سورة التوبة
ซูเราะฮ์ที่ 9 · ตอน 3/10 · เล่ม 4 หน้า 131–145
الحرام، وألا يقربوه بعد نزول هذه الآية. وكان نزولها في سنة تسع؛ ولهذا بعث رسول الله ﷺ عليا صحبة أبي بكر، ﵄، عامئذ، وأمره أن ينادي في المشركين: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف (١) بالبيت عريان. فأتم الله ذلك، وحكم به شرعا وقدرا.
وقال عبد الرازق: أخبرنا ابن جُرَيْج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) إلا أن يكون عبدًا، أو أحدا من أهل الذمة (٢)
وقد روي مرفوعا من وجه آخر، فقال الإمام أحمد: حدثنا حُسَين (٣) حدثنا شريك، عن الأشعث -يعني: ابن سَوَّار -عن الحسن، عن جابر قال: قال النبي ﷺ: "لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك، إلا أهل العهد وخدمهم (٤) " (٥)
تفرد به أحمد مرفوعا، والموقوف أصح إسنادا.
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: كتب عمر بن عبد العزيز، ﵁: أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)
وقال عطاء: الحرم كله مسجد، لقوله تعالى: (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا).
ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما دلت [على طهارة المؤمن، ولما] (٦) ورد في [الحديث] (٧) الصحيح: "المؤمن لا ينجس" (٨) وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم.
وقال أشعث، عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ. رواه ابن جرير.
وقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) قال ابن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا: لتنقطعن عنا الأسواق، ولتهلكن (٩) التجارة وليذهبن ما كنا نصيب فيها من المرافق، فنزلت (١٠) (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) من وجه غير ذلك - (إِنْ شَاءَ) إلى قوله: (وَهُمْ صَاغِرُونَ) أي: إن هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق، فعوضهم الله بما قطع عنهم من أمر الشرك، ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب، من الجزية.
(١) في ت، أ: "يطوفن".
(٢) تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٤٥).
(٣) في أ: "حسن".
(٤) في ت، أ: "وخدمكم".
(٥) المسند (٣/ ٣٩٢) وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٠): "فيه أشعث بن سوار وفيه ضعف وقد وثق".
(٦) زيادة من ك، أ.
(٧) زيادة من ك، أ.
(٨) صحيح البخاري برقم (٢٨٣) من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه: "إن المسلم لا ينجس".
(٩) في ت: "وليملكن".
(١٠) في ك، أ: "فنزل".
وهكذا رُوي عن ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَير، وقتادة والضحاك، وغيرهم.
(إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) أي: بما يصلحكم، (حَكِيم) أي: فيما يأمر به وينهى عنه؛ لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره، ﵎؛ ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمة، فقال: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد ﷺ (١) لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل، ولا بما جاءوا به، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع الله ودينه؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانا صحيحا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد، صلوات الله عليه، لأن جميع الأنبياء [الأقدمين] (٢) بشروا به، وأمروا باتباعه، فلما جاء وكفروا (٣) به، وهو أشرف الرسل، عُلِم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند الله، بل لحظوظهم وأهوائهم، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء، وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم؛ ولهذا قال: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) وهذه الآية الكريمة [نزلت] (٤) أول الأمر بقتال أهل الكتاب، بعد ما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجا، فلما استقامت (٥) جزيرة العرب أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع؛ ولهذا تجهز رسول الله ﷺ لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك، وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم، فَأَوْعَبوا معه، واجتمع من المقاتلة (٦) نحو [من] (٧) ثلاثين ألفا، وتخلف بعضُ الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم، وكان ذلك في عام جَدْب، ووقت قَيْظ وحر، وخرج، ﵇، يريد الشام لقتال الروم، فبلغ تبوك، فنزل بها وأقام على مائها (٨) قريبًا من عشرين يومًا، ثم استخار الله في الرجوع، فرجع عامه ذلك لضيق الحال وضعف الناس، كما سيأتي بيانه بعد إن شاء الله.
