سورة التوبة

ซูเราะฮ์ที่ 9 · ตอน 9/10 · เล่ม 4 หน้า 221–235

ج4 · ص221

الله، وفي رواية: القائمون على أمر الله.

﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه قال: لما حَضَرت أبا طالب الوفاة (١) دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: "أيْ عَمّ، قل: لا إله إلا الله. كلمة أحاجّ لك بها عند الله، ﷿". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملَّة عبد المطلب؟ [قال: فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: على (٢) ملة عبد المطلب]. (٣) فقال النبي ﷺ: "لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك". فنزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) قال: ونزلت فيه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] أخرجاه. (٤)

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي، ﵁، قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه، وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فنزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) إلى قوله: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ) قال: "لما مات"، فلا أدري قاله سفيان أو قاله إسرائيل، أو هو (٥) في الحديث "لما مات". (٦)

قلت هذا ثابت عن مجاهد أنه قال: لما مات.

وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا زبيد بن الحارث اليامي (٧) عن محارب بن دثار، عن ابن بُرَيْدة، عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ، فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تَذْرِفان، فقام إليه عمر بن الخطاب وفَداه بالأب والأم، وقال: يا رسول الله، ما لك؟ قال: "إني سألت ربي، ﷿، في الاستغفار لأمي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث: نهيتكم عن زيارة القبور

(١) في أ: "الفائدة".

(٢) في ت، ك، أ: "فقال: أنا على ملة".

(٣) زيادة من ت، ك، أ، والمسند.

(٤) المسند (٥/ ٥٣٣) وصحيح البخاري برقم (٤٦٧٥) وصحيح مسلم برقم (٢٤).

(٥) في ت، أ: "وهو".

(٦) المسند (١/ ٩٩).

(٧) في أ: "السامي".

ج4 · ص222

فزوروها، لتذكركم زيارتُها خيرًا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أي وعاء (١) ولا تشربوا مسكرا". (٢)

وروى ابن جرير، من حديث علقمة بن مَرْثد، عن سليمان بن بُرَيدة، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى رَسْمَ قبر، فجلس إليه، فجعل يخاطب، ثم قام مستعبرًا. فقلنا: يا رسول الله، إنا رابنا ما صنعت. قال: "إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي". فما رئي باكيا أكثر من يومئذ. (٣)

وقال ابن أبي حاتم، في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا خالد بن خِداش، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن جرَيج عن أيوب بن هانئ، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: خرجَ رسول الله ﷺ يوما إلى المقابر، فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلا ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب، فدعاه ثم دعانا، فقال: "ما أبكاكم؟ " فقلنا: بكينا لبكائك. قال: "إن القبر الذي جلستُ عنده قبر آمنة، وإني استأذنتُ ربي في زيارتها فأذن لي" (٤) ثم أورده من وجه آخر، ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريبا منه، وفيه: "وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، وأنزل علي: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الآخرة". (٥)

حديث آخر في معناه: قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي المروزي، حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز (٦) بن منيب، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كَيْسَان، عن أبيه، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر، فلما هبط من ثنية عُسْفان أمر أصحابه: أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب فنزل على قبر أمّه، فناجى ربَّه طويلا ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه، وبكى هؤلاء لبكائه، وقالوا: ما بكى نبي الله بهذا المكان إلا وقد أُحدثَ في أمته شيء لا تُطيقه. فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم، فقال: "ما يبكيكم؟ ". قالوا: يا نبي الله، بكينا لبكائك، فقلنا: لعله أحدث في أمتك شيء لا تطيقه، قال: "لا وقد كان بعضه، ولكن نزلت على قبر أمي

(١) في ت، ك، أ: "أي وعاء شئتم".

(٢) المسند (٥/ ٣٥٥).

(٣) تفسير الطبري (١٤/ ٥١٢) ورواه البيهقي في دلائل النبوة (١/ ١٨٩) من طريق سفيان عن علقمة بن مرثد به نحوه.

(٤) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٣٦) ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة (١/ ١٨٩) من طريق بحر بن نصر عن ابن وهب به نحوه.

