سورة المائدة
ซูเราะฮ์ที่ 5 · ตอน 7/16 · เล่ม 3 หน้า 95–109
ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا) قال: كان قوم من أهل الكتاب، بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخيَّر الله رسوله: إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن تقطع (١) أيديهم وأرجلهم من خلاف. رواه ابن جرير.
وروى شعبة، عن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن مُصْعَب بن سعد، عن أبيه قال: نزلت في الحرورية: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا) رواه ابن مردويه.
والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات، كما رواه البخاري ومسلم (٢) من حديث أبي قِلابة -واسمه عبد الله بن زيد الجَرْمي البصري-عن أنس بن مالك: أن نفرًا من عُكْل ثمانية، قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض (٣) وسَقَمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها؟ " فقالوا: بلى. فخرجوا، فشربوا من أبوالها وألبانها، فَصَحُّوا (٤) فقتلوا الراعي وطردوا الإبل. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم، فأُدْرِكُوا، فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسُمرت (٥) أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا.
لفظ مسلم. وفي لفظ لهما: "من عكل أو عُرَيْنَة"، وفي لفظ: "وألقوا في الحَرَّة فجعلوا يَسْتَسْقُون (٦) فلا يُسْقَون". وفي لفظ لمسلم: "ولم يَحْسمْهم". وعند البخاري: قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. ورواه مسلم من طريق هُشَيْم، عن عبد العزيز بن صُهَيب وحميد، عن أنس، فذكر نحوه، وعنده: "وارتدوا". وقد أخرجاه من رواية قتادة عن أنس، بنحوه. وقال سعيد عن قتادة: "من عكل وعُرَينة". ورواه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أنس قال: إنما سَمَلَ النبي ﷺ أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء. ورواه مسلم، من حديث معاوية بن قرة عن أنس قال: أتى رسول الله ﷺ نفرٌ من عُرَينة، فأسلموا وبايعوه، وقد وقع بالمدينة المُومُ -وهو البرْسام-ثم ذكر نحو حديثهم، وزاد: وعنده شباب من الأنصار، قريب من عشرين فارسًا فأرسلهم، وبعث معهم قائفًا يَقْتَصّ (٧) أثرهم. وهذه كلها ألفاظ مسلم، ﵀. (٨)
وقال حماد بن سلمة: حدثنا قتادة وثابت البنَاني وحُمَيْد الطويل، عن أنس بن مالك: أن ناسًا من عُرَينة قدموا المدينة، فاجْتَوَوْها، فبعثهم رسول الله ﷺ في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا، فصَحُّوا فارتدوا (٩) عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ
في آثارهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسَمَرَ (١) أعينهم وألقاهم في الحرة. قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشًا حتى ماتوا، ونزلت: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية.
وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه -وهذا لفظه-وقال الترمذي: "حسن صحيح". (٢)
وقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة، عن أنس بن مالك، منها ما رواه من طريقين، عن سلام بن أبى الصهباء، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: ما ندمتُ على حديث ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج قال (٣) أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله ﷺ؟ قال: قلت: قَدم على رسول الله ﷺ قوم من عُرَيْنة، من البحرين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ما لقوا من (٤) بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم، وضَخُمت بطونهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم عَدَوا (٥) على الراعي فقتلوه، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَر (٦) أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا. فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول: إن رسول الله ﷺ قد قطع أيدي قوم وأرجلهم ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا لِحال (٧) ذَوْدٍ [من الإبل] (٨) وكان يحتج بهذا الحديث على الناس.
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد -يعني ابن مسلم-حدثني سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: كانوا أربعة نفر من عرينة، وثلاثة نفر من عُكْل، فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، ولم يحسمهم، وتركهم يتَلقَّمون الحجارة بالحرة، فأنزل الله في ذلك: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو مسعود -يعني عبد الرحمن بن الحسن الزجاج-حدثنا أبو سعد -يعني البقال-عن أنس بن مالك قال: كان رهط من عُرَينة أتوا رسول الله ﷺ وبهم جَهْد، مُصْفرّة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فأمرهم أن يلحقوا بالإبل فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فصفت ألوانهم وخمصت بطونهم، وسمنوا، فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في طَلَبهم، فأتي بهم، فقتل بعضهم، وسَمَرَ أعين بعضهم، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، ونزلت: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) إلى آخر الآية.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العُرنيين، وهم من بَجِيلة (٩) قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام.