وقد استدلَّ بهذه الآية الكريمة مَن يرى أنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، أو من أشباههم كالمجوس، لما (٩) صح فيهم الحديث أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر (١٠) وهذا مذهب الشافعي، وأحمد -في المشهور عنه -وقال أبو حنيفة، ﵀: بل تؤخذ من جميع الأعاجم، سواء كانوا (١١) من أهل الكتاب أو من المشركين، ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب.
وقال الإمام مالك: بل يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار من كتابيٍّ، ومجوسي، ووثني،
(١) في ك: "صلوات الله وسلامه عليه".
(٢) زيادة من أ.
(٣) في أ: "فلما جاءوا كفروا".
(٤) زيادة من ت، أ.
(٥) في جمع النسخ: "واستقامت"، وصوبناه ليستقيم النص.
(٦) في ك: "القابلة".
(٧) زيادة من ت، ك، أ.
(٨) في د: "وأقام بها قريبا".
(٩) في ت، د، ك: "كما".
(١٠) في هـ: "من هجر"، وفي أ: "من يهود هجر" والمثبت من ت، ك، أ.
(١١) في ك: "سواء أن كانوا".
وغير ذلك، ولمأخذ هذه المذاهب وذكر أدلتها مكان غير هذا، والله أعلم.
وقوله: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) أي: إن لم يسلموا، (عَنْ يَدٍ) أي: عن قهر لهم وغلبة، (وَهُمْ صَاغِرُونَ) أي: ذليلون حقيرون مهانون. فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صَغَرة أشقياء، كما جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، ﵁، أن النبي ﷺ قال: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" (١)
ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم، وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ، من رواية (٢) عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري قال: كتبت لعمر بن الخطاب، ﵁، حين صالح نصارى من أهل الشام:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا (٣) وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة، ولا قِلاية ولا صَوْمَعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها، ولا نحيي منها ما كان خطط (٤) المسلمين، وألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ينزل من مر بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نأوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسًا، ولا نكتم غشًا للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركا، ولا ندعو إليه أحدًا؛ ولا نمنع أحدًا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه، وأن نوقر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم، في قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكُنَاهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقاديم رءوسنا، وأن نلزم زِينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وألا نظهر الصليب على كنائسنا، وألا نظهر صلبنا ولا كتبنا (٥) في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيا، وألا (٦) نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نخرج شعانين ولا باعوثًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين، ولا نطلع عليهم في منازلهم.
قال: فلما أتيت عمر بالكتاب، زاد فيه: ولا نضرب أحدًا من المسلمين، شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم وَوَظَفْنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾
وهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال المشركين الكفار من اليهود والنصارى، لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة، والفِرْية على الله تعالى، فأما اليهود فقالوا في العُزَير: "إنه ابن الله"، تعالى [الله] (١) عن ذلك علوا كبيرا. وذكر السدي وغيره أن الشبهة التي حصلت لهم في ذلك، أن العمالقة لما غلبت على بني إسرائيل، فقتلوا علماءهم وسَبَوا كبارهم، بقي العزير يبكي على بني إسرائيل وذهاب العلم منهم، حتى سقطت جفون عينيه، فبينا هو ذات يوم إذ مَرّ على جبانة، وإذ (٢) امرأة تبكي عند قبر وهي تقول: وامطعماه! واكاسياه! [فقال لها ويحك] (٣) من كان يطعمك قبل هذا؟ قالت: الله. قال: فإن الله حي لا يموت! قالت: يا عزير فمن كان يُعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكي عليهم؟ فعرف أنه شيء قد وُعظ به. ثم قيل له: اذهب إلى نهر كذا فاغتسل منه، وصَلِّ هناك ركعتين، فإنك ستلقى هناك شيخا، فما أطعمك فكله. فذهب ففعل ما أمر به، فإذا شيخ فقال له: افتح فمك. ففتح فمه. فألقى فيه شيئًا كهيئة الجمرة العظيمة، ثلاث مرات، فرجع عُزَير وهو من أعلم الناس بالتوراة، فقال: يا بني إسرائيل، قد جئتكم بالتوراة. فقالوا: يا عُزَير، ما كنت كَذَّابا. فعمد فربط على إصبع من أصابعه قلما، وكتب التوراة بإصبعه كلها، فلما تراجع الناس من عَدُوّهم ورجع العلماء، وأخبروا بشأن عزير، فاستخرجوا النسخ التي كانوا أودعوها في الجبال، وقابلوها (٤) بها، فوجدوا ما جاء به صحيحا، فقال بعض جهلتهم: إنما صنع هذا لأنه ابن الله.
