سورة البقرة

ซูเราะฮ์ที่ 2 · ตอน 31/40 · เล่ม 1 หน้า 599–613

ج1 · ص599

إباحة ذلك. ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، فالله أعلم.

وقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي ﷺ في تحليله ولا تحريمه شيء. والقياس أنه حلال. وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب، عن أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس الأصم، سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول … فذكر. قال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد كذب -يعني ابن عبد الحكم -على الشافعي في ذلك فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة (١) كتب من كتبه، والله أعلم.

وقال القرطبي في تفسيره: وممن ينسب إليه هذا القول -وهو إباحة وطء المرأة في دبرها -سعيد ابن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون. وهذا القول في العتبية. وحكى ذلك عن مالك في كتاب له أسماه كتاب السر، وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له كتاب السر ووقع هذا القول في العتبية، وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من رواية كثيرة من كتاب جماع النسوان وأحكام القرآن هذا لفظه قال: وحكى الكيا الهراسي الطبري عن محمد بن كعب القرظي أنه استدل على جواز ذلك بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ الشعراء: [١٦٥، ١٦٦].

يعني مثله من المباح ثم رده بأن المراد بذلك من خلق الله لهم من فروج النساء لا أدبارهن قلت: وهذا هو الصواب وما قاله القرظي إن كان صحيحًا إليه فخطأ. وقد صنف الناس في هذه المسألة مصنفات منهم أبو العباس القرطبي وسمى كتابه إطهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار.

وقوله تعالى: (وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ) أي: من فعل الطاعات، مع امتثال ما نهاكم عنه من ترك المحرمات؛ ولهذا قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ) أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعًا.

(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: المطيعين لله فيما أمرهم، التاركين ما عنه (٢) زجرهم.

وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن عطاء -قال: أراه عن ابن عباس -: (وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ) قال: يقول: " باسم الله"، التسمية عند الجماع.

وقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جَنِّبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا" (٣).

(١) في جـ: "في ست".

(٢) في أ: "ما عنهم".

(٣) صحيح البخاري برقم (١٤١).

ج1 · ص600

﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾

يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فالاستمرار على اليمين آثَمُ لصاحبها من الخروج منها بالتكفير. كما قال البخاري:

حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة"، وقال رسول الله ﷺ: "والله لأن يلجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثمُ له عند الله من أن يُعطي كفارته التي افترض الله عليه".

وهكذا رواه مسلم، عن محمد بن رافع (١) عن عبد الرزاق، به. ورواه أحمد، عنه، به (٢).

ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا معاوية، هو ابن سلام، عن يحيى، وهو ابن أبي كثير، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من استلج (٣) في أهله بيمين، فهو أعظم إثمًا، ليس تغني الكفارة" (٤).

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ) قال: لا تجعلن عرضة ليمينك (٥) ألا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير.

وهكذا قال مسروق، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة، ومكحول، والزهري، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي. ويؤيد ما قاله هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إني والله -إن شاء الله -لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها" (٦) وثبت فيهما أيضًا أن رسول الله ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة: "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" (٧).

وروى مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا

(١) في جـ: "بن نافع".

(٢) صحيح البخاري برقم (٦٦٢٤، ٦٦٢٥) وصحيح مسلم برقم (١٦٥٥).

(٣) في جـ: "من استبلج"، وفي أ: "من أسلح".

(٤) صحيح البخاري برقم (٦٦٢٦).

(٥) في أ: "ليمنيكم".

(٦) صحيح البخاري برقم (٦٦٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٦٤٩).

(٧) صحيح البخاري برقم (٦٦٢٢، ٧١٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٦٥٢).

ج1 · ص601

منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير" (١).

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا خليفة بن خياط، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فتركها كفارتها" (٢).

ورواه أبو داود من طريق عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: "لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليدعها، وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها" (٣).

ثم قال أبو داود: والأحاديث عن النبي ﷺ كلها: " فليكفر عن يمينه" وهي الصحاح.

وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سعيد الكندي، حدثنا علي بن مُسْهِر، عن حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "من حلف على قطيعة رحم أو معصية، فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه" (٤).

