سورة التوبة

ซูเราะฮ์ที่ 9 · ตอน 6/10 · เล่ม 4 หน้า 176–190

ج4 · ص176

وعن أبي حازم، عن سهل بن سعد (١) قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أهل الجنة ليتراءون الغُرفة في الجنة، كما تراؤون الكوكب في السماء". أخرجاه في الصحيحين (٢)

ثم ليعلم (٣) أن أعلى منزلة في الجنة مكانٌ يقال له: "الوسيلة" لقربه من العرش، وهو مسكن رسول الله ﷺ من الجنة، كما قال الإمام أحمد [بن حنبل] (٤)

حدثنا عبد الرازق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صليتم علي فسلوا الله لي الوسيلة" قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: "أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو" (٥)

وفي صحيح مسلم، من حديث كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أنى أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة يوم القيامة" (٦)

[وفي صحيح البخاري، من حديث محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة"] (٧)

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا -أو شفيعا -يوم القيامة" (٨)

وفي مسند الإمام أحمد، من حديث سعد (٩) أبي مجاهد الطائي، عن أبي المدله، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قلنا: يا رسول الله، حدثنا عن الجنة، ما بناؤها؟ قال: "لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه" (١٠)

وروي عن ابن عمر مرفوعا، نحوه (١١)

(١) في ت: "سعيد".

(٢) صحيح البخاري برقم (٦٥٥٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٠).

(٣) في ت: "لتعلم".

(٤) زيادة من ت، أ.

(٥) المسند (٢/ ٢٥٦).

(٦) صحيح مسلم برقم (١٣٨٤).

(٧) زيادة من ت، ك، أ. وهو في صحيح البخاري برقم (٦١٤).

(٨) المعجم الأوسط برقم (٦٣٩) "مجمع البحرين".

(٩) في أ: "عن سعد".

(١٠) المسند (٢/ ٣٠٤).

(١١) رواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٩٦) من طريق عمر بن ربيعة عن الحسن البصري عن ابن عمر ﵁ مرفوعا نحو حديث أبي هريرة.

ج4 · ص177

وعند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة لغُرفا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها". فقام أعرابي فقال: يا رسول الله، لمن هي؟ فقال: "لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام" (١)

ثم قال: حديث غريب.

ورواه الطبراني، من حديث عبد الله بن عمرو وأبي مالك الأشعري، كل منهما عن النبي ﷺ، بنحوه (٢) وكل من الإسنادين جيد حسن، وعنده (٣) أن السائل هو "أبو مالك"، فالله أعلم.

وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا هل مُشَمِّر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خَطَر لها، هي -ورب الكعبة -نور يتلألأ وريحانة تَهْتَزّ، وقصر مَشيدٌ، ونهر مُطَّرد، وثمرة نَضِيجة، وزوجة حسناء جَميلة، وحُلَل كثيرة، ومقام في (٤) أبد، في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية". قالوا: نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها، قال: "قولوا: إن شاء الله". فقال القوم: إن شاء الله. رواه ابن ماجه (٥)

وقوله تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) أي: رضا الله عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم، كما قال الإمام مالك، ﵀، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدْري، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله، ﷿، يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك يا ربنا وسعديك، والخير في يدك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تُعط أحدا من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا" أخرجاه من حديث مالك (٦)

وقال أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي: حدثنا الفضل الرُّخاميّ، حدثنا الفِرْياني، عن سفيان، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله، ﷿: هل تشتهون شيئا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا، ما خير مما أعطيتنا؟ قال: رضواني أكبر".

(١) سنن الترمذي برقم (٢٥٢٧).

(٢) أما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فرواه أيضا الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٧٣) من طريق حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو ﵄. وأما حديث أبي مالك الأشعري فهو في المعجم الكبير (٣/ ٣٠١) وسيأتي عند تفسير الآية: ٢٠ من سورة الزمر.

(٣) في أ: "وعنه".

(٤) في ت: "ومقام به في".

(٥) سنن ابن ماجه برقم (٤٣٣٢) من طريق الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى، عن كريب، عن أسامة بن زيد به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٣٢٥): "هذا إسناد فيه مقال".

(٦) صحيح البخاري برقم (٦٥٤٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٩).