وأما ضَلال النصارى في المسيح فظاهر؛ ولهذا كَذَّب الله سبحانه الطائفتين فقال: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) أي: لا مستند لهم فيما ادعوه سوى افترائهم واختلاقهم، (يضاهئون) أي: يشابهون (قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ) أي: من قبلهم من الأمم، ضلوا كما ضل هؤلاء، (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ) قال ابن عباس: لعنهم الله، (أَنَّى يُؤْفَكُونَ)؟ أي: كيف يضلون عن الحق، وهو ظاهر، ويعدلون إلى الباطل؟
[وقوله] (١) (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن جرير من طرق، عن عدي بن حاتم، ﵁، أنه لما بلغته دعوة رسول الله ﷺ فرَّ إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثمَّ منَّ رسول الله ﷺ على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها، ورَغَّبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله ﷺ، فقدم عَدِيّ المدينة، وكان رئيسا في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدَّث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله ﷺ وفي عنق عَدِيّ صليب من فضة، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: "بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا (٢) لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم". وقال (٣) رسول الله ﷺ: "يا عدي، ما تقول؟ أيُفرّك (٤) أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ ما يُفرك؟ أيفرّك أن يقال (٥) لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله إلا الله"؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم، وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيتُ وجهه استبشر ثم قال: "إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون" (٦)
وهكذا قال حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وغيرهما في تفسير: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا.
وقال السدي: استنصحوا الرجال، وتركوا (٧) كتاب الله وراء ظهورهم.
ولهذا قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا) أي: الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله حل، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ.
(لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي: تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾
(١) زيادة من أ.
(٢) في ت، د، ك: "وحللوا".
(٣) في ت، د، ك: "وقال له".
(٤) في أ: "أيسرك".
(٥) في أ: "ما نقول أيسرك".
(٦) سنن الترمذي برقم (٣٠٩٥) وتفسير الطبري (١٤/ ٢٠٩ - ٢١١) من طريق عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم ﵁، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث".
(٧) في د: "ونبذوا".
يقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب (أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) (١) أي: ما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس، أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل الله به رسوله لا بد أن يتم ويظهر؛ ولهذا قال تعالى مقابلا لهم فيما راموه وأرادوه: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)
والكافر: هو الذي يستر الشيء ويغطيه، ومنه سمي الليل "كافرا"؛ لأنه يستر الأشياء، والزارع كافرا؛ لأنه يغطي الحب في الأرض كما قال: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] (٢)
ثم قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ) فالهدى: هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة، والإيمان الصحيح، والعلم النافع -ودين الحق: هي الأعمال [الصالحة] (٣) الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة.
(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) أي: على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيح، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله زَوَى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها" (٤)
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن أبي يعقوب: سمعت شقيق بن حيان يحدث عن مسعود بن قَبِيصة -أو: قبيصة بن مسعود -يقول: صلى هذا الحي من "مُحَارب" الصبح، فلما صلوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار، إلا من اتقى الله وأدى الأمانة" (٥)
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا سليم بن عامر، عن تميم الداري، ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليبلغن هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله هذا الدين، بعِزِّ عزيز، أو بِذُلِّ ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر"، فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخيرَ والشرفَ والعزَّ، ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية (٦)
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني ابن جابر، سمعت سليم بن عامر قال: سمعت المقداد بن الأسود يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبقى على وجه الأرض بيت مَدَر ولا وَبَر، إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعزِّ عزيز، أو بذلِّ ذليل، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون لها" (٧)
(١) في ت، أ: "ليطفئوا" وهو خطأ.
(٢) في جميع النسخ: "يعجب" والصواب ما أثبتناه.
