَرون بلحوق من خَلْفهم (٤) من إخوانهم على ما مَضَوْا عليه من جهادهم؛ ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم.
[و] (٥) قال السدي: يُؤتى الشهيد بكتاب فيه: "يَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذَا وكَذَا، ويَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذَا وكَذَا، فَيُسَرُّ بِذَلِكَ كَمَا يُسَرُّ أَهْلُ الدُّنْيَا بِقُدُومِ غُيَّابِهِمْ" (٦).
وقال سعيد بن جبير: لَمّا دخلوا الجنة ورَأوْا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا للقتال (٧) باشروها بأنفسهم، حتى ويُستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأُخبِر رسولُ الله ﷺ بأمرهم وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم -أي ربهم-[أني] (٨) قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم، وما أنتم فيه، فاستَبْشروا بذلك، فذلك قوله: (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ) الآية.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس، ﵁، في قصة أصحاب بئر مَعُونة السبعين من الأنصار، الذين قتلوا في غداة واحدة، وقَنَت رسول الله ﷺ على الذين قتلوهم، يدعو عليهم ويَلْعَنهم، قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع: "أنْ بَلغُوا عَنّا قَوْمَنا أنّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنّا وأرْضَانا" (٩).
ثم قال: (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) قال محمد بن إسحاق: استبشروا وسُرّوا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم، سواء الشهداء وغيرهم، وقَلَّما ذكر الله فضلا ذكر (١٠) به الأنبياء وثوابا أعطاهم إلا ذكر ما أعطى الله المؤمنين من بعدهم.
وقوله: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) هذا كان يوم "حمراء الأسد"، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا (١١) في سيرهم تَنَدّمُوا لم لا تَمَّموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليُرْعِبَهم ويريهم أن بهم قُوّةً وجلدا، ولم يأذنْ لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد، سوى جابر بن عبد الله ﵁ -لما سنذكره-فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله [﷿] (١٢) ولرسوله ﷺ.
(١) زيادة في جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية".
(٢) في أ: "فرحين" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
(٣) في جـ، ر، أ: "ويستبشرون".
(٤) في جـ، ر، أ، و: "لحقهم".
(٥) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٦) في جـ، ر، أ، و: "غايبهم".
(٧) في أ، و: "القتال".
(٨) زيادة من جـ، ر.
(٩) صحيح البخاري برقم (٢٨٠١، ٤٠٩٥) وصحيح مسلم برقم (٦٧٧).
(١٠) في جـ، ر: "ذكرته".
(١١) في أ: "استقروا".
(١٢) زيادة من و.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئسما (١) صنعتم، ارجعوا. فسمع رسول الله ﷺ، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حَمْراء الأسد -أو: بئر أبي عيينة (٢) -الشك من سفيان-فقال المشركون: نرجع من قابل. فرجع رسول الله ﷺ، فكانت تعد (٣) غزوة، فأنزل (٤) الله ﷿: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ)
ورواه ابن مَرْدويه من حديث محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره (٥).
وقال محمد بن إسحاق: كان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال، فلما كان الغد من يوم الأحد لستّ عشرةَ ليلة مضت من شوال، أذن مؤذن رسول الله ﷺ في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه ألا يخرج (٦) معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبد الله بن عَمْرو بن حرام فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خَلَّفني على أخوات لي سَبْع وقال: يا بَنَيّ، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النّسوةَ لا رجلَ فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسي، فتخلّف على أخواتك، فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله ﷺ، فخرج معه. وإنما خرج رسول الله مُرْهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوةً، وأن الذي أصابهم لم يُوهنْهم عن عدوهم.
قال ابن إسحاق: حدثني (٧) عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان؛ أن رجلا من أصحاب رَسُول الله ﷺ من بني عبد الأشهل، كان شَهد أحدا قال: شهدتُ أحدا مع رسول الله ﷺ أنا وأخي (٨) فرجعنا جريحين، فلما أذّن مُؤذّن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدوّ، قلتُ لأخي -أو قال (٩) لي-: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ؟ والله ما لنا من دابَّة نركبها، وما منّا إلا جريح ثَقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ، وكنت أيسر جراحا (١٠) منه، فكان إذا غُلب حملته عُقْبة ومشى عُقْبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون (١١).
وقال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] (^١٢» قالت (١٣) لعروة: يا ابن أختي، كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر، ﵄، لمّا أصاب نبي الله ﷺ ما أصابه يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا فقال: "مَنْ يَرْجِعُ فِي إثْرِهِمْ؟ " فانتدبَ منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير، ﵄.