(٥) وأصل الحديث رواه مسلم في صحيحه برقم (٩٧٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله. فقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت".

(٦) في ت: "أبو الدرداء عن عبد العزيز".

ج4 · ص223

فدعوت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة، فأبى الله أن يأذن لي، فرحمتها وهي أمّي، فبكيت، ثم جاءني جبريل فقال: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) فتبرّأ أنت من أمك، كما تبرأ إبراهيم من أبيه، فرحمْتُها وهي أمي، ودعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع عنهم اثنتين، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين: دعوتُ ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغَرَق من الأرض، وألا يلبسهم شيعا، وألا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع عنهم القتل والهرج". وإنما عدل إلى قبر أمه لأنها كانت مدفونة تحت كَداء (١) وكانت عُسْفان لهم. (٢)

وهذا حديث غريب وسياق عجيب، وأغرب منه وأشد نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب "السابق واللاحق" بسند مجهول، عن عائشة في حديث فيه قصة أن الله أحيا أمَّه فآمنت ثم عادت. (٣) وكذلك ما رواه السهيلي في "الروض" بسند فيه جَمَاعة مجهولون: أن الله أحيا له أباه وأمه (٤) فآمنا به. (٥)

وقد قال الحافظ ابن دِحْيَةَ: [هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]. وقال أبو عبد الله القرطبي: إن مقتضى هذا الحديث. . . وردَّ عَلَى ابن دِحية] (٦) في هذا الاستدلال بما حاصله: أن هذه حياة جديدة، كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها فصلى عَلِيٌّ العصر، قال الطحاوي: وهو [حديث] (٧) ثابت، يعني: حديث الشمس.

قال القرطبي: فليس إحياؤهما يمتنع عقلا ولا شرعا، قال: وقد سمعت أن الله أحيا عمه أبا طالب، فآمن به. (٨)

(١) في ت، أ: "كذا وكذا"، وفي ك: "كذا وكذا".

(٢) المعجم الكبير (١١/ ٣٧٤).

(٣) ساقه القرطبي في: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص ١٦) وقال: خرجه أبو بكر أحمد بن علي الخطيب في كتاب السابق واللاحق، وأبو حفص عمر بن شاهين في الناسخ والمنسوخ، ولا يصح الحديث. لمخالفته ما في صحيح مسلم برقم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله. فقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" ولضعف إسناده.

(٤) في ت: "وآمنة".

(٥) الروض الأنف (١/ ١١٣).

(٦) زيادة من ت، ك، أ.

(٧) زيادة من ت، ك، أ.

(٨) التذكرة (ص ١٧). وما ذكره القرطبي لا يصح؛ أما إحياؤهما وإيمانهما فلا يمتنع عقلا، وأما شرعا فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أنس؛ أن رجلا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: "في النار" فلما قفا دعاه وقال: "إن أبي وأباك في النار" ومنع النبي ﷺ من الاستغفار لأمه، وهذا المنع متأخر بخلاف من قال بأن ما جاء في أنهما - أي أبواه ﷺ في النار منسوخ بحديث عائشة الذي رواه الخطيب، فإن دعوى النسخ غير قائمة ولا تعتمد على أصل. وأما قول القرطبي بأنه سمع أن الله أحيا عمه أبا طالب. . . إلخ، فهذا أبعد عن الصحة؛ فإن في الصحيح من حديث أبي سعيد؛ أن النبي ﷺ شفع له عند الله فهو في النار يجعل ضحاح من نار تحت قدميه يغلي منها دماغه، وفي صحيح مسلم مرفوعا: "أهون أهل النار عذابا أبو طالب" فمن يكون في النار كيف يقال: إنه آمن في قبره؟!

ج4 · ص224

قلت: وهذا كله متوقف على صحة الحديث، فإذا صح فلا مانع منه (١) والله أعلم.

وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) الآية، فإن رسول الله ﷺ أراد أن يستغفر لأمه، فنهاه الله عن ذلك (٢) فقال: "فإنّ إبراهيم خليل الله استغفر لأبيه"، فأنزل الله: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ) (٣) الآية.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في هذه الآية: كانوا يستغفرُون لهم، حتى نزلت هذه الآية، فلما [نزلت (٤) أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم، ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا] (٥) ثم أنزل الله: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ) الآية.

وقال قتادة في هذه الآية: ذُكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا نبي الله، إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ويفُكّ العاني، ويوفي بالذمم؛ أفلا نستغفر لهم؟ قال: فقال النبي ﷺ: "بلى، والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه". فأنزل الله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) حتى بلغ: (الْجَحِيمِ) ثم عذر الله تعالى إبراهيم، فقال: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) قال: وذُكر لنا أن نبي الله قال: "أوحى إليّ كلمات، فدخلن في أذني ووقَرْن في قلبي: أمِرْتُ ألا أستغفرَ لمن مات مشركا، ومن أعطى فَضْلَ ماله فهو خيرٌ له، ومن أمسك فهو شرٌ له، ولا يلوم الله على كَفاف".

وقال الثوري، عن الشيباني، عن سعيد بن جُبير قال: مات رجل يهودي وله ابن (٦) مسلم، فلم يخرج معه، فذكر ذلك لابن عباس فقال: فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه، ويدعو له بالصلاح ما دام حيا، فإذا مات وكَّله إلى شأنه ثم قال: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) لم يَدْعُ.

[قلت] (٧) وهذا يشهد له بالصحة ما رواه أبو داود وغيره، عن علي بن أبي طالب قال: لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله، إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: "اذهب فَوَاره ولا تُحْدثَنَّ شيئا حتى تأتيني". وذكر تمام الحديث. (٨)

ويروى أن رسول الله ﷺ لما مَرّت به جنازة عمه أبي طالب قال: "وَصَلتكَ رَحِمٌ يا عم". (٩)

(١) وقد رأيت أن ذلك لا يصح. والله أعلم.

(٢) في ت، أ: "عنه".

(٣) في ت: "إياها".

(٤) في أ: "أنزلت".

(٥) زيادة من ت، ك، أ.

(٦) في ك: "ولد".

(٧) زيادة من أ.

(٨) سنن أبي داود برقم (٣٢١٤).

(٩) ورواه ابن عدي في الكامل (١/ ٢٦٠) من طريق الفضل بن موسى، عن إبراهيم بن عبد الرحمن - وهو ضعيف - عن ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعا ولفظه: "وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم". وإبراهيم بن عبد الرحمن قال ابن عدي: "أحاديثه عن كل من روى ليست بمستقيمة" ثم قال: "وعامة أحاديثه غير محفوظة".

ج4 · ص225

وقال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا على المشركين، يقول الله، ﷿: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ).

وروى ابنُ جَرير، عن ابن وَكِيع، عن أبيه، عن عصمة بن زامل، عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه. قلت: ولأبيه؟ قال: لا. قال: إن أبي مات مشركا. (١)

وقوله: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) قال ابن عباس: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. وفي رواية: لما مات تبين له أنه عدو لله.

وكذا قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، وغيرهم، ﵏.

وقال عُبَيْد بن عمير، وسعيد بن جُبَيْر: إنه يتبرأ منه [في] (٢) يوم القيامة حين يلقى أباه، وعلى وجه أبيه الغُبرة والقُتْرة فيقول: يا إبراهيم، إني كنت أعصيك وإني اليوم لا أعصيك. فيقول: أيْ رَبي، ألم تعدني ألا تخزني يوم يبعثون؟ فأيّ خزْي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: انظر إلى ما وراءك، فإذا هو بِذِيخٍ متلطخ، أي: قد مسخ ضِبْعانًا، ثم يسحب بقوائمه، ويلقى في النار.

وقوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ) قال سفيان الثوري وغير واحد، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن زِرّ بن حُبَيش، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الأَوَّاهُ: الدَّعَّاء. وكذا روي من غير وجه، عن ابن مسعود.