وهذا حديث ضعيف؛ لأن حارثة [هذا] (٥) هو ابن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، متروك الحديث، ضعيف عند الجميع.

ثم روى ابن جرير عن ابن جبير (٦) وسعيد بن المسيب، ومسروق، والشعبي: أنهم قالوا: لا يمين في معصية، ولا كفارة عليها (٧).

وقوله: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد، كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله" (٨) فهذا قاله لقوم حديثي (٩) عهد بجاهلية، قد أسلموا وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللات من غير قصد، فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإخلاص، كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد، لتكون هذه بهذه؛ ولهذا قال تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (١٠) كما قال في الآية الأخرى في المائدة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].

قال أبو داود: باب لغو اليمين: حدثنا حميد بن مسعدة الشامي (١١) حدثنا حسان -يعني ابن

(١) صحيح مسلم برقم (١٦٥٠).

(٢) المسند (٢/ ١٨٥).

(٣) سنن أبي داود برقم (٣٢٧٤).

(٤) تفسير الطبري (٤/ ٤٤٢).

(٥) زيادة من جـ، أ.

(٦) في جـ، أ: "عن ابن عباس".

(٧) في أ: "والكفارة منها".

(٨) صحيح البخاري برقم (٤٨٦٠، ٦٦٥٠) وصحيح مسلم برقم (١٦٤٧).

(٩) في جـ: "لقوم حديثو" وهو خطأ.

(١٠) في أ: "والله غفور رحيم" وهو خطأ.

(١١) في جـ: "أحمد بن سعدة الشامي".

ج1 · ص602

إبراهيم -حدثنا إبراهيم -يعني الصائغ -عن عطاء: في اللغو في اليمين، قال: قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ قال: "هو كلام الرجل في بيته: كلا والله وبلى والله" (١).

ثم قال أبو داود: رواه داود بن أبي الفرات، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا. ورواه الزهري، وعبد الملك، ومالك بن مِعْول، كلهم عن عطاء، عن عائشة، موقوفًا أيضًا.

قلت: وكذا رواه ابن جريج، وابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة، موقوفًا.

ورواه ابن جرير، عن هناد، عن وَكِيع، وعبدة، وأبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قوله: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قالت: لا والله، بلى والله.

ثم رواه عن محمد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه، عنها. وبه، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن القاسم، عنها. وبه، عن سلمة (٢) عن ابن أبي نَجِيح، عن عطاء، عنها.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة (٣) عن عائشة في قوله: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) قالت: هم القوم يتدارؤون (٤) في الأمر، فيقول هذا: لا والله، وبلى والله، وكلا والله يتدارؤون في الأمر: لا تعقد عليه قلوبهم (٥).

وقد قال ابن أبي حاتم: أخبرنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة -يعني ابن سليمان -عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قول الله: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) قالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله.

وحدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله، ثم لا يفعله.

ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر، وابن عباس في أحد أقواله، والشعبي، وعكرمة في أحد قوليه، وعطاء، والقاسم بن محمد، ومجاهد في أحد قوليه، وعروة بن الزبير، وأبي صالح، والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة، والزهري، نحو ذلك.

الوجه الثاني: قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الثقة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تتأول هذه الآية -يعني قوله: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) وتقول: هو الشيء يحلف عليه أحدكم، لا يريد منه إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف عليه.

ثم قال: وروي عن أبي هريرة، وابن عباس -في أحد قوليه - وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، ومجاهد -في أحد قوليه -وإبراهيم النخعي -في أحد قوليه -والحسن، وزرارة بن أوفى،

(١) سنن أبي داود برقم (٣٢٥٤).

(٢) في جـ: "عن إسحاق".

(٣) في جـ: "عن عبدة".

(٤) في جـ: "يتدارون".

(٥) ورواه الطبري في تفسيره (٤/ ٤٢٨) من طريق عبد الرزاق به.

ج1 · ص603

وأبي مالك، وعطاء الخراساني، وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة، وحبيب بن أبي ثابت، والسدي، ومكحول، ومقاتل، وطاوس، وقتادة، والربيع بن أنس، ويحيى بن سعيد، وربيعة، نحو ذلك.

