سورة البقرة

ซูเราะฮ์ที่ 2 · ตอน 36/40 · เล่ม 1 หน้า 674–688

ج1 · ص674

حديث آخر: عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري، ﵁ وأرضاه قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان (١) عن ابن أبي ليلى عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب: أنه كان (٢) في سهوة له، وكانت الغول تجيء فتأخذ فشكاها إلى النبي ﷺ: فقال: "فإذا رأيتها فقل: باسم الله أجيبي رسول الله". قال: فجاءت فقال لها: فأخذها فقالت: إني لا أعود. فأرسلها فجاء فقال له النبي ﷺ: "ما فعل أسيرك؟ " قال: أخذتها فقالت لي: إني لا أعود، إني لا أعود. فأرسلتها، فقال (٣): "إنها عائدة" فأخذتها مرتين أو ثلاثا كل ذلك تقول: لا أعود. وأجيء (٤) إلى النبي ﷺ فيقول: "ما فعل أسيرك؟ " فأقول: أخذتها فتقول: لا أعود. فيقول: "إنها عائدة" فأخذها فقالت: أرسلني وأعلمك شيئًا تقوله فلا يقربك شيء: آية الكرسي، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: "صدقت وهي كذوب".

ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بُنْدار عن أبي أحمد الزبيري به (٥)، وقال: حسن غريب.

وقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة فقال في كتاب "فضائل القرآن" وفي كتاب "الوكالة" وفي "صفة إبليس" من صحيحه: قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو حدثنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه. فأصبحت فقال النبي ﷺ: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " قال: قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فَرحِمْتُه وخليت سبيله. قال: "أما إنه قد كَذَبك وسيعود" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ: "إنه سيعود" فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود. فرحمته وخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت (٦): يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله. قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود" فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ. وهذا آخر ثلاث مرات أنَّك تزعم أنك لا تعود ثم تعود. فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: ما هن (٧). قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: "ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله. قال: "ما هي؟ " قال: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي

(١) في جـ، أ، و: "قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان".

(٢) في جـ: "أنه بات".

(٣) في جـ: "فقال النبي ﷺ".

(٤) في جـ:."وتجيء"

(٥) المسند (٥/ ٤٢٣) وسنن الترمذي برقم (٢٨٨٠).

(٦) في جـ: "فقلت".

(٧) في أ، و: "ما هي".

ج1 · ص675

ﷺ: "أما إنه صدقك (١) وهو كذوب تعلم من تخاطب مُذْ (٢) ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ " قلت (٣): لا قال: "ذاك شيطان".

كذا رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم (٤) وقد رواه النسائي في "اليوم والليلة" عن إبراهيم بن يعقوب عن عثمان بن الهيثم فذكره (٥) وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره:

حدثنا محمد بن عبد الله بن عمرويه الصفار، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب أخبرنا مسلم بن إبراهيم أخبرنا إسماعيل بن مسلم العبدي أخبرنا أبو المتوكل الناجي: أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة وكان فيه تمر فذهب يوما ففتح الباب فوجد التمر قد أخذ منه ملء كف ودخل يوما آخر فإذا قد أخذ منه ملء كف ثم دخل يومًا آخر ثالثًا فإذا قد أخذ منه مثل ذلك. فشكا ذلك أبو هريرة إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: "تحب أن تأخذ صاحبك هذا؟ " قال: نعم. قال: "فإذا فتحت الباب فقل: سبحان من سخرك محمد" (٦) فذهب ففتح الباب فقال (٧): سبحان من سخرك محمد (٨). فإذا هو قائم بين يديه قال: يا عدو الله أنت صاحب هذا؟ قال: نعم دعني فإني لا أعود ما كنت آخذا إلا لأهل بيت من الجن فقراء، فخلى عنه ثم عاد الثانية ثم عاد الثالثة. فقلت: أليس قد عاهدتني ألا تعود؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك إلى النبي (٩) ﷺ قال: لا تفعل فإنك إن تدعني علمتك كلمات إذا أنت قلتها لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير ذكر ولا أنثى قال له: لتفعلن؟ قال: نعم. قال: ما هن؟ قال: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قرأ آية الكرسي حتى ختمها فتركه فذهب فأبعد فذكر ذلك أبو هريرة للنبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: "أما علمت أن ذلك كذلك؟ ".

