سورة البقرة
ซูเราะฮ์ที่ 2 · ตอน 28/40 · เล่ม 1 หน้า 554–568
قال: "كان يسير العَنَق، فإذا وجد فَجْوَة نَص" (١). والعنق: هو انبساط السير، والنص، فوقه.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي، فيما كَتَب إليّ، عن أبيه أو عمه، عن سفيان بن عيينة قوله: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) وهي الصلاتين (٢) جميعًا.
وقال أبو إسحاق السَّبِيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عَمْرو عن المشعر الحرام، فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ هذا المشعر الحرام.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن سالم قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها (٣).
وقال هُشَيم، عن حجاج (٤) عن نافع، عن ابن عمر: أنه سئل عن قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) قال: فقال: هو الجبل وما حوله.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: رآهم ابن عُمَر يزدحمون على قُزَحَ، فقال: عَلام يزدحم هؤلاء؟ كل ما هاهنا مشعر (٥).
وروي عن ابن عباس، وسعيد بن جُبير، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة أنهم قالوا: هو ما بين الجبلين.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفَضْت (٦) من مَأزمي عرفة فذلك إلى مُحَسِّر. قال: وليس المأزمان مَأزما عرفة من المزدلفة، ولكن مُفَاضَاهما (٧). قال: فقِف (٨) بينهما إن شئت، قال: وأحب أن تَقفَ دون قُزَح، هَلُمّ إلينا من أجل طريق الناس.
قلت: والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام؛ لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به، كما ذهب إليه طائفة من السلف، وبعض أصحاب الشافعي، منهم: القفال، وابن خُزَيمة، لحديث عُرْوة بن مُضَرَس؟ أو واجب، كما هو أحد قولي الشافعي يجْبَر بدم؟ أو مستحب لا يجب (٩) بتركه شيء كما هو القول الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء، لبسطها موضع آخر غير هذا، والله أعلم.
(١) صحيح البخاري برقم (١٦٦٦، ٤٤١٣) وصحيح مسلم برقم (١٢٨٦).
(٢) كذا في جـ، ط، وهو خطأ، والصواب: "الصلاتان".
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٤/ ١٧٦) من طريق عبد الرزاق به.
(٤) في جـ: "عن الحجاج".
(٥) رواه الطبري في تفسيره (٤/ ١٧٧، ١٧٨) من طريق عبد الرزاق به.
(٦) في جـ، ط: "إذا أفضيت"، وفي أ: "إذا قضيت".
(٧) في أ، و: "مقضاهما".
(٨) في جـ: "فتقف".
(٩) في جـ: "لا يجبره".
وقال عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: "عَرَفَةُ كلها موقف، وارفعوا عن عُرَنة (١)، وجَمْع كلها مَوقف إلا مُحَسرًا" (٢).
هذا حديث مرسل. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني سليمان بن موسى، عن جبير بن مطعم (٣)، عن النبي ﷺ: قال: "كل عرفات موقف، وارفعوا عن عُرَنة (٤). وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن مُحَسِّر، وكل فجاج مكة مَنْحر، وكل أيام التشريق ذبح" (٥).
وهذا أيضا منقطع، فإن سليمان بن موسى هذا -وهو الأشدق -لم يدرك جُبَير بن مطعم. ولكن رواه الوليد بن مسلم، وسويد بن عبد العزيز، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان، فقال الوليد: عن ابن لجبير (٦) بن مطعم، عن أبيه. وقال سويد: عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن النبي ﷺ، فذكره، والله أعلم.
وقوله: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) تنبيه لهم على ما أنْعَم به عليهم، من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه إبراهيم الخليل، ﵇؛ ولهذا قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) قيل: من قبل هذا الهدي، وقبل القرآن، وقبل الرسول، والكل متقارب، ومتلازم، وصحيح.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾
"ثم" هاهنا لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يَدْفَع إلى المزدلفة، ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشًا، فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحِل (٧)، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته، وقُطَّان بيته.
