سورة البقرة

ซูเราะฮ์ที่ 2 · ตอน 15/40 · เล่ม 1 หน้า 359–373

ج1 · ص359

أحكامهم، فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشرًا من الشهوات، فبها (١) يعصونني. قال هاروت وماروت: ربنا، لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل. فقال لهما: انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس. فنزلا ببابل دَنْباوَند، فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عرجا، فإذا أصبحا هبطا، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما (٢) حسنها -واسمها بالعربية "الزّهَرة"، وبالنبطية "بيذخت" وبالفارسية "أناهيد"-فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني. قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك. فقال الآخر: هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال: نعم ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا لنرجو رحمة الله. فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها، فقالت: لا حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خَربة من الخَرِب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك. فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان منها؟ فأخبراها، فتكلمت فصعدت، فأنساها الله ما تنزل به، فبقيت (٣) مكانها، وجعلها (٤) الله كوكبًا. فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها، فقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا، فعرفا الهلكة فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا، فعلقا ببابل، وجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر.

وقال ابن أبي نَجِيح (٥) عن مجاهد: أما شأن هاروت وماروت، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم تعالى: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بنى آدم فاختاروا فلم يألوا [إلا] (٦) هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعجبتما (٧) من بني آدم من ظلمهم ومن معصيتهم، وإنما تأتيهم الرسل والكتب [والبينات] (٨) من وَرَاء وَرَاء، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا، فأمرهما بأمر ونهاهما، ثم نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما، فحكما فعدلا. فكانا يحكمان في النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تُخَاصم، فقضيا عليها. فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدتَ مثل الذي وجدتُ؟ قال: نعم. فبعثا إليها أن ائتيانا نقض لك. فلما رجعت قالا وقضيا لها، فأتتهما فتكشفا لها عن عورتيهما، وإنما كانت شهوتهما (٩) في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها. فلما بلغا ذلك واستحلا افتُتنا، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت. فلما أمسيا عَرَجا فزُجرا فلم يؤذن لهما، ولم تحملهما أجنحتهما. فاستغاثا برجل من بني آدم

(١) في ط، ب: "فما".

(٢) في جـ، ط، ب، أ، و: "فأعجبهما من ".

(٣) في ب، أ، و: "فثبتت".

(٤) في أ: "وخلقها".

(٥) في ط: "جريج".

(٦) زيادة من جـ.

(٧) في جـ، ط، ب: "أعجبتم".

(٨) زيادة من جـ.

(٩) في أ، و: "سوآتهما".

ج1 · ص360

فأتياه، فقالا ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يومًا، وغدا يدعو لهما، فدعا لهما، فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأمرا أن ينزلا ببابل، فثَمَّ عذابهما. وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان، يصفقان بأجنحتهما.

وقد روى في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد والسدي والحسن [البصري] (١) وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.

وقد ورد في ذلك أثر غريب وسياق عجيب في ذلك أحببنا أن ننبه عليه، قال: الإمام أبو جعفر بن جرير، ﵀: حدثنا الربيع بن سليمان، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، حدثني هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ [﵂ وعن أبيها] (٢) أنها قالت: قدمت امرأة عليَّ من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حَدَاثة ذلك، تسأله عن شيء (٣) دخلت فيه من أمر السحر، ولم تعمل به. قالت عائشة، ﵂، لعُرْوَة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ فيشفيها كانت تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت. كان لي زوج فغاب عني، فدخلت عليَّ عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك. فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبتُ أحدهما (٤) وركبت الآخر، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما. فقالا ما جاء بك؟ فقلتُ: أتعلم (٥) السحر. فقالا إنما نحن فتنة فلا تكفري، فارجعي. فأبيت وقلت: لا. قالا فاذهبي (٦) إلى ذلك التنور، فبولي فيه. فذهبت ففزعتُ ولم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا أفعلت؟ فقلت: نعم. فقالا هل رأيت شيئًا؟ فقلت: لم أر شيئًا. فقالا لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري [فإنك على رأس أمري] (٧). فأرْبَبْت وأبيت (٨). فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. فذهبت فاقشعررت [وخفت] (٩) ثم رجعت إليهما فقلت: قد فعلت. فقالا فما رأيت؟ فقلت: لم

(١) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(٢) زيادة من جـ.