ج4 · ص178

ورواه البزار في مسنده، من حديث الثوري (١) وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه "صفة الجنة": هذا عندي على شرط الصحيح، والله أعلم.

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)﴾

أمر تعالى رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة. وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول الله ﷺ بأربعة أسياف، سيف للمشركين: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وسيف للكفار أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وسيف للمنافقين: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩] وسيف للبغاة: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]

وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف (٢) إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير.

وقال ابن مسعود في قوله تعالى: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) قال: بيده، [فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه] (٣) فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه.

وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وأذهب الرفق عنهم.

وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف، واغلظ على المنافقين بالكلام، وهو مجاهدتهم. وعن مقاتل، والربيع مثله.

وقال الحسن وقتادة: مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم.

وقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال، لأنه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا بحسب الأحوال، والله أعلم.

وقوله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي، وذلك أنه اقتتل رجلان: جُهَني وأنصاري، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد

(١) ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٣٨) والحاكم في المستدرك (١/ ٨٢) من طريق محمد بن يوسف الفريابي به نحوه، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".

(٢) في أ: "بالسيف".

(٣) زيادة من ت، ك، أ، والطبري.

ج4 · ص179

الله للأنصار: ألا تنصروا أخاكم؟ والله (١) ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: "سمِّن كلبك يأكلك"، وقال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي ﷺ، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله فيه هذه الآية (٢)

وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة قال: فحدثنا عبد الله بن الفضل، أنه سمع أنس بن مالك، ﵁، يقول: حزنت على من أصيب بالحرَّة من قومي، فكتب إلي زيد بن أرقم، وبلغه شدة حزني، يذكر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "اللهم، اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار" -وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار -قال ابن الفضل: فسأل أنسا بعض من كان عنده زيد بن أرقم، فقال: هو الذي يقول له رسول الله ﷺ: "أوفى الله له بأذنه". وذاك حين سمع رجلا من المنافقين يقول -ورسول الله ﷺ يخطب -: لئن كان هذا صادقا فنحن (٣) شر من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فهو والله صادق، ولأنت شر من الحمار. ثم رُفع ذلك إلى رسول الله، فجحده القائل، فأنزل الله هذه الآية تصديقا لزيد -يعني قوله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا) الآية.

رواه البخاري في صحيحه، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة. إلى قوله: "هذا الذي أوفى الله له بأذنه" (٤) ولعل ما بعده من قول موسى بن عقبة، وقد رواه محمد بن فُلَيح، عن موسى بن عقبة بإسناده ثم قال: قال ابن شهاب. فذكر ما بعده عن موسى، عن ابن شهاب.

والمشهور في هذه القصة أنها كانت في غزوة بني المصطلق، فلعل الراوي وَهَم في ذكر الآية، وأراد أن يذكر غيرها فذكرها، والله أعلم.

[حاشية] (٥)

قال "الأموي" في مغازيه: حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن جده قال: لما قدم رسول الله ﷺ، أخذني قومي فقالوا: إنك امرؤ شاعر، فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله ﷺ ببعض العلة، ثم يكون ذنبا تستغفر الله منه. وذكر الحديث بطوله، إلى أن قال: وكان ممن تخلف من المنافقين، ونزل فيه القرآن منهم، ممن كان مع النبي ﷺ: الجُلاس بن سُوَيد بن الصامت، وكان على أم عُمَير بن سعد، وكان عمير في حجره، فلما نزل القرآن وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين، قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقا فيما يقول لنحن شر من الحمير [قال] (٦) فسمعها عمير بن سعد فقال: والله -يا جلاس -إنك لأحب

(١) في ت: "فوالله".

(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٣٦٤).

(٣) في ك: "لنحن".

(٤) صحيح البخاري برقم (٤٩٠٦).

(٥) زيادة من ك.

(٦) زيادة من ك.

ج4 · ص180

الناس إلي، وأحسنهم عندي بلاء، وأعزهم علي أن يصله (١) شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن كتمتها لتهلكني، ولإحداهما أهون علي من الأخرى. فمشى إلى رسول الله ﷺ، فذكر له ما قال الجلاس. فلما بلغ ذلك الجلاس خرج حتى يأتي النبي ﷺ، فحلف بالله ما قال ما قال عمير بن سعد، ولقد كذب علي. فأنزل الله، ﷿، فيه: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) إلى آخر الآية. فوقفه رسول الله ﷺ عليها. فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته، ونزع فأحسن النزوع (٢) هكذا جاء هذا "مدرجا" في الحديث متصلا به، وكأنه والله أعلم من كلام ابن إسحاق نفسه، لا من كلام كعب بن مالك.