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن موسى الحرشي (١) حدثنا عبد الله بن ميمون المرالي، حدثنا عوف الأعرابي عن الحسن بن أبي الحسن، قال: مر رسول الله ﷺ بقوم ينتضلون -يعني: يرمون -ومع رسول الله ﷺ رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله وأخطأت والله. فقال الذي مع النبي ﷺ: حنث الرجل يا رسول الله. قال: "كلا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة" هذا مرسل حسن عن الحسن (٢).

وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عائشة القولان جميعًا.

حدثنا عصام بن رواد، أخبرنا آدم، أخبرنا شيبان، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: هو قوله: لا والله، وبلى والله، وهو يرى أنه صادق، ولا يكون كذلك.

أقوال أخر: قال عبد الرزاق، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينساه.

وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا، أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا، فهو هذا.

قال ابن أبي حاتم: وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد، حدثنا خالد، أخبرنا عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان.

وأخبرني أبي، أخبرنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك، فذلك ما ليس عليك فيه كفارة، وكذا روي عن سعيد بن جبير.

وقال أبو داود "باب اليمين في الغضب": حدثنا محمد بن المنهال، أنبأنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني عن القسمة، فكل مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت (٣) رسول الله ﷺ يقول: "لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب ﷿، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما (٤) لا تملك" (٥).

وقوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب. قال مجاهد وغيره: وهي كقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]

(١) في جـ: "الجرشي".

(٢) تفسير الطبري (٤/ ٤٤٤).

(٣) في جـ: "فسمعت".

(٤) في جـ: "ولا فيما".

(٥) سنن أبي داود برقم (٣٢٧٢) ووقع فيه: "باب اليمين في قطيعة الرحم".

ج1 · ص604

(وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) أي: غفور لعباده، حليم عليهم (١).

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾

الإيلاء: الحلف، فإذا حلف الرجل ألا يجامع زوجته مدة، فلا يخلو: إما أن يكون أقل من أربعة أشهر، أو أكثر منها، فإن كانت أقل، فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر، وليس لها مطالبته بالفيئة (٢) في هذه المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله آلى من نسائه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، وقال: "الشهر تسع (٣) وعشرون" (٤) ولهما عن عمر بن الخطاب نحوه (٥). فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر، فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر: إما أن يفيء -أي: يجامع -وإما أن يطلق، فيجبره الحاكم على هذا أو هذا لئلا يضر بها. ولهذا قال تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ) أي: يحلفون على ترك الجماع من نسائهم، فيه دلالة على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء كما هو مذهب الجمهور. (تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أي: ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة (٦) أو الطلاق. ولهذا قال: (فَإِنْ فَاءُوا) أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه، وهو كناية عن الجماع، قاله ابن عباس، ومسروق والشعبي، وسعيد بن جبير، وغير واحد، ومنهم ابن جرير ﵀ (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين.

وقوله: (فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فيه دلالة لأحد قولي العلماء -وهو القديم عن الشافعي: أن المولي (٧) إذا فاء بعد الأربعة الأشهر (٨) أنه لا كفارة عليه. ويعتضد بما تقدم في الآية التي قبلها، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فتركها كفارتها" (٩) كما رواه أحمد وأبو داود (١٠) والذي عليه الجمهور وهو الجديد من مذهب الشافعي أن عليه الكفارة لعموم وجوب التكفير على كل حالف، كما تقدم أيضا في الأحاديث الصحاح. والله أعلم.

وقد ذكر الفقهاء وغيرهم -في مناسبة تأجيل (١١) المولي بأربعة أشهر -الأثر الذي رواه الإمام مالك بن أنس، ﵀، في الموطأ، عن عمرو (١٢) بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول:

تطاوَلَ هذا الليلُ واسودّ جانِبُهْ

وأرقني ألا خليلَ ألاعِبُهْ

فوالله لولا الله أني أراقبهْ … لحرِّكَ من هذا السرير جوانبه

(١) في جـ: "حليم عنهم".

(٢) في جـ: "بالفيء".