(١) في جـ: "وبئس".
(٢) في جـ، أ، و: "عتبة".
(٣) في و: "بعد".
(٤) في جـ، ر، أ، و: "وأنزل".
(٥) ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٨٣) من طريق سفيان عن عمرو به.
(٦) في جـ، ر، أ، و: "يخرجن".
(٧) في ر، أ، و: "فحدثني".
(٨) في جـ، ر، أ، و: "أخ لي".
(٩) في ر: "وقال".
(١٠) في جـ، ر، أ، "جرحا".
(١١) السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ١٠١) وتفسير الطبري (٧/ ٣٩٩، ٤٠٠) كلاهما من طريق ابن إسحاق به.
(١٢) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(١٣) في أ: "قال".
هكذا رواه البخاري منفردا به، بهذا السياق. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن الأصَم، عن العباس الدوري، عن أبي النضر، عن أبى سعيد المؤدب، عن هشام بن عروة، به، ثم قال: صحيح ولم يخرجاه. كذا قال (١).
ورواه أيضا من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن البَهِيّ، عن عروة قال: قالت لي عائشة: يا بُني، إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (٢).
وروى ابن ماجة، عن هشام بن عمّار، وهُدْبَة بن عبد الوهاب عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة به وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان، به (٣).
وقال أبو بكر بن مَرْدُويه. حدثنا عبد الله بن جعفر من أصل كتابه، أنبأنا سَمويه، أنبأنا عبد الله بن الزبير، أنبأنا سفيان، أنبأنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: "إنْ كَانَ أبَواك لَمن (٤) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ والرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ: أبو بكر والزبير، ﵄" (٥).
ورفْعُ هذا الحديث خطأ محض من جهة إسناده، لمخالفته رواية (٦) الثقات من وقْفه على عائشة كما قدمناه، ومن جهة معناه، فإن الزبير ليس هو من آباء عائشة، وإنما قالت عائشة لعروة بن الزبير ذلك لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق، ﵃.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، [حدثني] (٧) عَمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: إن الله قَذَفَ في قَلْب أبي سفيان الرُّعْب يوم أحد بعد ما (٨) كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ: "إنَّ أبَا سُفْيَانَ قَدْ أَصَابَ مِنْكُمْ طَرَفًا، وَقَدْ رَجَعَ، وَقَذَفَ اللهُ فِي قَلْبِهِ الرُّعْبَ". وكانت وقعةُ أحد في شوال، وكان التجار يَقْدَمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مَرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد (٩) وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى النبي ﷺ، واشتد عليهم الذي أصابهم. وإن رسول الله ﷺ نَدَب الناس لينطلقوا معه، ويتبعوا ما كانوا مُتَّبعين، وقال: "إنَّمَا يَرْتَحِلُونَ الآنَ فَيَأْتُونَ الْحَجَّ ولا يَقْدرُونَ عَلَى مِثْلِهَا حَتَّى عَامٍ مُقْبِلٍ". فجاء الشيطان فخوف أولياءه فقال: إن الناس قد جمعوا لكم فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: "إنَّي ذَاهِبٌ وإنْ لمْ يَتْبَعْنِي أحَدٌ". لأحضض الناس، فانتدب معه أبو بكر الصديق، وعمر،
(١) صحيح البخاري برقم (٤٠٧٧) والمستدرك (٢/ ٢٩٨) وفيه أن المخاطب بقول عائشة عبد الله بن الزبير وليس عروة، كما في رواية البخاري.
(٢) المستدرك (٣/ ٣٦٣).
(٣) سنن ابن ماجة برقم (١٢٤).
(٤) في جـ، أ: "من".
(٥) هذا الحديث لا يصح مرفوعا فهو مضطرب. وقد بين الحافظ ابن كثير وجه اضطرابه، وقد روى ابن جرير في تفسيره (٧/ ٤٠٢) أن عائشة قالت ذلك لعبد الله بن الزبير بنفس هذا اللفظ، فقد يكون الوهم من أحد الرواة أو من كتابه.
(٦) في ر: "رواته".
(٧) زيادة من جـ، والطبري.
(٨) في أ، و: "الذي".
(٩) في أ: "أحد في شوال".
وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوا حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله [﷿] (١) (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ [الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ]) (٢) (٣).