وقال عروة بن الزبير: نزلت هذه الآية في الجلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مُصعب من قُبَاء، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقا فنحن أشر من حُمُرنا هذه التي نحن عليها. فقال مصعب: أما والله -يا عدو الله -لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت: فأتيت النبي ﷺ، وخفت أن ينزل في القرآن (٣) أو تصيبني قارعة، أو أن أخلط (٤) بخطيئته، فقلت: يا رسول الله، أقبلت أنا والجلاس من قباء، فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أخلط (٥) بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك. قال: فدعا الجلاس فقال: "يا جلاس، أقلت الذي قاله مصعب؟ " فحلف، فأنزل الله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) الآية.

وقال محمد بن إسحاق: كان الذي قال تلك المقالة -فيما بلغني -الجلاس بن سويد بن الصامت، فرفعها عليه رجل كان في حجره، يقال له: عمير بن سعيد، فأنكرها، فحلف بالله ما قالها: فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع وحسنت توبته، فيما بلغني.

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في ظل شجرة فقال: "إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني الشيطان، فإذا جاء فلا تكلموه". فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: "علام تشتمني أنت وأصحابك؟ " فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا، حتى تجاوز عنهم، فأنزل (٦) الله، ﷿: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا) الآية (٧)

وذلك بَيِّنٌ فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب "دلائل النبوة" من حديث محمد بن إسحاق، عن الأعمش عن عمرو بن مُرة، عن [أبي] (٨) البختري، عن حذيفة بن اليمان، رضي الله

(١) في ك: "يصله إليه".

(٢) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٥١٩).

(٣) في ك: "قرآنا".

(٤) في أ: "أختلط".

(٥) في ت، أ: "أختلط".

(٦) في ت، ك: "وأنزل".

(٧) تفسير الطبري (١٤/ ٣٦٣).

(٨) زيادة من ت، أ، والدلائل.

ج4 · ص181

عنه، قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به، وعمار يسوق الناقة -أو أنا: أسوقه، وعمار يقوده -حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله ﷺ [بهم] (١) فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله ﷺ: "هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا يا رسول الله، قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب. قال: "هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون (٢) ما أرادوا؟ " قلنا: لا. قال: "أرادوا أن يزحموا (٣) رسول الله في العقبة، فيلقوه منها". قلنا: يا رسول الله، أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: "لا أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقوم حتى [إذا] (٤) أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم"، ثم قال: "اللهم ارمهم بالدبيلة". قلنا: يا رسول الله، وما الدبيلة؟ قال: "شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك" (٥)

وقال الإمام أحمد، ﵀: حدثنا يزيد، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع، عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، أمر مناديا فنادى: إن رسول الله ﷺ أخذ العقبة فلا يأخذها أحد. فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة ويسوقه عمار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله، وأقبل عمار، ﵁، يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله (٦) ﷺ لحذيفة: "قد، قد" حتى هبط رسول الله ﷺ، [فلما هبط] (٧) نزل ورجع عمار، فقال: "يا عمار، هل عرفت القوم؟ " فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال: "هل تدري ما أرادوا؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ فيطرحوه". قال: فسار عمار رجلا من أصحاب النبي ﷺ فقال: نشدتك (٨) بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر. فقال: إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر. قال: فعذر (٩) رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله، وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (١٠)

وهكذا روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة بن الزبير نحو هذا، وأن رسول الله ﷺ أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي، وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون، وهم متلثمون، فأرادوا سلوك العقبة، فأطلع الله على مرادهم رسول الله (١١) ﷺ، فأمر حذيفة فرجع

(١) زيادة من ت، أ، والدلائل.

(٢) في أ: "ترون".

(٣) في ك: "يزاحموا".

(٤) زيادة من ت، ك، أ، والدلائل.

(٥) دلائل النبوة (٥/ ٢٦٠).