وقد رواه النسائي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله عن شعيب بن حرب عن إسماعيل بن مسلم عن أبي المتوكل عن أبي هريرة به (١٠) وقد تقدم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضًا فهذه ثلاث وقائع.

قصة أخرى: قال أبو عبيد في كتاب "الغريب": حدثنا أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإنس فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان؟ فصارعه فصرعه (١١) فقال: إني أراك ضئيلا شخيتا (١٢) كأن ذراعيك ذراعا كلب أفهكذا أنتم أيها الجن. كلكم أم أنت من بينهم؟ فقال: إني بينهم (١٣) لضليع فعاودني فصارعه (١٤) فصرعه الإنسي. فقال: تقرأ آية الكرسي فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خَبَخٌ كخبج (١٥) الحمار.

(١) في جـ: "صدق".

(٢) في و: "من"، وفي أ: "منذ".

(٣) في جـ: "قال".

(٤) صحيح البخاري برقم (٢٣١١، ٣٢٧٥).

(٥) سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٧٩٥).

(٦) في جـ: "لمحمد".

(٧) في جـ: "وقال".

(٨) في جـ: "لمحمد".

(٩) في جـ: "إلى رسول الله".

(١٠) سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٧٩٤).

(١١) في جـ، أ، و: "فصرعه عمر".

(١٢) في جـ: "صحيتا".

(١٣) في أ، و: "إني منهم".

(١٤) في جـ: "فصارعن".

(١٥) في جـ: "وله خنيج كخنيج الحمار".

ج1 · ص676

فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ فقال: من عسى أن يكون إلا عمر.

قال أبو عبيد: الضئيل: النحيف الجسم والخَبَج (١) بالخاء المعجمة ويقال: بالحاء المهملة: الضراط (٢).

حديث آخر عن أبي هريرة: قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه: حدثنا علي بن حمشاذ (٣) حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثني حكيم بن جُبَير الأسدي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه! آية الكرسي".

وكذا رواه من طريق أخرى عن زائدة عن حكيم بن جبير ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٤) كذا قال، وقد رواه الترمذي من حديث زائدة [به] (٥) ولفظه: "لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي". ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة وضعفه (٦).

قلت: وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين وغير واحد من الأئمة وتركه ابن مهدي وكذبه السعدي.

حديث آخر: قال ابن مَرْدُويه: حدثنا عبد الباقي بن نافع أخبرنا عيسى بن محمد المروزي أخبرنا عمر بن محمد البخاري، أخبرنا أبي أخبرنا عيسى بن موسى غُنْجَار عن عبد الله بن كَيْسان، أخبرنا يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر (٧) عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب: أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن؟ فقال ابن مسعود: على الخبير سَقَطْتَ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أعظم آية في القرآن: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) " (٨).

حديث آخر في اشتماله على اسم الله الأعظم: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر (٩) أخبرنا عبيد الله (١٠) بن أبي زياد حدثنا شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت (١١): سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) و﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١، ٢] "إن فيهما اسم الله الأعظم" (١٢).

وكذا رواه أبو داود عن مُسدَّد والترمذي عن علي بن خَشْرم (١٣) وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة ثلاثتهم عن عيسى بن يونس عن عبيد الله بن أبي زياد به (١٤) وقال الترمذي: حسن صحيح.

(١) في جـ: "والخنيج".

(٢) غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ٣١٦).

(٣) في أ: "حماد" وفي و: "جمشاد".

(٤) المستدرك (٢/ ٢٥٩).

(٥) زيادة من جـ، أ، و.

(٦) المستدرك (٢/ ٢٥٩).

(٧) في أ: "ابن معمر".

(٨) ورواه الجورقاني في الأباطيل برقم (٧١٢) من طريق عيسى بن موسى غنجار به.

(٩) في أ: "بن بكير".

(١٠) في جـ، أ: "عبد الله".

(١١) في جـ: "قال".

(١٢) المسند (٦/ ٤٦١).

(١٣) في أ، و: "ابن حزم".

(١٤) سنن أبي داود برقم (١٤٩٦) وسنن الترمذي برقم (٣٤٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٨٥٥).