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن حازم، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمّون الحُمْس، وكان (٨) سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يَأتَي عرفات، ثم يقف بها ثم يُفيض
(١) في أ، و: "عن عرفة".
(٢) رواه الطبري في التفسير (٤/ ١٧٩) وقد جاء موصولا من حديث جابر ﵁، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٣٠١٢) وأصله في صحيح مسلم برقم (١٢١٨) أ. هـ مستفادا من حاشية الشيخ أحمد شاكر على تفسير الطبري.
(٣) في ط: "عن جبير بن مطعم عن أبيه".
(٤) في أ: "عرفات" وفي و: "عرنات".
(٥) المسند (٤/ ٨٢).
(٦) في أ: "عن جبير".
(٧) في أ: "الجبل".
(٨) في جـ، ط، أ: "وكانت".
منها، فذلك قوله: (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) (١).
وكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، والسدي، وغيرهم. واختاره ابن جرير، وحكى عليه الإجماع، ﵏.
وقال الإمام أحمد، حدثنا سُفْيان، عن عمرو، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أضللتُ بعيرًا لي بعرفة، فذهبت أطلبه، فإذا النبي ﷺ واقف، قلت: إن هذا من الحَمْس (٢) ما شأنه هاهنا؟
أخرجاه في الصحيحين (٣). ثم روى البخاري من حديث موسى بن عقبة، عن كُرَيب، عن ابن عباس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة هاهنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار (٤). فالله أعلم. وحكاه ابنُ جرير، عن الضحاك بن مزاحم فقط. قال: والمراد بالناس: إبراهيم، ﵇. وفي رواية عنه: الإمام. قال ابن جرير (٥) ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.
وقوله: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات؛ ولهذا ثبت في صحيح مسلم أنّ رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ثلاثًا. وفي الصحيحين أنَّه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير، ثلاثًا وثلاثين، ثلاثًا وثلاثين (٦).
وقد روى ابن جرير هاهنا حديث (٧) ابن عباس (٨) بن مرداس السلمي في استغفاره، ﵇، لأمته عَشِيَّةَ عرفة، وقد أوردناه (٩) في جُزْء جمعناه في فضل يوم عرفة (١٠).
وأورد ابن مَرْدويه هاهنا الحديث الذي رواه البخاري، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عَلَيّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في
(١) صحيح البخاري برقم (٤٥٢٠).
(٢) في أ: "الحميس".
(٣) المسند (٤/ ٨٠) وصحيح البخاري برقم (١٦٦٤) وصحيح مسلم برقم (١٢٢٠).
(٤) صحيح البخاري برقم (٤٥٢١).
(٥) في جـ: "ابن جريج".
(٦) في جـ: "ثلاث وثلاثين وثلاث وثلاثين".
(٧) في ط: "هاهنا حديثا حديث".
(٨) في ط: "حديث العباس".
(٩) في جـ: "أفردناه".
(١٠) قال الطبري في تفسيره (٤/ ١٩٢): "حدثني إسماعيل بن سيف العجلي قال: حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي قال: حدثنا ابن كنانة - ويكنى أبا كنانة - عن أبيه، عن العباس بن مرداس السلمي قال: قال رسول الله ﷺ: "دعوت الله يوم عرفة أن يغفر لأمتي ذنوبها، فأجابني: أن قد غفرت، إلا ذنوبها بينها وبين خلقي، فأعدت الدعاء يومئذ، فلم أجب بشيء، فلما كان غداة المزدلفة قلت: يا رب، إنك قادر أن تعوض هذا المظلوم من ظلامته وتغفر لهذا الظالم، فأجابني: أن قد غفرت" قال: فضحك رسول الله ﷺ، قال: فقلنا: يا رسول الله، رأيناك تضحك في يوم لم تكن تضحك فيه!! قال: "ضحكت من عدو الله إبليس لما سمع بما سمع، إذ هو يدعو بالويل والثبور، ويضع التراب على رأسه".