وقال: حدثني يونس، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر (١) -أو: عمرو، شك يونس-عن رسول الله ﷺ بذلك -يعني بقصة العرَنيين-ونزلت فيهم آية المحاربة. ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد، وفيه: "عن ابن عمر" من غير شك. (٢)
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن خَلَف، حدثنا الحسن بن حماد، عن عمرو (٣) بن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير قال: قدم على رسول الله ﷺ قومٌ من عُرَيْنَة حُفَاة مضرورين، فأمر بهم رسول الله ﷺ، فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعَاء اللقاح، ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم، قال جرير: فبعثني رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعدما أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله ﷺ فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسَمَل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء. ورسول الله ﷺ يقول: "النار"! حتى هلكوا. قال: وكره الله، ﷿، سَمْل الأعين، فأنزل الله هذه الآية: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) إلى آخر الآية.
هذا حديث غريب (٤) وفي إسناده الرَّبَذيّ وهو ضعيف، وفيه فائدة، وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو (٥) جرير بن عبد الله البجلي (٦) وتقدم في صحيح مسلم أن السرية كانوا عشرين فارسا من الأنصار. وأما قوله: "فكره الله سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية" فإنه منكر، وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سَملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصا، والله أعلم.
وقال عبد الرزاق، عن إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قدم على رسول الله ﷺ رجال من بني فَزَارة قد ماتوا هزلا. فأمرهم النبي ﷺ إلى لقاحه، فشربوا منها حتى صحوا، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها، فطُلِبوا، فأتي بهم النبي ﷺ، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَر أعينهم. قال أبو هريرة: ففيهم نزلت هذه الآية: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)
(١) في أ: "عن أبي عبد الله بن عمر".
(٢) تفسير الطبري (١٠/ ٢٤٩) وسنن أبي داود برقم (٤٣٦٩) وسنن النسائي (٧/ ١٠٠).
(٣) في أ: "عمر".
(٤) تفسير الطبري (١٠/ ٢٥٠).
(٥) في ر، أ: "وإنه".
(٦) قال الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على تفسير الطبري (١٠/ ٢٤٨): "وهذا الخبر ضعيف جدًا، وهو أيضًا لا يصح؛ لأن جرير بن عبد الله البجلي صاحب رسول الله ﷺ وفد على النبي ﷺ في العام الذي توفي فيه، وخبر العرنيين كان في شوال سنة ست، في رواية الواقدي (ابن سعد ٢/ ١/٦٧)، وكان أمير السرية كرز بن جابر الفهري. وذلك قبل وفاة رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة ١١ من الهجرة، بأعوام. وهذا الخبر، ذكره الحافظ ابن حجر، في ترجمة "جرير بن عبد الله البجلي"، وضعفه جدا. أما ابن كثير، فذكره في تفسيره (٣/ ١٣٩) وقال: "هذا حديث غريب، وفي إسناده الربذي، وهو ضعيف. وفي إسناده فائدة: وهو ذكر أمير هذه السرية. وهو جرير ابن عبد الله البجلي. وتقدم في صحيح مسلم أن هذه السرية كانوا عشرين فارسًا من الأنصار. وأما قوله: "فكره الله سمل الأعين" فإنه منكر. وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصا، والله أعلم". والعجب لابن كثير، يظن فائدة فيما لا فائدة له، فإن أمير هذه السرية، كان ولا شك، كرز بن جابر الفهري، ولم يرو أحد أن أميرها كان جرير بن عبد الله البجلي، إلا في هذا الخبر المنكر.
فترك النبي ﷺ سَمْر الأعين بعدُ.
وروي من وجه آخر عن أبي هريرة.