ثم قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مَكْتوم فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة. وقد مَر به -كما حدثني عبد الله بن أبي بكر-معبد بن أبي مَعْبد الخزاعي، وكانت خُزاعة -مسلمهم ومشركهم-عيبة نُصح لرسول الله ﷺ بتِهامة، صَفْقَتُهم معه، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد، أما والله لقد عَزّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوَددْنا أن الله عافاك فيهم. ثم خرج ورسول الله ﷺ بحمراء الأسد، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالرَّوحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وقالوا: أصبنا حَد أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم .. لنُكرّنَّ على بقيتهم فَلَنَفْرُغَنَّ منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جَمْع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحَنَق عليكم شيء لم أر مثله قط. قال: ويلك. ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل (٤) حتى ترى نواصي الخيل -قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك. ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت:
كادَتْ تُهدُّ منَ الأصوات رَاحلتي … إذْ سَالَت الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيل
تَرْدى بأسْدٍ كرام لا تَنَابلة … عنْد اللّقاء ولا ميل مَعَازيل (٥)
فَظَلْتُ عَدْوا أظُنُّ الأرض مائلةً … لَمَّا سَمَوا برئيس غير مَخْذول
فقلتُ: ويل ابن حَرْب من لقائكُمُ … إذا تَغَطْمَطَت البطحاء بالجيل (٦)
إني نذير لأهل البَسْل ضَاحيَةً … لكل ذي إرْبَة منهم ومعقول
من جَيْش أحمدَ لا وَخْشٍ تَنَابِلة … وليس يُوصف ما أنذرت بالقيل
قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه.
ومر به ركب من بني عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريدُ المدينة. قال: ولم؟ قالوا:
بعكاظ إذ وَافَيْتُمونا (١) قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا (٢) المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب (٣) برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل (٤).
وذكر ابن هشام عن أبي عُبيدة قال: قال رسول الله ﷺ حين بلغه رجوعهم: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سُوِّمَتْ لَهُمْ حِجَارَةٌ لَوْ صُبِّحُوا بَها لَكَانُوا كَأَمْسِ الذَّاهِبِ" (٥).
وقال الحسن البصري [في قوله] (٦) (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) إن أبا سفيِان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا، فقال رسول الله ﷺ: "إنَّ أبَا سُفْيَانَ قَدْ رَجَعَ وَقَدْ قَذَفَ اللهُ فِي قَلْبِهِ [الرُّعْبَ] (٧) فمن يَنْتَدبُ فِي طَلَبِهِ؟ " فقام النبي ﷺ، وأبو بكر وعُمَر، وعثمان، وعلي، وناس من أصحاب النبي (٨) ﷺ، فاتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي ﷺ، يطلبه فلقي عيرا من التجار فقال: ردُّوا محمدا ولكم من الجُعْل كذا وكذا، وأخْبروهم أني قد جمعت لهم جموعا، وأنني راجع إليهم. فجاء التجار فأخبروا بذلك رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) فأنزل الله هذه الآية.
وهكذا قال عِكْرِمة، وقتادة وغير واحد: إن هذا السياق نزل في شأن [غزوة] (٩) "حَمْراء الأسد"، وقيل: نزلت في بَدْر الموعد، والصحيح الأول.
وقوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا [وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] (^١٠» أي: الذين توعدهم الناس [بالجموع] (١١) وخوفوهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك، بل توكلوا على الله واستعانوا به (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)
قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، أراه قال: حدثنا أبو بكر، عن أبي حَصين، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباس: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قالها إبراهيم ﵇ حين أُلْقي في النار وقالها محمد ﷺ حين قالوا: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)
وقد رواه النسائي، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهارون بن عبد الله، كلاهما عن يحيى بن أبي بُكَير، عن أبي بكر -وهو ابن عياش-به. والعجب أن الحاكم [أبا عبد الله] (١٢) رواه من حديث أحمد بن يونس، به، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (١٣).
ثم (١٤) رواه البخاري عن أبي غَسَّان مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن
(١) في أ، و: "إذا وافيتموها".
(٢) في أ، و: "جمعنا".
(٣) في و: "الراكب".
(٤) السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ١٠٢).
(٥) السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ١٠٤).
(٦) زيادة من جـ.
(٧) زيادة من جـ، أ، و.
(٨) في جـ، أ، و: "رسول الله".
(٩) زيادة من جـ، أ، و.
(١٠) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(١١) زيادة من جـ، ر.
(١٢) زيادة من و.
(١٣) صحيح البخاري برقم (٤٥٦٣، ٤٥٦٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٨١) والمستدرك (٢/ ٢٩٨) وأقره الذهبي مع أن البخاري قد روى هذا الحديث من هذا الوجه.
(١٤) في جـ: "و".