سورة البقرة

ซูเราะฮ์ที่ 2 · ตอน 19/40 · เล่ม 1 หน้า 419–433

ج1 · ص419

قال الحسن البصري: قوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ) قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنَّجَس ولا يصيبه من ذلك شيء.

وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ) أي: أمرناه. كذا قال. والظاهر أن هذا الحرف إنما عُدِّيَ بإلى، لأنه في معنى تقدمنا وأوحينا.

وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ) قال: من الأوثان.

وقال مجاهد وسعيد بن جُبَير: (طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) إن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس.

قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن عُبَيد بن عمير، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء وقتادة: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) أي: بلا إله إلا الله، من الشرك.

وأما قوله تعالى: (لِلطَّائِفِينَ) فالطواف بالبيت معروف. وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى: (لِلطَّائِفِينَ) يعني: من أتاه من غُرْبة، (وَالْعَاكِفِينَ) المقيمين فيه. وهكذا روي عن قتادة، والربيع بن أنس: أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه، كما قال سعيد بن جبير.

وقال يحيى [بن] (١) القطَّان، عن عبد الملك -هو ابن أبي سليمان-عن عطاء في قوله: (وَالْعَاكِفِينَ) قال: من انتابه (٢) من الأمصار فأقام عنده (٣) وقال لنا -ونحن مجاورون-: أنتم من العاكفين.

وقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي عن عطاء عن ابن عباس قال: إذا كان جالسًا فهو من العاكفين.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت قال: قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مُكَلِّم الأمير أن أمنع الذين ينامون في

(١) زيادة من أ.

(٢) في جـ، أ: "من أتى".

(٣) في أ: "فأقام عندنا".

ج1 · ص420

المسجد الحرام فإنهم يجنبون (١) ويُحدثون. قال: لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم، فقال: هم العاكفون.

[ورواه عبد بن حميد عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة، به] (٢).

قلت: وقد ثبت في الصحيح أنّ ابن عمرَ كان ينام في مسجد الرسول ﷺ وهو عَزَب (٣).

وأما قوله تعالى: (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) فقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء، عن ابن عباس (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) قال: إذا كان مصليًا فهو من الركع السجود. وكذا قال عطاء وقتادة.

وقال ابن جَرير ﵀: فمعنى الآية: وأمَرْنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين. والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو تطهيرُه من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك. ثم أورد سؤالا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين: أحدهما: أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زَمَان قوم نوح من الأصنام والأوثان ليكون ذلك سُنَّة لمن بعدهما إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إمامًا يقتدى به كما قال عبد الرحمن بن زيد: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها.

قلت: وهذا الجواب مُفَرَّع على أنه كان يُعْبَدُ عنده أصنام قبل إبراهيم ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم مُحَمَّد ﷺ.

الجواب الثاني: أنه أمرهما أن يخلصا [في] (٤) بنائه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرًا من الشرك والرَّيْب، كما قال جل ثناؤه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] قال: فكذلك قوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) أي: ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) ابنيا بيتي للطائفين.

وملخص هذا الجواب: أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل ﵉، أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به والعاكفين عنده، والمصلين إليه من الركع السجود، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الآيات [الحج: ٢٦ - ٣٧].

[وقد اختلف الفقهاء: أيما أفضل، الصلاة عند البيت أو الطواف؟ فقال مالك: الطواف به لأهل الأمصار أفضل من الصلاة عنده، وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقا، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام] (٥).

(١) في جـ: "فإنهم يخبثون".

(٢) زيادة من و.

(٣) صحيح البخاري برقم (٤٤٠).

(٤) زيادة من جـ، ط، أ، و.

(٥) زيادة من أ.

ج1 · ص421

والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].

ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها، وسجودها، ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واجتزأ بذكر الركوع والسجود عن القيام؛ لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام. وفي ذلك -أيضًا-رَدّ على من لا يحجه من أهل الكتابين: اليهود والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده وهم لا يفعلون شيئًا من ذلك، فكيف يكونون (١) مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟ وقد حَجَّ البيتَ موسى بن عمران وغيره من الأنبياء ﵈، كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].