وقال ابن جرير: حدثني المثنى: حدثنا الحجاج بن مِنْهال، حدثنا عبد الحميد بن بَهْرام، حدثنا شَهْر بن حَوشب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: بينما رسول الله ﷺ جالس قال رجل: يا رسول الله، ما الأوّاه؟ قال: "المتضرع"، قال: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ) (٣)

ورواه (٤) ابن أبي حاتم من حديث ابن المبارك، عن عبد الحميد بن بَهْرَام، به، قال: المتضرع: الدَّعَّاء.

وقال الثوري، عن سلمة بن كُهَيْل، عن مسلم البَطِين عن أبي العُبَيْديْن أنه سأل ابن مسعود عن الأواه، فقال: هو الرحيم.

وبه قال مجاهد، وأبو ميسرة عمرو بن شُرَحْبيل، والحسن البصري، وقتادة: أنه الرحيم، أي: بعباد الله.

(١) تفسير الطبري (١٤/ ٥١٧).

(٢) زيادة من ت، ك، أ.

(٣) تفسير الطبري (١٤/ ٥٣١).

(٤) في ت، أ: "وروى".

ج4 · ص226

وقال ابن المبارك، عن خالد، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: الأوَّاه: الموقن بلسان الحبشة. (١) وكذا قال العوفي، عن ابن عباس: أنه الموقن. وكذا قال مجاهد، والضحاك. وقال علي بن أبي طلحة، ومجاهد، عن ابن عباس: الأواه: المؤمن -زاد علي بن أبي طلحة عنه: المؤمن التواب. وقال العوفي عنه: هو المؤمن بلسان الحبشة. وكذا قال ابن جُرَيْج: هو المؤمن بلسان الحبشة.

وقال أحمد: حدثنا موسى، حدثنا ابن لهِيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله ﷺ قال لرجل يقال له "ذو البِجادين": "إنه أواه"، وذلك أنه رجل (٢) كثير الذكر لله في القرآن ويرفع صوته في الدعاء.

ورواه ابن جرير. (٣)

وقال سعيد بن جبير، والشعبي: الأواه: المسبّح. وقال ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جُبَير بن نفير، عن أبي الدرداء، ﵁، قال: لا يحافظ على سبحة الضحى إلا أواه. وقال شُفَيُّ بن مانع، عن أيوب: الأواه: الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها.

وعن مجاهد: الأواه: الحفيظ الوجل، يذنب الذنب سرا، ثم يتوب منه سرا.

ذكر ذلك كلَّه ابن أبي حاتم، ﵀.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا المحاربي، عن حجاج، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم بن يناق: أن رجلا كان يكثر ذكر الله ويسبّح، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: "إنه أواه". (٤)

وقال أيضا حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا ابن يمان، حدثنا المِنْهَال بن خليفة، عن حَجّاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ دفن ميتا، فقال: "رحمك الله إن كنتَ لأواها"! يعني: تَلاءً للقرآن (٥) وقال شعبة، عن أبي يونس الباهلي قال: سمعت رجلا بمكة -وكان أصله روميا، وكان قاصا -يحدث عن أبي ذر قال: كان رجل يطوف بالبيت الحرام ويقول في دعائه: "أوّه أوّه"، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فقال: إنه أواه. قال: فخرجت ذات ليلة، فإذا رسول الله ﷺ يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح.

هذا حديث غريب رواه ابن جرير ومشاه. (٦)

وروي عن كعب الأحبار أنه قال: (٧) (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ) قال: كان إذا ذكر النار قال: "أوّه من النار".

(١) في ت: "الحبشية".

(٢) في ت، أ: "رجل كان كثير الذكر".

(٣) المسند (٤/ ١٥٩) وتفسير الطبري (١٤/ ٥٣٣) وحسنه الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٦٩) وفيه ابن لهيعة متكلم فيه.

(٤) تفسير الطبري (١٤/ ٥٢٩).

(٥) تفسير الطبري (١٤/ ٥٣٠).

(٦) تفسير الطبري (١٤/ ٥٣٠). ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٦٨) من طريق شعبة به، وقال: "إسناده معضل".

(٧) في هـ، ت، أ: "أنه قال: سمعت".