(٣) في أ، و: "الشهر يكون تسع".

(٤) صحيح مسلم برقم (١٤٧٥) وهو عند البخاري من حديث أم سلمة برقم (٥٢٠٢).

(٥) صحيح البخاري برقم (٥١٩١) وصحيح مسلم برقم (١٤٧٩).

(٦) في جـ: "بالفيء".

(٧) في جـ: "الألي".

(٨) في جـ: "الأربعة أشهر".

(٩) في أ: "فتركها كفارة".

(١٠) المسند (٢/ ١٨٥) وسنن أبي داود برقم (٣٢٧٤).

(١١) في جـ: "تأخير".

(١٢) في أ، و: "عن عبد الله".

ج1 · ص605

فسأل عمر ابنته حفصة، ﵂: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك (١).

وقال: محمد بن إسحاق، عن السائب بن جبير، مولى ابن عباس - وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ -قال: ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرا؛ إذ مر بامرأة من نساء العرب (٢) مغلقة بابها [وهي] (٣) تقول.

تطاول هذا الليل وازورّ جانبه … وأرقني ألا ضجيعَ ألاعِبُهْ

ألاعبه طورًا وطورًا كأنما … بدا قمرًا في ظلمة الليل حاجبه

يسرّ به من كان يلهو بقربه … لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه

فوالله لولا الله لا شيء غيره … لنقض من هذا السرير جوانبه

ولكنني أخشى رقيبًا موكلا … بأنفسنا لا يَفْتُر الدهرَ كاتبه

ثم ذكر بقية ذلك كما تقدم، أو نحوه (٤). وقد روى هذا من طرق، وهو من المشهورات (٥).

وقوله: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ) فيه دلالة على أنه لا يقع الطلاق (٦) بمجرد مضي الأربعة أشهر كقول الجمهور (٧)، وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي الأربعة أشهر تطليقة، وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه يقول ابن سيرين، [ومسروق] (٨) والقاسم، وسالم، والحسن، وأبو سلمة، وقتادة، وشريح القاضي، وقبيصة بن ذؤيب، وعطاء، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن طرخان التيمي، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، والسدي.

ثم قيل: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية؛ قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومكحول، وربيعة، والزهري، ومروان بن الحكم. وقيل إنها تطلق طلقة بائنة، روي عن علي، وابن مسعود، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه يقول: عطاء وجابر بن زيد، ومسروق وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم، وقبيصة بن ذؤيب، وأبو حنيفة، والثوري، والحسن بن صالح، وكل من قال: إنها (٩) تطلق بمضي الأربعة أشهر أوجب عليها العدة، إلا ما روي عن ابن عباس وأبي الشعثاء: أنها إن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدة عليها، وهو قول الشافعي، والذي عليه الجمهور (١٠) أنه يوقف فيطالب إما بهذا أو هذا (١١) ولا يقع عليها (١٢) بمجرد مضيها طلاق.

(١) ذكره الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٤٢٢) ونقله القرطبي في التفسير (٣/ ١٠٨).

(٢) في جـ: "من نساء الغزاة".

(٣) زيادة من جـ، أ، و.

(٤) ذكره الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٤٢٢).

(٥) في جـ: "من المشهور".

(٦) في جـ: "لا يقع شيء".

(٧) في أ: "الجمهور من المتأخرين".

(٨) زيادة من جـ، أ.

(٩) في أ: "بأنها".

(١٠) في جـ، أ: "الجمهور من المتأخرين".

(١١) في جـ، أ: "أو بهذا".

(١٢) في جـ، أ: "عليه".

ج1 · ص606

وروى مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر، حتى يوقف، فإما أن يطلق، وإما أن يفيء. وأخرجه البخاري (١).

وقال الشافعي، ﵀: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ كلهم يوقف المولي قال الشافعي: وأقل ذلك ثلاثة عشر. ورواه الشافعي عن علي ﵁: أنه وقف المولي. ثم قال: وهكذا نقول، وهو موافق لما رويناه عن عمر، وابن عمر، وعائشة، وعن عثمان، وزيد بن ثابت، وبضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ. هكذا قال الشافعي، ﵀.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلا من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق.