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا الحسين بن إسحاق التُسْتَرِيّ، حدثنا أبو القاسم محمد بن الوليد، عن (١) عمرو بن محمد المديني، حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي ﷺ غلام يقال له: "يَسار" فنظر إليه يُحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه (٢) في لقاح له بالحَرَّة، فكان بها، قال: فأظهر قوم الإسلام من عُرَينة، وجاءوا وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم، قال: فبعث بهم النبي ﷺ إلى "يسار" فكانوا يشربون من ألبان الإبل حتى انطوت بطونهم، ثم عدوا على "يسار" فذبحوه، وجعلوا الشوك في عينيه، ثم أطردوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في آثارهم خيلا من المسلمين، أميرهم كُرْزُ بن جابر الفِهْري، فلحقهم فجاء بهم إليه، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. غريب جدًا. (٣)
وقد روى قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة، منهم جابر وعائشة وغير واحد. وقد اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردُويه بتطريق (٤) هذا الحديث من وجوه كثيرة جدًا، فرحمه الله وأثابه.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شَقِيق، سمعت أبي يقول: سمعت أبا حمزة، عن عبد الكريم -وسُئِلَ عن أبوال الإبل-فقال: حدثني سعيد بن جُبير عن المحاربين فقال: كان أناس (٥) أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: نبايعك على الإسلام. فبايعوه، وهم كذَبَة، وليس الإسلام يريدون. ثم قالوا: إنا نَجْتوي المدينة. فقال النبي ﷺ: "هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها" قال: فبينا هم كذلك، إذ جاءهم الصريخ، فصرخ إلى رسول الله ﷺ، فقال: قتلوا الراعي، واستاقوا (٦) النعم. فأمر النبي ﷺ فنُودي في الناس: أن "يا خيل الله اركبي". قال: فركبوا لا ينتظر فارس فارسًا، قال: وركب رسول الله ﷺ على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله ﷺ وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي ﷺ، فأنزل الله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية. قال: فكان نفْيهم: أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين. وقتل نبي الله ﷺ منهم، وصلب، وقطع، وسَمَر الأعين. قال: فما مَثَّل رسول الله ﷺ قبلُ ولا بعدُ. قال: ونهى عن المُثْلة، قال: "ولا تمثلوا (٧) بشيء" قال: وكان أنس يقول ذلك، غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم.
قال: وبعضهم يقول: هم ناس من بني سليم، ومنهم عُرينة ناس من بَجيلة. (١)
وقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العُرَنيين: هل هو منسوخ أو محكم؟ فقال بعضهم: هو منسوخ بهذه الآية، وزعموا أن فيها عتابًا للنبي ﷺ كما في قوله [تعالى] (٢) ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المُثْلة. وهذا القول فيه نظر، ثم صاحبه مطالب (٣) ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ. وقال بعضهم: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين، وفي هذا نظر، فإن قصتهم متأخرة، وفي (٤) رواية جرير بن عبد الله لقصتهم ما يدل على تأخرها (٥) فإنه أسلم بعد نزول المائدة. ومنهم من قال: لم يسمل النبي ﷺ أعينهم، وإنما عزم على ذلك، حتى نزل القرآن فبيَّن حكم المحاربين. وهذا القول أيضا فيه نظر؛ فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه (٦) سمَلَ -وفي رواية: سمر-أعينهم.
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سَمْل النبي ﷺ أعينهم، وتَركه (٧) حَسْمهم حتى ماتوا، قال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ معاتبة في ذلك، وعلَّمه (٨) عقوبة مثلهم: من القتل والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم. قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو -يعني الأوزاعي-فأنكر أن يكون (٩) نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، ورفع عنهم السمل.
ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن المحاربة (١٠) في الأمصار وفي السبلان على السواء لقوله: (وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا) وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك -في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتًا فيقتله، ويأخذ ما معه-: إن هذا محاربة، ودمه إلى السلطان لا [إلى] (١١) ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إنفاذ القتل.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه. [والله أعلم] (١٢)
وأما قوله: (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ) الآية: قال (١٣) [علي] (١٤) بن أبي طلحة عن ابن عباس في [قوله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)]
(١) الآية [قال] (٢) من شهر السلاح في قبَّة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله.
وكذا قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النَّخَعي، والضحاك. وروى ذلك كله أبو جعفر بن جرير، وحكي مثله عن مالك بن أنس، ﵀. ومستند هذا القول أن ظاهر "أو" للتخيير، كما في نظائر ذلك من القرآن، كقوله في جزاء الصيد: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله في كفارة الترفه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكقوله في كفارة اليمين: ﴿إِطْعَامُ (٣) عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. [و] (٤) هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية. وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال كما قال أبو عبد الله الشافعي [﵀] (٥) أنبأنا إبراهيم -هو ابن أبي يحيى-عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قَتَلوا وأخذوا المال قُتلوا وصلبوا، وإذا قَتَلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض.