(٦) في ت، ك: "النبي".

(٧) زيادة من ت، ك، أ، والمسند.

(٨) في أ: "أنشدك".

(٩) في أ: "فعد".

(١٠) المسند (٥/ ٤٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٩٥): "رجاله رجال الصحيح".

(١١) في ت، ك، أ: "رسوله".

ج4 · ص182

إليهم، فضرب وجوه رواحلهم، ففزعوا ورجعوا مقبوحين، وأعلم رسول الله ﷺ حذيفة وعمارا بأسمائهم، وما كانوا هموا به من الفتك (١) به، صلوات الله وسلامه عليه، وأمرهما أن يكتما عليهم (٢)

وكذلك روى يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق، إلا أنه سَمّى جماعة منهم، فالله أعلم (٣)

وكذا قد حكي (٤) في معجم الطبراني، قاله البيهقي. ويشهد لهذه القصة بالصحة، ما رواه مسلم:

حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أبو أحمد الكوفي، حدثنا الوليد بن جُمَيع، حدثنا أبو الطفيل قال: كان [بين] (٥) رجل من أهل العقبة [وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله، كم كان أصحاب العقبة] (٦) قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك. قال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم (٧) خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ، ولا علمنا بما أراد القوم. وقد كان في حرة فمشى، فقال: "إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد"، فوجد قوما قد سبقوه، فلعنهم (٨) يومئذ (٩)

وما رواه مسلم أيضا، من حديث قتادة، عن أبي نَضْرة، عن قيس بن عباد، عن عمار بن ياسر قال: أخبرني حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: "في أصحابي اثنا عشر منافقا، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها حتى يلج [الجمل] (١٠) في سم الخياط: ثمانية تكفيكهم الدُّبَيْلة: سراج من نار يظهر بين أكتافه حتى ينجم من صدورهم" (١١)

ولهذا كان حذيفة يقال له: "صاحب السر، الذي لا يعلمه غيره" أي: من تعيين جماعة من المنافقين، وهم هؤلاء، قد أطلعه عليهم رسول الله ﷺ دون غيره، والله أعلم. وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة، ثم روى عن علي بن عبد العزيز، عن الزبير بن بكار أنه قال: هم مُعَتِّب بن قشير، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نَبْتَل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قَيْظِي، والحارث بن سُوَيْد،

(١) في ت: "القتل".

(٢) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٥٦).

(٣) دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٢٥٧).

(٤) في ت، أ: "وقع".

(٥) زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.

(٦) زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.

(٧) في ك: "فقد كانوا".

(٨) في أ: "فلعنوه".

(٩) صحيح مسلم برقم (٢٧٧٩).

(١٠) زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.

(١١) صحيح مسلم برقم (٢٧٧٩).

ج4 · ص183

وسعد بن زرارة (١) وقيس بن فهد، وسويد وداعس من بني الحبلي، وقيس بن عمرو بن سهل، وزيد بن اللصيت، وسلالة بن الحمام، وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام (٢)

وقوله: (وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن سفارته، ولو تمت عليهم السعادة لهداهم الله لما جاء به، كما قال، ﵇ (٣) للأنصار: "ألم أجدكم ضُلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن.

وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب كما قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وكما قال، ﵇ (٤) ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله".

ثم دعاهم الله ﵎ إلى التوبة فقال: (فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) أي: وإن يستمروا على طريقهم (يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا) أي: بالقتل والهم والغم، (والآخرة) أي: بالعذاب والنكال والهوان والصغار، (وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) أي: وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم، ولا يحصل لهم خيرا، ولا يدفع عنهم شرا.

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾

يقول تعالى: ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه: لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله، وليكونن من الصالحين. فما وفى بما قال، ولا صدق فيما ادعى، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقا سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون (٥) الله، ﷿، يوم القيامة، عياذا بالله من ذلك.

وقد ذكر كثير من المفسرين، منهم ابن عباس، والحسن البصري: أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في "ثعلبة بن حاطب الأنصاري".

وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير هاهنا وابن أبي حاتم، من حديث مُعان (٦) بن رِفَاعة، عن علي بن يزيد، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن، مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية، عن أبي أمامة الباهلي، عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أنه قال لرسول الله ﷺ: ادع الله أن يرزقني

(١) في ك: "وابرة".

