سورة التوبة

ซูเราะฮ์ที่ 9 · ตอน 4/10 · เล่ม 4 หน้า 146–160

ج4 · ص146

تظلموا فيهن أنفسكم" (١)

وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) قال: محرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة.

وقوله ﷺ في الحديث: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض"، تقرير منه، صَلَوَات الله وسلامه عليه، وتثبيت للأمر على ما جعله الله تعالى في أول الأمر من غير تقديم ولا تأخير، ولا زيادة ولا نقص، ولا نسيء ولا تبديل، كما قال في تحريم مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة"، وهكذا قال هاهنا: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" أي: الأمر اليوم شرعا كما ابتدأ الله ذلك في كتابه يوم خلق السموات والأرض.

وقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث: إن المراد بقوله: "قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض"، أنه اتفق أن حج رسول الله ﷺ في تلك السنة في ذي الحجة، وأن العرب قد كانت نسأت النسيء، يحجون في كثير من السنين، بل أكثرها، في غير ذي الحجة، وزعموا أن حجة الصديق في سنة تسع كانت في ذي القعدة، وفي هذا نظر، كما سنبينه إذا تكلمنا على النسيء.

وأغرب منه ما رواه الطبراني، عن بعض السلف، في جملة حديث: أنه اتفق حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد، وهو يوم النحر، عام حجة الوداع، والله أعلم.

[حاشية فصل] (٢)

ذكر الشيخ علم الدين السَّخاوي في جزء جمعه سماه "المشهور في أسماء الأيام والشهور": أن المحرم سمي بذلك لكونه شهرا محرما، وعندي أنه سمي بذلك تأكيدا لتحريمه؛ لأن العرب كانت تتقلب به، فتحله عاما وتحرمه عاما، قال: ويجمع على محرمات، ومحارم، ومحاريم.

صفر: سمي بذلك لخلو بيوتهم منه، حين يخرجون للقتال والأسفار، يقال: "صَفِرَ المكان": إذا خلا ويجمع على أصفار كجمل وأجمال.

شهر ربيع أول: سمي بذلك لارتباعهم فيه. والارتباع الإقامة في عمارة الربع، ويجمع على أربعاء كنصيب وأنصباء، وعلى أربعة، كرغيف وأرغفة.

ربيع الآخر: كالأول.

جمادى: سمي بذلك لجمود الماء فيه. قال: وكانت الشهور في حسابهم لا تدور. وفي هذا

(١) رواه أحمد في مسنده (٥/ ٧٢، ٧٣) من طريق حماد بن سلمة بأطول منه.

(٢) زيادة من ك، أ.

ج4 · ص147

نظر؛ إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة، ولا بد من دورانها، فلعلهم سموه بذلك، أول ما سمي عند جمود الماء في البرد، كما قال الشاعر:

وَلَيلَةٍ منْ جُمادى ذَاتِ أنْدِيَة … لا يُبْصِرُ العبدُ في ظَلماتها الطُّنُبَا

لا يَنْبَحُ الكلبُ فيها غَير وَاحدَةٍ … حَتَّى يَلُفَّ عَلَى خُرْطُومه الذَّنَبَا

ويُجمع على جُمَاديات، كحبارى وحُبَاريات، وقد يذكر ويؤنث، فيقال: جمادى الأولى والأول، وجمادى الآخر والآخرة.

رجب: من الترجيب، وهو التعظيم، ويجمع على أرجاب، ورِجَاب، ورَجَبات.

شعبان: من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شَعَابين وشَعْبانات (١)

ورمضان: من شدة الرمضاء، وهو الحر، يقال: "رمضت الفصال": إذا عطشت، ويجمع على رَمَضَانات ورَماضين وأرْمِضَة قال: وقول من قال: "إنه اسم من أسماء الله"؛ خطأ لا يعرج عليه، ولا يلتفت إليه.

قلت: قد ورد فيه حديث؛ ولكنه ضعيف، وبينته في أول كتاب الصيام.