وتقدير الكلام إذًا: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [أي: تقدمنا لوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل] (٢) ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: طهراه من الشرك والريب وابنياه خالصًا لله، معقلا للطائفين والعاكفين والركع السجود. وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية، ومن قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] ومن السنة من أحاديث كثيرة، من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك، من صيانتها من الأذى والنجاسات (٣) وما أشبه ذلك. ولهذا قال ﵇: "إنما بنيت المساجد لما بنيت له" (٤). وقد جَمَعْتُ في ذلك جزءًا على حدة ولله الحمد والمنة.

وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة، فقيل: الملائكة قبل آدم، وروي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين، ذكره القرطبي وحكى لفظه، وفيه غرابة، وقيل: آدم ﵇ رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل: من حراء وطور سيناء وطور زيتا وجبل لبنان والجودي، وهذا غريب أيضًا. وروي نحوه عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة وعن وهب بن منبه: أن أول من بناه شيث، ﵇، وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين.

(١) في جـ: "فكيف يكون".

(٢) زيادة من جـ، ط، أ، و.

(٣) في جـ: "والنجاسة".

(٤) رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٦٩) من حديث بريدة ﵁.

ج1 · ص422

وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم حَرَّم بيت الله وأمَّنَه وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصَادُ صيدها ولا يقطع عضاهها" (١).

وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار عن بُنْدَار به (٢).

وأخرجه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعَمْرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري (٣).

وقال ابن جرير -أيضًا-: حدثنا أبو كُرَيْب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعًا: سمعنا أشعث عن نافع عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم كان عبد الله وخليله وإني عبدُ الله ورسوله وإن إبراهيم حَرَّم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهَها وصيدَها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير" (٤).

وهذه الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر، عن أبي هريرة، ﵁، قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللهم إن إبراهيمَ عبدُك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه" ثم يدعو أصْغَرَ وليد له، فيعطيه ذلك الثمر. وفي لفظ: "بركة مع بركة" ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان. لفظ مسلم (٥).

ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كُريب، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خَديج، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها".

انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، به (٦). ولفظه كلفظه سواء. وفي

(١) تفسير الطبري (٣/ ٤٨) واللابتان: هما الحرتان بجانبي المدينة، والعضاة: كل شجر عظيم له شوك، وقيل: العظيم من الشجر مطلقا.

(٢) سنن النسائي الكبرى برقم (٤٢٨٤).

(٣) صحيح مسلم برقم (١٣٦٢).

(٤) تفسير الطبري (٣/ ٤٨).

(٥) صحيح مسلم برقم (١٣٧٣).

(٦) تفسير الطبري (٣/ ٤٩).

ج1 · ص423

الصحيحين عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: "التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني" فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقْبَلَ حتى إذا بدا له أُحد قال: "هذا جبل يُحبُّنا ونحبه". فلما أشرف على المدينة قال: "اللهم إني أحرم ما بين جبليها، مثلما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم". وفي لفظ لهما: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم". زاد البخاري: يعني: أهل المدينة (١).

ولهما أيضا عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة" (٢) وعن عبد الله بن زيد بن عاصم، ﵁، عن النبي ﷺ: " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحَرَّمتُ (٣) المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت (٤) لها في مدها وصاعها (٥) مثل ما دعا إبراهيم لمكة"

رواه البخاري وهذا لفظه (٦)، ومسلم ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها. وإني حرَّمتُ المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة" (٧).

وعن أبي سعيد، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "اللهم إنَّ إبراهيم حَرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها، لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف. اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مُدِّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين". الحديث رواه مسلم (٨).

والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم، ﵇، لمكة، لما في ذلك في مطابقة الآية الكريمة.

[وتَمسَّك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض وهذا أظهر وأقوى] (٩).

وقد وردت أحاديث أخَرُ تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض، كما

(١) صحيح مسلم برقم (١٣٦١).