(٢) المعجم الكبير (٣/ ١٦٥ - ١٦٧).

(٣) في أ: "ﷺ".

(٤) في أ: "ﷺ".

(٥) في ت، ك، أ، هـ: "إلى يوم يلقوا" وهو خطأ، والصواب: في جميع النسخ: "يلقوا" والصواب ما أثبتناه "إلى يوم يلقون"؛ لأن الفعل المضارع لم يسبق بناصب ولا بجازم.

(٦) في ت: "معاذ".

ج4 · ص184

مالا. فقال رسول الله ﷺ: "ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه". قال: ثم قال مرة أخرى، فقال: "أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت". قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه. فقال رسول الله ﷺ: "اللهم ارزق ثعلبة مالا". قال: فاتخذ غنما، فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، فنزل واديا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكَثُرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة. فطفق يتلقى الركبان (١) يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله ﷺ: "ما فعل ثعلبة"؟ فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة. فأخبروه بأمره فقال: "يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة". وأنزل الله جل ثناؤه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣] قال: ونزلت عليه فرائض الصدقة، فبعث رسول الله ﷺ رجلين على الصدقة: رجلا من جُهَيْنَة، ورجلا من سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: "مُرا بثعلبة، وبفلان -رجل من بني سليم -فخذا صدقاتهما". فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ، فقال: ما هذه إلا جزية. ما هذه إلا أخت الجزية. ما أدري ما هذا انطلقا حتى تفرُغا ثم عُودا إلي. فانطلقا وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما (٢) بها فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى، فخذوها، فإن نفسي بذلك طيبة، وإنما هي له. فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مَرَّا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما فنظر فيه، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية. انطلقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى أتيا النبي (٣) ﷺ، فلما رآهما قال: "يا ويح ثعلبة" قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي، فأنزل الله، ﷿: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ) إلى قوله: (وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) قال: وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة. قد أنزل الله فيك كذا وكذا. فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ﷺ، فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك". فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال له رسول الله ﷺ: " [هذا] (٤) عملك، قد أمرتك فلم تطعني". فلما أبى أن يقبض رسول الله ﷺ رجع إلى منزله، فقُبِض رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئا. ثم أتى أبا بكر، ﵁، حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله، وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي. فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ، وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكر ولم يقبلها. فلما وَلِي عمر، ﵁، أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل صدقتي. فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر، وأنا (٥) أقبلها منك! فقبض ولم يقبلها؛ ثم ولي عثمان، ﵁، [فأتاه] (٦) فسأله أن يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها

(١) في ت، أ: "الركاب".

(٢) في ت، ك، أ: "استقبلهم".

(٣) في ت: "رسول الله".

(٤) زيادة من ت، ك، أ، والطبري.

(٥) في ت، ك: "فأنا".

(٦) زيادة من ت، ك، أ، والطبري.

ج4 · ص185

رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر، وأنا أقبلها منك! فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان (١)

وقوله تعالى: (بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) أي: أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم، كما جاء في الصحيح، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (٢) وله شواهد كثيرة، والله أعلم.

وقوله: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ) يخبرهم تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها، فإنه أعلم بهم من أنفسهم؛ لأنه تعالى علام الغيوب، أي: يعلم كل غيب وشهادة، وكل سر ونجوى، ويعلم ما ظهر وما بطن.

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾

وهذه أيضا من صفات المنافقين: لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا. كما قال البخاري:

حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو النعمان البصري، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائى. وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا. فنزلت (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ) الآية.