شوال: من شالت الإبل بأذنابها للطراق، قال: ويجمع على شَوَاول وشَوَاويل وشَوَّالات.

القعدة: بفتح القاف -قلت: وكسرها -لقعودهم فيه عن القتال والترحال، ويجمع على ذوات القعدة.

الحجة: بكسر الحاء -قلت: وفتحها -سمي بذلك لإيقاعهم الحج فيه، ويجمع على ذوات الحجة.

أسماء الأيام: أولها الأحد، ويجمع على آحاد، وأُحاد ووحود. ثم يوم الإثنين، ويجمع على أثانين. الثلاثاء: يمد، ويُذَكَّر ويؤنث، ويجمع على ثلاثاوات وأثالث. ثم الأربعاء بالمد، ويجمع على أربعاوات وأرابيع. والخميس: يجمع على أخمسة وأخامس، ثم الجمعة -بضم الميم، وإسكانها، وفتحها أيضا -ويجمع على جُمَع وجُمُعات.

السبت: مأخوذ من السَّبْت، وهو القطع؛ لانتهاء العدد عنده. وكانت العرب تسمي الأيام أول، ثم أهون، ثم جُبَار، ثم دبار، ثم مؤنس، ثم العروبة، ثم شيار، قال الشاعر -من العرب العرباء العاربة المتقدمين -:

أُرَجِّي أن أعيشَ وأن يَومِي … بأوّل أو بأهون أو جُبَار

أو التالي دُبَار فإن أفُْتهُ … فمؤنس أو عروبةَ أو شيار

(١) في ك: "وشعابات".

ج4 · ص148

وقوله تعالى: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) فهذا مما كانت العرب أيضا في الجاهلية (١) تحرمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم، إلا طائفة منهم يقال لهم: "البَسْل"، كانوا يحرمون من السنة ثمانية أشهر، تعمقا وتشديدًا.

وأما قوله: "ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، [فإنما أضافه إلى مضر، ليبين صحة قولهم في رجب أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان] (٢) لا كما كانت تظنه ربيعة من أنَّ رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال، وهو رمضان اليوم، فبين، عليه [الصلاة و] (٣) السلام، أنه رجب مضر لا رجب ربيعة. وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سَرْدٌ وواحد فرد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل شهر الحج شهر، وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحُرِّم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر، وهو المحرم؛ ليرجعوا فيه إلى نائي أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول، لأجل زيارة البيت والاعتمار به، لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا.

وقوله تعالى: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي: هذا هو الشرع المستقيم، من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم، والحَذْو بها على ما سبق في كتاب الله الأول.

وقال تعالى: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنه آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام؛ ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي، وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حَقِّ من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم.

وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، في قوله: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) قال: في الشهور كلها.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) الآية (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) في كلِّهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراما، وعَظم حُرُماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.

وقال قتادة في قوله: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا، من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء. قال: إن الله اصطفى صَفَايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا واصطفى من الكلام ذِكْرَه، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم،

(١) في ت، ك، أ: "جاهليتها".

(٢) زيادة من ت، أ.

(٣) زيادة من ت، أ.

ج4 · ص149

واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فَعَظِّموا ما عظم الله، فإنما تُعَظم الأمور (١) بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل.

وقال الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن الحنفية: بألا تحرموهن كحرمتهن (٢)

وقال محمد بن إسحاق: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) أي: لا تجعلوا حرامها حلالا ولا حلالها حراما، كما فعل أهل الشرك، فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك، زيادة في الكفر ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [التوبة: ٣٧].

وهذا القول اختيار ابن جرير.