ورواه الدارقطني من طريق سهيل.

قلت: وهو مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وأبي الدرداء، وعائشة أم المؤمنين، وابن عمر، وابن عباس. وبه يقول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وطاوس، ومحمد بن كعب، والقاسم. وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم، ﵏، وهو اختيار ابن جرير أيضًا، وهو قول الليث [بن سعد] (٢) وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وأبي ثور، وداود، وكل هؤلاء قالوا: إن لم يفئ ألزم بالطلاق، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم، والطلقة تكون رجعية له رجعتها في العدة.

وانفرد مالك بأن قال: لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة وهذا غريب جدا.

﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾

هذا الأمر من الله ﷾ للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي: بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء؛ ثم تتزوج إن شاءت، وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمَة إذا طُلِّقت، فإنها تعتدّ عندهم بقرءين، لأنها على النصف من الحرة، والقُرْء لا يتبعض (٣) فكُمّل لها قرءان. ولما رواه ابن جريح عن مُظاهر بن أسلم (٤) المخزومي المدني، عن القاسم، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان".

(١) الموطأ (٢/ ٥٥٦) وصحيح البخاري برقم (٥٢٩١).

(٢) زيادة من جـ.

(٣) في جـ: "لا يتقصقص".

(٤) في جـ: "عن عطاء هو ابن أسلم".

ج1 · ص607

رواه أبو داود، والترمذي وابن ماجه (١). ولكن مظاهر هذا ضعيف بالكلية. وقال الحافظ الدارقطني وغيره: الصحيحُ أنه من قول القاسم بن محمد نفسه.

ورواه ابن ماجه من طريق عطية العَوْفِي عن ابن عمر مرفوعًا (٢). قال الدارقطني: والصحيح ما رواه سالم ونافع، عن ابن عمر قوله. وهكذا رُوي عن عمر بن الخطاب. قالوا: ولم يعرف بين الصحابة خلاف. وقال بعض السلف: بل عدتها كعدة الحرة لعموم الآية؛ ولأن هذا أمر جِبِلي (٣) فكان الإماء والحرائر (٤) في هذا سواء، والله أعلم، حكى هذا القول الشيخُ أبو عمر بن عبد البر، عن محمد بن سيرين وبعض أهل الظاهر، وضعفه.

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل -يعني ابن عَيّاش (٥) -عن عمرو بن مهاجر، عن أبيه: أن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية قالت: طُلّقت على عهد رسول الله ﷺ، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله، ﷿، حين طلقت أسماء العدة للطلاق، فكانت أول من نزلت فيها العدة للطلاق، يعني: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) (٦).

هذا حديث غريب من هذا الوجه.

وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقْرَاء ما هو (٧)؟ على قولين:

أحدهما: أن المراد بها: الأطهار، وقال مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: انتقلت حفصة بنتُ عبد الرحمن بن أبي بكر، حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال الزهري: فذكرتُ ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة. وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه: " ثلاثة قروء " فقالت عائشة: صدقتم، وتدرون ما الأقراءُ؟ إنما الأقراء: الأطهارُ (٨).

وقال مالك: عن ابن شهاب، سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك، يريد قول عائشة. وقال مالك: عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد بَرئت منه وبرئ منها. وقال مالك: وهو الأمر عندنا. ورُوي مثله عن ابن عباس وزيد بن ثابت، وسالم، والقاسم، وعروة، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبان بن عثمان، وعطاء ابن أبي رباح، وقتادة، والزهري، وبقية الفقهاء السبعة، وهو مذهب مالك، والشافعي [وغير واحد، وداود وأبي ثور، وهو رواية عن أحمد، واستدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: في الأطهار. ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبًا، دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها؛ ولهذا قال هؤلاء: إن المعتدة

(١) سنن أبي داود برقم (٢١٨٩) وسنن الترمذي برقم (١١٨٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٨٠).

(٢) سنن ابن ماجة برقم (٢٠٧٩).

(٣) في جـ: "جلي".

(٤) في جـ: "الأحرار والإماء".

(٥) في أ: "ابن عباس".