وقد رواه مسلم أيضا في صحيحه، من حديث شعبة به (٣)

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا الجريري، عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل في

(١) تفسير الطبري (١٤/ ٣٧٠) وقد أنكر العلماء هذه القصة وقالوا ببطلانها، فممن قال بذلك الإمام ابن حزم، قال في المحلى (١١/ ٢٠٧، ٢٠٨): "على أنه قد روينا أثرا لا يصح وأنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، وهذا باطل؛ لأن ثعلبة بدري معروف، ثم ساق الحديث بإسناده من طريق معان بن رفاعة عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة وقال: "وهذا باطل لا شك؛ لأن الله أمر بقبض زكوات أموال المسلمين، وأمر ﵇ عند موته ألا يبقى في جزيرة العرب دينان فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلما ففرض على أبي بكر وعمر قبض زكاته ولا بد ولا فسحة في ذلك، وإن كان كافرا ففرض ألا يبقى في جزيرة العرب فسقط هذا الأثر بلا شك، وفي رواته معان بن رفاعة، والقاسم بن عبد الرحمن وعلي بن يزيد - هو ابن عبد الملك - وكلهم ضعفاء. وللفاضل عداب الحمش رسالة في نقد هذه القصة جمع فيها أقوال أهل العلم فيها سماها "ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه".

(٢) صحيح البخاري برقم (٣٣) وصحيح مسلم برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة، ﵁.

(٣) صحيح البخاري برقم (١٤١٥) وصحيح مسلم برقم (١٠١٨).

ج4 · ص186

مجلسنا بالبقيع فقال: حدثني أبي -أو: عمي أنه رأى رسول الله ﷺ بالبقيع، وهو يقول: "من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة"؟ قال: فحللت من عمامتي لوثا أو لوثين، وأنا أريد أن أتصدق بهما، فأدركني ما يدرك ابن آدم، فعقدت على عمامتي. فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلا أشد سوادا [ولا] (١) أصغر منه، ولا أدمَّ ببعير (٢) ساقه، لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها، فقال: يا رسول الله، أصدقة؟ قال: "نعم" فقال: دونك هذه الناقة. قال: فلمزه رجل فقال: هذا يتصدق بهذه فوالله لهي خير منه. قال: فسمعها رسول الله ﷺ فقال: "كذبت بل هو خير منك ومنها" ثلاث مرات، ثم قال: "ويل لأصحاب المئين من الإبل" ثلاثا. قالوا: إلا من يا رسول الله؟ قال: "إلا من قال بالمال هكذا وهكذا"، وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله، ثم قال: "قد أفلح المزهد المجهد" ثلاثا: المزهد في العيش، المجهد في العبادة (٣)

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية، وقال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله ﷺ وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء. وقالوا: إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع (٤)

وقال العوفي، عن ابن عباس: إن رسول الله ﷺ خرج إلى الناس يوما فنادى فيهم: أن اجمعوا صدقاتكم. فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله، هذا صاع من تمر بت ليلتي أجر بالجرير الماء، حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما، وأتيتك بالآخر. فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره في الصدقات. فسخر منه رجال، وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا. وما يصنعان (٥) بصاعك من شيء. ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله ﷺ: هل بقي أحد من أهل الصدقات؟ فقال "لا" (٦) فقال له عبد الرحمن بن عوف: فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات. فقال له عمر بن الخطاب، ﵁: أمجنون أنت؟ قال: ليس بي جنون. قال: فعلت (٧) ما فعلت؟ قال: نعم، مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأقرضها ربي، وأما أربعة آلاف فلي. فقال له رسول الله ﷺ: "بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت". ولمزه المنافقون فقالوا: والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء. وهم كاذبون، إنما كان به متطوعا، فأنزل الله، ﷿، عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر، فقال تعالى في كتابه: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ) الآية.

وكذا روي عن مجاهد، وغير واحد.

وقال ابن إسحاق: كان المطوعون من المؤمنين في الصدقات: عبد الرحمن بن عوف، تصدق

(١) زيادة من أ، والمسند.

(٢) في ت، ك، أ: "بعير".

(٣) المسند (٥/ ٣٤).

(٤) رواه الطبري في تفسيرة (١٤/ ٣٨٢).

(٥) في ت، ك، أ: "يصنعون".

(٦) في ت، ك: "لا لم يبق أحد غيرك".

(٧) في ت، أ: "فقال أفعلت".

ج4 · ص187

بأربعة آلاف درهم، وعاصم بن عدي أخا بني العجلان، وذلك أن رسول الله ﷺ رغب في الصدقات، وحض عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف، وقام عاصم فتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء. وكان الذي تصدق بجهده: أبو عقيل أخو بني أنيف الإراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة، فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عَقيل.