وقوله: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) أي: جميعكم (٣) (كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) أي: جميعهم، (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)

وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام: هل هو منسوخ أو محكم؟ على قولين:

أحدهما -وهو الأشهر: أنه منسوخ؛ لأنه تعالى قال هاهنا: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) وأمر بقتال المشركين وظاهر السياق مشعر بأنه أمر بذلك أمرًا عاما، فلو كان محرما ما في الشهر الحرام لأوشك أن يقيده بانسلاخها؛ ولأن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف في شهر حرام -وهو ذو القعدة -كما ثبت في الصحيحين: أنه خرج إلى هوازن في شوال، فلما كسرهم واستفاء أموالهم، ورجع فَلُّهم، فلجئوا إلى الطائف -عَمد إلى الطائف فحاصرها أربعين يوما، وانصرف ولم يفتتحها (٤) فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام.

والقول الآخر: أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام، وأنه لم ينسخ تحريم الحرام، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [الآية] (٥) [المائدة: ٢] وقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤] وقال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [الآية] [التوبة: ٥] (٦)

وقد تقدم أنها الأربعة المقررة في كل سنة، لا أشهر التسيير على أحد القولين.

وأما قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) فيحتمل أنه منقطع عما قبله، وأنه حكم مستأنف، ويكون من باب التهييج والتحضيض، أي: كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم فاجتمعوا أنتم أيضا لهم إذا حاربتموهم، وقاتلوهم بنظير ما يفعلون، ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال

(١) في ت، أ: "يعظم من الأمور".

(٢) في ت: "لحرمتهن".

(٣) في ت: "جميعهم".

(٤) في ت: "يفتحها".

(٥) زيادة من ت، ك، أ.

(٦) زيادة من ت، ك، أ.

ج4 · ص150

المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم، كما قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقال تعالى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩١]، وهكذا الجواب عن حصار رسول الله ﷺ أهل الطائف، واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، فإنه من (١) تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف، فإنهم هم الذين ابتدءوا القتال، وجمعوا الرجال، ودعوا إلى الحرب والنزال، فعندما قصدهم رسول الله ﷺ كما تقدم، فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم، فنالوا من المسلمين، وقتلوا جماعة، واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريبا من أربعين يوما. وكان ابتداؤه في شهر حلال، ودخل الشهر الحرام، فاستمر فيه أياما، ثم قفل عنهم لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وهذا هو أمر مقرر، وله نظائر كثيرة، والله أعلم. ولنذكر الأحاديث الواردة في ذلك (٢) وقد حررنا ذلك في السيرة، والله أعلم (٣)

﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾

هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله، فإنهم كان فيهم من القوة الغضَبِية والشهامة والحمية ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم وتأخيره إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، ليواطئوا عدة الأشهر الأربعة (٤) كما قال شاعرهم -وهو عمير بن قيس المعروف -بجذل الطعان:

لَقَدْ عَلمت مَعد أنَّ قَومِي … كرَامُ النَّاس أنَّ لَهُمْ كِراما

ألسْنا الناسئينَ على مَعد … شُهُورَ الحِل نَجْعلُهَا حَرَاما

فأيّ النَّاسِ لَم تُدْرَك بوتْر؟ … وأيّ النَّاس لم نُعْلك لجاما؟ (٥)

(١) في ت، أ: "في".

(٢) كذا ولم أجد شيئا من ذلك، ورفع في هـ، ك فراغ قدر أربعة أسطر، ووصل الكلام في باقي النسخ.

(٣) في ك: "والحمد لله".

(٤) في ك، أ: "ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة".

(٥) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٤٥).

ج4 · ص151

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) قال: النسيء أنَّ جُنادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم في كل عام، وكان يكنى "أبا ثُمَامة"، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يُحاب ولا يُعاب، ألا وإن صفر العام الأول حلال. فيحله للناس، فيحرم صفرا عاما، ويحرم المحرم عاما، فذلك قول الله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) [إلى قوله: (الكافرين) وقوله (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ)] (١) يقول: يتركون المحرم عاما، وعاما يحرمونه.

وروى العوفي عن ابن عباس نحوه.

وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له، فيقول: يا أيها الناس، إني لا أعاب ولا أحاب، ولا مَرَدّ لما أقول، إنا قد حَرَّمنا المحرم، وأخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول: إنا قد حرمنا صفر، وأخرنا المحرم. فهو قوله: (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) قال: يعني الأربعة (فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) لتأخير هذا الشهر الحرام.