ج4 · ص227

وقال ابن جُرَيْج عن ابن عباس: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ) قال: فقيه.

قال الإمام العلم أبو جعفر بن جرير: وأولى الأقوال قول من قال: إنَّه الدعَّاء، وهو المناسب للسياق، وذلك أن الله تعالى لما ذكر أن إبراهيم إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه، وقد كان إبراهيم كثير الدعاء حليما عمن ظلمه وأناله مكروها؛ ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه (١) في قوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٦، ٤٧]، فحلم عنه مع أذاه له، ودعا له واستغفر؛ ولهذا قال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ) (٢)

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)﴾

يقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة وحكمه العادل: إنه لا يضل قوما بعد بلاغ (٣) الرسالة إليهم، حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ الآية [فصلت: ١٧].

وقال مجاهد في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) قال: بيان الله، ﷿، للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعته ومعصيته عامة، فافعلوا أو ذَروا.

وقال ابن جرير: يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن يبين لكم كراهيته (٤) ذلك بالنهي عنه، ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يُؤمَر ولم يُنْهَ فغير كائن مطيعا أو عاصيًا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه.

وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) قال ابن جرير: هذا تحريض من الله لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر، وأن (٥) يثقوا بنصر الله مالك السماوات والأرض، ولم يرهبوا من أعدائه فإنه لا ولي لهم من دون الله، ولا نصير لهم

(١) في ك: "أذاه له".

(٢) تفسير الطبري (١٤/ ٥٣٢).

(٣) في ت: "إبلاغ".

(٤) في ت: "كراهية".

(٥) في ت، ك: "وأنهم".

ج4 · ص228

سواه.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن مُحْرِز، عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله ﷺ بين أصحابه إذ قال لهم: "هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا ما نسمع من شيء. فقال رسول الله ﷺ: "إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تَئطَّ، وما فيها من موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم". (١)

وقال كعب الأحبار: ما من موضع خرمة (٢) إبرة من الأرض إلا وملك موكل بها، يرفع علم ذلك إلى الله، وإن ملائكة السماء لأكثر من عدد التراب، وإن حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى مُخّه مسيرة مائة عام.

﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾

قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مُجدبة وحر شديد، وعسر من الزاد والماء.

قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لَهَبان الحر، على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين (٣) كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها، [ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها] (٤) فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم.

وقال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جُبَير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس؛ أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عَطَش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع (٥) [حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع] (٦) حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فَرْثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله ﷿، قد عَوّدك في الدعاء خيرا، فادع لنا. قال: "تحب ذلك". قال: نعم! فرفع يديه فلم

(١) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٠١) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢١٧) من طريق عبد الوهاب بن عطاء به نحوه، وقال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث صفوان بن محرز عن حكيم تفرد به عن قتادة سعيد بن أبي عروبة".

(٢) في ت، أ: "خرم".

(٣) في أ: "رجلين".

(٤) زيادة من أ.

(٥) في ت: "ستقطع".

(٦) زيادة من ت، ك، أ، والطبري.

ج4 · ص229

يرجعهما حتى مالت السماء فأظَلَّت (١) ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. (٢)

وقال ابن جرير في قوله: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) أي: من النفقة والظهر والزاد والماء، (مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) (٣) أي: عن الحق ويشك في دين رسول الله ﷺ ويرتاب، بالذي نالهم من المشقة والشدة في سفره وغزوه، (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم، والرجوع إلى الثبات على دينه، (إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).

﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾

قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك -وكان قائد كعب من بنيه (٤) حين عَمِيَ -قال: سمعت كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة غيرها (٥) قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يعاتَب أحدٌ تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد عِير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد، ولقد شهدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذْكَر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قَلَّما يريد غزوة يغزوها إلا وَرّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حَرٍّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازًا، واستقبل عدوا كثيرًا (٦) فَجَلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وَجْهَه

(١) في ت، ك، أ: "فأهطلت".