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا أبو عَوَانة، عن عمر (١) بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثا". قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله، عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي. فقال رسول الله ﷺ: "بارك الله لك فيما أعطيت (٢) وبارك لك فيما أمسكت". وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر، فقال: يا رسول الله، أصبت صاعين من تمر: صاع أقرضه (٣) لربي، وصاع لعيالي. قال: فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء! وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا؟ فأنزل الله: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ [سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ]) (٤) الآية (٥)

ثم رواه عن أبي كامل، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه مرسلا (٦) قال: ولم يسنده أحد إلا طالوت.

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحُبَاب، عن موسى بن عبيدة، حدثني خالد بن يسار، عن ابن أبي عقيل، عن أبيه قال: بت أجر الجرير على ظهري، على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به، وجئت بالآخر أتقرب [به] (٧) إلى رسول الله ﷺ فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: "انثره في الصدقة". قال: فسخر القوم وقالوا: لقد كان الله غنيا عن صدقة هذا المسكين. فأنزل الله: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ) الآيتين (٨)

(١) في أ: "عمرو".

(٢) في ك: "أعطيته".

(٣) في ت: "أقرضته".

(٤) زيادة من ت، ك، أ.

(٥) مسند البزار برقم (٢٢١٦) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٢): "وفيه عمرو بن أبي سلمة، وثقه العجلي، وأبو خيثمة وابن حبان وضعفه شعبة وغيره، وبقية رجالهما ثقات".

(٦) مسند البزار برقم (٢٢١٦) "كشف الأستار" قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٣٢) بعد أن ساق هذه الرواية المرسلة: "وكذلك أخرجه عبد بن حميد عن يونس بن محمد عن أبي عوانة، وأخرجه ابن أبي حاتم والطبري وابن مردويه من طرق أخرى عن أبي عوانة مرسلا".

(٧) زيادة من ت، أ، والطبري.

(٨) تفسير الطبري (١٤/ ٣٨٨).

ج4 · ص188

وكذا رواه الطبراني من حديث زيد بن الحباب (١) به. وقال: اسم أبي عقيل: حباب. ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة.

وقوله: (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) وهذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر بهم، انتصارا للمؤمنين في الدنيا، وأعد للمنافقين في الآخرة عذابا أليما.

﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾

يخبر تعالى نبيه ﷺ بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلا للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم، ولو سبعين مرة فإن الله لا يغفر لهم.

وقد قيل: إن السبعين إنما ذكرت حسما لمادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها.

وقيل: بل لها مفهوم، كما روى العوفي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لما نزلت هذه الآية: "أسمع ربي قد رخص لي فيهم، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة، لعل الله أن يغفر لهم! " فقال الله من شدة غضبه عليهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦]

وقال الشعبي: لما ثَقُل عبد الله بن أبي، انطلق ابنه إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي قد احتضر، فأحب أن تشهده وتصلي عليه. فقال النبي ﷺ: "ما اسمك". قال الحباب بن عبد الله. قال: "بل أنت عبد الله بن عبد الله، إن الحباب اسم شيطان". قال: فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو عرق، وصلى عليه، فقيل له: أتصلي عليه [وهو منافق] (٢)؟ قال: "إن الله قال: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) ولأستغفرن له سبعين وسبعين وسبعين".

وكذا روي عن عُرْوَة بن الزبير ومجاهد بن جُبَير، وقتادة بن دِعَامة. رواها ابن جرير بأسانيده.

(١) المعجم الكبير (٤/ ٤٥) وقد وقع فيه: "عن زيد بن الحباب عن خالد بن يسار" فأسقط موسى بن عبيدة في رواية؛ ولذا قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٣): "رجاله ثقات إلا أن خالد بن يسار لم أجد من وثقه ولا جرحه" لكن الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/ ٨٨) عزاه للطبراني في معجمه من طريق موسى بن عبيدة عن خالد بن يسار، فلعله سقط من نسخ الطبراني أو توهم فيه الزيلعي. تنبيه: كذا وقع هنا وعند الطبراني: "اسم أبي عقيل حباب"، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/ ٣٨٩): "كذا وقع عند الطبراني، والصواب حبحاب".

(٢) زيادة من ت، أ.