يومه فمات دخل الجنة" (١).
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عَمْرو: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، عَلمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ فقال: "قل: اللهمّ إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مَغْفِرةً من عندك وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرحيم" (٢).
والأحاديث في الاستغفار كثيرة.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾
يأمرُ تعالى بذكره والإكثار منه بعد قَضَاء المناسك وفراغها.
وقوله: (كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ) اختلفوا في معناه، فقال ابن جُرَيج، عن عطاء: هو (٣) كقول الصبي: "أبَهْ أمَّهْ"، يعني: كما يَلْهَج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم، فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك. وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس. وروى ابنُ جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس -نحوه.
وقال سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس [قال] (٤): كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم (٥) فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحَمَالات [ويحمل الديات] (٦). ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم. فأنزل الله على محمد ﷺ: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)
قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن أنس بن مالك، وأبي وائل، وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه، وسعيد بن جُبَير، وعكرمة في إحدى رواياته، ومجاهد، والسدي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك. وهكذا حكاه ابن جرير أيضًا عن جماعة، والله أعلم.
والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله ﷿؛ ولهذا كان انتصاب قوله: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) على التمييز، تقديره كذكركم آباءكم أو أشد منه ذكرًا. و"أو" هاهنا لتحقيق المماثلة في الخبر، كقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]،
﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]. فلي، ست هاهنا للشك قطعًا، وإنما هي لتحقيق الخبر عنه بأنه كذلك أو أزْيَد منه. ثم إنه تعالى أرشد إلى دُعَائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنة الإجابة، وذَمَّ من لا يسأله إلا في أمر دنياه، وهو معرض عن أخراه، فقال: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) أي: مِنْ نَصِيب ولا حظ. وتضمَّن هذا الذمّ التنفير عن التشبه (١) بمن هو كذلك. قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غَيث وعام خصْب وعام ولاد حسن. لا يذكرون (٢) من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) (٣) وكان يجيء بعدهم آخرون [من المؤمنين] (٤) فيقولون: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) فأنزل الله: (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ولهذا مدح من يسأله للدنيا والأخرى، فقال: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) فجمعت هذه الدعوةُ كلَّ خير في الدنيا، وصرَفت كلّ شر فإن الحسنة في الدنيا تشملُ كلّ مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عباراتُ المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن (٥) من الفزع الأكبر في العَرَصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام (٦).
وقال القاسم بن (٧) عبد الرحمن: من أعطي قلبا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وجسدًا صابرًا، فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار.
ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء. فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يقول: "اللَّهم ربَّنا، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس (٩) قال: كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله ﷺ [يقول] (١٠): "اللهم ربَّنا، آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" (١١).
(١) في أ: "عن التشبيه".
(٢) في جـ: "لا يذرون".
(٣) في و: "فمن الناس من" وهو الصواب.
(٤) زيادة من أ، و.
(٥) في جـ: "وتوابع ذلك الأمن".
(٦) في جـ: "في الحرام"، وفي أ: "واجتناب الحرام".
(٧) في أ، و: "قال القاسم أبو".
(٨) صحيح البخاري برقم (٤٥٢٢).
(٩) في و: "حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سأل قتادة أنسا: أي دعوة كان أكثر يدعو بها النبي ﷺ؟ ".
(١٠) زيادة من و.
(١١) المسند (٣/ ١٠١).
[وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه] (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن شداد -يعني أبا طالوت -قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم. فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وتحدثوا ساعة حتى إذا أرادوا القيام، قال (٢): يا أبا حمزة، إن إخوانك يريدون القيام فادع لهم فقال: تريدون أن أشَققَ لكم الأمور، إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار فقد آتاكم الخير كله.
وقال أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، [وعبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حميد] (٣) عن أنس، أن رسول الله ﷺ عاد رَجُلا من المسلمين قد صار مثل الفَرْخ. فقال له رسول الله ﷺ: "هل تدعو (٤) الله بشيء أو تسأله إيَّاه؟ " قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ: "سبحان الله! لا تطيقه -أو لا تستطيعه -فهلا قلت: (رَبَّنَا (٥) آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ". قال: فدعا الله، فشفاه.
انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من حديث ابن أبي عدي -به (٦).
وقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد -مولى السائب -عن أبيه، عن عبد الله بن السائب: أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (٧). ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك.
وروى ابن ماجه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، نحو ذلك. وفي سنده ضعف (٨) والله أعلم.
وقال ابن مَرْدويه: حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن سليمان، عن إبراهيم بن سليمان، عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكًا يقول: آمين. فإذا مررتم عليه فقولوا: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) "
(١) زيادة من أ، و.
(٢) في أ: "قالوا".
(٣) زيادة من مسند الإمام أحمد (٣/ ١٠٧).
(٤) في جـ، ط: "هل كنت تدعو".
(٥) في جـ، ط: "اللهم" وهو خطأ.
(٦) المسند (٣/ ١٠٧).
(٧) ورواه البغوي في شرح السنة (٧/ ١٢٨) من طريق الشافعي به، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٠١) "موارد" من طريق يحيى القطان عن ابن جريج به نحوه.
(٨) سنن ابن ماجة برقم (٢٩٥٧).
وقال الحاكم في مستدركه: أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن مُسْلم البطين، عن سعيد بن جبير قال: جاء رَجُل إلى ابن عباس فقال: إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يَدعُوني أحج معهم، أفيجزي ذلك؟ فقال: أنت من الذين قال الله [فيهم] (١): (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (٢).
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾
قال ابن عباس: "الأيام المعدودات" أيام التشريق، و"الأيام المعلومات" أيام العَشْر. وقال عكرمة: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) يعني: التكبير أيامَ التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر، الله أكبر.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "يوم عَرَفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدُنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب" (٣).
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا هُشَيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نُبَيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ: "أيام التشريق أيامُ أكل وشرب وذكر الله". رواه (٤) مسلم أيضًا (٥) وتقدم حديث جبير بن مطعم: "عَرَفَة كلها موقف، وأيام التشريق كلها ذبح". وتقدم [أيضًا] (٦) حديث عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي (٧) "وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه".
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم، قالا حدثنا هُشَيم، عن عَمْرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "أيام التشريق أيام طُعْم وذكر (٨) " (٩).
وحدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا رَوْح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن حُذافة يطوف في منى: "لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب، وذكر الله، ﷿" (١٠).
وحدثنا يعقوب، حدثنا هُشَيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة، فنادى في أيام التشريق فقال: "إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صَوْم من هَدْي".
زيادة حسنة ولكن مرسلة. وبه قال هُشَيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار: أن رسول الله ﷺ بعث بشْرَ بن سحيم، فنادى في أيام التشريق فقال: "إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله".
وقال هُشَيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة قالت: نهى رسول الله ﷺ عن صوم أيام التشريق، قال: "هي أيام أكل وشرب وذكر الله".
وقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحاكم الزُّرَقي، عن أمه قالت: لكأني (١) أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، حتى وقف (٢) على شعب الأنصار وهو يقول: "يا أيها الناس، إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر" (٣).
وقال مِقْسَم عن ابن عباس: الأيام المعدودات: أيام التشريق، أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة [أيام] (٤) بعده، ورُوي عن ابن عمر، وابن الزبير، وأبي موسى، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وأبي مالك، وإبراهيم النخَعي، [ويحيى بن أبي كثير] (٥) والحسن، وقتادة، والسدي، والزهري، والربيع بن أنس، والضحاك، ومقاتل بن حيّان، وعطاء الخراساني، ومالك بن أنس، وغيرهم -مثل ذلك.
وقال علي بن أبي طالب (٦): هي ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيِّهنّ شئت، وأفضلها أولها.
والقول الأول هو المشهور وعليه دل ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) فدل على ثلاثة بعد النحر.
ويتعلق بقوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) ذكْرُ الله على الأضاحي، وقد تقدم، وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي، ﵀، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق. ويتعلق به أيضًا الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال. وفي وقته أقوال (٧) للعلماء، وأشهرها الذي عليه العمل أنَّه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو آخر النَّفْر الآخِر. وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني، ولكن لا يصح مرفوعا (٨) والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب، ﵁، كان يكبر في قبته، فيكبر أهل السوق
بتكبيره، حتى ترتج منى تكبيرًا.
ويتعلق بذلك أيضًا التكبيرُ وذكر الله عند رمي الجمرات كلّ يوم من أيام التشريق. وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: "إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله ﷿" (١).
ولما ذكر الله تعالى النَّفْر الأول والثاني، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف، قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [أي: تجتمعون يوم القيامة] (٢)، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٩].
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾
قال السدي: نزلت في الأخنس بن شَرِيق الثقفي، جاء إلى رسول الله ﷺ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خُبَيب وأصحابه الذين قتلوا بالرّجيع وعابُوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خُبَيب وأصحابه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ)
وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم. وهذا قول قتادة، ومجاهد، والرّبيع بن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نَوْف -وهو البكالي، وكان ممن يقرأ الكتب -قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قَوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصّبرِ، يلبسون للناس (٣) مُسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله تعالى: فعليّ يجترئون! وبي يغتَرون! حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها (٤) حيران. قال القرظي: تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) الآية.
وحدثني محمد بن أبي معشر، أخبرني أبي أبو معشر نَجِيح قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إنّ [لله] (٥) عبادًا ألسنتهم أحلى من
العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصّبر، لبسوا للناس مُسُوك الضأن من اللين، يَجْترّون الدنيا بالدين. قال الله تعالى: عليّ (١) تجترئون! وبي تغترون!. وعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية. فقال سعيد: قد عرفتُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعد. وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح.
وأما قوله: (وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) فقرأه ابن محيصن: (ويَشْهَدُ اللهُ) بفتح الياء، وضم الجلالة (عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) ومعناها: أن هذا وإن أظهر لكم الحيل (٢) لكن الله يعلم من قلبه القبيح، كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
وقراءة الجمهور بضم الياء، ونصب الجلالة (وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) ومعناه: أنه يُظْهرُ للناس الإسلام ويبارزُ الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، كقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٨] هذا معنى ما رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن (٣) عكرمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حَلَف وأشهد الله لهم: أن الذي في قلبه موافق للسانه. وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير، وعزاه إلى ابن عباس، وحكاه عن مجاهد، والله أعلم.
وقوله: (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) الألد في اللغة: [هو] (٤) الأعوج، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] أي: عُوجًا. وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب، ويَزْوَرّ عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".
وقال البخاري: حدثنا قَبيصةُ، حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة تَرْفَعُه قال: "أبغض الرجال إلى الله الألَدُّ الخَصم" (٥).
قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان، حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (٦).
وهكذا رواه عبد الرزاق، عن مَعْمَر في قوله: (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (٧).
وقوله: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) أي: هو أعوج المقال، سيّئ الفعَال، فذلك قوله، وهذا فعله: كلامه كَذِب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة.
والسعي هاهنا هو: القَصْد. كما قال إخبارًا عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٢ - ٢٦]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهيّ عنه بالسنة النبوية: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعَوْن، وأتوها وعليكم السكينةُ والوقار".
فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو: مَحل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو: نتاج الحيوانات الذين لا قوَام للناس إلا بهما.
وقال مجاهد: إذا سُعى في الأرض فسادًا، منع الله القَطْرَ، فهلك الحرث والنسل. (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) أي: لا يحب من هذه صفَته، ولا من يصدر منه ذلك.
وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ) أي: إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق -امتنع وأبى، وأخذته الحميَّة والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢]، ولهذا قال في هذه الآية: (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي: هي كافيته عقوبة في ذلك.
وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذَكَر صفات المؤمنين الحميدة، فقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ)
قال ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النّهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صُهيب بن سنَان الرومي، وذلك أنَّه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإنْ أحب أن يتجرّد منه ويهاجر، فَعَل. فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرّة. فقالوا (١): رَبح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أنّ الله أنزل فيه هذه الآية. ويروى أن رسول الله ﷺ قال له: "ربِح البيع صهيب، ربح البيع صهيب".
قال ابن مَرْدُويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن رُسْتَة، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا جعفر بن سليمان الضَبَعي، حدثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صهيب قال: لما أردتُ الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ قالت لي قريش: يا صهيبُ، قَدمتَ إلينا ولا مَالَ لك،
(١) في جـ، و: "فقالوا له".
وتخرج أنت ومالك! والله لا يكون ذلك أبدًا. فقلت لهم: أرأيتم إن دَفَعْتُ إليكم مالي تُخَلُّون عني؟ قالوا: نعم. فدفعتُ إليهم مالي، فخلَّوا عني، فخرجت حتى قدمتُ المدينة. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "رَبح صهيبُ، ربح صهيب" مرتين (١).
وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجرًا نحو النبي ﷺ فاتبعه نَفَر من قريش، فنزل عَنْ راحلته، وانتثل ما في كنانته. ثم قال (٢) يا معشر قريش، قد علمتم أنّي من أرماكم رجلا وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي كُلّ سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شَيْء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقُنْيتي بمكة وخلَّيتم سبيلي؟ قالوا: نعم. فلما قَدم على النبي ﷺ قال: "ربح البيع، ربح البيع". قال: ونزلت: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)
وأما الأكثرون فحمَلوا ذلك على أنها نزلت في كل مُجَاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين، أنكر عليه بعضُ الناس، فردّ عليهم عُمَر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدّقين برسوله: أنْ يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك.
قال العوفي، عن ابن عباس، ومجاهد، وطاوس، والضحاك، وعكرمة، وقتادة، والسُّدّي، وابن زيد، في قوله: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ) يعني: الإسلام.
وقال الضحاك، عن ابن عباس، وأبو العالية، والربيعُ بن أنس: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ) يعني: الطاعة. وقال قتادة أيضًا: الموادعة.
وقوله: (كَافَّةً) قال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، وعكرمة، والربيع، والسّدي، ومقاتل بن حَيَّان، وقتادة والضحاك: جميعًا، وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.
وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم، كعبد الله بن سلام، وثعلبة وأسَد
بن عُبَيد وطائفة استأذنوا رسول الله ﷺ في أن يُسْبتوا، وأن يقوموا بالتوراة ليلا. فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها. وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذْ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه، والتعويض عنه بأعياد الإسلام.
ومن المفسرين من يجعل قوله: (كَافَّةً) حالا من الداخلين، أي: ادخلوا في الإسلام كلكم. والصحيح الأول، وهو أنَّهم أمروا [كلهم] (١) أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام، وهي كثيرة جدًا ما استطاعوا منها. وقال (٢) ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل بن زكريا، حدثني محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) -كذا قرأها بالنصب -يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمْر التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد ﷺ ولا تَدَعُوا منها شيئًا وحسبكم بالإيمان بالتوراة وما فيها.
وقوله: (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) أي: اعملوا الطاعات (٣)، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، و﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]؛ ولهذا قال: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) قال مُطَرِّف: أغش عباد الله لعَبِيد الله الشيطان.
وقوله: (فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحُجَجُ، فاعلموا أن الله عزيز [أي] (٤) في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يَغلبه غالب. حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه؛ ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته، حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (٢١٠)﴾
يقول تعالى مُهَدّدًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ) يعني: يوم القيامة، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كُلّ عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال: (وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) كما قال: ﴿كَلا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨].
وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير هاهنا حديث الصور بطوله من أوله، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ. وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه: "أنّ الناس إذا اهتموا لموقفهم (١) في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا، من آدم فمن بعده، فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد، صلوات الله وسلامه عليه، فإذا جاؤوا إليه قال: أنا لها، أنا لها. فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد، فيُشفّعه الله، ويأتي في ظُلَل من الغمام بعد ما تنشق (٢) السماء الدنيا، وينزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة إلى السابعة، وينزل (٣) حملة العرش والكَرُوبيّون (٤)، قال: وينزل الجبار، ﷿، في ظُلَل من الغمام والملائكةُ، ولهم زَجَل مِنْ تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت (٥) سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سُبّوح قدوس، رب الملائكة والروح، قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه أبدًا أبدًا" (٦).
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه هاهنا أحاديث فيها غرابة والله أعلم؛ فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن مسروق، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، قيامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فَصْل القضاء، وينزل الله في ظُلَل من الغمام من العرش إلى الكرسي" (٧).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القَيْسي، يحدّث عن عبد الله بن عمرو: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) الآية، قال: يهبط حين يهبط، وبينه وبين خَلْقه سبعون ألف حِجَاب، منها: النور، والظلمة، والماء. فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب.
قال: وحدثنا أبي: حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد قال: سألت زهير بن محمد، عن قول الله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) قال: ظلل من الغمام، منظوم من الياقوت (٨) مكلَّل بالجوهر والزبَرْجَد.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد (فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) قال: هو غير السحاب، ولم يكن قَطّ إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ)
(١) في ط: "لمواقفهم".
(٢) في جـ: "بعد ما تشقق".
(٣) في طـ: "وتنزل".
(٤) في أ: "الكرسيون".
(٥) في جـ: "والجبروت".
(٦) تفسير الطبري (٤/ ٢٦٦) وسيأتي الحديث بطوله عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.
(٧) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٤١٦، ٤١٧) من طريقين عن المنهال بن عمرو به مطولا، وقال الذهبي: "إسناده حسن".
(٨) في أ، و: "منظوم بالياقوت".
[قال] (١): يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء -وهي في بعض القراءة: "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظُلَل من الغمام" وهي كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ [الفرقان: ٢٥].
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾
يقول تعالى مُخْبرًا عن بني إسرائيل: كم قد شاهدوا مع موسى (مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) أي: حجة قاطعة على صدقه فيما جاءهم به، كَيَدهِ وعصاه وفَلْقه البحر وضَرْبه الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المَنّ والسلوى وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يَدَيه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها، وبَدلوا نعمة الله [كفرًا] (٢) أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها، والإعراض عنها. (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) كما قال إخبارًا عن كفار قريش: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩].
ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رُضُوا بها واطمأنّوا إليها، وجمعوا الأموال ومنعوها عَنْ مصارفها التي أمروا بها مما يُرْضِي الله عنهم، وسخروا من الذين آمنوا الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوا ابتغاء وجه الله؛ فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومَنْشَرهم، ومسيرهم ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى علّيين، وخلد أولئك في الدركات في أسفل السافلين؛ ولهذا قال تعالى: (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: يرزق من يشاء من خَلْقه، ويعطيه عطاء كثيرًا جزيلا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة (٣) كما جاء في الحديث: "ابن آدم، أَنْفقْ أُنْفقْ عليك"، وقال النبي ﷺ: "أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا" (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وفي (٥) الصحيح أن مَلَكين ينزلان من السماء صَبيحة كل يوم، يقول (٦) أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا. ويقول الآخر: اللهم أعط مُمْسكا تلفًا. وفي الصحيح (٧) "يقول
(١) زيادة من جـ، ط.
(٢) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٣) في طـ: "في الدنيا ولا في الآخرة".
(٤) رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٩٢) من طريق يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعا، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٥١).
(٥) في جـ، أ، و: "وهو في".
(٦) في جـ، ط: "فيقول".
(٧) في أ: "وفي الصحيحين".