(٢) صحيح البخاري برقم (١٨٨٥) وصحيح مسلم برقم (١٣٦٩).

(٣) في جـ، ط: "وإني حرمت".

(٤) في جـ، ط: "وإني دعوت".

(٥) في جـ، ط: "صاعها ومدها".

(٦) صحيح البخاري برقم (٢١٢٩).

(٧) صحيح مسلم برقم (١٣٦٠).

(٨) صحيح مسلم برقم (١٣٧٤).

(٩) زيادة من جـ، ط، أ.

ج1 · ص424

جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حَرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحِل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعْضَد شوكه ولا ينفر صيده، ولا تُلْتَقَط لُقَطَتُه إلا من عرَّفها، ولا يختلى خَلاهَا" فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذْخَر فإنه لقَينهم ولبيوتهم. فقال: "إلا الإذخر" وهذا لفظ مسلم (١).

ولهما عن أبي هريرة نحو من ذلك (٢).

ثم قال البخاري بعد ذلك: قال (٣) أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي ﷺ، مثله (٤).

وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجة، عن محمد بن عبد الله بن نُمَير، عن يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق، عن صفية بنت شيبة، قالت: سمعت النبي ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: "يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حَرَام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها ولا يُنَفَّر صيدُها، ولا يأخذ لُقَطَتَها إلا مُنْشِد" فقال العباس: إلا الإذخر؛ فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله ﷺ: "إلا الإذْخَر" (٥).

وعن أبي شُرَيح العدوي أنَّه قال لعَمْرو بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة -: ائذن لي -أيها الأمير -أن أحدثَك قولا قام به رسولُ الله ﷺ الغَد من يوم الفتح، سَمِعَته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تَكَلَّم به، إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد تَرَخَّصَ بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ﷺ ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شُرَيح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخَرَبَة.

رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه (٦).

فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرَّم مكة يوم خلق السموات

(١) صحيح البخاري برقم (١٨٣٤، ١٥٨٧، ٣١٨٩، ٣٠٧٧) وصحيح مسلم برقم (١٣٥٣).

(٢) صحيح البخاري برقم (١١٢، ٦٨٨٠) وصحيح مسلم برقم (١٣٥٥).

(٣) في جـ، ط: "وقال".

(٤) صحيح البخاري برقم (١٣٤٩).

(٥) سنن ابن ماجة برقم (٣١٠٩).

(٦) صحيح البخاري برقم (١٨٣٢) وصحيح مسلم برقم (١٣٥٤).

ج1 · ص425

والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم، ﵇، حَرَّمها؛ لأن إبراهيم بَلَّغ عن الله حُكْمه فيها وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم، ﵇، لها، كما أنه قد كان رسول الله ﷺ مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجَدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم، ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقَدَره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن بَدْءِ أمرك. فقال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي كأنه (١) خرج منها نور أضاءت له قصور الشام".

أي: أخْبِرْنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.

وأما مسألة تفضيل مَكَّة على المدينة، كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة، كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها، إن شاء الله، وبه الثقة.

وقوله: تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) أي: من الخوف، لا يَرْعَبُ أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا. كقوله تعالى (٢) ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها. وفي صحيح مسلم عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح" (٣). وقال في هذه السورة: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) أي: اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسب هذا؛ لأنه قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) [إبراهيم: ٣٥] وناسب هذا هناك لأنه، والله أعلم، كأنه وقع دعاء ثانًيا (٤) بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة؛ ولهذا قال في آخر الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]

وقوله تعالى: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئسَ الْمَصِير) قال هو قول الله تعالى. وهذا قول مجاهد وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير، رحمه الله تعالى: قال: وقرأ آخرون: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا.

(١) في جـ: "كأنها".

(٢) في جـ: "كما قال الله تعالى"، وفي طـ: "لقوله تعالى".

(٣) صحيح مسلم برقم (١٣٥٦).

(٤) في جـ، طـ، أ: "دعاء مرة ثانية".