ج4 · ص189

﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾

يقول تعالى ذَامّا للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وفرحوا بمقعدهم (١) بعد خروجه، (وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا) معه (بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا) أي: بعضهم لبعض: (لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ)؛ وذلك أن الخروج في (٢) غزوة تبوك كان في شدة الحر، عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا (٣) (لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ) قال الله تعالى لرسوله: (قل) لهم: (نَارُ جَهَنَّمَ) التي تصيرون إليها بسبب مخالفتكم (أَشَدُّ حَرًّا) مما فررتم منه من الحر، بل أشد حرا من النار، كما قال الإمام مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "نار بني آدم التي يوقدون بها جزءٌ من سبعين جزءًا [من نار جهنم" فقالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية. قال (٤) إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا] (٥) أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، به (٦)

وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي (٧) ﷺ قال: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل [الله] (٨) فيها منفعة لأحد" (٩) وهذا أيضا إسناده صحيح (١٠)

وقد روى الإمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه، عن عباس الدوري، عن يحيى بن أبي بكير (١١) عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أوقد على النار ألف سنة حتى احمرَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل المظلم". ثم قال الترمذي: لا أعلم أحدا رفعه غير يحيى (١٢)

كذا قال. وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن الحسين بن

(١) في ت، أ: "بقعودهم".

(٢) في ت، أ: "إلى".

(٣) في ك: "قال".

(٤) في ت، ك، أ: "فقال".

(٥) زيادة من ت، ك، أ، والموطأ.

(٦) الموطأ (٢/ ٩٩٤) وصحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤٣) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد به.

(٧) في ك: "أن رسول الله".

(٨) زيادة من ت، ك، أ،. والمسند.

(٩) المسند (٢/ ٢٤٤).

(١٠) في ت، أ: "إسناد جيد صحيح".

(١١) في أ: "بكر".

(١٢) سنن الترمذي برقم (٢٥٩١) وسنن ابن ماجه برقم (٤٣٢٠) وقال الترمذي: "حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن شريك".

ج4 · ص190

مكرم، عن عبيد الله بن سعد (١) عن عمه، عن شريك -وهو ابن عبد الله النخعي -به. وروى أيضا ابن مردويه من رواية مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس قال: تلا رسول الله ﷺ: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قال: "أُوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء كالليل، لا يضيء لهبها" (٢)

وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث تمام بن نَجِيح -وقد اختلف فيه -عن الحسن، عن أنس مرفوعا: "لو أن شرارة بالمشرق -أي من نار جهنم -لوجد حرها مَنْ بالمغرب" (٣)

وروى الحافظ أبو يعلى عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن أبي عبيدة الحداد، عن هشام بن حسان (٤) عن محمد بن شبيب، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جُبَير، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لو كان هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه، لاحترق المسجد ومن فيه" (٥) غريب.

وقال الأعمش عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لمن له نعلان وشِرَاكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، لا يرى أحدا من أهل النار أشدُّ عذابا منه، وإنه أهونهم عذابا". أخرجاه في الصحيحين، من حديث الأعمش (٦)

وقال مسلم أيضا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر (٧) حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش (٨) عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أدنى أهل النار عذابا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار، يغلي دماغه من حرارة نعليه" (٩)

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن ابن عجلان، سمعت أبي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن أدنى أهل النار عذابا رجل يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه" (١٠)

وهذا إسناد جيد قوي، رجاله على شرط مسلم، والله أعلم.

(١) في ت، ك، أ: "سعيد".

(٢) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٩٩) من طريق سهل بن حماد عن مبارك بن فضالة به نحوه.

(٣) المعجم الأوسط برقم (٤٨٤١) "مجمع البحرين" وأشار الحافظ هنا إلى الاختلاف في حال تمام بن نجيح، قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٦٢): "في إسناده احتمال للتحسين".

(٤) في جميع النسخ: "حسام" والتصويب من أبي يعلى.

(٥) مسند أبي يعلى (١٢/ ٢٢) ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٠٧) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل به، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٦٣): "إسناده حسن، وفي متنه نكارة".

(٦) صحيح البخاري برقم (٦٥٦٢) وصحيح مسلم برقم (+٢١٣).

(٧) في أ: "بكر".

(٨) في أ: "عباس".

(٩) صحيح مسلم برقم (٢١١).

(١٠) المسند (٢/ ٤٣٨).