سورة التوبة

ซูเราะฮ์ที่ 9 · ตอน 8/10 · เล่ม 4 หน้า 206–220

ج4 · ص206

ذكر لنا أن نبي الله ﷺ أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين، فقال: "ستة منهم تكفيكهم الدُّبَيْلة: سراج من نار جهنم، يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتًا". وذكر لنا أن عمر بن الخطاب، ﵁، كان إذا مات رجل ممن يُرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه وإلا تركه. وَذُكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك بالله، أمنهم أنا؟ قال: لا. ولا أومن منها أحدًا بعدك. (١)

﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾

لما بَيَّن تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغَزاة رغبة عنها وتكذيبًا وشكا، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلا وميلا إلى الراحة، مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) أي: أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين رَبِّهم، ولهم أعمال أخرَ صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه.

وهذه الآية -وإن كانت نزلت في أناس معينين -إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلصين المتلوثين.

وقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لُبَابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه.

وقال ابن عباس: (وَآخَرُونَ) نزلت في أبي لُبابة وجماعة من أصحابه، تخلفوا عن غزوة تبوك، فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه، فلما رجع النبي ﷺ من غزوته (٢) ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله ﷺ، فلما أنزل الله هذه الآية: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) أطلقهم النبي ﷺ، وعفا عنهم.

وقال البخاري: حدثنا مُؤمَّل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو رجاء، حدثنا سَمُرَة بن جُنْدَب قال: قال رسول الله ﷺ لنا: "أتاني الليلة آتيان (٣) فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولَبِن فضة، فتلقانا رجال شَطْر من خلقهم كأحسن ما أنت رَاء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فَقَعُوا في ذلك النهر. فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك. قالا أما القوم الذين كانوا شَطر منهم حَسَن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا، فتجاوز الله عنهم".

هكذا رواه مختصرًا، في تفسير هذه الآية. (٤)

(١) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٤٣). والدبيلة: خراج ودمل كبير يظهر في الجوف فيقتل صاحبه غالبا.

(٢) في أ: "من غزوه".

(٣) في أ: "اثنان".

(٤) صحيح البخاري برقم (٤٦٧٤).

ج4 · ص207

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾

أمر الله تعالى رسوله ﷺ بأن يأخُذَ من أموالهم صدقَة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في "أموالهم" إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملا صالحًا وآخر سيئا؛ ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصًا برسول الله (١) ﷺ؛ ولهذا احتجوا بقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) وقد رَدَّ عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد الصديق أبو بكر وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة، كما كانوا يُؤدونها إلى رسول الله ﷺ، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عِقالا -وفي رواية: عَناقًا -يُؤدُّونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعه. (٢)

وقوله: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) أي: ادع لهم واستغفر لهم، كما رواه مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُتِيَ بصدقة قوم صَلَّى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صَل على آل أبي أوفى" (٣) وفي الحديث الآخر: أن امرأة قالت: يا رسول الله، صلّ عليَّ وعلى زوجي. فقال: "صلى الله عليك، وعلى زوجك". (٤)

وقوله: (إنّ صَلاتك): قرأ بعضهم: "صلواتك" على الجمع، وآخرون قرءوا: (إِنَّ صَلاتَكَ) على الإفراد.

(سَكَنٌ لَهُمْ) قال ابن عباس: رحمة لهم. وقال قتادة: وقار.

وقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ) أي: لدعائك (عَلِيمٌ) أي: بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له.

قال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا أبو العُمَيْس، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عن ابن لحذيفة، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ كان إذا دعا لرجل أصابته، وأصابت ولده، وولد ولده. (٥)

ثم رواه عن أبي نُعَيم، عن مِسْعَر، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عن ابن لحذيفة -قال مسعر:

(١) في ك: "بالنبي".

(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٢٨٤، ٧٢٨٥) بلفظ: "لو منعنوني عقالا" قال: "وقال ابن بكير وعبد الله عن الليث: "عناقا وهو أصح".

(٣) صحيح مسلم برقم (١٠٧٨) والبخاري في صحيحه برقم (١٤٩٧).

(٤) رواه أبو داود في السنن برقم (١٥٣٣) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٢٥٦) من حديث جابر بن عبد الله، ﵁.

(٥) المسند (٥/ ٣٨٥).

ج4 · ص208

وقد ذكره مرة عن حذيفة -: إن صلاة النبي ﷺ لتُدرك الرجل وولده وولد ولده. (١)

وقوله: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منها (٢) يحطُّ الذنوب ويمحصها ويمحقها.

وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها، حتى تصير التمرة مثل أحد. كما جاء بذلك الحديث، عن رسول الله ﷺ -كما قال الثوري ووكيع، كلاهما عن عباد بن منصور، عن القاسم بن محمد أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم، كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتَصير مثل أحد"، وتصديق ذلك في كتاب الله، ﷿: ([أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ] هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) (٣) و[قوله] (٤) ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. (٥)

وقال الثوري والأعمش كلاهما، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة قال: قال عبد الله بن مسعود، ﵁: إن الصدقة تقع في يد الله ﷿ قبل أن تقع في يد السائل. ثم قرأ هذه الآية: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) (٦).

وقد روى ابن عساكر في تاريخه، في ترجمة عبد الله بن الشاعر السَّكْسَكي الدمشقي -وأصله حمصي، وكان أحد الفقهاء، روى عن معاوية وغيره، وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي -قال: غزا الناس في زمان معاوية، ﵁، وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فَغَلَّ رجل من المسلمين مائة دينار رومية. فلما قفل الجيش نَدم وأتى الأميرَ، فأبى أن يقبلها منه، وقال: قد تفرق الناس ولن أقبلها منك، حتى تأتي الله بها يوم القيامةَ فجعل الرجل يستقرئ الصحابة، فيقولون له مثل ذلك، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه، فأبى عليه. فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي، فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال أمطيعُني أنت؟ فقال: نعم، فقال: اذهب إلى معاوية فقل له: اقبل مني خُمسك، فادفع إليه عشرين دينارًا، وانظر الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم ففعل الرجل، فقال معاوية، ﵁: لأن أكون أفتيتُه بها أحب إلي من كل شيء أملكه، أحسن الرجل". (٧)

(١) المسند (٥/ ٤٠٠).

(٢) في ت، أ: "منهما".

(٣) زيادة من ك.

(٤) زيادة من ك.

(٥) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٦١). تنبيه: وقع خطأ في الآية هنا وعند الطبري، وما أثبتناه هو الصواب.

(٦) في ت: "تعلموا".

(٧) تاريخ دمشق (٩/ ٤٠١) "المخطوط".

ج4 · ص209

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾

قال مجاهد: هذا وَعيد، يعني من الله تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرَضُ عليه ﵎، وعلى الرسول، وعلى المؤمنين. وهذا كائن لا محالة يوم القيامة، كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨]، (١) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، وقال ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] وقد يظهر ذلك للناس في الدنيا، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صَماء ليس لها باب ولا كُوَّة، لأخرج الله عمله للناس كائنًا ما كان". (٢).

وقد ورد: أن أعمال الأحياء تُعرَض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الصلت بن دينار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيرًا استبشروا به"، وإن كان غير ذلك قالوا: "اللهم، ألهمهم أن يعملوا بطاعتك". (٣)

وقال الإمام أحمد: أخبرنا عبد الرزاق، عن سفيان، عمَّن سمع أنسًا يقول: قال النبي ﷺ: "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم، لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا". (٤)

وقال البخاري: قالت عائشة، ﵂: إذا أعجبك حُسن عمل امرئ، فقل: (اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (٥).

وقد ورد في الحديث شبيه بهذا، قال الإمام أحمد:

حدثنا يزيد، حدثنا حُمَيد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له؟ فإن العامل يعمل زمانًا من عمره -أو: بُرهَة من دهره -بعمل صالح لو مات عليه لدخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملا سيئًا، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ، لو

(١) في ت: "يعرضون لا يخفى"

(٢) المسند (٣/ ٢٨) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.

(٣) مسند الطيالسي برقم (١٧٩٤).

(٤) المسند (٣/ ١٦٤) وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٢٨): "وفيه رجل لم يسم".

(٥) صحيح البخاري (١٣/ ٥٠٣ "فتح").

ج4 · ص210

مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملا صالحًا، وإذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله قبل موته". قالوا: يا رسول الله وكيف يستعمله: قال: "يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه" (١) تفرد به أحمد من هذا الوجه.

﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾

قال ابن عباس ومجاهدُ وعِكْرِمة، والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خلفوا، أي: عن التوبة، وهم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد، كسلا وميلا إلى الدَّعَة والحفظ وطيب الثمار والظلال، لا شكا ونفاقا، فكانت منهم طائفة رَبَطوا أنفسهم بالسواري، كما فعل أبو لُبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء، وأرجى هؤلاء عن التوبة حتى نزلت الآية الآتية، وهي قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ [وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ]﴾ (٢) الآية [التوبة: ١١٨]، كما سيأتي بيانه في حديث كعب بن مالك.

وقوله: (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) أي: هم تحت عفو الله، إن شاء فعل بهم هذا، وإن شاء فعل بهم ذاك، ولكن رحمته تغلب غضبه، وهو (عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي: عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، حكيم في أفعاله وأقواله، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.

﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾

سبب نزول هذه الآيات (٣) الكريمات: أنه كان بالمدينة قبل مَقدَم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له: "أبو عامر الراهبُ"، وكان قد تَنَصَّر في الجاهلية وقرأ علْم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير. فلما قَدم رسولُ الله ﷺ مهاجرًا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شَرِق اللعين أبو عامر بريقه، وبارز بالعداوة، وظاهر بها، وخرج فارًّا إلى كفار مكة من مشركي قريش فألَّبهم على حرب رسول الله ﷺ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان،

(١) المسند (٣/ ١٢٠) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢١١): "ورجاله رجال الصحيح".

(٢) زيادة من ك.

(٣) في أ: "الآية".

ج4 · ص211

وامتحنهم الله، وكانت العاقبة للمتقين. (١)

وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله ﷺ، وأصيب ذلك اليوم، فجرح في وجهه وكُسِرت ربَاعِيتُه اليمنى السفلى، وشُجَّ رأسه، صلوات الله وسلامه عليه.

وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار، فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبُّوه. فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شَر. وكان رسول الله ﷺ قد دعاه إلى الله قبل فراره، وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرَّد، فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يموت بعيدًا طريدًا، فنالته هذه الدعوة.

وذلك أنه لما فرغ الناس (٢) من أحد، ورأى أمر الرسول، صلوات الله وسلامه عليه (٣) في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل، ملك الروم، يستنصره على النبي ﷺ، فوعده ومَنَّاه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويُمنِّيهم أنه سيقدمُ بجيش يقاتل به رسول الله ﷺ ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له مَعقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كُتُبه ويكونَ مرصدًا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج النبي ﷺ إلى تبوك، وجاءوا فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم، ليحتجوا بصلاته، ﵇، فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: "إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله".

فلما قفل، ﵇ (٤) راجعًا إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه الوحي بخبر مسجد الضِّرار، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء، الذي أسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله ﷺ إلى ذلك المسجد من هَدَمه قبل مقدمه المدينة، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا [وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ]) (٥) وهم أناس من الأنصار، ابتنوا مسجدًا، فقال لهم أبو عامر، ابنوا مسجدًا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم وأخرج محمدًا وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب (٦) أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة. فأنزل الله، ﷿: (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) إلى ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

وكذا رُوي عن سعيد بن جُبير، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وقتادة وغير واحد من العلماء.

وقال محمد بن إسحاق بن يَسَار، عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر،

(١) في ت، ك، أ: "للتقوى".

(٢) في ت، أ: "المسلمون".

(٣) في أ: "ﷺ".

(٤) في أ: "ﷺ".

(٥) زيادة من أ.

(٦) في ت، ك: "فتجب".

ج4 · ص212

وعاصم بن عُمَر بن قتادة وغيرهم، قالوا: أقبل رسول الله ﷺ -يعني: من تبوك -حتى نزل بذي أوان -بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار -وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. فقال: "إني على جناح سَفر وحال شُغل -أو كما قال رسول الله ﷺ -ولو قد قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه". فلما نزل بذي أوان أتاه خبرُ المسجد، فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدُّخْشُم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي -أو: أخاه عامر بن عدي -أخا بلعجلان فقال: "انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه". فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدّخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي. فدخل أهله فأخذ سَعَفا من النخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يَشتدَّان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه. ونزل فيهم من القرآن ما نزل: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا) إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا خذام بن خالد، من بني عُبَيد بن زيد، أحد (١) بني عمرو بن عوف، ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب من بني عبيد وهو إلى بني أمية بن زيد، ومعتِّب بن قُشير، من [بني] (٢) ضُبَيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأذعر، من بني ضُبَيعة بن زيد، وعَبَّاد بن حُنَيف، أخو سهل بن حنيف، من بني عمرو بن عوف، وجارية بن عامر، وابناه: مُجَمِّع بن جارية، وزيد بن جارية ونَبْتَل [بن] (٣) الحارث، وهم من بني ضبيعة، وبحزج وهو من بني ضبيعة، وبجاد بن عُثمان وهو من بني ضُبَيعة، [ووديعة بن ثابت، وهو إلى بني أمية] (٤) رهط أبي لبابة بن عبد المنذر. (٥)