(٣) في أ، و: "عن أشياء".

(٤) في جـ: "فركبت إحداهما".

(٥) في جـ، ب، أ، و: "فقلنا نتعلم".

(٦) في أ: "فقالا فاذهبا".

(٧) زيادة من جـ.

(٨) في جـ: "فأبت وأبيت".

(٩) زيادة من جـ، ب، أ، و.

ج1 · ص361

أر شيئًا. فقالا كذبت، لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري (١)؛ فإنك على رأس أمرك. فأرببتُ وأبيتُ. فقالا اذهبي إلى ذلك التنور، فبولي فيه. فذهبت إليه فبلت فيه، فرأيت فارسًا مقنعًا (٢) بحديد خَرَج مني، فذهب في السماء وغاب [عني] (٣) حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت. فقالا فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسًا مقنعًا خرج مني فذهب في السماء، حتى ما أراه. فقالا صدقت، ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا وما قالا لي شيئًا. فقالت: بلى، لم تريدي شيئًا إلا كان، خذي هذا القمح فابذري، فبذرت، وقلت: أطلعي (٤) فأطلعت (٥) وقلت: أحقلي فأحقلت (٦) ثم قلت: أفْركي فأفرَكَتْ. ثم قلت: أيبسي فأيبست (٧). ثم قلت: أطحني فأطحنت (٨). ثم قلت: أخبزي فأخبزت (٩). فلما رأيتُ أني لا أريد شيئًا إلا كان، سقط في يدي وندمت -والله-يا، أم ا، لمؤمنين والله ما فعلت شيئًا قط ولا أفعله أبدًا (١٠).

ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان، به مطولا كما تقدم (١١). وزاد بعد قولها: ولا أفعله أبدًا: فسألت أصحاب رسول الله ﷺ حداثة وفاة رسول الله ﷺ، وهم يومئذ متوافرون، فما دَرَوا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس -أو بعض من كان عنده-: لو كان أبواك حيين أو أحدهما [لكان يكفيانك] (١٢).

قال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان [قال] (١٣): قال ابن أبي الزناد: وكان هشام يقول: إنهم كانوا أهل الورع والخشية (١٤) من الله. ثم يقول هشام: لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم.

فهذا إسناد جيد إلى عائشة، ﵂.

وقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن (١٥) الساحر له تمكن في قلب الأعيان؛ لأن هذه المرأة بذرت واستغلت في الحال.

وقال آخرون: بل ليس له قدرة إلا على التخييل، كما قال [الله] (١٦) تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]

(١) في جـ: "ولم تكفري".

(٢) في جـ: "معلقا".

(٣) زيادة من أ.

(٤) في جـ، ط: "اطلع فطلع".

(٥) في جـ: "احقل فأحقل"، وفي أ، و: "فطلعت".

(٦) في ط: "احقلى فأجعلت".

(٧) في جـ: "أيبس فيبس".

(٨) في جـ: "اطحن فطحن".

(٩) في جـ: "اختبز فاختبز".

(١٠) تفسير الطبري (٢/ ٤٣٩ - ٤٤١).

(١١) تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣١٢) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٣٧) من طريق الربيع بن سليمان به مطولا، وهذه الزيادة لم ترد في المطبوع من تفسير ابن أبي حاتم، وقد نبه إلى ذلك المحقق الفاضل، جزاه الله خيرًا.

(١٢) زيادة من أ.

(١٣) زيادة من أ.

(١٤) في جـ: "وأهل خشية".

(١٥) في أ: "من ذهب بأن".

(١٦) زيادة من أ.