ج1 · ص677

حديث آخر في معنى هذا عن أبي أمامة ﵁: قال ابن مَرْدُويه: أخبرنا عبد الرحمن بن نمير أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل أخبرنا هشام بن عمار أخبرنا الوليد بن مسلم، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زيد: أنه سمع القاسم بن عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة يرفعه قال: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة وآل عمران وطه" وقال هشام -وهو ابن عمار خطيب دمشق-: أما البقرة فـ (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وفي آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] (١).

حديث آخر عن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة: قال أبو بكر بن مَرْدُويه: حدثنا محمد بن محرز بن مساور الأدمي أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن أخبرنا الحُسَين بن بشر (٢) بطَرسُوس أخبرنا محمد بن حمير أخبرنا محمد بن زياد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ دُبُر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت".

وهكذا رواه النسائي في "اليوم والليلة" عن الحسين بن بشر به (٣) وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث محمد بن حِمْير وهو الحمصي من رجال البخاري أيضًا فهو إسناد على شرط البخاري، وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي أنه حديث موضوع (٤) فالله أعلم. وقد روى ابن مردويه من حديث علي (٥) والمغيرة بن شعبة (٦) وجابر بن عبد الله نحو هذا الحديث. ولكن في إسناد كل منها ضعف.

وقال ابن مردويه أيضا: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري أخبرنا يحيى بن دُرُسْتُوَيه المروزي (٧) أخبرنا زياد بن إبراهيم أخبرنا أبو حمزة السكري عن المثنى عن قتادة عن الحسن عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "أوحى الله إلى موسى بن عمران ﵇ أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة فإنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعلْ له (٨) قلب الشاكرين ولسان الذاكرين وثواب المنيبين (٩) وأعمال الصديقين ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنتُ (١٠) قلبه للإيمان أو أريد قتله في سبيل الله" (١١) وهذا حديث منكر جدًّا.

حديث آخر في أنها تحفظ من قرأها أول النهار وأول الليل: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي المديني أخبرنا ابن أبي فديك عن عبد الرحمن المليكي عن

(١) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٨٢) والطحاوي في مشكل الآثار برقم (١٧٦) من طرق عن هشام بن عمار به نحوه.

(٢) في أ: "بشير".

(٣) سنن النسائي الكبرى برقم (٩٩٢٨).

(٤) الموضوعات (١/ ٢٤٤).

(٥) حديث علي رواه أيضا البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٣٩٥) من طريق نهشل عن أبي إسحاق الهمداني عن حبة العرني عن علي ﵁.

(٦) حديث المغيرة رواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٢١) من طريق عمر بن إبراهيم عن محمد بن كعب، عن المغيرة بن شعبة ﵁.

(٧) في جـ: "بن ساسويه المروبي".

(٨) في جـ: "جعل الله".

(٩) في جـ: "وثواب النبيين".

(١٠) في أ: "متحبب".

(١١) وفيه محمد بن الحسن النقاش، قال البرقاني كل حديثه منكر. وقال الخطيب: حديثه مناكير. وروي نحوه من حديث جابر ﵁ لكنه ضعيف.

ج1 · ص678

زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ: ﴿حم﴾ المؤمن إلى: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١ - ٣] وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح" ثم قال: هذا حديث غريب وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مُلَيْكة المليكي من قبل حفظه (١).

وقد ورد في فضيلتها (٢) أحاديث أخر تركناها اختصارًا لعدم صحتها وضعف أسانيدها كحديث على قراءتها عند الحجامة: أنها تقوم مقام حجامتين وحديث أبي هريرة في كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات وتلحس للحفظ وعدم النسيان أوردهما ابن مردويه وغير ذلك.

وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة.

فقوله: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ) إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا المقيم لغيره وكان عمر يقرأ: "القَيَّام" فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها ولا قوام لها بدون أمره كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وقوله: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه بل هو قائم على كل نفس بما كسبت شهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه خافية (٣)، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم، فقوله: (لا تَأْخُذُهُ) أي: لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس ولهذا قال: (وَلا نَوْمٌ) لأنه أقوى من السنة. وفي الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار حجابه النور -أو النار-لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٤).