ج1 · ص426

وقال أبو جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا) يقول: ومن كفر فأرزقه أيضًا (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)

وقال محمد بن إسحاق: لما عزل إبراهيم، ﵇، الدعوة عمَّن أبى الله أن يجعل له الولاية -انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم أنه ظالم ألا يناله عهدُه، بخبر الله له بذلك -قال الله: ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلا.

وقال حاتم بن إسماعيل عن حُمَيد الخرَّاط، عن عَمَّار الدُّهْني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجُرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]. رواه ابن مَرْدُويه. ورُوي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، [يونس: ٦٩، ٧٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٣، ٢٤]، وقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣، ٣٥]

وقوله (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى يُنْظرُهم ويُمْهلهُم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨]، وفي الصحيحين: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم" (١) وفي الصحيح أيضًا: "إن الله ليملي (٢) للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. [هود: ١٠٢] (٣).

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾

وأما قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)

(١) سبق تخريج هذا الحديث قريبا.

(٢) في جـ، طـ: "يملي".

(٣) صحيح البخاري برقم (٤٦٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٣) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.

ج1 · ص427

فالقواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر -يا محمد -لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل، ﵉، البيت، ورفْعَهما القواعدَ منه، وهما يقولان: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما روى ابن أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خنيس المكي، عن وهيب بن الورد: أنه قرأ: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مُشْفق أن لا يتقبل منك. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين المخلصين (١) في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي: خائفة ألا يتقبل منهم. كما جاء به الحديث الصحيح، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في موضعه.

وقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل. والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان، كما سيأتي بيانه.

وقد روى البخاري هاهنا حديثًا سنورده ثم نُتْبِعه بآثار متعلقة بذلك. قال البخاري، ﵀:

حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن أيوب السخيتاني (٢) وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وَدَاعة -يزيد أحدُهما على الآخر -عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، ﵄، قال: أول ما (٣) اتخذ النساء المنْطَق من قبَل أم إسماعيل، عليهما (٤) السلام اتخذت منطقًا ليعفي أثرها على سارة. ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، ﵉، وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زَمْزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسِقَاء فيه ماء، ثم قَفَّى إبراهيم، ﵇، منطلقًا. فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت (٥) آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، ﵇، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، قال: ﴿رَبَّنَا (٦) إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، ﵉، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ماء السقاء (٧) عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -

(١) في أ، و: "الخلص".

(٢) في أ، و: "السختياني".

(٣) في جـ: "أول من".

(٤) في جـ: "عليه".

(٥) في أ: "فقالت له".

(٦) في ج، ط: " رب " وهو خطأ

(٧) في أ، و: "نفد ما في السقاء".

ج1 · ص428

أو قال: يتلبط -فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقربَ جبل في الأرض يليها (١) فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا. فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرْفَ درعها، ثم سعت سَعْيَ الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحَدًا؟ فلم تر أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: "فلذلك سعى الناس بينهما".

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تَسَمَّعت فسمعَت أيضًا. فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غُوَاث فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه -أو قال: بجناحه -حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُهُ، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: "يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أو قال: لو لم تغرف من الماء -لكانت زمزم عينًا مَعينًا".

قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة؛ فإن هاهنا بيتًا لله، ﷿، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله، ﷿، لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم -أو أهل بيت من جُرْهم -مقبلين من طريق كَدَاء. فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء، لعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّين، فإذا هم بالماء. فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حَقَّ لكم في الماء. قالوا: نعم.

قال ابن عباس (٢) فقال النبي ﷺ: "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس. فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم. حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلامُ، وتعلم العربية منهم، وأنْفَسَهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل، عليهما (٣) السلام، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيلُ ليطالع تَرْكَتَه. فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشَرّ، نحن في ضيق وشدة. وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل، ﵇، كأنه أنس شيئًا. فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسأل (٤) عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في جَهْد وشدَّة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول (٥) غَيِّرْ عتبة بابك. قال: ذاك أبي. وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك. فَطَلَّقَها وتزوج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده. فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟

(١) في جـ: "إليها".