ج1 · ص362

واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دُنْباوَنْد (١) كما قاله السدي وغيره. ثم الدليل على أنها بابل العراق ما قال (٢) ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح، حدثني ابن وهب، حدثني ابن لَهِيعة ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري أن علي بن أبي طالب، ﵁ [مر ببابل وهو يسير، فجاء المؤذن يُؤْذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ] قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي [بأرض المقبرة، ونهاني أن أصلي] ببابل فإنها ملعونة (٣).

وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لَهِيعة ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري: أن عليا مر ببابل، وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة.

حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة، عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري، عن علي، بمعنى حديث سليمان بن داود، قال: فلما "خرج، " مكان "برز" (٤).

وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود، لأنه رواه وسكت عنه (٥)؛ ففيه من الفقه كراهية الصلاة بأرض بابل، كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله ﷺ عن الدخول إلى منازلهم، إلا أن يكونوا باكين.

قال أصحاب الهيئة: وبُعْدُ ما بين بابل، وهي من إقليم العراق، عن البحر المحيط الغربي، ويقال له: أوْقيانُوس (٦) سبعون درجة، ويسمون هذا طولا وأما عرضها وهو بعد ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب، وهو المسامت لخط الاستواء، اثنان (٧) وثلاثون درجة، والله أعلم.

وقوله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس (٨) بن عباد، عن ابن عباس، قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر، وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر (٩). [قال] (١٠) فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فَعلمه، فإذا تعلم خرج منه النور، فنظر (١١) إليه ساطعًا في السماء، فيقول: يا حسرتاه!

(١) في ط، ب، أ، و: "ديناوند".

(٢) في أ: "ما قاله".

(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٠٤)، وما بين المعقوفين ليس في تفسير ابن أبي حاتم.

(٤) سنن أبي داود برقم (٤٩٠، ٤٩١).

(٥) في جـ، ط، ب، أ، و: "وسكت عليه".

(٦) في ب: "أوليانوس".

(٧) في ب، أ، و: "ثنتان".

(٨) في أ: "عن بشر".

(٩) في ب: "أن الكفر من السحر".

(١٠) زيادة من جـ، أ، و.

(١١) في أ: "فينظر".

ج1 · ص363

يا ويله! ماذا أصنع (١)؟.

وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: نعم، أنزل الملكان بالسحر، ليعلما (٢) الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) رواه ابن أبي حاتم، وقال قتادة: كان أخذ عليهما ألا يعلما أحدًا حتى يقولا (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) -أي: بلاء ابتلينا به- (فَلا تَكْفُرْ)

وقال [قتادة و] (٣) السدي: إذا أتاهما إنسان يريد السحر، وعظاه، وقالا له: لا تكفر، إنما نحن فتنة. فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد، فبُلْ عليه. فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان. وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكلِّ شيء [منه] (٤). وذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر، فذلك قول الله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) الآية.

وقال سُنَيد، عن حجاج، عن ابن جريج في هذه الآية: لا يجترئ على السحر إلا كافر.

وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار، ومنه قول الشاعر:

وقد فُتن النَّاسُ في دينهم … وخَلَّى ابنُ عفان شرًا طويلا (٥)

وكذلك (٦) قولُه تعالى إخبارًا عن موسى، ﵇، حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ﴾ أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] (٧).

وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، ويُستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله، قال: من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ.

وهذا إسناد جيد (٨) وله شواهد أخر.

وقوله تعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفَرِّقُون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف. وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه، من حديث الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله، رضي الله

(١) في أ، و: "ماذا صنع".

(٢) في أ، و: "ليعلموا" وهو خطأ.

(٣) زيادة من و.

(٤) زيادة من أ، و.

(٥) البيت في تفسير الطبري (٢/ ٤٤٤) وانظر هناك الاختلاف في قائله.

(٦) في ط، ب، أ، و: "وكذا".

(٧) في جـ، ط، ب، أ، و: "وتهدي من تشاء الآية".

(٨) في جـ، ط، ب، أ، و: "إسناد صحيح".

ج1 · ص364

عنه (١) عن النبي ﷺ، قال: "إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئًا. ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله (٢) قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه، ويقول: نِعْم أنت" (٣).

وسبب التفرق بين الزوجين بالسحر: ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق أو نحو ذلك أو عَقد أو بَغْضة، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة.

والمرء عبارة عن الرجل، وتأنيثه امرأة، ويثنى كل منهما ولا يجمعان، والله أعلم.

وقوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ) قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله. وقال محمد بن إسحاق إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد. وقال الحسن البصري: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ) قال: نَعَم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى، وفي رواية عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه.

وقوله تعالى: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره.

(وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول (٤) ﷺ لمن فعل فعلهم ذلك، أنه ما له في الآخرة من خلاق.

قال ابن عباس ومجاهد والسدي: من نصيب. وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: ما له في الآخرة من جهة عند الله (٥) وقال: وقال الحسن: ليس له دين.

وقال سعد (٦) عن قتادة: (مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) قال: ولقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.

وقوله تعالى: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) يقول تعالى: (ولبئس) البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان، ومتابعة الرسل (٧) لو كان لهم علم بما وعظوا به (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ) أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم، لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠].

(١) في ب: "عنهما".

(٢) في جـ: "وبين زوجه".

(٣) صحيح مسلم برقم (٢٨١٣).

(٤) في أ: "متابعة الرسل".

(٥) في أ: "ما له في الآخرة من خلاق".

(٦) في ط، ب، و: "سعيد".

(٧) في أ: "الرسول".

ج1 · ص365

وقد يستدل بقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا) من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف. وقيل: بل لا يكفر، ولكن حَده ضَرْبُ عنقه، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل، رحمهما الله: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة بن عَبَدَةَ يقول: كتب [أمير المؤمنين] (١) عمر بن الخطاب، ﵁، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر (٢). وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضًا (٣). وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها فقتلت (٤). قال أحمد بن حنبل: صح من أصحاب النبي ﷺ [أذنوا] (٥) في قتل الساحر.

وروى الترمذي من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "حد الساحر ضَرْبُه بالسيف" (٦).

ثم قال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وإسماعيل بن مسلم يُضعَّف في الحديث، والصحيح: عن الحسن عن جُنْدُب موقوفًا.

قلت: قد رواه الطبراني من وجه آخر، عن الحسن، عن جندب، مرفوعًا (٧). والله أعلم.

وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب (٨) عنق الساحر، وقال: إن كان صادقا (٩) فليحي نفسه. وتلا قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه، (١٠) والله أعلم.

وقال (١١) أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثني أبو إسحاق، عن حارثة قال: كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملا

(١) زيادة من جـ.

(٢) رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه، ط. المكتب الإسلامي برقم (١٥٤٢) عن أبيه عن سفيان به.

(٣) صحيح البخاري برقم (٣١٥٦).

(٤) رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه، ط. المكتب الإسلامي برقم (١٥٤٣) عن أبيه عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن حفصة سحرتها جاريتها، فذكره.

(٥) زيادة من جـ.

(٦) سنن الترمذي برقم (١٤٦٠).

(٧) المعجم الكبير (٢/ ١٦١) من طريق محمد بن الحسن بن سيار، عن خالد العبد عن الحسن عن سمرة به.

(٨) في جـ: "وضرب".

(٩) في أ، و: "إن كان ساحرًا".

(١٠) الرجل الذي قتله هو جندب بن كعب، انظر القصة في: أسد الغابة لابن الأثير في ترجمة جندب بن كعب (١/ ٣٦١) وفي الإصابة للحافظ ابن حجر (١/ ٢٥١).

(١١) في و: "وقال الإمام".

ج1 · ص366

على سيفه فقتله، فقال: أراه كان ساحرًا، وحمل الشافعي، ﵀، قصة عمر، وحفصة (١) على سِحْر يكون شركا. والله أعلم.

فصل

حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفروا من اعتقد وجوده. قال: وأما أهل السنة فقد جَوَّزُوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا، والحمار إنسانًا، إلا أنهم قالوا: إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى و[تلك] (٢) الكلمات المُعَيَّنة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا خلافًا للفلاسفة والمنجمين والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى، بقوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ) ومن الأخبار بأن رسول الله ﷺ سُحِر، وأن السحر عَمِل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة، ﵂، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر، قال: وبما يذكر (٣) في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا:

المسألة الخامسة في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك؛ لأن (٤) العلم لذاته شريف وأيضًا لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]؛ ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز مُعْجِزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا فكيف يكون حرامًا وقبيحًا؟!

هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه، أحدها: قولُهُ: "العلم بالسحر ليس بقبيح". إن عنى به ليس بقبيح عقلا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا (٥) وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع (٦) لتعلم السحر، وفي الصحيح: "من أتى عرافًا أو كاهنًا، فقد كفر بما أنزل على محمد" (٧). وفي السنن: "من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر" (٨). وقوله: "ولا محظور اتفق المحققون على ذلك". كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث؟! واتفاق المحققين (٩) يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله [علم] (١٠) السحر في عموم قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي، ولم

(١) في جـ: "في قصة حفصة وعمر".

(٢) زيادة من جـ.

(٣) في جـ: "وما يذكر".

(٤) في جـ، ط: "فإن".

(٥) في جـ: "ذلك".

(٦) في أ: "متسع".

(٧) صحيح مسلم برقم (٢٢٣٠) من حديث بعض أزواج النبي ﷺ وليس فيه: "كاهنًا" والعراف من جملة أنواع الكهان.

(٨) رواه النسائي في السنن (٧/ ١١٢) من حديث أبي هريرة ﵁.

(٩) في أ: "المحدثين".

(١٠) زيادة من جـ، ب، أ، و. وفي ط "تعلم".

ج1 · ص367

قلتَ إن هذا منه؟ ثم تَرَقيه (١) إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد؛ لأن معظم (٢) معجزات رسولنا، ﵊ (٣) هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلا ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرّقُون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والله أعلم.

ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية:

الأول: سحر الكلُدْانيين والكُشْدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مُدَبّرة العالم (٤) وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بَعث (٥) إليهم إبراهيم الخليل ﷺ مبطلا لمقالتهم ورادا لمذهبهم (٦) وقد استقصى في "كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم" المنسوب إليه فيما (٧) ذكره القاضي ابن خلكان وغيره (٨) ويقال: إنه تاب منه. وقيل (٩) إنه (١٠) صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد. وهذا هو المظنون به، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه، وما يتنسكون به.

قال: والنوع الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدلّ على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه. قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المَرْعُوف (١١) عن النظر إلى الأشياء الحُمْر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مُطِيعة (١٢) للأوهام.

قال: وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق.

وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ، قال: "العين حَقّ، ولو كان شيء سَابِقَ القدر لسبقته العين" (١٣).

قال: فإذا عرفت هذا، فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدًا، فتستغني في هذه الأفاعيل (١٤) عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه

(١) في أ: "فرقته".

(٢) في جـ، ب، أ، و: "لأن أعظم".

(٣) في جـ: "ﷺ".

(٤) في جـ: "مدبرة للعالم".

(٥) في جـ، ب، أ: "بعث الله".

(٦) في جـ، ط، ب، أ، و: "لمذاهبهم".

(٧) في ب: "كما".

(٨) وفيات الأعيان (٣/ ٣٨١).

(٩) في جـ، ط: "ويقال".

(١٠) في جـ، ط، ب: "بل".

(١١) في جـ: "المرفوع"، وفي ط: "الموضوع".

(١٢) في جـ، ط، ب، و: "منطبعة"، وفي أ: "منطبقة".

(١٣) صحيح مسلم برقم (٢١٨٨) من حديث عبد الله بن عباس ﵁.

(١٤) في جـ، ط، ب، أ، و: "هذه الأفعال".

ج1 · ص368

الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية (١) على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات، صارت كأنها رُوح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم. وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات (٢) البدنية، فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس والرياء (٣).

قلت: وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو على قسمين: تارة تكون حالا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله ﷺ، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله، وهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله ﷺ ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه (٤) حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله (٥) إيَّاهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجَّال -لعنه الله-له من الخوارق للعادات (٦) ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعًا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدًا، وليس هذا موضعه.

قال: النوع الثالث من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن، خلافًا للفلاسفة والمعتزلة: وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار، وهم الشياطينُ. قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة (٧) والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخل (٨) والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير (٩).

النوع الرابع من السحر: التخيلات، والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه [على] (١٠) أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم (١١) الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئًا آخر عَمَلا بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه. فيتعجَّبون منه جدًا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما (١٢) يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.

قال: وكلما كانت الأحوال التي تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل (١٣) أشد، كان العمل

(١) في جـ، ط، ب، و: "مشتغلة"، وفي أ: "مستقبلة".

(٢) في جـ، ط، ب، أ، و: "اللذات".

(٣) في جـ، ط، ب، و: "والرياضة".

(٤) في جـ: "فهذا".

(٥) في جـ: "أعطاهم الله"، وفي أ: "على عطاء الله".

(٦) في جـ: "والعادات".

(٧) في جـ: "من المناسب".

(٨) في جـ، ط، ب، أ، و: "والدخن".

(٩) في ط، ب، أ، و: "وعمل تسخير".

(١٠) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(١١) في جـ: "إذا استقر".

(١٢) في ط: "مما".

(١٣) في جـ: "الخلال".

ج1 · ص369

أحسنَ، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدًا، أو مظلم، فلا تقف القوة الناظرة (١) على أحوالها بكلالها (٢) والحالة هذه.

قلت: وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم.

النوع الخامس من السحر: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب (٣) بالبوق، من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي تُصَوِّرها الرومُ والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكة وباكية.

إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور المخاييل. قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.

قلت: يعني ما قاله بعض المفسرين: أنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي، فحشوها زئبقًا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها.

قال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جَرِّ الأثقال بالآلات الخفيفة.

قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر؛ لأن لها أسبابًا (٤) معلومة يقينية (٥) من اطلع عليها قدر عليها.

قلت: ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يُرُونَهم إياه من الأنوار، كقضية قُمَامة الكنيسة التي لهم ببلد (٦) المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام (٧) [منهم] (٨) وأما الخواص فهم يعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم. وفيه شبه (٩) للجهلة الأغبياء من متعبدي (١٠) الكَرّامية الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله ﷺ فيهم (١١): "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من

(١) في جـ، ط، ب: "الباصرة".

(٢) في جـ، ط، ب: "لكلالها" وفي أ: "بكمالها".

(٣) في جـ، ط: "ضرب مرة".

(٤) في أ: "أنسابًا".

(٥) في ط، أ: "متيقنة".

(٦) في جـ: "ببيت" وفي و: "بالبلد".

(٧) في جـ، ط، ب: "الطعام".

(٨) زيادة من جـ، ط، ب.

(٩) في جـ: "وفيه شبهة"، في أ: "وفيهم شبه".

(١٠) في أ: "متعدي".

(١١) في جـ: "من قال فيهم رسول الله ﷺ".

ج1 · ص370

النار (١) ". وقوله: "حدثوا عني ولا تكذبوا عَلَيّ فإنه من يكذب عليّ يلج النار" (٢).

ثم ذكر ههنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين (٣) الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور تَرِقّ له فتذهب فتلقي في وَكْره من ثمر الزيتون، ليتبلغ (٤) به، فعَمَد هذا الراهبُ إلى صنعة طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح يسمع له (٥) صوت كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابًا من ناحيه، فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فَيُسْمَعُ صوتها كذلك الطائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه؟ ففتنهم بذلك، وأوهم (٦) أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة (٧) إلى يوم القيامة.

قال الرازي: النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة والدهانات (٨). قال: واعلم أن لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن أثر المغناطيس مشاهد.

قلت: يدخل في هذا القبيل كثير ممن يَدّعي الفقر ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيًا أنها أحوال له (٩) من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات.

قال: النوع السابع من السحر: تعليق (١٠) القلب، وهو أن يدعي الساحرُ أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون ذلك السامع لذلك ضعيف العقل (١١) قليل التمييز اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك وحصل في نفسه نوع من الرهب والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة (١٢) فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.

قلت: هذا النمط يقال له التنبلة، وإنما يروج على الضعفاء العقول من بني آدم. وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان المُتَنْبِلُ حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له مِنَ الناس مِنْ غيره.

قال: النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتضريب (١٣) من وجوه خفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس.

(١) هذا الحديث رواه جمع من الصحابة عن النبي ﷺ عدهم الإمام الطبراني في جزء له فأوصلهم فوق الستين، وانظره في: صحيح البخاري برقم (١٠٧) من حديث الزبير ﵁، وفي مقدمة صحيح مسلم برقم (٢ - ٤) من حديث أنس وأبي هريرة والمغيرة ﵃".

(٢) رواه مسلم في مقدمة صحيحه برقم (١) من حديث علي ﵁.

(٣) في أ، و: "حنين".

(٤) في جـ، أ: "ليبتلع".

(٥) في جـ، ط، ب، أ، و: "يسمع منه".

(٦) في جـ: "وأوهمهم".

(٧) في جـ، ط، ب: "التابعة"، وفي أ: "البالغة".

(٨) في جـ: "في الأطعمة والدهان".

(٩) في جـ: "أنها أحواله".

(١٠) في جـ: "تعلق".

(١١) في ب، أ، و: "القلب".

(١٢) في جـ: "القوى الحسية".

(١٣) في ب: "التضرب".

ج1 · ص371

قلت: النميمة على قسمين، تارة تكون على وجه التحريش [بين الناس] (١) وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه. فأما إذا (٢) كانت على وجه الإصلاح [بين الناس] (٣) وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: "ليس بالكذاب من يَنمّ خيرًا" أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة" فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث: "الحرب خدعة". وكما فعل نعيم بن مسعود (٤) في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين (٥) قريظة، وجاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت. وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء والبصيرة النافذة. والله المستعان.

ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه.

قلت: وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فَنّ السحر، للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عما لطُف وخفي سببه. ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرًا (٦). وسمي السحور لكونه يقع خفيًا آخر الليل (٧) والسَّحْر: الرئة، وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سحرك (٨) أي: انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة، ﵂: توفي رسول ﷺ بين سَحْري ونَحْري. وقال: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] (٩) أي: أخفوا عنهم عملهم، والله أعلم (١٠).

[فصل] (١١) وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن هَبيرة بن محمد بن هبيرة في كتابه: "الإشراف على مذاهب الأشراف" بابًا في السحر، فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة، فإنه قال: لا حقيقة له عنده. واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقدًا جوازه أو أنه ينفعه كَفَر. وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال الشافعي، ﵀: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك. فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر. وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر.

قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد: نعم. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا. فأما إن قتل بسحره إنسانا فإنه يُقْتل عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا

(١) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(٢) في جـ، ط، ب، أ، و: "فأما إن".

(٣) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

(٤) في جـ: "ابن الأسود".

(٥) في جـ، ط، ب، أ، و: "وبني".

(٦) في جـ، ط، ب، أ، و: "سحرًا".

(٧) في جـ: "الليلة".

(٨) في جـ، ب، أ، و: "سحره".

(٩) في جـ: "الناس واسترهبوهم".

(١٠) في جـ: "والله ﵎ أعلم".

(١١) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

ج1 · ص372

يقتل حتى يتكرر منه ذلك (١) أو يقر بذلك في حَقّ شخص (٢) معين. وإذا قُتل فإنه يُقْتَل حدًا عندهم إلا الشافعي، فإنه قال: يقتل -والحالة هذه-قصاصًا.

قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهما: لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل. وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل، كما يقتل الساحر المسلم. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يقتل. يعني لقصة لبيد بن أعصم (٣).

واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة (٤) لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل، والله أعلم.

وقال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: قَرَأ على أبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-عُمَرُ بن هارون، حدثنا يونس، عن الزهري، قال: يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين؛ لأن رسول الله ﷺ سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها.

وقد نقل القرطبي عن مالك، ﵀، أنه قال في الذمي إذا سحر يقتل إن قتل سحره، وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر: إحداهما: أنه يستتاب فإن أسلم وإلا قتل، والثانية: أنه يقتل وإن أسلم، وأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرًا كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم لقوله تعالى: " وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ". لكن قال مالك: إذا ظهر عليه لم تقبل توبته لأنه كالزنديق، فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاءنا تائبًا قبلناه ولم نقتله، فإن قتل سحره قتل. قال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية.

مسألة: وهل يسأل الساحر حل سحره؟ فأجاز سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة، وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة: أنها قالت: يا رسول الله، هلا تنشرت، فقال: "أما الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شرًا" (٥). وحكى القرطبي عن وهب: أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته.

قلت: أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله ﷺ في إذهاب ذلك وهما المعوذتان، وفي الحديث: "لم يتعوذ المتعوذون بمثلهما" (٦) وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان. وقال أبو عبد الله القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء.

(١) في جـ: "منه الفعل".

(٢) في أ: "في حق رجل".

(٣) في أ: "لقضية لبيد بن الأعصم".

(٤) في جـ، ط، ب، أ، و: "فعند أبي حنيفة أنها".

(٥) صحيح البخاري برقم (٥٧٦٦) وصحيح مسلم برقم (٢١٨٩).

(٦) رواه النسائي في السنن (٨/ ٢٥١) من حديث عقبة بن عامر ﵁.

ج1 · ص373

خلافًا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه وتخيل. قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة والشعوذي البريد؛ لخفة سيره. قال ابن فارس: هذه الكلمة من كلام أهل البادية. قال القرطبي: ومنه ما يكون كلامًا يحفظ ورقى من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك. قال: وقوله، ﵇: "إن من البيان لسحرا" (١) يحتمل أن يكون مدحًا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذمًا للبلاغة. قال: وهذا الأصح. قال: لأنها تصوب الباطل حين يوهم السامع أنه حق كما قال: "فلعل بعضكم أن يكون ألحن لحجته من بعض" فأقتضي له، الحديث.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾

نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص -عليهم لعائن الله-فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولون: راعنا. يورون (٢) بالرعونة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٤٦] وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سَلَّموا إنما يقولون: السامُ عليكم. والسام هو: الموت. ولهذا (٣) أمرنا أن نرد عليهم بـ "وعليكم". وإنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا.

والغرض: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا. فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي مُنيب الجُرَشي، عن ابن عمر، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يُعبد الله وحده لا شريك له. وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم".

وروى أبو داود، عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به (٤) "من تشبه بقوم فهو منهم"

(١) رواه أبو داود في السنن برقم (٥٠١١) والترمذي في السنن برقم (٢٨٤٥) من حديث ابن عباس ﵁، ورواه أبو داود في السنن برقم (٥٠١٢) من حديث بريدة ﵁.

(٢) في جـ، ط، ب: "ويورون"، وفي أ: "ويرون".

(٣) في جـ: "ولقد".

(٤) المسند (٢/ ٩٢) وسنن أبي دواد برقم (٤٠٣١).