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) أن موسى ﵇ سأل الملائكة هل ينام الله ﷿؟ فأوحى الله إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا (٥) فلا يتركوه ينام ففعلوا ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما. قال: فجعل ينعس وهما في يده (٦) في كل يد واحدة قال: فجعل ينعس وينبه (٧) وينعس وينبه (٨) حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله ﷿ يقول: فكذلك السموات والأرض في يديه.

هكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق فذكره (٩) وهو من أخبار بني إسرائيل وهو مما يعلم أن موسى ﵇ لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله ﷿ وأنه منزه عنه.

(١) سنن الترمذي برقم (٢٨٧٩).

(٢) في أ: "في فضلها".

(٣) في أ: "عليه شيء".

(٤) صحيح مسلم برقم (١٧٩).

(٥) في أ: "قليلا".

(٦) في أ: "يديه".

(٧) في أ: "وينتبه".

(٨) في أ: "وينتبه".

(٩) تفسير الطبري (٥/ ٣٩٣).

ج1 · ص679

وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير:

حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف عن أمية بن شبل عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر، قال: "وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل الله إليه ملكًا فأرقه ثلاثًا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما". قال: "فجعل ينام تكاد يداه تلتقيان فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان" قال: "ضرب الله له مثلا ﷿: أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض" (١).

وهذا حديث غريب جدا والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدَّشْتكي حدثني أبي عن أبيه حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله. فناداه ربه ﷿: يا موسى سألوك: هل ينام ربك فخذ زجاجتين في يديك فقم الليلة ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا. فقال: يا موسى، لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك. وأنزل الله على نبيه ﷺ آية الكرسي.

وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ) إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله:

﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].

وقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ) كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] وكقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ﷿ أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع عنده إلا بإذن له (٢) في الشفاعة كما في حديث الشفاعة: "آتي تحت العرش فأخر (٣) ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع" قال: "فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة" (٤).

وقوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات: ماضيها وحاضرها ومستقبلها كقوله إخبارًا عن الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].

وقوله: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ) أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا

(١) تفسير الطبري (٥/ ٣٩٤) وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة أمية بن شبل: "له حديث منكر رواه عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة مرفوعا قال: "وقع في نفس موسى ﵇: هل ينام الله؟ " الحديث رواه هشام بن يوسف وخالفه معمر، عن الحكم عن عكرمة فوقفه، وهذا أقرب ولا يسوغ أن يكون هذا وقع في نفس موسى ﵇ وإنما روى أن بني إسرائيل سألوا موسى عن ذلك".

(٢) في أ، و: "إلا أن يأذن له".

(٣) في أ، و: "فأخر لله".

(٤) حديث الشفاعة مخرج في الصحيحين من حديث أنس ﵁، وسيأتي سياقه وذكر طرقه عند تفسير الآية: ٧٩ من سورة الإسراء.

ج1 · ص680

بما أعلمه الله ﷿ وأطلعه عليه. ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه كقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].

وقوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن إدريس عن مطرف بن طريف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) قال: علمه، وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن إدريس وهشيم كلاهما عن مطرف بن طريف به.

قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله. ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: الكرسي موضع القدمين ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك ومسلم البطين.

وقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم عن سفيان عن عمار الدُّهْني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سئل النبي ﷺ عن قول الله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ) قال: "كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا الله ﷿".

كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس، فذكره (١) وهو غلط وقد رواه وَكِيع في تفسيره: حدثنا سفيان عن عمار الدُّهْنِي (٢) عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر أحد قدره. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي عن محمد بن معاذ عن أبي عاصم عن سفيان -وهو الثوري-بإسناده عن ابن عباس موقوفًا مثله وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (٣) وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظُهَيْر الفزاري الكوفي -وهو متروك-عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا ولا يصح أيضًا.

وقال السدي عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش. وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش. وقال الضحاك عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة.

ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم.

وقال ابن جرير: حدثني يونس أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ: "ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في تُرْس". قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض" (٤).

وقال أبو بكر بن مردويه: أخبرنا سليمان بن أحمد أخبرنا عبد الله بن وهيب (٥) الغزي

(١) ورواه الخطيب في تاريخ دمشق (٩/ ٢٥١) من طريق شجاع بن مخلد به.

(٢) في أ: "عن علي الذهبي".