وروي عن أبي وائل، والضحاك، وقتادة نحو هذا.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) الآية، قال: هذا رجل من بني كنانة يقال له: "القَلَمَّس"، وكان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يغيرُ بعضهم على بعض في الشهر الحرام، يلقى الرجل قاتل أبيه ولا يَمُدُّ إليه يده، فلما كان هو، قال: اخرجوا بنا. قالوا له: هذا المحرم! قال: ننسئه العام، هما العام صفران، فإذا كان العام القابل قضينا جعلناهما مُحرَّمين. قال: ففعل ذلك، فلما كان عام قابل قال: لا تغزُوا في صفر، حرموه مع المحرم، هما محرمان.

فهذه صفة غريبة في النسيء، وفيها نظر؛ لأنهم في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط، وفي العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر، فأين هذا من قوله تعالى: (يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ).

وقد روي عن مجاهد صفة أخرى غريبة أيضا، فقال عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) الآية، قال: فرض الله، ﷿، الحج في ذي الحجة. قال: وكان المشركون يسمون الأشهر ذا الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوالا (٢) وذا القعدة. وذو الحجة يحجون فيه مرة أخرى ثم يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفر صفر، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون شوالا رمضان، ثم يسمون ذا القعدة شوالا

(١) زيادة من ت، ك، أ، والطبري.

(٢) في أ: "وشوال".

ج4 · ص152

ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، فيحجون فيه، واسمه عندهم ذو (١) الحجة، ثم عادوا بمثل هذه القصة فكانوا يحجون في كل شهر عامين، حتى وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في القعدة (٢) ثم حج النبي ﷺ حجته التي حج، فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي ﷺ في خطبته: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض".

وهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضا، وكيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة، وأنى هذا؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ الآية [التوبة: ٣]، وإنما نودي بذلك في حجة أبي بكر، فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ ولا يلزم من فعلهم النسيء هذا الذي ذكره، من دوران السنة عليهم، وحجهم في كل شهر عامين؛ فإن النسيء حاصل بدون هذا، فإنهم لما كانوا يحلون شهر المحرم عاما يحرمون عوضه صفرا، وبعده ربيع وربيع إلى آخر [السنة والسنة بحالها على نظامها وعدتها وأسماء شهورها ثم في العام القابل يحرمون المحرم ويتركونه على تحريمه، وبعده صفر، وربيع وربيع إلى آخرها] (٣) فيحلونه عاما ويحرمونه عاما؛ ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، أي: في تحريم أربعة أشهر من السنة، إلا أنهم تارة يقدمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية وهو المحرم، وتارة ينسئونه إلى صفر، أي: يؤخرونه. وقد قدمنا الكلام على قوله ﷺ: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر"، أي: أن الأمر في عدة (٤) الشهور وتحريم ما هو محرم منها، على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي، لا كما يعتمده جهلة العرب، من فصلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن بشر بن سلمة الطبراني، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه قال: وقف رسول الله ﷺ بالعقبة، فاجتمع إليه من شاء الله من المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل (٥) ثم قال: "وإنما النسيء من الشيطان، زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما". فكانوا يحرمون المحرم عاما، ويستحلون صفر (٦) ويستحلون المحرم، وهو النسيء (٧)

وقد تكلم الإمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب "السيرة" كلامًا جيدًا ومفيدًا حسنًا، فقال: كان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحل منها ما حرم الله، وحرم منها ما أحل الله، ﷿، "القَلمَّس"، وهو: حذيفة بن عبد مُدْرِكة فُقَيم (٨) بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن

(١) في ك: "ذا".

(٢) في ك، أ: "ذي القعدة".

(٣) زيادة من ت، ك، أ.

(٤) في ت: "هذه".

(٥) في ت، أ: "بما هو أهله".

(٦) في ت، ك، أ: "صفر منه".

(٧) ورواه أبو الشيخ الأصبهاني كما في الدر المنثور (٥/ ١٨٨).

(٨) في ت، ك، أ: "عبد بن فقيم".

ج4 · ص153

كنانة بن خُزَيمة بن مدْرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعدَّ بن عدنان، ثم قام بعده على ذلك ابنه عَبَّاد ثم من بعد عباد ابنه قَلَع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم، وعليه قام الإسلام. فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيبًا، فحرم رجبا، وذا القعدة، وذا الحجة، ويحل المحرم عاما، ويجعل مكانه صفر، ويحرمه عاما ليواطئ عدة ما حرم الله، فيحل ما حرم الله، يعني: ويحرم ما أحل الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ (٣٨) إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾

هذا شروع في عتاب من تخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحَمَارَّة (١) القيظ، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ) أي: تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار، (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ) أي: ما لكم فعلتم (٢) هكذا أرضا منكم بالدنيا بدلا من الآخرة

ثم زهد ﵎ في الدنيا، ورغب في الآخرة، فقال: (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ) كما قال الإمام أحمد.

حدثنا وَكِيع ويحيى بن سعيد قالا حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن المستَوْرِد أخي بني فِهْر قال: قال رسول الله ﷺ: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل إصبعه هذه في اليم، فلينظر بما ترجع؟ (٣) وأشار بالسبابة.

انفرد بإخراجه مسلم (٤)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مسلم بن (٥) عبد الحميد الحِمْصي، حدثنا الربيع بن رَوْح، حدثنا محمد بن خالد الوهبي، حدثنا زياد -يعني الجصاص -عن أبي عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة، سمعت من إخواني بالبصرة أنك تقول: سمعت نبي الله يقول: "إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة" قال أبو هريرة: بل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف

(١) في أ: "وحماوة".

(٢) في ت، ك، أ: "صنعتم".

(٣) في أ: "يرجع".

(٤) المسند (٤/ ٢٢٨) وصحيح مسلم برقم (٢٨٥٨).

(٥) في أ: "عن".

ج4 · ص154

حسنة" ثم تلا هذه الآية: (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ) (١) (٢)

فالدنيا ما مضى منها وما بقي منها عند الله قليل.

وقال [سفيان] (٣) الثوري، عن الأعمش في الآية: (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ) قال: كزاد الراكب.

وقال عبد العزيز بن أبي حازم (٤) عن أبيه: لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاةُ قال: ائتوني بكفني الذي أكفن فيه، أنظر إليه (٥) فلما وضع بين يديه نَظَر إليه فقال: أمَا لي من كَبِير (٦) ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره فبكى وهو يقول أفٍّ لك من دار. إن كان كثيرُك لقليل، وإن كان قليلك لقصير، وإن كنا منك لفي غرور.

ثم توعد تعالى على ترك الجهاد فقال: (إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) قال ابن عباس: استنفر رسول الله ﷺ حيا من العرب، فتثاقلوا عنه، فأمسك الله عنهم القَطْر فكان عذابهم.

(وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) أي: لنصرة نبيه وإقامة دينه، كما قال تعالى: إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد: ٣٨].

(وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا) أي: ولا تضروا الله شيئًا بتوليكم عن الجهاد، ونُكُولكم وتثاقلكم عنه، (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم.

وقد قيل: إن هذه الآية، وقوله: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وقوله ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] إنهن منسوخات بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] رُوي هذا عن ابن عباس، وعِكْرِمة، والحسن، وزيد بن أسلم. ورده (٧) ابن جرير وقال: إنما هذا فيمن دعاهم رسول الله ﷺ إلى الجهاد، فتعين عليهم ذلك، فلو تركوه لعوقبوا عليه.

وهذا له اتجاه، والله [سبحانه و] (٨) تعالى أعلم [بالصواب] (٩)

﴿إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾

(١) في ت، ك، أ: "ما الحياة" وهو خطأ.

(٢) ورواه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٥/ ١٩٣).