(٦) ورواه أبو داود في السنن برقم (٢٢٨١) من طريق يحيى بن صالح، عن إسماعيل بن عياش به.

(٧) في أ: "ما هي".

(٨) الموطأ (٢/ ٥٧٧).

ج1 · ص608

تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة، وأقل مدة تصدق فيها المرأة في انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يومًا ولحظتان] (١).

واستشهد أبو عُبَيْد وغيره على ذلك بقول الشاعر -وهو الأعشى -:

ففي كل عام أنت جَاشِمُ غَزْوة … تَشُدّ لأقصاها عَزِيمَ عَزَائِكا

مُوَرَّثة عدَّا، وفي الحيّ رفعة … لما ضاع فيها من قُروء نسائكا

يمدح أميرًا من أمراء العرب آثر الغزو على المقام، حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم يواقعهن فيها.

والقول الثاني: أن المراد بالأقراء: الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون: وتغتسل منها. وأقل وقت تصدق فيه المرأة في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يومًا ولحظة. قال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب، ﵁، فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي فارقني بواحدة أو اثنتين (٢) فجاءني [وقد وضعت مائي] (٣) وقد نزعت ثيابي وأغلقت بابي. فقال عمر لعبد الله -يعني ابن مسعود -[ما ترى؟ قال] (٤): أراها امرأته، ما دون أن تحل لها الصلاة. قال [عمر:] (٥) وأنا أرى ذلك (٦).

وهكذا (٧) روي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وابن مسعود، ومعاذ، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وإبراهيم، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة، والشعبي، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، ومكحول، والضحاك، وعطاء الخراساني، أنهم قالوا: الأقراء: الحيض.

وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل، وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: الأقراء الحيض. وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والحسن بن صالح بن حي، وأبي عبيد، وإسحاق بن راهويه.

ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي، من طريق المنذر بن المغيرة، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حُبَيش (٨) أن رسول الله ﷺ قال لها: "دعي الصلاة أيام

(١) زيادة من جـ، أ.

(٢) في جـ: "أو اثنين".

(٣) زيادة من تفسير الطبري (٤/ ٥٠٣).

(٤) زيادة من تفسير الطبري (٤/ ٥٠٣).

(٥) زيادة من تفسير الطبري (٤/ ٥٠٣).

(٦) رواه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٠٣).

(٧) في جـ: "وهذا".

(٨) في جـ: "حسن".

ج1 · ص609

أقرائك" (١). فهذا لو صح لكان صريحًا في أن القرء هو الحيض، ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور. وذكره ابن حبان في الثقات.

وقال ابن جرير: أصلُ القرء في كلام العرب: "الوقت لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم". وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركًا بين هذا وهذا، وقد ذهب إليه بعض [العلماء] (٢) الأصوليين فالله أعلم. وهذا قول الأصمعي: أن القرء هو الوقت. وقال أبو عمرو بن العلاء: العرب تسمي الحيض: قُرْءًا، وتسمي الطهر: قرءا، وتسمي الحيض مع الطهر جميعًا: قرءا. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القرء يراد به الحيض ويراد به الطهر، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو على قولين.

وقوله: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) أي: من حَبَل أو حيض. قاله ابن عباس، وابن عُمَر، ومجاهد، والشعبي، والحكم بن عيينة (٣) والربيع بن أنس، والضحاك، وغير واحد.

وقوله: (إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) تهديد لهن على قول خلاف الحق. ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن؛ لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتين، وتتعذر إقامة البينة غالبًا على ذلك، فردّ الأمر إليهن، وتُوُعِّدْنَ فيه، لئلا تخبر بغير الحق إما استعجالا منها لانقضاء العدة، أو رغبة منها في تطويلها، لما لها في ذلك من المقاصد (٤). فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان.

وقوله: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا) أي: وزوجها الذي طلقها أحق بردتها ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردتها الإصلاح والخير. وهذا في الرجعيات. فأما المطلقات البوائن فلم يكنْ حالَ نزول هذه الآية مطلقة بائن، وإنما صار ذلك لما حُصروا في الطلقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية فكان الرجل أحقّ برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ثلاث تطليقات (٥) صار للناس مطلقة بائن وغير بائن. وإذا تأملت هذا تبين لك ضعف ما سلكه بعض الأصوليين، من استشهادهم على مسألة عود الضمير -هل يكون مخصصا لما تقدمه من لفظ العموم أم لا؟ - بهذه الآية الكريمة، فإن التمثيل بها غير مطابق لما ذكروه، والله أعلم.