(٢) تفسير الطبري (١٤/ ٥٤١) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٧٠٧) "موارد" والحاكم في المستدرك (١/ ١٥٩) من طريق حرملة ابن يحيى، ورواه البزار في مسنده برقم (١٨٤١) "كشف الأستار" من طريق أصبغ بن الفرج كلاهما عن ابن وهب به نحوه، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". قال المؤلف ابن كثير في السيرة (٤/ ١٦): "إسناد جيد، ولم يخرجوه من هذا الوجه".

(٣) في أ: "يزيغ".

(٤) في أ: "بيته".

(٥) في أ: "غزاها".

(٦) في أ: "كبيرا".

ج4 · ص230

الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ -يريد الديوان -فقال كعب: فَقَلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، ﷿، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل، وأنا إليها أصعر. فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمَّر (١) بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، وقلت: الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه (٢) فغدوت بعدما فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا من جهازي. ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل [ذلك] (٣) يَتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم -وليت أنّي فعلتُ -ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجتُ في الناس بعد [خروج] (٤) رسول الله ﷺ [فَطُفتُ فيهم] (٥) يحزنني ألا أرى إلا رجلا مَغْموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذره الله، ﷿، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب بن مالك؟ " قال رجل من بني سَلمة: حبسه يا رسول الله بُرْداه، والنظر في عَطْفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا! فسكت رسول الله ﷺ، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد تَوجَّه قافلا من تبوك حضرني بَثّي (٦) فطفقت أتذكر (٧) الكَذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ أستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي. فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظلّ قادما، زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا. فأجمعتُ صدقه، وصَبَّح رسول الله ﷺ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له -وكانوا بضعة وثمانين رجلا -فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت، فلما سلَّمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: "تعال"، فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: "ما خلَّفك، ألم تك قد اشتريت ظهرك"؟ قال: فقلت: يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سَخَطه بعذر، لقد أعطيتُ جَدَلا ولكنه والله لقد علمتُ لئن حَدّثتك اليوم حديث كَذب ترضى به عني، ليوشكن الله يُسْخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تَجدُ عَليّ فيه، إني لأرجو أقرب عقبى ذلك [عفوًا] (٨) من الله، ﷿ (٩) والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال: فقال رسول الله ﷺ: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك". فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عَجَزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون (١٠) فقد كان كافيك [من ذنبك] (١١) استغفار رسول الله ﷺ لك. قال: فوالله

(١) في ت، ك: "استمر".

(٢) في ت: "ألحقهم".

(٣) زيادة من ت، ك، أ، والمسند.

(٤) زيادة من ت، ك، أ، والمسند.

(٥) زيادة من ت، ك، أ، والمسند.

(٦) في أ: "شيء".

(٧) في ت، أ: "أتفكر".

(٨) زيادة من ت، ك، أ، والمسند.

(٩) في ت: "تعالى".

(١٠) في أ: "المخلفون".

(١١) زيادة من ت، ك، أ، والمسند.

ج4 · ص231

ما زالوا يؤنّبوني حتى أردت أن أرجع فأُكذِّب نفسي: قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، [لقيه معك] (١) رجلان، قالا ما قلتَ، وقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: فمن هما؟ قالوا: مُرَارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي -قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا -أيها الثلاثة -من بين من تخلف عنه، فاجتنَبنَا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكرَتْ لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَب القوم وأجلَدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم، وأقول في نفسي: حَرّك شفتيه برد السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرَض، حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مَشَيت حتى تسورت حائط أبي قتادة -وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي -فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدُك الله: هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت. قال: فعدتُ فنشدته [فسكت، فعدت فنشدته] (٢) فقال: الله ورسوله أعلم. قال: ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوّرت الجدار. فبينا (٣) أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطِيٌّ من أنباط الشام، ممن (٤) قَدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفِقَ الناس يشيرون له إليّ، حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا (٥) فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هَوان ولا مَضْيَعة، فالحق بنا نُواسكَ. قال: فقلت حين قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء. قال: فتيممت به التنور فَسَجرته (٦) حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها. قال: وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله، إن هلالا شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا ولكن لا يقربَنَّك" قالت: وإنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما يزال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما أدري ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته وأنا رجل شاب؟ قال: فلبثنا [بعد ذلك] (٧) عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا: قد ضاقت علي نفسي،

(١) زيادة من ت، ك، أ، والمسند.