(٣) المستدرك (٢/ ٢٨٢) ورواه ابن أبي شيبة في صفة العرش برقم (٦١) من طريق أبي عاصم عن سفيان به موقوفا.

(٤) تفسير الطبري (٥/ ٣٩٩) وهو منقطع وقد جاء موصولا فرواه ابن أبي شيبة في صفة العرش برقم (٥٨) من طريق المختار بن غسان، عن إسماعيل بن مسلم عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري ﵁، مرفوعا بنحوه. وسيأتي أيضا موصولا من طريق آخر وهو الذي يليه من رواية ابن مردويه.

(٥) في هـ: "بن وهب" والتصويب من الإكمال.

ج1 · ص681

أخبرنا محمد بن أبي السَّرِيّ العسقلاني أخبرنا محمد بن عبد الله (١) التميمي عن القاسم بن محمد الثقفي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري، أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة" (٢).

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير حدثنا ابن أبي بُكَيْر (٣) حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر، ﵁ قال: أتت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: فعظم الرب ﵎ وقال: "إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطًا كأطيط الرَّحل الجديد من ثقله" (٤).

وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور وعبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما والطبراني وابن أبي عاصم في كتابي السنة لهما والحافظ الضياء في كتاب "المختار" من حديث أبي إسحاق (٥) السبيعي عن عبد الله بن خليفة وليس بذاك المشهور وفي سماعه من عمر نظر (٦) ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفًا ومنهم من يرويه عنه مرسلا (٧) ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة ومنهم من يحذفها.

وأغرب من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش كما رواه أبو داود في كتابه السنة من سننه (٨)، والله أعلم.

وقد روى ابن مردويه وغيره أحاديث عن بريدة وجابر وغيرهما في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء، والظاهر أن ذلك غير المذكور في هذه الآية.

وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين: أن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع وهو الفلك الأثير ويقال له: الأطلس. وقد رد ذلك عليهم آخرون.

وروى ابن جرير من طريق جُويبر عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش. والصحيح أن الكرسي غير العرش والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة، عن عمر في ذلك وعندي في صحته نظر والله أعلم.

وقوله: (وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) أي: لا يثقله ولا يُكْرثُهُ حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن

(١) في أ: "بن عبيد الله".

(٢) وفي إسناده محمد بن أبي السري العسقلاني، ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن معين، وقال ابن عدي: كثير الغلط.

(٣) في أ: "ابن أبي بكر".

(٤) ورواه من طريقه الضياء في المختارة برقم (١٥١).

(٥) في أ: "عن أبي القاسم".

(٦) مسند البزار برقم (٣٩) "كشف الأستار" وتفسير الطبري (٥/ ٤٠٠) والسنة لابن أبي عاصم برقم (٥٧٤) والمختارة للضياء المقدسي برقم (١٥١ - ١٥٤).

(٧) الرواية المرسلة في تفسير الطبري (٥/ ٤٠٠).

(٨) سنن أبي داود برقم (٤٧٢٦).

ج1 · ص682

بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة وهو الغني الحميد الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وهو القاهر لكل شيء الحسيب على كل شيء الرقيب العلي العظيم لا إله غيره ولا رب سواه فقوله: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) كقوله: ﴿وَهُوَ [الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وكقوله] (١): ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].

وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.

﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾

يقول تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين) أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا. وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مِقْلاتًا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل الله ﷿: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ)

وقد رواه أبو داود والنسائي جميعا عن بُنْدَار به (٢) ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه. وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به (٣)، وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم: أنها نزلت في ذلك.

وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد الجرشي عن (٤) زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد [بن جبير] (٥) عن ابن عباس قوله: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصيني كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلمًا فقال للنبي ﷺ: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك.

رواه ابن جرير وروى السدي نحو ذلك وزاد: وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتًا فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله ﷺ أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية.

(١) زيادة من أ، و.

(٢) تفسير الطبري (٥/ ٤٠٧، ٤٠٨) وسنن أبي داود برقم (٢٦٨٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٤٨).

(٣) صحيح ابن حبان برقم (١٧٢٥) "موارد".

(٤) في و: "مولى".

(٥) زيادة من جـ، أ.

ج1 · ص683

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عوف أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أُسَق قال: كنت في دينهم مملوكًا نصرانيًا لعمر بن الخطاب فكان يعرض علي الإسلام فآبى فيقول: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ويقول: يا أُسَق لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين.

وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية. وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام فإن أبى أحد منهم الدخول فيه ولم ينقد له أو يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل. وهذا معنى الإكراه قال الله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] وفي الصحيح: "عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل" (١) يعني: الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة.

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن حميد عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال لرجل: "أسلم" قال: إني أجدني كارها. قال: "وإن كنت كارها" (٢) فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل فإنه لم يكرهه النبي ﷺ على الإسلام بل دعاه إليه فأخبر أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له: "أسلم وإن كنت كارهًا فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص".

وقوله: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: من خلع الأنداد والأوثان (٣) وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) أي: فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم.

قال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق عن حسان -هو ابن فائد العبسي-قال: قال عمر ﵁: إن الجِبت: السحر والطاغوت: الشيطان، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال يقاتل الشجاع عمن لا يعرف ويفر الجبان من (٤) أمه، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه، وإن كان فارسيًّا أو نبطيا. وهكذا رواه ابن جرير (٥) وابن أبي حاتم من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن حسان بن فائد العبسي عن عمر فذكره.

ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان قوي جدًّا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها.

وقوله: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا) أي: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب،

(١) صحيح البخاري برقم (٣٠١٠) من حديث أبي هريرة ﵁.

(٢) المسند (٣/ ١٨١).

(٣) في أ: "والأديان".

(٤) في جـ، أ، و: "عن".

(٥) تفسير الطبري (٥/ ٤١٧).

ج1 · ص684

وشبه ذلك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم فهي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد ولهذا قال: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

قال مجاهد: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) يعني: الإيمان. وقال السدي: هو الإسلام وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله. وعن أنس (١) بن مالك: (بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى): القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال: هو الحب في الله والبغض في الله.

وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها.

وقال معاذ بن جبل في قوله: (لا انْفِصَامَ لَهَا) أي: لا انقطاع لها دون دخول الجنة.

وقال مجاهد وسعيد بن جبير: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا) ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف حدثنا ابن عون عن محمد عن قيس بن عباد قال: كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فدخل فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة. فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته فلما استأنس (٢) قلت له: إن القوم لما دخلت قبل المسجد قالوا كذا وكذا. قال: سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم وسأحدثك لم: إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ فقصصتها عليه: رأيت كأني في روضة خضراء -قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها-وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه فقلت: لا أستطيع. فجاءني مِنْصَف -قال ابن عون: هو الوصيف (٣) -فرفع ثيابي من خلفي، فقال: اصعد. فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك بالعروة. فاستيقظت وإنها لفي يدي فأتيت رسول الله ﷺ فقصصتها عليه. فقال: "أما الروضة فروضة الإسلام وأما العمود فعمود الإسلام وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام حتى تموت" (٤).

قال: وهو عبد الله بن سلام أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون (٥) وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن محمد بن سيرين به (٦).

طريق أخرى وسياق آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع عن خرشة بن الحُرِّ قال: قدمت المدينة فجلست إلى مشيخة في مسجد النبي ﷺ. فجاء شيخ يتوكأ على عصًا له فقال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقمت إليه، فقلت له: قال بعض القوم: كذا وكذا. فقال: الجنة لله يُدخلها (٧) من يشاء وإني رأيت على عهد رسول الله ﷺ رؤيا، رأيت كأن رجلا أتاني فقال: انطلق. فذهبت معه فسلك بي منهجًا عظيمًا فعرضت لي طريق عن يساري، فأردت أن أسلكها. فقال: إنك لست من أهلها. ثم عرضت لي طريق عن

(١) في أ: "وعن يونس".

(٢) في جـ: "فلما أنس".

(٣) في أ: "هو الوصف".

(٤) المسند (٥/ ٤٥٢).

(٥) صحيح البخاري برقم (٣٨١٣) وصحيح مسلم برقم (٢٤٨٤).

(٦) صحيح البخاري برقم (٧٠١٠).

(٧) في جـ: "سيدخلها".

ج1 · ص685

يميني فسلكتها حتى انتهت إلى جبل زلق فأخذ بيدي فزجل (١) فإذا أنا على ذروته، فلم أتقار ولم أتماسك فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل (٢) حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك. فقلت: نعم. فضرب العمود برجله فاستمسكت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال: "رأيت خيرًا أما المنهج العظيم فالمحشر (٣)، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام فاستمسك بها حتى تموت". قال: فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة. قال: وإذا هو عبد الله بن سلام (٤).

وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى الأشيب كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه (٥). وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان بن مُسْهِر عن خرشة بن الحُرّ الفزاري به (٦).

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾

يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سُبُل السلام فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما وليهم الشياطين تزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)

ولهذا وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن ميسرة حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان عن موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد قال: يبعث أهل الأهواء (٧) -أو قال: يبعث أهل الفتن-فمن كان هواه الإيمان كانت فتنته بيضاء مضيئة، ومن كان هواه الكفر كانت فتنته سوداء مظلمة، ثم قرأ هذه الآية: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)

(١) في جـ، أ، و: "فدحا بي".

(٢) في جـ، أ، و: "فدحا بي".

(٣) في جـ: "فالمحن".

(٤) المسند (٥/ ٤٥٢، ٤٥٣).

(٥) سنن النسائي الكبرى برقم (٧٦٣٣) وسنن ابن ماجة برقم (٣٩٢٠).

(٦) صحيح مسلم برقم (٢٤٨٤).

(٧) في أ: "الأسواق".

ج1 · ص686

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾

هذا الذي حاج إبراهيم في ربه وهو ملك بابل: نمروذ بن كنعان بن كُوش بن سام بن نوح. ويقال: نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح والأول قول مجاهد وغيره.

قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران فالمؤمنان: سليمان بن داود وذو القرنين. والكافران: نمرود [بن كنعان] (١) وبختنصر. فالله أعلم.

ومعنى قوله: (أَلَمْ تَرَ) أي: بقلبك يا محمد (إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) أي: [في] (٢) وجود ربه. وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره كما قال بعده فرعون لملئه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبره، وطول مدته في الملك؛ وذلك أنه يقال: إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه؛ ولهذا قال: (أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) وكأنه طلب من إبراهيم دليلا على وجود الرب الذي يدعو إليه فقال إبراهيم: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها. وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج (٣) -وهو النمروذ-: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)

قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي وغير واحد: وذلك أني (٤) أوتى بالرجلين قد استحقا القتل فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وبالعفو عن الآخر فلا يقتل. فذلك معنى الإحياء والإماتة.

والظاهر -والله أعلم-أنه ما أراد هذا؛ لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع. وإنما أراد أن يَدّعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ولهذا قال له إبراهيم لما ادعى هذه المكابرة: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) أي: إذا كنت كما تدعي من أنك [أنت الذي] (٥) تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب. فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت أي: أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة. قال الله تعالى (٦) (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد.

وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين: أن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة ردية. وليس كما قالوه بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني ويُبَيّن بطلان ما ادعاه نمروذ في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة.

(١) زيادة من جـ.

(٢) زيادة من أ، و.

(٣) في جـ، أ، و: "الحاج".

(٤) في أ: "وذلك أنه".

(٥) زيادة من أ، و.

(٦) في جـ، أ: "عز شأنه".

ج1 · ص687

وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمروذ بعد خروج إبراهيم من النار ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما هذه المناظرة.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم: أن النمروذ كان عنده (١) طعام وكان الناس يغدون (٢) إليه للميرة فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة فكان بينهما هذه المناظرة ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه وقال: أشغل أهلي عني إذا قدمت عليهم فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام. فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعامًا طيبًا فعملت منه طعاما. فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه فقال: أنى لكم هذا؟ قالت: من الذي جئت به. فعرف أنه رزق رزقهموه الله ﷿. قال (٣) زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه ثم دعاه الثانية فأبى ثم الثالثة فأبى وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي. فجمع النمروذ جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله عليهم بابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظاما بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك فمكثت في منخريه أربعمائة سنة، عذبه الله بها فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله بها.

﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾

تقدم قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ [أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ]) (٤) وهو في قوة قوله: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه؟ ولهذا عطف عليه بقوله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) اختلفوا في هذا المار من هو؟ فروى ابن أبي حاتم عن عصام بن رَوَّاد عن آدم بن أبي إياس عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي بن أبي طالب أنه قال: هو عزير.

ورواه ابن جرير عن ناجية نفسه. وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بُرَيْدَة وهذا القول هو المشهور.

وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير: هو أرميا بن حلقيا. قال محمد بن إسحاق؛ عمن لا يتهم عن وهب بن منبه أنه قال: وهو اسم الخضر ﵇.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: سمعت (٥) سليمان بن محمد اليساري الجاري -من أهل الجار، ابن عم مطرف-قال: سمعت رجلا من أهل الشام يقول: إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه: حزقيل بن بورا.

وقال مجاهد بن جبر: هو رجل من بني إسرائيل.

(١) في أ: "كان بيده".

(٢) في أ: "يبدون" وفي و: "يفدون".

(٣) في جـ: "وقال".

(٤) زيادة من جـ، أ.

(٥) في جـ: "حدثنا".

ج1 · ص688

[وذكر غير واحد أنه مات وهو ابن أربعين سنه؛ فبعثه الله وهو كذلك، وكان له ابن فبلغ من السن مائة وعشرين سنة، وبلغ ابن ابنه تسعين وكان الجد شابا وابنه وابن ابنه شيخان كبيران قد بلغا الهرم، وأنشدني به بعض الشعراء:

واسوَدّ رأس شاب من قبل ابنه … ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر

يرى أنه شيخا يدب على عصا … ولحيته سوداء والرأس أشعر

وما لابنه حبل ولا فضل قوة … يقوم كما يمشي الصغير فيعثر

وعمر ابنه أربعون أمرها … ولابن ابنه في الناس تسعين غبر] (١)

وأما القرية: فالمشهور أنها بيت المقدس مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها. (وَهِيَ خَاوِيَة) أي: ليس فيها أحد من قولهم: خوت الدار تخوي خواءً وخُويا.

وقوله: (عَلَى عُرُوشِهَا) أي: ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها، فوقف متفكرا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة وقال: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه قال الله تعالى: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَه) قال (٢): وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته وتكامل ساكنوها وتراجعت بنو إسرائيل إليها. فلما بعثه الله ﷿ بعد موته كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيي بدنه؟ فلما استقل سويا قال الله له -أي بواسطة الملك-: (كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم) قالوا: وذلك أنه مات أول النهار ثم بعثه الله في آخر نهار، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال: (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) وذلك: أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير فوجده كما فقده لم يتغير منه شيء، لا العصير استحال ولا التين حمض ولا أنتن ولا العنب تعفن (وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِك) أي: كيف يحييه الله ﷿ وأنت تنظر (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) أي: دليلا على المعاد (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا) أي: نرفعها فتركب بعضها على بعض.

وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث نافع بن أبي نُعَيْم عن إسماعيل بن أبي حكيم عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قرأ: (كَيْفَ نُنشِزُهَا) بالزاي ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٣).

وقرئ: (ننشرها) أي: نحييها قاله مجاهد (ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا).

وقال السدي وغيره: تفرقت عظام حماره حوله يمينًا ويسارًا (٤) فنظر إليها وهي تلوح من بياضها فبعث الله ريحًا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب (٥) كل عظم في موضعه حتى صار حمارًا قائمًا من عظام لا لحم عليها ثم كساها الله لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا، وبعث الله ملكًا فنفخ في منخري الحمار فنهق كله بإذن الله ﷿ وذلك كله بمرأى من العزير فعند ذلك لما تبين له هذا كله (قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: أنا عالم بهذا وقد رأيته عيانًا فأنا أعلم أهل زماني بذلك وقرأ آخرون: "قَالْ اعْلَمْ" على أنه أمر له بالعلم.

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾

(١) زيادة من جـ، أ.

(٢) في أ، و: "قالوا".

(٣) المستدرك (٢/ ٢٣٤) وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه إسماعيل بن قيس من ولد بن ثابت وقد ضعفوه".

(٤) في أ، و: "وشمالا".

(٥) في جـ، أ: "ثم ركبت".