وقوله: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فلْيؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته، في حجة الوداع: "فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهُنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٦). وفي حديث بهز بن حكيم، عن معاوية بن حَيْدَة القُشَيري، عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا؟

(١) سنن أبي داود برقم (٢٨٠) وسنن النسائي (١/ ١٢١).

(٢) زيادة من جـ.

(٣) في جـ: "بن قتيبة".

(٤) في أ: "من المفاسد".

(٥) في أ: "ثلاث تطليقات".

(٦) صحيح مسلم برقم (١٢١٨).

ج1 · ص610

قال: "أن تطعمها إذا طعمْتَ، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تُقَبِّح، ولا تهجر إلا في البيت" (١). وقال وَكِيع عن بشير بن سليمان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إني لأحب أن أتزيَّن للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله يقول: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.

وقوله: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) أي: في الفضيلة في الخُلُق، والمنزلة، وطاعة الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].

وقوله: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أي: عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم (٢) في أمره وشرعه وقدره.

﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾

هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته، وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله ﷿ إلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ).

قال أبو داود، ﵀، في سننه: "باب في نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث": حدثنا أحمد ابن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٣) الآية: وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك فقال (٤): (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ) الآية.

ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين، به (٥).

(١) رواه أبو داود في السنن برقم (٢١٤٣).

(٢) في جـ: "وحكيم".

(٣) بعدها في جـ: "إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر".

(٤) في جـ: "فقال الله".

(٥) سنن أبي داود برقم (٢١٩٥) وسنن النسائي (٦/ ٢١٢).

ج1 · ص611

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة - يعني ابن سليمان -عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا ولا آويك أبدًا. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، حتى إذا دنا أجلك راجعتك. فأتت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك (١) فأنزل الله ﷿: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ)

وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره من طريق جَرير بن عبد الحميد، وابن إدريس. ورواه عبد بن حُمَيد في تفسيره، عن جعفر بن عون، كلهم عن هشام، عن أبيه. قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء، ما دامت في العدة، وإن رجلا من الأنصار غضب على امرأته فقال: والله لا آويك ولا أفارقك. قالت: وكيف ذلك. قال: أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ) قال: فاستقبل الناس الطلاق، من كان طلق ومن لم يكن طلق.

وقد رواه أبو بكر بن مَرْدُوَيه، من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب -مولى الزبير -عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي، عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب به. ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلا. قال: هذا أصح (٢). ورواه الحاكم في مستدركه، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن يعلى بن شبيب به، وقال صحيح الإسناد (٣).

ثم قال ابن مَردُويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطلقُ الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رَجل من الأنصار وبين أهله (٤) بعضُ ما يكون بين الناس (٥) فقال: والله لأتركنك لا أيِّمًا ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت (٦) العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل الله ﷿ فيه: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) فوقَّتَ الطلاق ثلاثًا لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجًا غيره. وهكذا رُوي عن قتادة مرسلا. وذكره السدي، وابن زيد، وابن جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير (٧) هذه الآية.

وقوله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) أي: إذا طلقتها (٨) واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها (٩) ما دامت عدتها باقية، بين أن تردها إليك ناويًا الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسنًا إليها، لا تظلمها من حقها شيئًا، ولا

(١) في جـ: "ذلك له".

(٢) سنن الترمذي برقم (١١٩٢) ورواه مالك في الموطأ (٢/ ٥٨٨) عن هشام بن عروة، عن أبيه به مرسلا.

(٣) المستدرك (٢/ ٢٧٩) وتعقبه الذهبي بأن يعقوب بن حميد ضعفه غير واحد.

(٤) في أ: "وبين امرأته".

(٥) في أ: "بين النساء".

(٦) في أ: "إذا كانت".