(٣) زيادة من ت، ك، أ.

(٤) في أ: "حاتم".

(٥) في ت: "فيه".

(٦) في ت، ك، أ: "كثير".

(٧) في أ: "ورواه".

(٨) زيادة من ت، أ.

(٩) زيادة من ت، أ.

ج4 · ص155

يقول تعالى: (إِلا تَنْصُرُوهُ) أي: تنصروا رسوله، فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه، كما تولى نصره (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ [إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ]) (١) أي: عام الهجرة، لما هم المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه، فخرج منهم هاربًا صحبة صدِّيقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطَّلَبُ الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيرا نحو المدينة، فجعل أبو بكر، ﵁، يجزع أن يَطَّلع عليهم أحد، فيخلص إلى الرسول، ﵇ (٢) منهم أذى، فجعل النبي ﷺ يُسَكِّنه ويَثبِّته ويقول: " يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا ثابت، عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي ﷺ، ونحن في الغار: لو أن أحدهم (٣) نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. قال: فقال: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما".

أخرجاه في الصحيحين (٤)

ولهذا قال تعالى: (فَأَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) أي: تأييده ونصره عليه، أي: على الرسول في أشهر القولين: وقيل: على أبي بكر، وروي عن ابن عباس وغيره، قالوا: لأن الرسول لم تزل معه سكينة، وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال؛ ولهذا قال: (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) أي: الملائكة، (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا)

قال ابن عباس: يعني (كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا) الشرك و(كَلِمَةُ اللَّهِ) هي: لا إله إلا الله.

وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَمِيَّة، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (٥)

وقوله: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ) أي: في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب، لا يُضام من لاذ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه، (حَكِيمٌ) في أقواله وأفعاله.

﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾

قال سفيان الثوري، عن أبيه، عن أبي الضحَى مسلم بن صَبيح: هذه الآية: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا)

(١) زيادة من ك.

(٢) في ك: "رسول الله ﷺ".

(٣) في ت: "أحدا".

(٤) المسند (١/ ٤) وصحيح البخاري برقم (٣٦٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٣٨١).

(٥) صحيح البخاري برقم (٢٨١٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٤).

ج4 · ص156

أول ما نزل من سورة براءة.

وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حَضْرمي أنه ذكر له أن ناسا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلا أو كبيرا، فيقول: إني لا آثم، فأنزل الله: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) الآية.

أمر الله تعالى بالنفير العام مع الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، عام غزوة تبوك، لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب، وحَتَّم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المَنْشَط والمَكْرَه والعسر واليسر، فقال: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا)

وقال علي بن زيد، عن أنس، عن أبي طلحة: كهولا وشَبَابًا (١) ما أسمع الله عَذَر أحدًا، ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قُتل.

وفي رواية: قرأ (٢) أبو طلحة سورة براءة، فأتى على هذه الآية: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فقال: أرى ربنا يستنفرنا شيوخًا وشَبَابًا (٣) جهزوني يا بَنِيَّ. فقال بنوه: يرحمك الله، قد غزوت مع رسول الله حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك. فأبى، فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير، فدفنوه بها (٤)

وهكذا روي عن ابن عباس، وعِكْرِمة وأبي صالح، والحسن البصري، وشَمْر بن عطية، ومقاتل بن حَيَّان، والشعبي وزيد بن أسلم: أنهم قالوا في تفسير هذه الآية: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) قالوا: كهولا وشبابا (٥) وكذا قال عِكْرِمة والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغير واحد.

وقال مجاهد: شبابا (٦) وشيوخا، وأغنياء ومساكين. كذا قال أبو صالح، وغيره.

وقال الحكم بن عُتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل.

وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) يقول: انفروا نشاطا وغير نشاط. وكذا قال قتادة.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مُجاهد: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) قالوا: فإن فينا الثقيل، وذا الحاجة، والضيعة (٧) والشغل، والمتيسر به أمر، فأنزل الله وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافا وثقالا وعلى ما كان منهم.