وقد رواه ابن أبي شَيْبَة، عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عطية، عن ابن عباس، بنحوه. وعن أبي مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعِي، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي، وعطاء الخُراساني، نحو ذلك. وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة.
واختلفوا: هل يُصْلَب حيا ويُتْرَك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو بقتله برمح ونحوه، أو يقتل أولا ثم يصلب تنكيلا وتشديدا لغيره من المفسدين؟ وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل، أو يترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه، وبالله الثقة وعليه التكلان.
ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره -إن صح سنده-فقال:
حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب؛ أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس [بن مالك] (٦) يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره: أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العُرَنِيِّين -وهم من بَجِيلة-قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام. قال أنس: فسأل رسول الله ﷺ جبريل، ﵇، عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام، فاصلبه. (٧)
وأما قوله تعالى: (٨) (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ) قال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه، فيقام
عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام.
رواه ابن جرير عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، والربيع بن (١) أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس.
وقال آخرون: هو أن ينفى من بلده (٢) إلى بلد آخر، أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية، وقال الشعبي: ينفيه -كما قال ابن هبيرة-من عمله كله. وقال عطاء الخراساني: ينفى من جُنْد إلى جند سنين، ولا يخرج من أرض الإسلام.
وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن، والزهري، والضحاك، ومقاتل بن حيان: إنه ينفى ولا يخرج من أرض الإسلام.
وقال آخرون: المراد بالنفي هاهنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واختار ابن جرير: أن المراد بالنفي هاهنا: أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه.
وقوله: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أي: هذا الذي ذكرته من قتلهم، ومن صلبهم، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ونفيهم -خزْي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا قد يتأيد به من ذهب إلى أن هذه الآية نزلت في المشركين، فأما أهل الإسلام فقد ثبت في الصحيح عند مسلم، عن عبادة بن الصامت قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: ألا نشرك بالله شيئًا: ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا يَعْضَه (٣) بعضنا بعضًا، فمن وَفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمْرُه إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له (٤)
وعن علي [﵁] (٥) قال: قال رسول الله ﷺ: "من أذنب ذنبًا في الدنيا، فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبًا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه".
رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "حسن غريب". وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث، فقال: روي مرفوعًا وموقوفًا، قال: ورفعه صحيح. (٦)
وقال ابن جرير في قوله: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا) يعني: شَرٌّ وعَارٌ ونَكَالٌ وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة، (وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا -في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم (٧) به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم (٨) بها فيها (٩) - (عَذَابٌ عَظِيمٌ) يعني: عذاب جهنم.
وقوله: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أما على قول من قال: هي في أهل الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء.
وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا أبو أسامة، عن مجاهد (١) عن الشعبي قال: كان حارثة (٢) بن بدر التميمي من أهل البصرة، وكان قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالا من قريش منهم: الحسن بن علي، وابن عباس، وعبد الله بن جعفر، فكلموا عليًا، فلم يؤمنه. فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره، ثم أتى عليًا فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، فقرأ حتى بلغ: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) قال: فكتب له أمانًا. قال سعيد بن قيس: فإنه حارثة (٣) بن بدر.
وكذا رواه ابن جرير من غير وجه، عن مجاهد (٤) عن الشعبي، به. وزاد: فقال حارثة (٥) بن بدر:
ألا أبلغَن (٦) هَمْدان إمَّا لقيتَها … عَلى النَّأي لا يَسْلمْ عَدو يعيبُها
لَعَمْرُ أبِيها إنَّ هَمْدان تَتَّقِي الـ … إلَه ويَقْضي بالكتاب خَطيبُها (٧)
وروى ابن جرير من طريق سفيان الثوري، عن السُّدِّي -ومن طريق أشعث، كلاهما عن عامر الشعبي قال: جاء رجل من مَراد إلى أبي موسى، وهو على الكوفة في إمارة عثمان، ﵁، بعدما صلى المكتوبة فقال: يا أبا موسى، هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت من قبل أن يُقْدر عليَّ. فقام أبو موسى فقال: إن هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب من قبل أن يُقْدَرَ عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير، فإن يك صادقا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبًا تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله.