وقوله: (وَلَيَحْلِفُنَّ) أي: الذين بنوه (إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى) أي: ما أردناه ببنيانه إلا خيرًا ورفقًا بالناس، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) أي: فيما قصدوا وفيما نوَوا، وإنما بنوه ضِرارا لمسجد قُباء، وكفرا بالله، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله، وهو أبو عامر الفاسق، الذي يقال له: "الراهب" لعنه الله.

وقوله: (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) نهي من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه، والأمة تَبَع له في ذلك، عن أن يقوم فيه، أي: يصلي فيه أبدا.

ثم حثه على الصلاة في مسجد قُباء الذي أسس من أول يوم بنائه على التقوى، وهي طاعة الله، وطاعة رسوله، وجمعا لكلمة المؤمنين ومَعقلا وموئلا للإسلام وأهله؛ ولهذا قال تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء؛ ولهذا جاء

(١) في أ: "جد".

(٢) زيادة من ت، أ، وابن هشام.

(٣) زيادة من ت، أ، وابن هشام.

(٤) زيادة من ت، أ، وابن هشام.

(٥) السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٥٣٠) ورواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٦٨). وانظر الكلام على هذه الرواية وتفنيدها في كتاب الفاضل: عداب الحمش "ثعلبة بن حاطب المفترى عليه (ص ١٣٨).

ج4 · ص213

في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجد قُباء كعُمرة". (١) وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان يزورُ مسجد قُباء راكبًا وماشيًا (٢) وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف، كان جبريل هو الذي عَيَّن له جِهَة القبلة (٣) فالله أعلم.

وقال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم الآية".

ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث يونس بن الحارث، وهو ضعيف، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه.

وقال الطبراني: حدثنا الحسن بن علي المعمري، حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) بعث رسول الله ﷺ إلى عُوَيم بن ساعدة فقال: "ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟ ". فقال: يا رسول الله، ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه -أو قال: مقعدته -فقال النبي ﷺ. "هو هذا". (٤)

وقال الإمام أحمد: حدثنا حُسَين بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا شرحبيل، عن عُوَيم بن ساعدة الأنصاري: أنه حَدّثه أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قُباء، فقال: "إن الله تعالى قد أحسن [عليكم الثناء] (٥) في الطَّهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " فقالوا: والله -يا رسول الله -ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا.

ورواه ابن خُزيمة في صحيحه. (٦)

وقال هُشَيْم، عن عبد الحميد المدني، عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال

(١) رواه الترمذي في السنن برقم (٣٢٤) وابن ماجه في السنن برقم (١٤١١) من طريق أبي أسامة - عبد الحميد بن جعفر - عن أبي الأبرد مولى بني الخطمة - عن أسيد بن ظهير الأنصاري ﵁، به. وقال الترمذي - كما في تحفة الأشرف (١/ ٢٧٥): "حديث حسن صحيح، ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من حديث أبي أسامة".

(٢) صحيح مسلم برقم (١٣٩٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.

(٣) سنن أبي داود برقم (٤٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٠٠)، وسنن ابن ماجة برقم (٣٥٧).

(٤) المعجم الكبير (١١/ ٦٧) وفيه محمد بن حميد وهو ضعيف، وابن إسحاق مدلس وقد عنعن.

(٥) زيادة من ت، أ، والمسند.

(٦) المسند (٣/ ٤٢٢) وصحيح ابن خزيمة برقم (٨٣) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢١٢): "وفيه شرحبيل بن سعد ضعفه مالك وابن معين وأبو زرعة ووثقه ابن حبان".

ج4 · ص214

لعُوَيم بن ساعدة. "ما هذا الذي أثنى الله عليكم: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) " قالوا: يا رسول الله، إنا نغسل الأدبار بالماء. (١)

وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عُمارة الأسدي، حدثنا محمد بن سعد، حدثنا إبراهيم بن محمد، عن شرحبيل بن سعد قال: سمعت خُزَيمة بن ثابت يقول: نزلت هذه الآية: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قال: كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط. (٢)

حديث آخر: قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك -يعني: ابن مغْوَل -سمعت سيارا أبا الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما (٣) قدم رسول الله ﷺ، يعني: قباء، فقال: "إن الله، ﷿، قد أثنى عليكم في الطهور خيرًا، أفلا تخبروني؟ ". يعني: قوله تعالى: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) فقالوا: يا رسول الله، إنا نجده مكتوبًا علينا في التوراة: الاستنجاءُ بالماء. (٤)

وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. ورواه عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوَة بن الزبير. وقاله عطية العوفي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والشعبي، والحسن البصري، ونقله البغوي عن سعيد بن جُبَير، وقتادة.

وقد ورد في الحديث الصحيح: أن مسجد رسول الله ﷺ الذي هو في جوف المدينة، هو المسجد الذي أسس على التقوى. وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية وبين هذا؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده:

حدثنا أبو نُعيم، حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أبيّ بن كعب: أن النبي ﷺ قال: "المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا". تفرد به أحمد. (٥)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد الساعدي قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسِّسَ على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله (٦) ﷺ. وقال الآخر: هو مسجد قباء.

(١) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٨٧).

(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٨٧).

(٣) في أ: "لقد".

(٤) المسند (٦/ ٦).

(٥) المسند (٥/ ١١٦).

(٦) في ت، أ: "الرسول".

ج4 · ص215

فأتيا النبي ﷺ فسألاه، فقال: "هو مسجدي هذا" (١) تفرد به أحمد أيضا.

حديث آخر: قال أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ليث، عن عمران بن أبي أنس، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: "هو مسجدي هذا" (٢) تفرد به أحمد.

طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث، حدثني عمران بن أبي أنس، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "هو مسجدي".

وكذا رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة، عن الليث (٣) وصححه الترمذي، ورواه مسلم كما سيأتي.

طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا يحيى، عن أُنَيْس بن أبي يحيى، حدثني أبي قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان: رجل من بني خَدْرة، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله ﷺ، وقال العَمْري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك، فقال: "هو هذا المسجد" لمسجد رسول الله ﷺ، وقال: "في ذاك [خير كثير] (٤) يعني: مسجد قباء". (٥)

طريق أخرى: قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد -حدثنا حميد الخراط المدني، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن أبي سعيد (٦) فقلت: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال أبي: أتيت رسول الله ﷺ فدخلت عليه في بيت لبعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أين المسجد (٧) الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا". ثم قال: [فقلتُ له: هكذا] (٨) سمعتَ أباك يذكره؟.

رواه مسلم منفردًا به عن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، به (٩) ورواه عن أبي بكر بن

(١) المسند (٥/ ٣٣١) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٤): "رجاله رجال الصحيح".

(٢) المسند (٣/ ٨٩).

(٣) المسند (٣/ ٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠٩٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٢٢٨).

(٤) زيادة من ت، ك، أ، والمسند. وفي أ: "خير كبير".

(٥) المسند (٣/ ٢٣).

(٦) في ت، ك، أ: "سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد".

(٧) في أ: "أي مسجد".

(٨) زيادة من ت، ك، أ، والطبري.

(٩) تفسير الطبري (١٤/ ٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (١٣٩٨).

ج4 · ص216

أبي شيبة وغيره، عن حاتم بن إسماعيل، عن حميد الخراط، به. (١)

وقد قال بأنه مسجد النبي ﷺ جماعة من السلف والخلف، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب. واختاره ابن جرير.

وقوله: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع جماعة الصالحين، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن (٢) ملابسة القاذورات.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيبا أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ؛ أن رسول الله ﷺ صَلَّى بهم الصبح فقرأ بهم (٣) الروم فأوهم، فلما انصرف قال: "إنه يلبس علينا القرآن، إن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء".

ثم رواه من طريقين آخرين، عن عبد الملك بن عمير، عن شبيب أبي روح من ذي الكَلاع: أنه صلى مع النبي ﷺ، فذكره (٤) فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة، ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها.

وقال أبو العالية في قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) إن الطهور بالماء لحسن، ولكنهم المطهرون من الذنوب.

وقال الأعمش: التوبة من الذنب، والتطهير من الشرك.

وقد ورد في الحديث المروي من طرق، في السنن وغيرها، أن رسول الله ﷺ قال لأهل قباء: "قد أثنى الله عليكم في الطهور، فماذا تصنعون؟ " فقالوا: نستنجي بالماء.

وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال: وجدته في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء. (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) فسألهم رسول الله ﷺ فقالوا: إنا نُتْبِعُ الحجارة الماء.

ثم قال: تفرد به محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، ولم يرو عنه سوى ابنه. (٥)

(١) صحيح مسلم برقم (١٣٩٨).

(٢) في ت، ك، أ: "من".

(٣) في ت، أ: "فيها".

(٤) المسند (٣/ ٤٧١، ٤٧٢).

(٥) مسند البزار برقم (٢٤٧) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢١٢): "فيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري ضعفه البخاري والنسائي وهو الذي أشار بجلد مالك".

ج4 · ص217

قلت: وإنما ذكرته بهذا اللفظ لأنه مشهور بين الفقهاء (١) ولم يعرفه كثير من المحدّثين المتأخرين، أو كلهم، والله أعلم.

﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾

يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى الله ورضوان، ومن بنى مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما بنى هؤلاء بنيانهم (عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) أي: طرف حَفِيرة مثاله (فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي: لا يصلح عمل المفسدين.

قال جابر بن عبد الله: رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان على عهد النبي (٢) ﷺ.

وقال ابن جُرَيْج (٣) ذُكر لنا أن رجالا (٤) حَفَروا فوجدوا الدخان يخرج منه. وكذا قال قتادة.

وقال خلف بن ياسين الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن، وفيه جحر يخرج منه الدخان، وهو اليوم مَزْبلة. رواه ابن جرير (٥) ﵀.

وقوله: (لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ) أي: شكا ونفاقا بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع، أورثهم نفاقا في قلوبهم، كما أشرب عابدو العجل حبه.

وقوله: (إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) أي: بموتهم. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم، والسدي، وحبيب بن أبي ثابت، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد من علماء السلف.

(وَاللَّهُ عَلِيمٌ) أي: بأعمال خلقه، (حَكِيمٌ) في مجازاتهم عنها، من خير وشر. (٦)

(١) في ت، ك، أ: "الفقهاء به".

(٢) في ت، أ: "رسول الله".

(٣) في ت، أ: "جرير".

(٤) في ت: "رجلا".

(٥) تفسير الطبري (١٤/ ٤٩٤).

(٦) في ك، أ: "عليها".

ج4 · ص218

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾

يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم.

وقال شَمِر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله، ﷿، في عُنُقه بيعة، وفَّى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية.

ولهذا يقال: من حمل في سبيل الله بايع الله، أي: قَبِل هذا العقد ووفى به.

وقال محمد بن كعب القُرَظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة، ﵁، لرسول الله ﷺ -يعني ليلة العقبةِ -: اشترط لربك ولنفسك ما شئت! فقال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم". قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة". قالوا: رَبِح البيعُ، لا نُقِيل ولا نستقيل، فنزلت: (١) (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) الآية.

وقوله: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) أي: سواء قتلوا أو قُتلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا، فقد وجبت لهم الجنة؛ ولهذا جاء في الصحيحين: "وتكفل الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وتصديق برسلي، بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة". (٢)

وقوله: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ) تأكيد لهذا الوعد، وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة، وأنزله على رسله في كتبه الكبار، وهي (٣) التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وقوله: (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) [أي: ولا واحد أعظم وفاءً بما عاهد عليه من الله] (٤) فإنه لا يخلف الميعاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ [النساء: ١٢٢]؛ ولهذا قال: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أي: فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد، بالفوز العظيم، والنعيم (٥) المقيم.

﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾

(١) في أ: "فنزل".

(٢) صحيح البخاري برقم (٣١٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٨٧٦)

(٣) في أ: "وهو".

(٤) زيادة من ت، ك، أ.

(٥) في ت، أ: "والمغنم".

ج4 · ص219

هذا نعتُ المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بهذه الصفات الجميلة والخلال الجليلة: (التَّائِبُونَ) من الذنوب كلها، التاركون للفواحش، (الْعَابِدُونَ) أي: القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها، وهي الأقوال والأفعال فمن أخَصّ الأقوال الحمد (١)؛ فلهذا قال: (الْحَامِدُونَ) ومن أفضل الأعمال الصيامُ، وهو ترك الملاذِّ من الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة هاهنا؛ ولهذا قال: (السَّائِحُونَ) كما وصف أزواج النبي (٢) ﷺ بذلك في قوله تعالى: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] أي: صائمات، وكذا الركوع والسجود، وهما عبارة عن الصلاة، ولهذا قال: (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ) وهم مع ذلك ينفعون خلق الله، ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركُه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه، علما وعملا فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق؛ ولهذا قال: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) لأن الإيمان يشمل هذا كله، والسعادة كل السعادة لمن اتصف به.

[بيان (٣) أن المراد بالسياحة الصيام]: (٤)

قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله بن مسعود قال: (السَّائِحُونَ) الصائمون. وكذا رُوي عن سعيد بن جُبَير، والعوفي عن ابن عباس.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن السياحة، هم الصائمون. وكذا قال الضحاك، ﵀.

وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله، عن عائشة، ﵂، قالت: سياحةُ هذه الأمة الصيام. (٥)

وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جُبَير، وعطاء، وأبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك بن مُزاحم، وسفيان بن عُيينة وغيرهم: أن المراد بالسائحين: الصائمون.

وقال الحسن البصري: (السَّائِحُونَ) الصائمون شهر رمضان.

وقال أبو (٦) عمرو العَبْدي: (السَّائِحُونَ) الذين يديمون الصيام من المؤمنين.

وقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا، وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن بَزِيع،

(١) في أ: "الحمد الله".

(٢) في ت، أ: "الرسول".

(٣) في أ: "ذكر".

(٤) زيادة من ت، ك، أ.

(٥) تفسير الطبري (١٤/ ٥٠٥).

(٦) في ت: "ابن".

ج4 · ص220

حدثنا حكيم بن حزام، حدثنا سليمان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "السائحون هم الصائمون" (١)

[ثم رواه عن بُنْدَار، عن ابن مهدي، عن إسرائيل، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: (السَّائِحُونَ) الصائمون]. (٢)

وهذا الموقوف أصح.

وقال أيضا: حدثني يونس، عن ابن وهب، عن عمر بن الحارث، عن عمرو بن دينار، عن عُبَيد بن عُمَير قال: سئل النبي ﷺ عن السائحين فقال: "هم الصائمون". (٣)

وهذا مرسل جيد.

فهذه (٤) أصح الأقوال وأشهرها، وجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد، وهو ما روى أبو داود في سننه، من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله، ائذن لي في السياحة. فقال النبي ﷺ: "سياحة (٥) أمتي الجهاد في سبيل الله". (٦)

وقال ابن المبارك، عن ابن لَهِيعة: أخبرني عُمارة بن غَزِيَّة: أن السياحة ذكرت عند رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "أبدلنا الله بذلك الجهاد في سبيل الله، والتكبير على كل شرف". (٧)

وعن عِكْرِمة أنه قال: هم طلبة العلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المهاجرون. رواهما ابن أبي حاتم.

وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتَن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري، عن أبي سعيد الخدري (٨) أن رسول الله ﷺ قال: "يوشك أن يكون خير مال الرجل (٩) غَنَم يَتْبَع بها شَعفَ الجبال، ومواقع القَطْر، يفر بدينه من الفتن". (١٠)

وقال العوفي وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ) قال: القائمون بطاعة الله. وكذا قال الحسن البصري، وعنه رواية: (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ) قال: لفرائض

(١) تفسير الطبري (١٤/ ٥٠٣).

(٢) زيادة من ت، ك، أ.

(٣) تفسير الطبري (١٤/ ٥٠٢).

(٤) في ت: "وهذا"، وفي أ: "فهذا".

(٥) في أ: "سياح".

(٦) سنن أبي داود برقم (٢٤٨٦).

(٧) وهذا معضل، عمارة بن غزية لم يدرك أحدا من الصحابة.

(٨) في أ: "عن أبي هريرة".

(٩) في ت، ك، أ: "المسلم".

(١٠) صحيح البخاري برقم (١٩).