سورة البقرة

ซูเราะฮ์ที่ 2 · ตอน 12/40 · เล่ม 1 หน้า 314–328

ج1 · ص314

تمسنا النار إلا أربعين ليلة، [زاد غيره: هي مدة عبادتهم العجل، وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة] (١).

وقال الضحاك: قال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا: أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، التي هي نابتة في أصل الجحيم. وقال أعداء الله: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. فذلك قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل (٢).

وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله ﷺ (٣) فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا إليها (٤) قوم آخرون، يعنون (٥) محمدًا ﷺ وأصحابه، فقال رسول الله ﷺ بيده على رءوسهم: "بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم إليها أحد". فأنزل الله: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) الآية.

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه ﵀: حدثنا عبد الرحمن بن جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، ﵁، قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم، فقال (٦) رسول الله ﷺ: "اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا" فقال لهم رسول الله ﷺ: "من أبوكم؟ " قالوا: فلان (٧). قال: "كذبتم، بل أبوكم فلان". فقالوا: صدقت وبَرِرْت، ثم قال لهم: "هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ: "من أهل النار؟ " فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها. فقال لهم رسول الله ﷺ: "اخسأوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا". ثم قال لهم رسول الله ﷺ: "هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟ ". فقالوا: نعم. قال (٨): "فما حملكم على ذلك؟ ". فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك.

ورواه أحمد، والبخاري، والنسائي، من حديث الليث بن سعد، بنحوه (٩).

(١) زيادة من جـ، ط، ب، و.

(٢) تفسير عبد الرزاق (١/ ٧١، ٧٢).

(٣) في جـ: "رسول الله ﷺ وأصحابه".

(٤) في جـ: "فيها".

(٥) في جـ، ط، أ، و: "يعني"، وفي ب: "تعني".

(٦) في ط، ب: "فقال لهم".

(٧) في جـ: "قالوا: أبونا فلان".

(٨) في جـ، ط، ب: "فقال".

(٩) المسند (٢/ ٤٥١) وصحيح البخاري برقم (٣١٦١، ٤٢٤٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٥).

ج1 · ص315

﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾

يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر: أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع عمله سيئات، فهذا من أهل النار، والذين آمنوا بالله ورسوله (١) وعملوا الصالحات -من العمل الموافق للشريعة-فهم (٢) من أهل الجنة. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣، ١٢٤].

قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد -أو عكرمة-عن ابن عباس: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) أي: عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره (٣) فما له من حسنة.

وفي رواية عن ابن عباس، قال: الشرك.

قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي وائل، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، نحوه (٤).

وقال الحسن -أيضًا-والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر.

وقال ابن جريج، عن مجاهد: (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) قال: بقلبه.

وقال أبو هريرة، وأبو وائل، وعطاء، والحسن: (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) قالوا: أحاط به شركه.

وقال الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خُثَيم: (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) قال: الذي يموت على خطايا (٥) من قبل أن يتوب. وعن السدي، وأبي رزين، نحوه.

وقال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، في رواية عنهما، وقتادة، والربيع بن أنس: (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) الكبيرة الموجبة.

وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال:

حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمرو بن قتادة (٦) عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله

(١) في أ: "ورسله".

(٢) في جـ، ط، ب، أ، و: "فهو".

(٣) في جـ: "فمتى يحيط عمله".

(٤) في جـ: "بنحوه".

(٥) في أ، و: "على خطاياه".

(٦) في أ: "عن عمر بن صادق".

ج1 · ص316

بن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "إيَّاكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه". وإن رسول الله ﷺ ضرب لهُنَّ مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا (١)، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها (٢).

وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد، عن سعيد -أو عكرمة-عن ابن عباس: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشرّ مقيم على أهله، لا انقطاع له أبدًا (٣).

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾

يُذكّر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذ ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تعالى، أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٦] وفي الصحيحين، عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أيّ؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" (٤). ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أن رجلا قال: يا رسول الله، من أبر؟ قال: "أمك". قال: ثم من (٥)؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أباك. ثم أدناك أدناك" (٦).

(١) في جـ: "جمعوا أعوادًا".

(٢) المسند (١/ ٤٠٢).

(٣) في جـ، ط، ب: "أبدًا لا انقطاع له".

(٤) صحيح البخاري برقم (٥٢٧، ٥٩٧٠، ٧٥٣٤) وصحيح مسلم برقم (٨٥).

(٥) في ط: "ثم قال من".

(٦) جاء من حديث معاوية بن حيدة، رواه أبو داود في السنن برقم (٥١٣٩)، ومن حديث كليب بن منفعة عن أبيه عن جده، رواه أبو داود في السنن برقم (٥١٤٠).

ج1 · ص317

[وقوله: (لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ) قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب، وهو آكد. وقيل: كان أصله: ألا تعبدوا كما قرأها بعض السلف (١) فحذفت أن فارتفع، وحكي عن أبي وابن مسعود، ﵄، أنهما قرآها: "لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّه". وقيل: (لا تَعْبُدُونَ) مرفوع على أنه قسم، أي: والله لا تعبدون إلا الله، ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه. وقال: اختاره المبرد والكسائي والفراء] (٢).

قال: (وَالْيَتَامَى) وهم: الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء. [وقال أهل اللغة: اليتيم في بني آدم من الآباء، وفي البهائم من الأم، وحكى الماوردي أن اليتيم أطلق في بني آدم من الأم أيضا] (٣) (وَالْمَسَاكِينَ) الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء، التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية [النساء: ٣٦].

وقوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) أي: كلموهم طيبًا، ولينُوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) فالحُسْن من القول: يأمُر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خُلُق حسن رضيه الله.

وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخَزَّاز، عن أبي عمران الجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فَالْقَ أخاك بوجه منطلق (٤) ".

وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي [وصححه] (٥) من حديث أبي عامر الخزّاز، واسمه صالح بن رستم، به (٦).

وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي. ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمُعيّن (٧) من ذلك، وهو الصلاة والزكاة، فقال: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله، أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به، إلا القليل منهم، وقد أمر تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء، بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]

(١) في أ: "كما قرأها من قرأها من السلف".

(٢) زيادة من جـ، ط، ب، أ.

(٣) زيادة من جـ، ط، ب، أ.

(٤) في ط: "بوجه طلق".

(٥) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(٦) المسند (٥/ ١٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٢٦) وسنن الترمذي برقم (١٨٣٣).

(٧) في جـ، ط، ب، أ، و: "بالمتعين".

ج1 · ص318

فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها، ولله الحمد والمنة.

ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره:

حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن يوسف -يعني التِّنِّيسِي-حدثنا خالد بن صَبِيح، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وَدَاعة: أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهوديًا ولا نصرانيًا إلا سلم عليه، فقيل له: ما شأنك؟ تسلم على اليهودي والنصراني. فقال: إن الله يقول: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) وهو: السلام. قال: وروي عن عطاء الخراساني، نحوه.

قلت: وقد ثبت في السنة أنهم لا يبدؤون بالسلام، والله أعلم (١).

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾

يقول، ﵎، منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عُبَّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاثَ قبائل: بنو قينقاع. وبنو النضير حلفاء الخزرج. وبنو قريظة حلفاء الأوس. فكانت الحرب إذا نشبت (٢) بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهوديّ الآخرُ من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينه ونص كتابه، ويخرجونهم من بيوتهم وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكّوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملا بحكم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ولهذا قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]

(١) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢١٦٦) عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه".

(٢) في أ: "نشئت".

ج1 · ص319

وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة، كما قال ﵊: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".

[وقوله] (١) (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به.

(ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة-عن ابن عباس: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) الآية، قال: أنبهم الله (٢) من فعلهم، وقد حرّم عليهم في التوراة سفك دمائهم (٣) وافترض عليهم فيها فدَاء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع وإنهم (٤) حلفاء الخزرج، والنضير، وقريظة وإنهم (٥) حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر (٦) كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامة، ولا كتابًا، ولا حلالا ولا حرامًا، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة، وأخذًا به؛ بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي (٧) الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي (٨) الخزرج منهم، ويطلبون (٩) ما أصابوا من دمائهم (١٠) وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حيث أَنَّبهم (١١) بذلك: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أي: يفاديه بحكم التوراة ويقتله، وفي حكم التوراة ألا يفعل، ولا يُخرج (١٢) من داره، ولا يُظَاهَر عليه من يُشْرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني-نزلت هذه القصة (١٣).

وقال أسباط عن السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سُمَير، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضيرَ وحلفاءهم، وكانت النضير تقاتل قريظة

(١) زيادة من جـ، ط، أ.

(٢) في جـ، ط، ب، أ، و: "أنبأهم الله بذلك".

(٣) في جـ: "سفك الدماء".

(٤) في جـ: "وهم".

(٥) في جـ: "وهم".

(٦) في جـ، ط، ب: "فظاهر".

(٧) في جـ: "يدي".

(٨) في جـ: "يدي".

(٩) في جـ، ط، أ: "يطلبون".

(١٠) في جـ، ط، ب، أ، و: "من الدماء وقتلوا".

(١١) في جـ، ط، ب، أ، و: "حين أنبأهم".

(١٢) في جـ، ط، ب: "ويخرجه".

(١٣) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٥٤٠) وتفسير الطبري (٢/ ٣٠٥).

ج1 · ص320

وحلفاءها، ويغلبونهم، فيخربون ديارهم، ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى يفدوه. فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرّم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنَّا نستحيى أن تُسْتَذلّ حلفاؤنا (١). فذلك حين عيَّرهم الله، فقال: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ)

وقال شعبة، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخَطيم: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ)

وقال أسباط، عن السدي، عن عبد خير، قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بَلَنْجَر (٢) فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مرّ برأس الجالوت نزل به، فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت، هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك، تشتريها مني؟ قال: نعم. قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أرْبحُك سبعمائة أخرى. قال: فإني قد حلفت ألا أنقصها من أربعة آلاف. قال: لا حاجة لي فيها، قال: والله لتشترينها مني، أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه. قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه التي في التوراة: إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم. قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين، ورد عليه ألفين.

وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا أبو جعفر يعني الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، أخبرنا أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب، ولا يفادي من وقع عليها العرب، فقال (٣) عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن.

والذي أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها، مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله (٤) ﷺ ونعته، ومبعثه ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شؤونه، التي قد أخبرت بها الأنبياء قبله. واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم، ولهذا قال تعالى (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ) جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ) أي: استحبوها على الآخرة واختاروها (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ)

(١) في أ، و: "نستذل بحلفائنا".

(٢) في جـ: "بكنجر".

(٣) في جـ، ط، ب، أ، و: "فقال له".

(٤) في جـ: "صفة محمد".

ج1 · ص321

أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾

ينعت، ﵎، بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة، والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب -وهو التوراة-فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها. وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ الآية [المائدة: ٤٤]، ولهذا قال: (وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) قال السدي، عن أبي مالك: أتبعنا. وقال غيره: أردفنا. والكل قريب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله من البينات، وهي: المعجزات. قال ابن عباس: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله، وإبرائه الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس، وهو جبريل ﵇ -ما يدلهم (١) على صدقه فيما جاءهم به. فاشتد تكذيب بني إسرائيل له وحَسَدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في البعض، كما قال تعالى إخبارًا عن عيسى: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٥٠]. فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء ﵈ (٢) أسوأ المعاملة، ففريقًا يكذبونه. وفريقًا يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم وبإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها، فلهذا كان يشق ذلك عليهم، فيكذبونهم، وربما قتلوا بعضهم؛ ولهذا قال تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)

والدليل على أن روح القدس هو جبريل، كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية، وتابعه على ذلك [ابن عباس و] (٣) محمد بن كعب القرظي، وإسماعيل بن أبي خالد، والسدي، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة مع قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * [بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ] (٤) [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] ما قال البخاري: وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ وضع لحسان بن ثابت منْبرًا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله ﷺ، فقال: رسول الله ﷺ: "اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك" (٥). وهذا من

(١) في جـ، ط، ب، أ، و: "يدلهم به".

(٢) في جـ: "عليهم الصلاة والسلام".

(٣) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(٤) زيادة من جـ.

(٥) في جـ، ط، ب، أ، و: "عن نبيه".

ج1 · ص322

البخاري تعليق (١).

وقد رواه أبو داود في سننه، عن لُوَين، والترمذي، عن علي بن حجر، وإسماعيل بن موسى الفزاري، ثلاثتهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة به (٢). وقال الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد (٣).

وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن عمر مر بحسان، وهو ينشد الشعر في المسجد (٤) فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، اللهم أيده بروح القدس"؟. فقال: اللَّهُمَّ نعم (٥).

وفي بعض الروايات: أن رسول الله ﷺ قال لحسان: "أهجهم -أو: هاجهم-وجبريل معك".

[وفي شعر حسان قوله:

وجبريل رسول الله ينادي … وروح القدس ليس به خفاء] (٦)

وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح. فقال: "أنشدكم بالله وبأيامه (٧) عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل؟ وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم (٨).

[وفي صحيح ابن حبان أظنه عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إن روح القدس نفخ (٩) في روعي: إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" (١٠)] (١١).

أقوال أخر:

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا منْجاب بن الحارث، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: (بِرُوحِ الْقُدُسِ) قال: هو الاسم الأعظم الذي كان عيسى يُحيي به

(١) وكذا عزاه المزي في تحفة الأشراف (١٢/ ١٠) للبخاري، وقال الحافظ ابن حجر في "النكت الظراف": "لم أر هذا الموضع في صحيح البخاري، وقد وصله أحمد والطبراني وصححه الحاكم".

(٢) سنن أبي داود برقم (٥٠١٥) وسنن الترمذي برقم (٢٨٤٦).

(٣) في ط، ب، أ، و: "وهو حديث ابن أبي الزناد".

(٤) في جـ: "وهو في المسجد ينشد".

(٥) صحيح البخاري برقم (٣٢١٢) وصحيح مسلم برقم (٢٤٨٥).

(٦) زيادة من جـ، ط، ب، أ.

(٧) في جـ، أ: "وبآياته".

(٨) ورواه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٢٠) من طريق سلمة عن ابن إسحاق به.

(٩) في و: "نفث".

(١٠) ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٠٤) من طريق أبي عبيد عن هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد اليامي، عمن أخبره، عن ابن مسعود به مرفوعًا.

(١١) زيادة من جـ، ط، ب، و.

ج1 · ص323

الموتى. وقال ابن جرير: حُدثت عن المنجاب. فذكره. قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك. [ونقله القرطبي عن عبيد بن عمير -أيضا-قال: وهو الاسم الأعظم] (١).

وقال ابن أبي نَجِيح: الروح هو حفظة على الملائكة.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: القدس هو الرب ﵎. وهو قول كعب. وقال السدي: القدس: البركة. وقال العوفي، عن ابن عباس: القدس: الطهر.

[وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا القدس: هو الله تعالى، وروحه: جبريل، فعلى هذا يكون القول الأول] (٢).

وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب قال: قال ابن زيد (٣) في قوله تعالى: (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحًا كما جعل القرآن روحًا، كلاهما روح من الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].

ثم قال ابن جرير: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قولُ من قال: الروح في هذا الموضع جبريل، لأن الله، ﷿، أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ الآية [المائدة: ١١٠]. فذكر أنه أيده به، فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل، لكان قوله: (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ) تكرير قول لا معنى له، والله أعز أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به.

قلت: ومن الدليل على أنه جبريل ما تقدم في أول السياق؛ ولله الحمد (٤).

وقال الزمخشري (بِرُوحِ الْقُدُسِ) بالروح المقدسة، كما يقول: حاتم الجود ورجل صدق ووصفها بالقدس كما قال: (وَرُوحٌ مِنْهُ) فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة، وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، وقيل: بجبريل، وقيل: بالإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقيل باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، وتضمن كلامه قولا آخر وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدسة المطهرة.

وقال الزمخشري في قوله: (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) إنما لم يقل: وفريقًا قتلتم؛ لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل -أيضًا-لأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسم والسحر، وقد قال، ﵇، في مرض موته: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري"، وهذا الحديث في صحيح البخاري وغيره (٥).

(١) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(٢) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(٣) في جـ: "قال ابن أبي زيد".

(٤) في جـ، ط: "ولله الحمد والمنة".

(٥) صحيح البخاري برقم (٢٦١٧) وصحيح مسلم برقم (٢١٩٠).

ج1 · ص324

﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾

قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أي: في أكنة.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أي: لا تفقه.

وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) [قال] (١) هي القلوب المطبوع عليها.

وقال مجاهد: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) عليها غشاوة.

وقال عكرمة: عليها طابع. وقال أبو العالية: أي لا تفقه. وقال السدي: يقولون: عليها غلاف، وهو الغطاء.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) هو كقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥].

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله: (غُلْفٌ) قال: يقول: قلبي في غلاف فلا يَخْلُص إليه ما تقول، قرأ (٢) ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾

وهذا هو الذي رجحه ابن جرير، واستشهد مما روي من حديث عمرو بن مُرّة الجملي، عن أبي البختري، عن حذيفة، قال: القلوب أربعة. فذكر منها: وقلب أغلف مَغْضُوب عليه، وذاك قلب الكافر.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن العَرْزَمي، أنبأنا أبي، عن جدي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) قال: لم تختن.

هذا (٣) القول يرجع معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم، وأنها بعيدة من الخير.

قول آخر:

قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) قال قالوا: قلوبنا مملوءة علمًا لا تحتاج إلى علم محمد، ولا غيره.

وقال عطية العوفي: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أي: أوعية للعلم.

وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار (٤) فيما حكاه ابن جرير: "وقالوا قلوبنا غُلُف" بضم اللام، أي: جمع غلاف، أي: أوعية، بمعنى أنهم ادعوا (٥) أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر. كما كانوا يَمُنُّون (٦) بعلم التوراة. ولهذا قال تعالى: (بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ)، أي: ليس الأمر كما ادعوا بل

(١) زيادة من جـ، ط.

(٢) في جـ، ط، ب: "وقرأ".

(٣) في جـ، ط، ب: "وهذا".

(٤) في أ، و: "بعض الأمصار".

(٥) في جـ: "أنهم زعموا".

(٦) في أ: "كما كانوا يكتمون".

ج1 · ص325

قلوبهم ملعونة مطبوع عليها، كما قال في سورة النساء: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٥٥]. وقد اختلفوا في معنى قوله: (فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ) وقوله: (فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا)، فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم [واختاره فخر الدين الرازي وحكاه عن قتادة والأصم وأبي مسلم الأصبهاني] (١) وقيل: فقليل إيمانهم. بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ.

وقال بعضهم: إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال: (فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ) وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: قلما رأيت مثل هذا قط. تريد: ما رأيت مثل هذا قط. [وقال الكسائي: تقول العرب: من زنى بأرض قلما تنبت، أي: لا تنبت شيئًا]. (٢).

حكاه (٣) ابن جرير، والله أعلم.

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾

يقول تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ) يعني اليهود (كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وهو: القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) يعني: من التوراة، وقوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم، كما قال محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عُمَر بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم قال: قالوا: فينا والله وفيهم -يعني في الأنصار-وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم، نزلت هذه القصة يعني: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) قالوا (٤) كنا قد علوناهم دهرًا في الجاهلية، ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب، فكانوا يقولون: إن نبيًا من [الأنبياء] (٥) يبعث الآن نتبعه، قد أظل زمانه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما بعث الله رسوله من قريش [واتبعناه] (٦) كفروا به. يقول الله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [البقرة: ٨٩]

وقال الضحاك، عن ابن عباس، في قوله (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) قال يستظهرون يقولون: نحن نعين محمدًا عليهم، وليسوا كذلك، يكذبون.

(١) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(٢) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(٣) في جـ، ط، ب: "حكاها".

(٤) في جـ، ط، ب: "قال".

(٥) زيادة من جـ.

(٦) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

ج1 · ص326

وقال محمد بن إسحاق: أخبرني محمد بن أبي محمد، أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن يَهود (١) كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن مَعْرُور، أخو بني سلمة (٢) يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفُونه لنا بصفته. فقال سَلام بن مِشْكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله في ذلك من قولهم: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (٣)

وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) يقول: يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب -يعني بذلك أهل الكتاب-فلما بعث محمد ﷺ ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه.

وقال أبو العالية: كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمدًا ﷺ، ورأوا أنه (٤) من غيرهم، كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ فقال الله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ)

وقال قتادة: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) قال: كانوا يقولون: إنه سيأتي نبي. (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)

وقال مجاهد: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) قال: هم اليهود.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد، أخي بني عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش، وكان من أهل بدر قال: كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث رسول الله ﷺ بيسير، حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل. قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيهم سنًّا على بردة مضطجعًا فيها بفناءٍ أصلي. فذكر البعث والقيامة والحسنات والميزان والجنة والنار. قال ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان لا يرون بعثًا كائنًا بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم؟ فقال: نعم، والذي يحلف به، لود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غدًا. قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟ قال: نبي

(١) في جـ، ط، ب، أ، و: "أن يهودًا".

(٢) في جـ، ط، ب، أ، و: "وداود بن سلمة".

(٣) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٥٤٧) وتفسير الطبري (٢/ ٢٣٣).

(٤) في جـ: "ورأوه".

ج1 · ص327

يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سنًّا، فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ وهو بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيًا وحسدًا.

فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا؟ قال: بلى وليس به. تفرد به أحمد (١).

وحكى القرطبي وغيره عن ابن عباس، ﵄: أن يهود خيبر اقتتلوا في زمان الجاهلية مع غطفان فهزمتهم غطفان، فدعا اليهود عند ذلك، فقالوا: اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا بإخراجه في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم. قال: فنصروا عليهم. قال: وكذلك كانوا يصنعون يدعون الله فينصرون على أعدائهم ومن نازلهم. قال الله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا) أي من الحق وصفة محمد ﷺ "كَفَرُوا به" فلعنة الله على الكافرين.

﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾

قال مجاهد: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ) يهودُ شَرَوُا الحقَّ بالباطل، وكتمانَ مَا جاءَ به مُحَمَّد ﷺ بأن يبينوه.

وقال السدي: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ) يقول: باعوا به أنفسهم، يعني: بئسما اعتاضوا لأنفسهم ورضوا به [وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ إلى تصديقه ومؤازرته ونصرته] (٢).

وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية (أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) ولا حسد أعظم من هذا.

قال ابن إسحاق عن محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنزلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أي: إن الله جعله من غيرهم (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) قال ابن عباس: فالغضب على الغضب، فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم.

قلت: ومعنى (بَاءُوا) استوجبوا، واستحقوا، واستقروا بغضب على غضب. وقال أبو العالية: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب عليهم بكفرهم بمحمد، وبالقرآن (٣) ﵉، [وعن عكرمة وقتادة مثله] (٤).

(١) المسند (٣/ ٤٦٧).

(٢) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(٣) في جـ، ط، ب، أ، و: "بكفرهم بمحمد والقرآن".

(٤) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

ج1 · ص328

وقال السدي: أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العِجْل، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد ﷺ [وعن ابن عباس مثله] (١).

وقوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، [أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] (٢).

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، حدثنا ابن عَجْلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم، يقال له: بُولَس فيعلوهم نار الأنيار يسقون (٣) من طينة الخبال: عصارة أهل النار" (٤).

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾

يقول تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب (آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) [أي] (٥): على محمد ﷺ وصدقوه واتبعوه (قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل ولا نقر إلا بذلك، (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ) يعنى: بما بعده (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ) أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد ﷺ الحق (٦) (مُصَدِّقًا) (٧) منصوب على الحال، أي في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] ثم قال تعالى: ([قُلْ] (٨) فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاؤوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيًا [وحسدًا] (٩) وعنادًا واستكبارًا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء، والآراء والتشهي (١٠) كما قال تعالى ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧].

(١) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(٢) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(٣) في جـ، ط: "ويسقون".

(٤) المسند (٢/ ١٧٩).

(٥) زيادة من ط، ب، و.

(٦) في و: "هو الحق".

(٧) في جـ: "مصدقا لما معهم".

(٨) زيادة من جـ، ط، ب، و.

(٩) زيادة من جـ.

(١٠) في جـ: "والشهوة".