(٣) زيادة من ك.
(٤) صحيح مسلم برقم (٢٨٨٩) من حديث ثوبان ﵁.
(٥) المسند (٥/ ٣٦٦).
(٦) المسند (٤/ ١٠٣) وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٤): "رجال أحمد رجال الصحيح".
(٧) المسند (٦/ ٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٦٣١) "موارد" من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم عن الوليد بن مسلم به.
وفي المسند أيضا: حدثنا محمد بن أبي عَدِيّ، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي حذيفة، عن عدي بن حاتم سمعه (١) يقول: دخلت على رسول الله ﷺ فقال: "يا عدي، أسلم تسلم". فقلت: إني من أهل دين. قال: "أنا أعلم بدينك منك". فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: "نعم، ألست من الرَّكُوسِيَّة، وأنت تأكل مرباع قومك؟ ". قلت: بلى. قال: "فإن هذا لا يحل لك في دينك". قال: فلم يَعْدُ أن قالها فتواضعت لها، قال: "أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضَعَفَةُ الناس ومن لا قوة له، وقد رَمَتْهم العرب، أتعرف الحيرة؟ " قلت: لم أرها، وقد سمعت بها. قال: "فوالذي نفسي بيده، ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظَّعِينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن (٢) كنوز كسرى بن هرمز". قلت: كسرى بن هرمز؟. قال: "نعم، كسرى بن هرمز، وليُبْذَلنَّ المال حتى لا يقبله أحد". قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده، لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله ﷺ قد قالها (٣).
وقال مسلم: حدثنا أبو معن زيد بن يزيد الرّقَاشِيّ، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة، ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تُعْبَد اللاتُ والعُزّى". فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله، ﷿: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ) إلى قوله: (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) أن ذلك تام، قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ﷿، ثم يبعث الله ريحا طيبة [فيتوفى كلّ من كان في قلبه مثقال حَبَّة خردل من إيمان] (٤) فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" (٥)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾
قال السدي: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى.
وهو كما قال، فإن الأحبار هم علماء اليهود، كما قال تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]
والرهبان: عباد النصارى، والقسيسون: علماؤهم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]
والمقصود: التحذير من علماء السوء وعُبَّاد الضلال (١) كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا كان فيه شبه من النصارى. وفي الحديث الصحيح: "لتركبنّ سَنَن من كان قبلكم حَذْو القُذّة بالقُذّة". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ ". وفي رواية: فارس والروم؟ قال: "وَمَن (٢) الناس إلا هؤلاء؟ " (٣)
والحاصل التحذير من التشبه بهم في أحوالهم وأقوالهم؛ ولهذا قال تعالى: (لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس، يأكلون أموالهم بذلك، كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف، ولهم عندهم خَرْج وهدايا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله رسوله، صلوات الله وسلامه عليه (٤) استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم، طمعا منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات، فأطفأها الله بنور النبوة، وسلبهم إياها، وعوضهم بالذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله.
وقوله تعالى: (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي: وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع الحق، ويُلبسون الحق بالباطل، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعون إلى الخير، وليسوا كما يزعمون، بل هم دعاة إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون.
وقوله: (وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) هؤلاء هم القسم الثالث من رءوس الناس، فإن الناس عالة على العلماء، وعلى العُبَّاد، وعلى أرباب الأموال، فإذا فسدت أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس، كما قال بعضهم (٥)
وَهَل أفْسَدَ الدِّينَ إلا المُلوكُ … وَأحبارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُها؟
وأما الكنز فقال مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه قال: هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة.
وروى الثوري وغيره عن عُبَيد الله (٦) عن نافع، عن ابن عمر قال: ما أُدِّي زكاتُه فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما (٧) كان ظاهرا لا تؤدى زكاته فهو كنز (٨) وقد رُوي هذا عن ابن
(١) في ت، د، ك، أ: "الضلالة".
(٢) في ت، د، أ: "فمن".
(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٥٦) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) في د: "ﷺ".
(٥) هو عبد الله بن المبارك ﵀.
(٦) في أ: "عبد الله".
(٧) في ت، أ: "وإن".