(٧) في أ: "أن هذا تفسيره".

(٨) في جـ: "إذا طلقها".

(٩) في أ: "مخير فيهما".

ج1 · ص612

تُضارّ بها.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في الثالثة، فإما (١) أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها (٢) أو يسرحها [بإحسان] (٣) فلا يظلمها من حقها شيئا.

وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع، قال: سمعت أبا رَزِين يقول: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله ﷿: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) أين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان".

ورواه عبد بن حميد في تفسيره، ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، أن أبا (٤) رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول الله، أرأيت قول الله: "الطلاق مرتان "، فأين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان الثالثة" (٥).

ورواه الإمام أحمد أيضًا. وهكذا رواه سعيد بن منصور، عن خالد بن عبد الله، عن إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين، به (٦). وكذا رواه قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين به مرسلا. ورواه ابن مردويه [أيضا] (٧) من طريق عبد الواحد (٨) بن زياد، عن إسماعيل بن سميع، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، فذكره (٩). ثم قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة (١٠) حدثنا ابن عائشة (١١) حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: "إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (١٢).

وقوله: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا [إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ]) (١٣) أي: لا

(١) في جـ: "فلها".

(٢) في جـ: "صحبتها".

(٣) زيادة من جـ، أ، و.

(٤) في جـ: "عن إسماعيل سمع أبا".

(٥) ورواه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٤٥) من طريق يحيى بن سعيد وابن مهدي، كلاهما عن سفيان الثوري به.

(٦) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٤٠) من طريق سعيد بن منصور به، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٥٩) عن أبي معاوية به.

(٧) زيادة من و.

(٨) في جـ: "من طريق عبد الرحمن".

(٩) ورواه الدارقطني في السنن (٤١٤) من طريق ليث بن حماد، عن عبد الواحد بن زياد به، وقال: "كذا قال عن أنس، والصواب عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مرسل عن النبي ﷺ".

(١٠) في جـ: "عبيد الله بن جرير بن خالد"، وفي أ: "عبد الله بن جرير بن صلة".

(١١) في جـ: "ابن عيينة".

(١٢) ورواه الدارقطني في السنن (٤/ ٣، ٤) من طريق عبد الله بن جرير بن جبلة به، وصححه ابن القطان في بيان الوهم والإبهام، وانظر كلامه في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (١/ ١٤٢).

(١٣) زيادة من جـ.

ج1 · ص613

يحل لكم أن تُضَاجِروهن وتضيّقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها. فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها، ولا عليه في قبول ذلك منها؛ ولهذا قال تعالى: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية.

فأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير:

حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب -وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية -قالا جميعا: حدثنا أيوب، عن أبي قِلابة، عمن حدثه، عن ثوبان، أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير بأس (١) فحرام عليها رائحة الجنة" (٢).

وهكذا رواه الترمذي، عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي به (٣). وقال حسن: قال: ويروى، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان. ورواه بعضهم، عن أيوب بهذا الإسناد. ولم يرفعه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة -قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان -قال: قال رسول الله ﷺ: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة".

وهكذا رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن جرير، من حديث حماد بن زيد، به (٤).

طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، حَرّم الله عليها رائحة الجنة". وقال: "المختلعات هن المنافقات" (٥).

ثم رواه ابن جرير والترمذي جميعًا، عن أبي كريب، عن مزاحم بن ذَوّاد بن عُلْبَة، عن أبيه، عن ليث، هو ابن أبي سليم (٦) عن أبي الخطاب، عن أبي زُرْعَة، عن أبي إدريس، عن ثوبان قال:

(١) في جـ: "في غير ما بأس".

(٢) تفسير الطبري (٤/ ٥٦٩).

(٣) سنن الترمذي برقم (١١٨٧).

(٤) المسند (٥/ ٢٣٨) وسنن أبي داود برقم (٢٢٢٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٥٥) وتفسير الطبري (٤/ ٥٧٠).

(٥) تفسير الطبري (٤/ ٥٦٨).

(٦) في جـ: "عن ليث هو ابن القاسم بن أبي سليم".