(٢) زيادة من ت، ك، أ، والمسند.

(٣) في ت، ك، أ: "وبينا".

(٤) في ت: "فيمن".

(٥) في ت: "وكتب كتابا".

(٦) في ت، أ: "فسجرته فيها".

(٧) زيادة من ت، ك، أ، والمسند.

ج4 · ص232

وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سَلْع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن (١) قد جاء فرج، فآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَل صاحبيّ مبشرون، وركض إلي رجُل فرسًا، وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت (٢) ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله ﷺ، يلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، يقولون: لِيَهْنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يُهرول، حتى صافحني وهَنَّأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرُق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مَرّ عليك منذ ولدتك أمّك". قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا بل من عند الله". قال: وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك". قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله، إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال: فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كَذبَةً منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: وأنزل الله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) قال كعب: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظمَ في نفسي من صدقي رسولَ الله ﷺ يومئذ ألا أكون كَذَبْتُه فأهلك كما هلك الذين كَذَبوه [حين كَذَبُوه] (٣)؛ فإن الله تعالى قال للذين كَذَبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال (٤) الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥، ٩٦]. قال: وكنا خُلّفنا -أيها الثلاثة -عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسولُ الله أمرَنا، حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تعالى: (٥) (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي

(١) في أ: "أنه".

(٢) في ت، ك، أ: "فنزعت له".

(٣) زيادة من ت، ك، أ، والمسند.

(٤) في ت، ك، أ: "فقال".

(٥) في ت: "﷿".

ج4 · ص233

ذكر مما خُلِّفنا بتخلفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه، فقبل منه.

هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته، رواه صاحبا الصحيح: البخاري ومسلم من حديث الزهري، بنحوه. (١)

فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها. وكذا رُوي عن غير واحد من السلف في تفسيرها، كما رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) قال: هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن ربيعة وكلهم من الأنصار.

وكذا قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي وغير واحد -وكلهم قال: مُرارة بن ربيعة.

[وكذا في مسلم: مرارة بن ربيعة في بعض نسخه، وفي بعضها: مرارة بن الربيع]. (٢)

وفي رواية عن سعيد بن جُبَير: ربيع بن مرارة.

وقال الحسن البصري: ربيع بن مرارة (٣) أو مرارة (٤) بن ربيع.

وفي رواية عن الضحاك: مُرارة بن الربيع، كما وقع في الصحيحين، وهو الصواب.

وقوله: "فسموا رجلين شهدا بدرا"، قيل: إنه خطأ من الزهري، فإنه لا يُعْرَف شُهودُ واحد من هؤلاء الثلاثة بدرا، والله أعلم.

ولما ذكر تعالى ما فرّج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب، من هجر المسلمين إياهم نحوا من خمسين ليلة بأيامها، وضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رَحُبت، أي: مع سعتها، فسدّدت عليهم المسالك والمذاهب، فلا يهتدون ما يصنعون، فصبروا لأمر الله، واستكانوا لأمر الله، وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله ﷺ في تخلفهم، وأنه كان عن غير عذر، فعوقبوا على ذلك هذه المدة، ثم تاب الله عليهم، فكان (٥) عاقبة صدقهم خيرا لهم وتوبة عليهم؛ ولهذا قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) أي: اصدُقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله وتنجوا من المهالك ويجعل لكم فرجا من أموركم، ومخرجا، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق (٦)؛ عن عبد الله، هو ابن مسعود، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى

(١) المسند (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٩) وصحيح البخاري برقم (٨٨٩) وبرقم (٢٧٥٧) وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٩).

(٢) زيادة من أ.

(٣) في جميع النسخ: "مرار" بدون هاء، والتصويب من الطبري.

(٤) في جميع النسخ: "مرار" بدون هاء، والتصويب من الطبري.