(٨) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٨٢) من طريق سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعا وقال: "ليس هذا بمحفوظ، وإنما المشهور عن سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر موقوفا".
عباس، وجابر، وأبي هريرة موقوفا ومرفوعا (١) وعمر بن الخطاب، نحوه، ﵃: "أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض".
وروى البخاري من حديث الزهري، عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر، فقال: هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله طُهرًا للأموال (٢)
وكذا قال عمر بن عبد العزيز، وعراك بن مالك: نسخها قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]
وقال سعيد بن محمد بن زياد، عن أبي أمامة أنه قال: حلية السيوف من الكنز ما أحدثكم إلا ما سمعت.
وقال الثوري، عن أبي حصين، عن أبي الضُّحَى، عن جَعْدَة بن هبيرة، عن علي، ﵁، قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة، فما كان أكثر منه (٣) فهو كنز.
وهذا غريب. وقد جاء في مدح التقلل من الذهب والفضة وذم التكثر (٤) منهما، أحاديث كثيرة؛ ولنورد منها هنا طرفا يدل على الباقي، فقال عبد الرازق: أخبرنا الثوري، أخبرني أبو حصين، عن أبي الضحى، بن جعدة بن هبيرة، عن علي، ﵁، في قوله: (وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال النبي ﷺ: "تَبّا للذهب، تَبّا للفضة" يقولها ثلاثا، قال: فشق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال: عمر، ﵁، أنا أعلم لكم ذلك فقال: يا رسول الله، إن أصحابك قد شق عليهم [و] (٥) قالوا: فأيَّ مال نتخذ؟ قال: "لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا (٦) وزوجة تعين أحدكم على دينه" (٧)
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني سالم، حدثني عبد الله بن أبي الهُذَيْل، حدثني صاحب لي أن رسول الله ﷺ قال: "تبا للذهب والفضة". قال: فحدثني صاحبي أنه انطلق مع عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، قولك: "تبا للذهب والفضة"، ماذا ندخر؟. قال رسول الله ﷺ: "لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة تُعين على الآخرة" (٨)
(١) أما حديث ابن عباس، فرواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٢٥) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس موقوفا، وأما حديث جابر، فرواه ابن عدي في الكامل (٧/ ١٨٩) من طريق يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ١٢) من طريق خصيف عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا، وأما حديث أبي هريرة، فرواه الترمذي في السنن برقم (٦١٨) قال العراقي: "إسناده جيد".
(٢) صحيح البخاري برقم (١٤٠٤).
(٣) في ت، د، أ: "أكثر من ذلك".
(٤) في ت: "التكثير".
(٥) زيادة من ت، ك، أ.
(٦) في أ: "ذاكرا".
(٧) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/ ٧١) وعزاه لعبد الرزاق في تفسيره بعد أن ذكر من حديث ثوبان وعمر، ثم قال: "الحاصل أنه حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب".
(٨) المسند (٥/ ٣٦٦).
حديث آخر: قال (١) الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة، عن أبيه، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: لما نزل في الفضة والذهب (٢) ما نزل قالوا: فأي المال نتخذ؟ قال [عمر: أنا أعلم ذلك لكم فأوضع (٣) على بعير فأدركه، وأنا في أثره، فقال: يا رسول الله، أي المال نتخذ؟ قال] (٤) ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة تعين أحدكم في (٥) أمر الآخرة ".
ورواه الترمذي، وابن ماجه، من غير وجه، عن سالم بن أبي الجعد (٦) وقال الترمذي: حسن، وحكي عن البخاري أن سالما لم يسمعه من ثوبان.
قلت: ولهذا رواه بعضهم عنه مرسلا والله أعلم.
حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حميد بن مالك، حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي، حدثنا أبي، حدثنا غَيْلان بن جامع المحاربي، عن عثمان أبي اليقظان، عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: (وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) الآية، كَبُر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا أن يترك لولده ما لا يبقى بعده. فقال عمر: أنا أفرِّج عنكم. فانطلق عمر واتبعه ثوبان، فأتى النبي ﷺ فقال: يا نبيَّ الله، إنه قد كَبُر على أصحابك هذه الآية. فقال نبيُّ الله ﷺ: "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم". قال: فكبَّر عمر، ثم قال له النبي ﷺ: "ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته".
ورواه أبو داود، والحاكم في مستدركه، وابن مردويه من حديث يحيى بن يعلى، به (٧) وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس، ﵁، في سفر، فنزل منزلا فقال لغلامه: ائتنا بالشَّفْرَةِ نعْبَث بها. فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخْطمُها وأزمُّها غير كلمتي هذه، فلا تحفظونها (٨) علي، واحفظوا ما أقول لكم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم، إنى أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، وأسألك لسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب" (٩)
(١) في ت، ك: "وقال".
(٢) في ت، ك: "في الذهب والفضة".
(٣) في ت، ك: "أعلم لكم ذلك قال: فأوضع".
(٤) زيادة من ت، د، ك، أوالمسند.
(٥) في ت، د، ك، أ، "علي".
(٦) المسند (٥/ ٢٨٢) وسنن الترمذي برقم (٣٠٩٤) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٥٦).
(٧) سنن أبي داود برقم (١٦٦٤) والمستدرك (٢/ ٣٣٣) قال الذهبي: "وعثمان لا أعرفه والخبر عجيب".
(٨) في ت، د، ك، أ: "تحفظوها".
(٩) المسند (٤/ ١٢٣).
وقوله تعالى: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنزتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنزونَ) أي: يقال لهم هذا الكلام تبكيتا وتقريعا وتهكما، كما في قوله: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٨، ٤٩] أي: هذا بذاك، وهو (١) الذي كنتم تكنزون لأنفسكم؛ ولهذا يقال: من أحب شيئا وقدمه على طاعة الله، عذب به. وهؤلاء لما كان جمع هذه الأموال آثر عندهم من رضا الله عنهم، عذبوا بها، كما كان أبو لهب، لعنه الله، جاهدًا في عداوة الرسول، صلوات الله [وسلامه] (٢) عليه (٣) وامرأته تعينه في ذلك، كانت يوم القيامة عونًا على عذابه أيضا ﴿فِي جِيدِهَا﴾ أي: [في] (٤) عنقها ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] أي: تجمع من الحطب في النار وتلقي عليه، ليكون ذلك أبلغ في عذابه ممن هو أشفق عليه -كان -في الدنيا، كما أن هذه الأموال لما كانت أعز الأشياء على أربابها، كانت أضر الأشياء عليهم في الدار الآخرة، فيحمى عليها في نار جهنم، وناهيك بحرها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم.
قال سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود: والله الذي لا إله غيره، لا يكوى عبد بكنز فيمس دينار دينارًا، ولا درهم درهما، ولكن يوسَّع جلده، فيوضع كل دينار ودرهم على حدته (٥) (٦)
وقد رواه ابن مرْدُويه، عن أبي هريرة مرفوعا، ولا يصح رفعه، والله أعلم.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: بلغني أن الكنز يتحول يوم القيامة شجاعا يتبع صاحبه، وهو يفر منه ويقول: أنا كنزك! لا يدرك منه شيئا إلا أخذه.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدَان بن أبي طلحة، عن ثوبان أن نبي (٧) الله ﷺ كان يقول: "من ترك بعده كنزا مَثَل له يوم القيامة شُجاعًا أقرع له زبيبتَان، يتبعه، يقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته (٨) بعدك! ولا يزال يتبعه حتى يُلقمه يده فَيُقَصْقِصَها (٩) ثم يتبعها سائر جسده".
ورواه ابن حبان في صحيحه، من حديث يزيد، عن سعيد به (١٠) وأصل هذا الحديث في الصحيحين من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ (١١)
(١) في ت، د، ك: "وهذا".
(٢) زيادة من أ.
(٣) في د، ك: "ﷺ".
(٤) زيادة من ك.
(٥) في أ: "جلده".
(٦) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٣٣) من طريق سفيان به.
(٧) في د: "رسول".
(٨) في أ: "كنزته".
(٩) في د، أ: "فيقضمها".
(١٠) تفسير الطبري (١٤/ ٢٣٢) وصحيح ابن حبان برقم (٨٠٣) "موارد" ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٢٢٥٥) من طريق بشر ابن معاذ به.
(١١) صحيح البخاري برقم (٤٦٥٩) ولم أعثر عليه في صحيح مسلم من هذا الطريق.
وفي صحيح مسلم، من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل (١) يوم القيامة صفائح من نار يكوى (٢) بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، ثم يَرَى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" وذكر تمام الحديث (٣)
وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن حُصَيْن، عن زيد بن وهب قال: مررت على أبي ذر بالرَّبَذة، فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض، قال (٤) كنا بالشام، فقرأت: (وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فقال معاوية: ما هذه فينا (٥) ما هذه إلا في أهل الكتاب. قال: قلت: إنها لفينا وفيهم (٦)
ورواه ابن جرير من حديث عبثر بن القاسم، عن حصين، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، ﵁، فذكره وزاد: فارتفع في ذلك بيني وبينه القول، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقبل إليه، قال: فأقبلت، فلما قدمت المدينة ركبني (٧) الناس كأنهم لم يروني قبل يومئذ، فشكوت ذلك إلى عثمان، فقال لي: تَنَحَّ قريبا. قلت: والله لن أدع ما كنت أقول (٨)
قلت: كان من مذهب أبي ذر، ﵁، تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتي [الناس] (٩) بذلك، ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته، فخشي أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان، وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، وأنزله بالربذة وحده، وبها مات، ﵁، في خلافة عثمان. وقد اختبره معاوية، ﵁ (١٠) وهو عنده، هل يوافق عمله قوله؟ فبعث إليه بألف دينار، ففرقها من يومه، ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال: إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك فأخطأت، فهات الذهب! فقال: ويحك! إنها خرجت، ولكن إذا جاء مالي حاسبناك (١١) به.
وهكذا روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنها عامة:
وقال السدي: هي في أهل القبلة.
وقال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها مَلأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكانزين برَضْف يحمى عليه في
نار جهنم، فيوضع على حَلمة ثَدْي أحدهم حتى يخرج من نُغْضِ كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل -قال: فوضع القوم رءوسهم، فما رأيت أحدا منهم رَجَع إليه شيئا -قال: وأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. فقال: إن هؤلاء لا يعلمون شيئا.
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذَرّ: "ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا يمر عليه ثالثة وعندي منه شيء إلا دينار أرصده لدين" (١)
فهذا -والله أعلم-هو الذي حدا أبا ذر على القول بهذا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت، ﵁، أنه كان مع أبي ذر، فخرج عطاؤه ومعه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه، ففضلت معها سبعة، فأمرها أن تشتري به فلوسا. قال: قلت: لو ادخرته للحاجة تَنُوبك وللضيف ينزل بك! قال: إن خليلي عهد إليَّ أنْ أيما ذهب أو فضة أوكِي (٢) عليه، فهو جمر على صاحبه، حتى يفرغه في سبيل الله، ﷿ (٣)
ورواه عن يزيد، عن همام، به وزاد: إفراغا (٤)
وقال الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الشبلي في ترجمته، عن محمد بن مهدي: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن صدقة بن عبد الله، عن طلحة بن زيد، عن أبي فَرْوَة الرّهاوي، عن عطاء، عن أبي سعيد، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "الق الله فقيرًا ولا تلقه غنيا". قال: يا رسول الله، كيف لي بذلك؟ قال: "ما سُئِلتَ فلا تَمْنَع، وما رُزقْت فلا تَخْبَأ"، قال: يا رسول الله، كيف لي بذلك؟ قال رسول الله ﷺ: "هو ذاك وإلا فالنار" (٥) إسناده ضعيف.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا عتيبة، عن بريد بن أصرم (٦) قال: سمعت عليًا، ﵁، يقول: مات رجل من أهل الصُّفَّة، وترك دينارين -أو: درهمين -فقال رسول الله ﷺ: "كيَّتان، صلوا على صاحبكم" (٧)
(١) صحيح البخاري برقم (٦٤٤٤).
(٢) في أ: "أيما ذهبا وفضة أولى".
(٣) المسند (٥/ ١٥٦).
(٤) المسند (٥/ ١٧٥) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٠): "رجاله رجال الصحيح".
(٥) انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٨/ ١٦٨) ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٣٩٠) في ترجمة الشبلى من طريق محمد بن مهدي المصري به.
(٦) في جميع النسخ: "عيينة عن يزيد بن الصرم" والتصويب من المسند.
(٧) المسند (١/ ١٠١).
وقد روي هذا من طرف أخر (١)
وقال قتادة، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي أمامة صُدَي بن عَجْلان قال: مات رجل من أهل الصُّفَّة، فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله ﷺ: "كيَّة". ثم تُوفي رجل آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال رسول الله ﷺ: "كيتان" (٢)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الفراديسي، حدثنا معاوية بن يحيى الأطرابلسي، حدثني أرطاة، حدثني أبو عامر الهَوْزَني، سمعت ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض، إلا جعل الله بكل قيراط صفحة من نار يكوى بها من قدمه إلى ذقنه.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن خداش، حدثنا سيف بن محمد الثوري، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يوضع الدينار على الدينار، ولا الدرهم على الدرهم، ولكن يُوَسَّع جلده فيكوى (٣) بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون" (٤) سيف -هذا -كذاب، متروك.
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾
قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، أخبرنا محمد بن سيرين، عن أبي بَكْرَة، أن النبي ﷺ خطب في حجته، فقال: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة [حرم، ثلاثة] (٥) متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". ثم قال: "أي يوم هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس يوم النحر؟ " قلنا؛ بلى. ثم قال: "أي شهر هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس ذا الحجة؟ " قلنا: بلى. ثم قال: "أي بلد هذا؟ ". قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه،
(١) رواه أحمد في مسنده (١/ ١٣٧، ١٣٨) من طريق قطن بن نسير ومحمد بن عبيد وحبان بن هلال كلهم عن جعفر بن سليمان به نحوه، وجاء من حديث عبد الله بن مسعود رواه أحمد في مسنده (١/ ٤١٢)، وجاء من حديث سلمة بن الأكوع رواه أحمد في مسنده (٤/ ٤٧) من حديث طويل، وجاء من حديث أبي هريرة رواه أحمد في مسنده (٢/ ٤٢٩).
(٢) رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٥٣) والطبري في تفسيره (١٤/ ٢٢٢) من طريق قتادة به.
(٣) في ت: "فتكوى".
(٤) ورواه ابن مردويه كما في الدر المنثور للسيوطي (٤/ ١٧٩).
(٥) زيادة من ت، ك، أ، والمسند.
قال: "أليست البلدة؟ " قلنا: بلى. قال: "فإن دماءكم وأموالكم -قال: وأحسبه قال: وأعراضكم -عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ضُلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب منكم، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من يسمعه (١) (٢)
ورواه البخاري في التفسير وغيره، ومسلم من حديث أيوب، عن محمد -وهو ابن سيرين -عن عبد الرحمن بن أبي بَكْرَة، عن أبيه، به (٣)
وقد قال ابن جرير: حدثنا محمد بن مَعْمَر، حدثنا روح، حدثنا أشعث، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، ورجب مضر بين جمادى وشعبان" (٤)
ورواه البَزَّار، عن محمد بن معمر، به (٥) ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، وقد رواه ابن عَوْن وقُرَّة، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، به.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا زيد بن حُبَاب، حدثنا موسى بن عبيدة الربَذي، حدثني صدقة بن يسار، عن ابن عمر قال: خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق فقال: "أيها الناس، إن الزمان قد استدار، فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، أولهن رَجَب مضر بين جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم" (٦)
وروى ابن مَرْدُويه من حديث موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمرو، مثله أو نحوه.
وقال حماد بن سلمة: حدثني علي بن زيد، عن أبي حُرّة (٧) حدثني الرقاشي، عن عمه -وكانت له صحبة -قال: كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق، أذود الناس عنه، فقال رسول الله ﷺ: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم فلا