ثم قال ابن جرير: حدثني علي، حدثنا الوليد بن مسلم قال: قال الليث، وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني، وهو الأمير عندنا: أن عليًا الأسدي حارب وأخاف (٨) السبيل وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة والعامة، فامتنع ولم يُقْدر عليه، حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، فوقف عليه فقال: يا عبد الله، أعد قراءتها. فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا. حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله ﷺ فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه، فلما أسفروا عرفه الناس، فقاموا (٩) إليه، فقال:
لا سبيل لكم عليّ جئت تائبًا من قبل أن تقدروا علي. فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بن الحكم -وهو أمير على المدينة (١) في زمن معاوية-فقال: هذا عليّ (٢) جاء تائبا، ولا سبيل لكم عليه ولا قتل. قال: فتُرك من ذلك كله، قال: وخرج عليّ (٣) تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في البحر، فلقوا الروم، فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم (٤) فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهربوا منه إلى شقها الآخر، فمالت به وبهم، فغرقوا جميعًا. (٥).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بالطاعة كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) قال سفيان الثوري، حدثنا أبي، عن طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس: أي القربة. وكذا قال مجاهد [وعطاء] (٦) وأبو وائل، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن كثير، والسدي، وابن زيد.
وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. وقرأ ابن زيد: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه (٧) وأنشد ابن جرير عليه قول الشاعر (٨)
إذا غَفَل الواشُون عُدنَا لِوصْلنَا … وعَاد التَّصَافي بَيْنَنَا والوسَائلُ
والوسيلة: هي التي يتوصل (٩) بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضًا: علم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، وقد ثبت في صحيح البخاري، من طريق محمد بن المُنكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودا الذي وعدته، إلا حَلَّتْ له الشفاعة يوم القيامة".
حديث آخر في صحيح مسلم: من حديث كعب عن علقمة، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عَليّ، فإنه من صلى عَليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة
في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حَلًّتْ عليه الشفاعة." (١)
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن لَيْث، عن كعب، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صليتم عَليّ فَسَلُوا لي الوسيلة". قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: "أعْلَى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رَجُلٌ واحد (٢) وأرجو أن أكون أنا هو".
ورواه الترمذي، عن بُنْدَار، عن أبي عاصم، عن سفيان -هو الثوري-عن لَيْث بن أبي سُلَيم، عن كعب قال: حدثني أبو هريرة، به. ثم قال: غريب، وكعب ليس بمعروف، لا نعرف أحدًا روى عنه غير ليث بن أبي سليم. (٣)
طريق أخرى: عن أبي هريرة، ﵁، قال أبو بكر بن مَرْدُويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا محمد بن نصر الترمذي، حدثنا عبد الحميد بن صالح، حدثنا أبو شهاب، عن ليث، عن المعلى، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة رفعه قال: "صلوا عليَّ صلاتكم، وسَلُوا الله لي الوسيلة". فسألوه وأخبرهم: "أن الوسيلة درجة في الجنة، ليس ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكونه". (٤) (٥)
حديث آخر: قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: أخبرنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب (٦) عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا -أو: شفيعًا-يوم القيامة".
ثم قال الطبراني: "لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا موسى بن أعين". كذا قال، وقد رواه ابن مَرْدُويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، فذكر بإسناده نحوه. (٧)
حديث آخر: روى ابن مردويه بإسناده عن عمارة بن غَزِيةَ، عن موسى بن وَرْدان: أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ: "إن الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقها درجة، فسَلُوا
(١) صحيح مسلم برقم (١٣٨٤).
(٢) في ر: "واحد في الجنة".
(٣) المسند (٢/ ٢٦٥) وسنن الترمذي برقم (٣٦١٢).
(٤) في ر: "أكون"، وفي أ: "أن أكون هو".
(٥) وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. ورواه البزار في مسنده برقم (٢٥٢) "كشف الأستار" من طريق آخر، فرواه من طريق داود بن علية، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة بنحوه، وقال الهيثمي: "دواد بن علية ضعيف".
(٦) في هـ: "ابن أبي حبيب" وهو خطأ.
(٧) المعجم الأوسط للطبراني برقم (٦٣٩) "مجمع البحرين" وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٣٣): "فيه الوليد بن عبد الملك الحراني قد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث إذا روي عن الثقات. قلت: وهذا من روايته عن موسى بن أعين وهو ثقة".
الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقه". (١)
حديث آخر: روى ابن مردويه أيضًا من طريقين، عن عبد الحميد بن بحر: حدثنا شَريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي ﷺ قال: "في الجنة درجة تدعى الوسيلة، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة". قالوا: يا رسول الله، من يسكن معك؟ قال: "علي وفاطمة والحسن والحسين".
هذا حديث غريب منكر من هذا الوجه (٢)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسن الدَّشْتَكِيّ، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد (٣) بن طَرِيف، عن علي بن الحسين الأزْدِي -مولى سالم بن ثَوْبان-قال: سمعت علي بن أبي طالب ينادي على منبر الكوفة: يا أيها الناس، إن في الجنة لؤلؤتين: إحداهما بيضاء، والأخرى صفراء، أما الصفراء فإنها إلى بُطْنَان العرش، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها وأبوابها وأسرتها وكأنها (٤) من عرق واحد، واسمها الوسيلة، هي لمحمد ﷺ وأهل بيته، والصفراء فيها مثل ذلك، هي لإبراهيم، ﵇، وأهل بيته.
وهذا أثر غريب أيضا (٥)
وقوله: (وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، التاركين للدين القويم، ورغبهم في ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة، من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة التي لا تَبِيد ولا تَحُول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة الآمنة، الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها يَنْعَم لا ييأس، ويحيا لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه.
ثم أخبر تعالى بما أعد لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبًا، وبمثله ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به (٦) وتيقن وصوله إليه (٧) ما تُقُبل ذلك منه (٨) بل لا مندوحة عنه ولا محيص له ولا مناص (٩)؛ ولهذا قال: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: موجع.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾.
(يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية [الحج: ٢٢]،
(١) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٦٤٠، ٦٤١) "مجمع البحرين" من طريق عمارة بن غزية به.
(٢) ووجه غرابته أنه من رواية عبد الحميد بن بحر البصري، قال ابن حبان: كان يسرق الحديث، والحارث هو الأعور كذبه الشعبي وضعفه جماعة.
(٣) في ر: "سعيد".
(٤) في أ: "وأكوابها".
(٥) وفي إسناده سعد بن طريف الإسكافي، قال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه، وقال أحمد وأبو حاتم: ضعيف، وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الفور. ميزان الاعتدال (٢/ ١٢٢).
(٦) في ر: "بهم".
(٧) في ر: "إليهم".
(٨) في ر: "ما يقبل ذلك منهم".
(٩) في ر: "ولا مخلص لهم ولا مناص".
فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم مسه، ولا سبيل لهم إلى ذلك، كلما رفعهم اللهب فصاروا في أعالي (١) جهنم، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردونهم (٢) إلى أسفلها، (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) أي: دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها.
وقد قال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "يُؤتَى بالرجل من أهل النار، فيقول: يا ابن آدم، كيف وجدت مَضْجَعك؟ فيقول: شَرَّ مضجع، فيقول: هل تفتدي بقُراب الأرض ذهبًا؟ " قال: "فيقول: نعم، يا رب! فيقول: كذبت! قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل: فيؤمر به إلى النار".
رواه مسلم والنسائي (٣) من طريق حماد بن سلمة (٤) بنحوه. وكذا رواه البخاري ومسلم (٥) من طريق معاذ بن هشام الدَّسْتَوائي، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس، به. وكذا أخرجاه (٦) من طريق أبي عمران الجَوْني، واسمه عبد الملك بن حبيب، عن أنس بن مالك، به. ورواه مَطَر الورَّاق، عن أنس بن مالك، ورواه ابن مردويه من طريقه، عنه.
ثم رواه (٧) ابن مَردويه، من طريق المسعودي، عن يزيد بن صُهَيب الفقير، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ [قال] (٨) "يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة" قال: فقلت لجابر بن عبد الله: يقول الله: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا) قال: اتل أول الآية: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ) الآية، ألا إنهم الذين كفروا.
وقد روى الإمام أحمد ومسلم هذا الحديث من وجه آخر، عن يزيد الفقير، عن جابر (٩) وهذا أبسط سياقًا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة (١٠) الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مبارك بن فضالة، حدثني يزيد الفقير قال: جلست إلى جابر بن عبد الله، وهو يحدث، فحدّث أن أُنَاسًا (١١) يخرجون من النار -قال: وأنا يومئذ أنكر ذلك، فغضبت وقلت: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد! تزعمون أن الله يخرج ناسًا من النار، والله يقول: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا [وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ]) (١٢) فانتهرني أصحابه، وكان أحلمهم فقال: دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) حتى بلغ: (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قد جمعته قال: أليس الله يقول: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾؟ [الإسراء: ٧٩]
(١) في أ: "إلى أعلى".
(٢) في هـ: "فيردوهم" وهو خطأ؛ لعدم وجود عامل النصب أو الجزم في الفعل، والمثبت من أ.
(٣) في د: "البخاري".
(٤) صحيح مسلم برقم (٢٨٠٧) وسنن النسائي (٦/ ٣٦).
(٥) صحيح البخاري برقم (٦٥٣٨) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٥).
(٦) صحيح البخاري برقم (٦٥٥٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٥).
(٧) في أ: "ثم روى".
(٨) زيادة من أ، ر.
(٩) المسند (٣/ ٣٥٥) وصحيح مسلم برقم (١٩١).
(١٠) في ر: "ابن أبي شيبة"، وفي أ: "الحسن بن محمد بن شيبة الواسطي".
(١١) في ر: "ناسًا".
(١٢) زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".
فهو ذلك المقام، فإن الله [تعالى] (١) يحتبس أقوامًا بخطاياهم في النار ما شاء، لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم. قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به.
ثم قال ابن مردويه: حدثنا دَعْلَج بن أحمد، حدثنا عمرو بن حفص السَّدُوسي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا العباس بن الفضل، حدثنا سعيد بن المُهَلَّب، حدثني طَلْق بن حبيب قال: كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت (٢) عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله [تعالى] (٣) فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق، أتُرَاك أَقْرَأُ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله [ﷺ] (٤) مني؟ إن الذين قرأت هم أهلها، هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبًا فعذبوا، ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه (٥) إلى أذنيه، فقال (٦) صُمَّتًا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرجون من النار بعدما دخلوا". ونحن نقرأ كما قرأت.
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾
يقول تعالى حاكمًا وآمرًا بقطع يد السارق والسارقة، وروى الثوري عن جابر بن يزيد الجُعْفي، عن عامر بن شراحيل الشعبي؛ أن ابن مسعود كان يقرؤها: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما". وهذه قراءة شاذة، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقًا لها، لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر. وقد كان القطع معمولا به في الجاهلية، فقُرِّرَ في الإسلام وزيدت شروط أخَر، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، كما كانت القسامة والدية والقرَاض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه، وزيادات هي من تمام المصالح. ويقال: إن أول من قطع الأيدي في الجاهلية قريش، قطعوا رجلا يقال له: "دويك" مولى لبني مُلَيح بن عمرو من خُزَاعة، كان قد سرق كنز الكعبة، ويقال: سرقه قوم فوضعوه عنده.
وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئًا قطعت يده به، سواء كان قليلا أو كثيرًا؛ لعموم هذه الآية: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) فلم يعتبروا نصابًا ولا حِرْزًا، بل أخذوا بمجرد السرقة.
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد المؤمن، عن نَجْدَة الحَنَفِي قال: سألت ابن عباس عن قوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) أخاص أم عام؟
فقال: بل عام.
وهذا يحتمل أن يكون موافقة من ابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء، ويحتمل غير ذلك، فالله أعلم.
وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لَعَن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده". (١) وأما الجمهور فاعتبروا النصاب في السرقة، وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حِدَةٍ، فعند الإمام مالك بن أنس، ﵀: النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة، فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقها وجب القطع، واحتج في ذلك بما رواه عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قطع في مِجَن ثمنه ثلاثة دراهم. أخرجاه في الصحيحين. (٢)
قال مالك، ﵀: وقطع عثمان، ﵁، في أتْرُجَّة قُوِّمَت بثلاثة دراهم، وهو أحب ما سمعت في ذلك. وهذا الأثر عن عثمان، ﵁، قد رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن: أن سارقًا سرق في زمان عثمان أترجة، فأمر بها عثمان أن تُقَوم، فَقُومَت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهمًا بدينار، فقطع عثمان يده. (٣)
قال أصحاب مالك: ومثل هذا الصنيع (٤) يشتهر، ولم (٥) ينكر، فمن مثله يحكى الإجماع السُّكوتي، وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافًا للحنفية. وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافًا لهم في أنه لا بد من عشرة دراهم، وللشافعية في اعتبار ربع دينار، والله أعلم.
وذهب الشافعي، ﵀، إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدًا. والحجة (٦) في ذلك ما أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم، من طريق الزهري، عن عَمْرة، عن عائشة، ﵂؛ أن رسول الله ﷺ قال: "تقطع يد السارق (٧) في ربع دينار فصاعدا". (٨)
ولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عَمْرة، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا". (٩)
قال أصحابنا: فهذا الحديث فاصل في المسألة ونص في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه. قالوا: وحديث ثمن المجن، وأنه كان ثلاثة (١٠) دراهم، لا ينافي هذا؛ لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر
(١) صحيح البخاري برقم (٦٧٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٧).
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٦).
(٣) الموطأ (٢/ ٨٣٢).
(٤) في ر: "الصنع".
(٥) في أ: "فلم".
(٦) في ر: "أو الحجة".
(٧) في ر: "يقطع السارق".
(٨) صحيح البخاري برقم (٦٧٨٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٤).
(٩) صحيح مسلم (١٦٨٤).
(١٠) في أ: "بثلاثة".
درهمًا، فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذه الطريق.
ويروى هذا المذهبُ عن عُمَر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ﵃. وبه يقول عمر بن عبد العزيز، والليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي، وأصحابه، وإسحاق بن راهويه -في رواية عنه-وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري، ﵏.
وذهب الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه -في رواية عنه-إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مَرَدٌ شرعي، فمن سرق واحدًا منهما، أو ما يساويه قطع عملا بحديث ابن عمر، وبحديث عائشة، ﵄، ووقع في لفظ عند الإمام أحمد، عن عائشة [﵂] (١) أن رسول الله ﷺ قال: "اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك" (٢) وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا. وفي لفظ للنسائي: لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن. قيل (٣) لعائشة: ما ثمن المجَن؟ قالت: ربع دينار. (٤)
فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، والله أعلم.
وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه: أبو يوسف، ومحمد، وزُفَر، وكذا سفيان الثوري، ﵏، فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة. واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله ﷺ، كان ثمنه عشرة دراهم. وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن نُمَير وعبد الأعلى (٥) وعن (٦) محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد النبي ﷺ عشرة دراهم. (٧)
ثم قال: حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقطع يد السارق في دون ثمن المِجَن". وكان ثمن المجن عشرة دراهم. (٨)
قالوا: فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن، فالاحتياط الأخذ بالأكثر؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
وذهب بعض السلف إلى أنه تُقْطَعُ يدُ السارق في عشرة دراهم، أو دينار، أو ما يبلغ قيمته واحدًا منهما، يحكى هذا عن علي، وابن مسعود، وإبراهيم النَّخَعِي، وأبي جعفر الباقر، رحمهم الله تعالى.
(١) زيادة من أ.
(٢) المسند (٦/ ٨٠).
(٣) في أ: "فقيل".
(٤) سنن النسائي (٨/ ٨٠).
(٥) في أ: "بن عبد الأعلى" وهو خطأ.
(٦) في أ: "حدثنا".
(٧) المصنف (٩/ ٤٧٤) ورواه الدارقطني في السنن (٣/ ١٩١) من طريق محمد بن إسحاق به.
(٨) المصنف (٩/ ٤٧٤) ورواه الدارقطني في السنن (٣/ ١٩٠) من طريق محمد بن إسحاق به، والحديث مضطرب، اختلف فيه على محمد بن إسحاق -كما ترى- وروي من أوجه أخرى كثيرة