(١) في أ: "وشبانا".

(٢) في ت، أ: "وهو في رواية أنه قال: ".

(٣) في أ: "وشبانا".

(٤) في ت، ك: "فيها".

(٥) في ت، ك، أ: "وشبانا".

(٦) في أ: "شبانا".

(٧) في ت: "والصنعة".

ج4 · ص157

وقال الحسن بن أبي الحسن البصري أيضا: في العسر واليسر. وهذا كله من مقتضيات العموم في الآية، وهذا اختيار ابن جرير.

وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: إذا كان النفير إلى دُروب الروم نفرَ الناس إليها خفافا وركبانا، وإذا كان النفير إلى هذه السواحل نفروا إليها خفافا وثقالا ركبانا ومشاة. وهذا تفصيل في المسألة.

وقد روي عن ابن عباس، ومحمد بن كعب، وعطاء الخراساني وغيرهم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.

وقال السدي قوله: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) يقول: غنيًا وفقيرًا، وقويًا وضعيفًا فجاءه رجل يومئذ، زعموا أنه المقداد، وكان عظيما سمينًا، فشكا إليه وسأله أن يأذن له، فأبى فنزلت يومئذ (١) (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) فلما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها فنسخها الله، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١].

وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا أيوب، عن محمد قال: شهد أبو أيوب مع رسول الله ﷺ بدرا ثم لم يتخلف عن غَزاة للمسلمين إلا وهو في آخرين إلا عاما واحدًا قال: وكان أبو أيوب يقول: قال الله: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) فلا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلا (٢)

وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمر السَّكُوني، حدثنا بَقِيَّة، حدثنا حَرِيز، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، حدثني أبو راشد الحُبْراني قال: وافيت المقدام بن الأسود فارس رسول الله ﷺ جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، وقد فضل عنها من عظمه، يريد الغزو، فقلت له: لقد أعذر الله إليك فقال: أتت علينا سورة البعوث (٣) (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) (٤)

وبه قال ابن جرير: حدثني حيان بن زيد الشَّرْعِبي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو، وكان واليا على حمص قِبَل الأفسُوس، إلى الجراجمة فلقيت شيخًا كبيرًا هما، وقد سقط حاجباه على عينيه، من أهل دمشق، على راحلته، فيمن أغار. فأقبلت إليه (٥) فقلت: يا عم، لقد أعذر الله إليك. قال: فرفع حاجبيه (٦) فقال: يا ابن أخي، استنفرنا الله خفافا وثقالا إنه من يحبه الله يبتليه، ثم يعيده الله فيبقيه (٧) وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر، ولم يعبد إلا الله، ﷿ (٨)

(١) في أ: "فنزلت هذه الآية".

(٢) تفسير الطبري (١٤/ ٢٦٧).

(٣) في هـ، ت، د: "البعوث" والمثبت من الطبري.

(٤) تفسير الطبري (١٤/ ٢٦٨).

(٥) في ت، أ: "عليه".

(٦) في ت: "حاجبه".

(٧) في أ: "فيقتنيه".

(٨) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٦٤).

ج4 · ص158

ثم رغب تعالى في النفقة في سبيله، وبذل المهج في مرضاته ومرضاة رسوله، فقال: (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: هذا خير لكم في الدنيا والآخرة، ولأنكم تغرمون في النفقة قليلا فيغنيكم الله أموال عدوكم في الدنيا، مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة، كما قال النبي ﷺ: "وتَكفَّل الله للمجاهد (١) في سبيله إن (٢) توفاه أن يدخله الجنة، أو يرده إلى منزله نائلا ما نال من أجر أو غنيمة" (٣)

ولهذا قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾

ومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد:

حدثنا محمد بن أبي عَدِيّ، عن حميد، عن أنس؛ عن رسول الله ﷺ قال لرجل: "أسلم". قال: أجدني كارها. قال: "أسلم وإن كنت كارها" (٤)

﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾

يقول تعالى موبّخًا للذين تخلفوا عن النبي (٥) ﷺ في غزوة تبوك، وقعدوا عن النبي ﷺ بعد ما استأذنوه في ذلك، مظهرين أنهم ذوو أعذار، ولم يكونوا كذلك، فقال: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا) قال ابن عباس: غنيمة قريبة، (وَسَفَرًا قَاصِدًا) أي: قريبا أيضا، (لاتَّبَعُوكَ) أي: لكانوا جاءوا معك لذلك، (وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) أي: المسافة إلى الشام، (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ) أي: لكم إذا رجعتم إليهم (لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ) أي: لو لم تكن لنا أعذار لخرجنا معكم، قال الله تعالى: (يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)

﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾

(١) في ت: "للمجاهدين".

(٢) في ت: "بأن".

(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٤٦٣) ومسلم في صحيحه برقم (١٨٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁.

(٤) المسند (٣/ ١٠٩).

(٥) في أ: "رسول الله".

ج4 · ص159

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حصين بن [يحيي بن] (١) سليمان الرازي (٢) حدثنا سفيان بن عيينة، عن مِسْعَر (٣) عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) وكذا قال مُوَرِّق العِجْلي وغيره.

وقال قتادة: عاتبه كما تسمعون، ثم أنزل التي في سورة النور، فرخَّص له في أن يأذن لهم إن شاء: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] وكذا رُوي عن عطاء الخراساني.

وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذِنُوا رسول الله فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.

ولهذا قال تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) أي: في إبداء الأعذار، (وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (٤) يقول تعالى: هلا تركتهم لما استأذنوك، فلم تأذن لأحد منهم في القعود، لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرين على القعود عن الغزو [وإن لم تأذن لهم فيه. ولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو] (٥) أحد يؤمن بالله ورسوله، فقال: (لا يَسْتَأْذِنُكَ) أي: في القعود عن الغزو (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ)؛ لأن أولئك يرون الجهاد قربة، ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ) أي: في القعود ممن لا عذر له (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) أي: لا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم، (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ) أي: شكت في صحة ما جئتهم به، (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) أي: يتحيرون، يُقَدِّمُون رجلا ويؤخرون أخرى، وليست لهم قدم ثابتة في شيء، فهم قوم حيارى هَلْكى، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا.

﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾

يقول تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ) أي: معك إلى الغزو (لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) أي: لكانوا تأهبوا له، (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ) أي: أبغض أن يخرجوا معك (٦) قَدرًا، (فَثَبَّطَهُمْ) أي: أخرهم، (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) أي: قدرًا.

(١) زيادة من الجرح والتعديل ٤/ ٢/٣٦٤. مستفادا من هامش ط. الشعب.

(٢) في أ: "الداري".

(٣) في أ: "مشرف".

(٤) في ت: "ويعلم".

(٥) زيادة من ت، ك، أ.

(٦) في ت، ك: "معكم".

ج4 · ص160

ثم بين [الله تعالى] (١) وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين. فقال: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا) أي: لأنهم جبناء مخذولون، (وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة، (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) أي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير.

وقال مجاهد، وزيد بن أسلم، وابن جرير: (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) أي: عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم.

وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم، بل هذا عام في جميع الأحوال، والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق، وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين.

وقال محمد بن إسحاق: كان فيما بلغني -من استأذن -من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبي ابن سلول والجَدُّ بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله، لعلمه بهم: أن يخرجوا معه (٢) فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم، فقال: (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) (٣)

ثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) فأخبر بأنه [يعلم] (٤) ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ ولهذا قال تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا) فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا ومع هذا ما خرجوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨] والآيات في هذا كثيرة.

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾

يقول تعالى محرضا لنبيه ﵇ على المنافقين: (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأمُورَ) أي: لقد أعملوا فكرهم وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك وخذلان دينك وإخماله مدة طويلة،

(١) زيادة من ك.

(٢) في ت: "معهم".

(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٨١).

(٤) زيادة من ت، ك.