(٢) في ط: "عبد الله بن عباس".

(٣) في جـ، ط: "عليها".

(٤) في جـ، ط: "فسألنا".

(٥) في أ: "يقول لك".

ج1 · ص429

وسألها عن عيشهم وَهَيْئَتهم. فقالت: نحن بخير وسعة. وأثنت على الله، ﷿. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء". قال النبي ﷺ: "ولم يكن لهم يومئذ حَب، ولو كان لهم، لدعا لهم فيه. قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه". قال: "فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، ومُريه يُثَبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل، ﵇، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه (١) فسألني عنك، فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لَبثَ عنهم ما شاء الله، ﷿، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِي نَبْلا (٢) له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد. ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك، ﷿. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا -وأشار إلى أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها -قال: فعند ذلك رَفَعا القواعد من البيت فجعل (٣) إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) " قال: "فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (٤).

[ورواه عبد بن حميد عن عبد الرزاق به مطولا] (٥).

ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي عبد الله محمد بن حمَّاد الظهراني. وابن جرير، عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرًا (٦).

وقال أبو بكر بن مَرْدُويه: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الملك بن جُرَيج، عن كثير بن كثير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير، في أعلى المسجد ليلا فقال سعيد بن جبير: سلوني قبل أن لا تروني. فسألوه عن المقام. فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله.

ثم قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد. حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو (٧) حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شَنَّة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من

(١) في جـ: "وأثنت عليه خيرا".

(٢) في جـ: "يبني له بيتا".

(٣) في جـ: "قال: فجعل".

(٤) صحيح البخاري برقم (٣٣٦٤).

(٥) زيادة من و.

(٦) تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٨١).

(٧) في أ: "بن عمير".

ج1 · ص430

الشنَّة، فيَدِرُّ لبنها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل، حتى (١) بلغوا كَدَاء نادته (٢) من ورائه: يا إبراهيم، إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، ﷿. قالت: رضيت بالله. قال: فرجَعَتْ، فجعلت تشرب من الشنة، ويَدر لبنها على صَبيها حتى لما فَنِي الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا. قال: فذهَبَتْ فصَعدت الصفا، فنظرت ونظرت هل تحس أحدًا، فلم تحس أحدًا. فلما بلغت الوادي سَعَت (٣) حتى أتت المروة، ففعلت ذلك أشواطا ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، تعني الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه يَنْشَغُ للموت، فلم تقُرَّها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونَظرت فلم تُحس أحدًا، حتى أتمت سبعا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت: أغثْ إن كان عندك خير. فإذا جبريل، ﵇، قال: فقال بعقبه هكذا، وغمز عَقِبَه على الأرض. قال: فانبثق الماء، فَدَهَشَتْ أم إسماعيل، فجعلت تحفر.

قال: فقال أبو القاسم ﷺ: "لو تركَتْه لكان الماء ظاهرًا (٤).

قال: فجعلت تشرب من الماء ويَدِرُّ لبنها على صَبِيِّها.

قال: فمر ناس من جُرْهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير، كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا: ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم فَنَظَرَ، فإذا هو بالماء. فأتاهم فأخبرهم. فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل، أتأذنين لنا أن نكون معك - أونسكن معك؟ -فبلغ ابنها ونكح فيهم (٥) امرأة.

قال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ (٦) فقال لأهله: إني مُطَّلع تَرْكَتي. قال: فجاء فسلم، فقال: أين إسماعيل؟ قالت امرأته: ذهب يصيد. قال: قولي له إذا جاء: غير عتبة بيتك. فلما جاء أخبرته، قال: أنت ذَاكِ، فاذهبي إلى أهلك.

قال: ثم إنه بدا لإبراهيم، فقال لأهله: إني مُطَّلع تَرْكتي. قال: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد. فقالت: ألا تنزل فَتَطْعَم وتشرب؟ فقال: ما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم، وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم.

قال: فقال أبو القاسم ﷺ: "بَرَكة بدعوة إبراهيم"

قال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ فقال لأهله: إني مُطَّلع تَرْكتي. فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نَبْلا له (٧) فقال: يا إسماعيل، إن ربك، ﷿، أمرني أن أبني له بيتًا. فقال: أطعْ ربك، ﷿. قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه؟ فقال: إذن أفعلَ -أو كما قال -قال: فقاما (٨) [قال] (٩) فجعل إبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

(١) في جـ، ط: "حتى لما".

(٢) في جـ: "سألته".

(٣) في جـ: "وسعت".

(٤) في جـ: "ظاهر".

(٥) في جـ: "منهم".

(٦) في جـ، أ: "﵇".

(٧) في جـ: "يصلح بيتا له".

(٨) في جـ، ط: "فقام".

(٩) زيادة من جـ، ط.

ج1 · ص431

قال: حتى ارتفع البناء وضَعُفَ الشيخ عن نقل الحجارة. فقام على حَجَر المقام، فجعل يناوله الحجارة ويقولان: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

هكذا (١) رواه من هذين الوجهين في كتاب الأنبياء (٢).

والعجب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم رواه في كتابه المستدرك، عن أبي العباس الأصم، عن محمد بن سنان القَزَّاز، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن إبراهيم بن نافع، به. وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. كذا قال. وقد رواه البخاري كما ترى، من حديث إبراهيم بن نافع، كأن فيه اقتصارًا، فإنه لم يذكر فيه [شأن] (٣) الذبح. وقد جاء في الصحيح، أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة، وقد جاء أن إبراهيم، ﵇، كان يزور أهله بمكة على البراق سريعًا (٤) ثم يعود إلى أهله بالبلاد (٥) المقدسة، والله أعلم. والحديث -والله أعلم -إنما فيه -مرفوع -أماكن صَرح بها ابن عباس، عن النبي ﷺ.

وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في هذا السياق ما يخالف بعض هذا، كما قال ابن جرير:

حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى قالا حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرِّب، عن علي بن أبي طالب، قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت، خرج معه إسماعيل وهاجر. قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة، فيه مثلُ الرأس. فكلمه، قال: يا إبراهيم، ابن على ظِلي -أو قال على قدري -ولا تَزْد ولا تنقص: فلما بنى خرج، وخلف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم، إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله. قالت: انطلق، فإنه لا يضيعنا. قال: فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا، قال: فصعدت هاجر إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، حتى أتت المروة فلم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، حتى أتت المروة فلم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، حتى فعلت ذلك سبع مرات، فقالت: يا إسماعيل، مت حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص برجله من العطش. فناداها جبريل فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم. قال: فإلى من وَكَلَكُما؟ قالت: وكلنا إلى الله. قال: وكلكما إلى كافٍ. قال: ففحص الغلام الأرض بأصبعه، فنبعت زمزم. فجعلت تحبس الماء فقال: دعيه فإنها رَوَاء (٦).

ففي هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن يفارقهما، وقد يحتمل -إن كان محفوظًا -أن يكون أولا

(١) في ط: "وهكذا".

(٢) صحيح البخاري برقم (٣٣٦٥).

(٣) زيادة من جـ، ط، أ، و.

(٤) في جـ: "بمكة سريعا على البراق".

(٥) في جـ: "ثم يعود لأهله إلى البلاد".

(٦) تفسير الطبري (٣/ ٦٩).

ج1 · ص432

وضع له حوطًا وتحجيرًا، لا أنه بناه إلى أعلاه، حتى كبر إسماعيل فبنياه معًا، كما قال الله تعالى.

ثم قال ابن جرير: حدثنا هَنَّاد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن سِماك، عن خالد بن عرعرة، أن رجلا قام إلى علي، ﵁، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا ولكنه أول بيت وضع فيه البَرَكة (١)، مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، وإن شئت أنبأتك كيف بني: إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتًا في الأرض، قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا فأرسل الله السكينة -وهي ريح خجوج، ولها رأسان -فأتْبَع أحدهما صاحبه، حتى انتهت إلى مكة، فتطوت (٢) على موضع البيت كطي الحجفَة، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة. فبنى إبراهيم وبقي حجر، فذهب الغلام يبغي شيئًا. فقال إبراهيم: أبغني حجرًا كما آمرك. قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجرًا، فأتاه به، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه. فقال: يا أبه، من أتاك بهذا الحجر؟ فقال: أتاني به من لن يَتَّكل (٣) على بنائك، جاء به جبريل، ﵇، من السماء. فأتماه (٤).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب، عن كعب الأحبار، قال: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عامًا، ومنه دحيت الأرض.

قال سعيد: وحدثنا علي بن أبي طالب: أن إبراهيم أقبل من أرمينية، ومعه السكينة تدله على تَبُوُّء (٥) البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتًا، قال: فكشفت عن أحجار لا يُطيق (٦) الحجر إلا ثلاثون رجلا. قلت: (٧) يا أبا محمد، فإن الله يقول: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) قال: كان ذلك بعد.

وقال السدي: إن الله، ﷿، أمر إبراهيم أن يبني [البيت] (٨) هو وإسماعيل: ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود، فانطلق إبراهيم، ﵇، حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، وأخَذَا المعاول لا يدريان أين البيت؟ فبعث الله ريحًا، يقال لها: ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس. فذلك حين يقول [الله] (٩) تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن. قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني، اطلب لي حجرًا حسنًا أضعه هاهنا. قال: يا أبت، إني كسلان لَغب.

(١) في جـ، ط، أ، و: "في البركة".

(٢) في أ: "فنظرت".

(٣) في جـ: "من لا يتكل".

(٤) تفسير الطبري (٣/ ٧٠).

(٥) في أ: "حتى بنوا".

(٦) في ط: "ولا يطيق".

(٧) في جـ، ط: "فقلت".

(٨) زيادة من جـ، ط، أ، و.

(٩) زيادة من جـ.

ج1 · ص433

قال: عَلَيّ بذلك فانطلق فطلب (١) له حجرًا، فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال ائتني بحجر أحسن من هذا، فانطلق يطلب له حجرًا، وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض، ياقوتة بيضاء مثل الثَّغَامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبه، من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك. فبنيا وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى [بهن] (٢) إبراهيم ربه، فقال: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

وفي هذا السياق ما يدل على أن قواعد البيت كانت مبنية قبل إبراهيم. وإنما هُدِي إبراهيمُ إليها وبُوِّئ لها. وقد ذهب إلى ذلك (٣) ذاهبون، كما قال الإمام عبد الرزاق (٤) أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) قال: (٥) القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك (٦).

وقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا هشام بن حسان، عن سوار -ختن عطاء -عن عطاء ابن أبي رباح، قال: لما أهبط الله آدم من الجنة، كانت رجلاه في الأرض ورأسُه في السماء يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته (٧) الملائكة، حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها. فخفضه الله إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته. فوجه إلى مكة، فكان موضع قَدَمه قريةً، وخَطوُه مفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن. فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم، ﵇، فبناه. وذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] (٨).

وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قال آدم: إني لا أسمع أصوات الملائكة؟! قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض، فابن لي بيتًا ثم احفف به، كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء. وطور زيتا، وطور سَيْناء، وجبل لبنان، والجودي. وكان رَبَضُه من حراء. فكان هذا بناء آدم، حتى بناه إبراهيم، ﵇، بعد (٩).

وهذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكارَة، والله أعلم.

وقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند. وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت

(١) في جـ، ط: "يطلب".

(٢) زيادة من جـ.

(٣) في جـ: "إلى هذا".

(٤) في ط: "عبد الرزاق أيضا وأحمد".

(٥) في ط: "قالوا".

(٦) تفسير عبد الرزاق (١/ ٧٨).

(٧) في جـ: "فهابت".

(٨) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٥٩) من طريق عبد الرزاق به.

(٩) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٥٧) من طريق عبد الرزاق به.