(٥) في ت، ك، أ: "وكان".

(٦) في أ: "سفيان".

ج4 · ص234

يكتب عند الله كذابا".

أخرجاه في الصحيحين. (١)

وقال شعبة، عن عمرو بن مُرّة، سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: [إن] (٢) الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرءوا إن شئتم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مِنَ الصَّادِقِينَ) (٣) -هكذا قرأها -ثم قال: فهل تجدون لأحد فيه رخصة.

وعن عبد الله بن عمر: (اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) مع محمد ﷺ وأصحابه.

وقال الضحاك: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما. (٤)

وقال الحسن البصري: إن أردت أن تكون مع الصادقين، فعليك بالزهد في الدنيا، والكف عن أهل الملة.

﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾

يعاتب تعالى المتخلّفين عن رسول الله ﷺ في غزوة تَبُوك، من أهل المدينة ومن حولها من أحياء العرب، ورغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل من المشقة، فإنهم نَقَصُوا أنفسهم من الأجر؛ لأنهم (٥) (لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ) وهو: العطش (وَلا نَصَبٌ) وهو: التعب (وَلا مَخْمَصَةٌ) وهي: المجاعة (٦) (وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ) أي: ينزلون منزلا (٧) يُرهبُ عدوهم (وَلا يَنَالُونَ) منه ظفرًا وغلبة عليه إلا كتب الله لهم بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرهم، وإنما هي ناشئة عن أفعالهم، أعمالا صالحة وثوابا جزيلا (إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا﴾ [الكهف: ٣٠].

﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾

يقول تعالى: ولا ينفق هؤلاء الغزاة في سبيل الله (نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً) أي: قليلا ولا كثيرا

(١) المسند (١/ ٣٨٤) وصحيح البخاري برقم (٦٠٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٠٧).

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ت، ك، أ: "مع".

(٤) في ت، ك، أ: "وأصحابهم".

(٥) في ت، أ: "لأنه".

(٦) في ت: "المجامعة".

(٧) في أ: "مالا".

ج4 · ص235

(وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا) أي: في السير إلى الأعداء (إِلا كُتِبَ لَهُمْ) ولم يقل ها هنا "به" لأن هذه أفعال صادرة عنهم؛ ولهذا قال: (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وقد حصل لأمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، من هذه الآية الكريمة حظ وافر، ونصيب عظيم، وذلك أنه أنفق في هذه الغزوة النفقات الجليلة، والأموال الجزيلة، كما قال عبد الله بن الإمام أحمد:

حدثنا أبو موسى العنزي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني سَكَن بن المغيرة، حدثني الوليد بن أبي هاشم، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خَبَّاب السلمي قال: خطب رسول الله ﷺ فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان، ﵁: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم حث، فقال عثمان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرْقاة من المنبر ثم حث، فقال عثمان بن عفان: علىَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله ﷺ يقول بيده هكذا -يحركها. وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب: "ما على عثمان ما عمل بعد هذا". (١)

وقال عبد الله أيضا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضَمْرَة، حدثنا عبد الله بن شَوْذَب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سَمُرة، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين (٢) جَهَّز النبي ﷺ جيش العسرة قال: فصبها في حجر النبي ﷺ، فجعل النبي ﷺ يقلبها بيده ويقول: "ما ضَرّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم". يرددها مرارا. (٣)

وقال قتادة في قوله تعالى: (وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ) الآية: ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدًا إلا ازدادوا من الله قربا.

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾

هذا بيان من الله تعالى لما أراد من نَفير الأحياء مع الرسول في غزوة تبوك، فإنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله ﷺ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: ٤١]، وقال: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، قالوا: فنسخ ذلك بهذه الآية.

(١) زوائد المسند (٤/ ٧٥) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٧٠٠) من طريق السكن بن المغيرة به، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث السكن بن المغيرة".

(٢) في ت، ك: "حتى".

(٣) زوائد المسند (٥/ ٦٣) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٧٠١) من طريق الحسن بن واقع عن ضمرة بن ربيعة به، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه".