سورة المائدة

ซูเราะฮ์ที่ 5 · ตอน 2/16 · เล่ม 3 หน้า 20–34

ج3 · ص20

غيره، لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيها لا يخلو: (١) إما أن يكون نطيحا أو في حكمه، أو منخنقا أو في حكمه، وأيا ما كان فيجب تقديم [حكم] (٢) هذه الآية على تلك لوجوه:

أحدها: أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد، حيث يقول لعديّ بن حاتم: "وإن أصابه بعرضه (٣) فإنما هو وَقِيذ فلا تأكله". ولم نعلم أحدًا من العلماء فصل بين حكم وحكم من هذه الآية، فقال: إن الوقيذ معتبر حالة الصيد، والنطيح ليس معتبرا، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقا للإجماع لا قائل به، وهو محظور عند كثير من العلماء.

الثاني: أن تلك الآية: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ليست على عمومها بالإجماع، بل مخصوصة بما صدن من الحيوان المأكول، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق، والعموم المحفوظ مقدم على غير المحفوظ. .

المسلك الآخر: أن هذا الصيد والحالة هذه في حكم الميتة سواء؛ لأنه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات، فلا تحل قياسا على الميتة.

المسلك الآخر: أن آية التحريم، أعني قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) إلى آخرها، محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص، وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة، أعني قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ]﴾ [المائدة: ٤] (٤) فينبغي ألا يكون بينهما تعارض أصلا وتكون السنة جاءت لبيان ذلك، وشاهد ذلك قصة السهم، فإنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية، وهو ما إذا خَزَفه المِعْرَاض فيكون حلالا؛ لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم تلك الآية، آية التحريم، وهو ما إذا أصابه بعرض فلا يؤكل؛ لأنه وقيذ، فيكون أحد أفراد آية التحريم، وهكذا يجب أن يكون حكم هذا سواء، إن كان قد جرحه الكلب فهو داخل في حكم آية التحليل. وإن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله فهو نطيح أو في حكمه فلا يكون حلالا.

فإن قيل: فلم لا فَصَّل في حكم الكلب، فقال ما ذكرتم: إن جرحه فهو حلال، وإن لم يجرحه فهو حرام؟

فالجواب: أن ذلك نادر؛ لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معا، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر، وكذا قتله إياه بثقله، فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك لندوره، أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وأما السهم والمعراض فتارة يخطئ لسوء رمي راميه أو للهواء أو نحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إصابته؛ فلهذا ذكر كلا من حكميه مفصلا والله أعلم؛ ولهذا لما كان الكلب من شأنه أنه قد يأكل من الصيد، ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد فقال: "إن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه" وهذا صحيح ثابت في الصحيحين وهو أيضا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين (٥) فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب، حكي ذلك عن أبي هريرة، وابن عباس. وبه قال الحسن، والشعبي، والنخَعي. وإليه ذهب

(١) في ر: "لا تخلو"

(٢) زيادة من ر، أ.

(٣) في ر، أ: "بعرض".

(٤) زيادة من أ.

(٥) في ر: "عند كثير من العلماء".

ج3 · ص21

أبو حنيفة وصاحباه، وأحمد بن حنبل، والشافعي في المشهور عنه. وروى ابن جرير في تفسيره عن علي، وسعد، وسلمان، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس: أن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكلب، حتى قال سعد، وسلمان، وأبو هريرة وابن عمر، وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعة. وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم، وأومأ في الجديد إلى قولين، قال ذلك الإمام أبو نصر ابن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه.

وقد روى أبو داود بإسناد جيد قوي، عن أبي ثعلبة الخُشَنِي، عن رسول الله ﷺ أنه قال في صيد الكلب: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك". (١)

ورواه أيضا النسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن أعرابيا يقال له: أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، فذكر نحوه.

وقال محمد بن جرير في تفسيره: حدثنا عمران بن بَكَّار الكَلاعِيّ، حدثنا عبد العزيز بن موسى-هو اللاحوني-حدثنا محمد بن دينار -هو الطاحي-عن أبي إياس -وهو معاوية بن قرة-عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي ".

ثم إن ابن جرير علله بأنه قد رواه قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب، عن سلمان موقوفا (٢) وأما الجمهور فقدموا حديث "عَديّ" على ذلك، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره. وقد حمله بعض العلماء على أنه إن أكل بعد ما انتظر صاحبه وطال عليه الفصل ولم يجئ، فأكل منه لجوعه ونحوه، فإنه لا بأس بذلك؛ لأنه -والحالة هذه؛ لا يخشى أنه أمسك على نفسه، بخلاف ما إذا أكل منه أول وهلة، فإنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه، والله أعلم.

فأما الجوارح من الطير (٣) فنص الشافعي على أنها كالكلاب، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين. واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قالوا: لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه، وأيضا فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد، فيعفى عن ذلك، وأيضا فالنص إنما ورد في الكلب لا في الطير. وقال الشيخ أبو علي في "الإفصاح": إذا قلنا: يحرم ما أكل منه الكلب، ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان، وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب، لنص الشافعي، ﵀ على التسوية بينهما، والله ﷾ أعلم.

وأما (الْمُتَرَدِّيَةُ) فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال فتموت بذلك، فلا تحل.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (الْمُتَرَدِّيَةُ) التي تسقط من جبل. وقال قتادة: هي التي تتردى في بئر.

(١) سنن أبي داود برقم (٢٨٥٢).

(٢) تفسير الطبري (٩/ ٥٦٥) وفي إسناده مرفوعا محمد بن دينار الأزدي ضعيف

(٣) في ر، أ: "من الطيور".

ج3 · ص22

وقال السدي: هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر.

وأما (النَّطِيحَةُ) فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها.

والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة، أي: منطوحة. وأكثر ما ترد هذه البِنْيَة في كلام العرب بدون تاء التأنيث، فيقولون: كَفٌّ خضيب، وعينٌ كحيل، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة: وأما هذه فقال بعض النحاة: إنما استعمل فيها تاء التأنيث؛ لأنها أجريت مجرى الأسماء، كما في قولهم: طريقة طويلة. وقال بعضهم: إنما أتي بتاء التأنيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة، بخلاف: عين كحيل، وكف خضيب؛ لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام.

وقوله: (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) أي: ما عدا عليها أسد، أو فهد، أو نمر، أو ذئب، أو كلب، فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام وإن كان قد سال منها الدماء ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع. وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة ونحو ذلك فحرم الله ذلك على المؤمنين.

وقوله: (إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ) عائد على ما يمكن عوده عليه، مما انعقد سبب موته فأمكن تداركه بذكاة، وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله: (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ)

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ) يقول: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح، فكلوه، فهو ذكي. وكذا رُوي عن سعيد بن جبير، والحسن البصري، والسدي.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا حَفْص بن غياث (١) حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ) قال: إن مَصَعَتْ بذنبها أو رَكَضَتْ برجلها، أو طَرَفَتْ بعينها فكُلْ.

وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم وعباد قالا حدثنا حجاج، عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدًا أو رجلا فكلها.

وهكذا رُوي عن طاوس، والحسن، وقتادة وعُبَيد بن عُمير، والضحاك وغير واحد: أن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح، فهي حلال. وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال (٢) أبو حنيفة والشافعي، وأحمد بن حنبل. وقال ابن وهب: سُئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفَها السَّبُعُ حتى تخرج أمعاؤها؟ فقال مالك: لا أرى أن تذكى أيّ شيء يُذَكَّى منها.

وقال أشهب: سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش، فيدق ظهره أترى أن يذكى قبل أن

(١) في د: "حفص بن عياش".

(٢) في أ: "يقول".

ج3 · ص23

يموت، فيؤكل؟ قال (١) إن كان قد بلغ السُّحْرة، فلا أرى أن يؤكل وإن كان أصاب أطرافه، فلا أرى بذلك بأسًا. قيل له: وثب عليه فدق ظهره؟ فقال: (٢) لا يعجبني، هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء؟ فقال: إذا شق بطنها فلا أرى أن تؤكل.

هذا مذهب مالك، ﵀، وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك، ﵀ من الصور التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها، فيحتاج إلى دليل مخصص (٣) للآية، والله أعلم.

وفي الصحيحين: عن رافع بن خَدِيج أنه قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا، وليس معنا مُدَى، أفنذبح بالقَصَب؟ فقال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السنُّ والظَّفُر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة". (٤)

وفي الحديث الذي رواه الدارقطني [عن أبي هريرة] (٥) مرفوعا، وفيه نظر، وروي عن عمر موقوفا، وهو أصح (٦) "ألا إن الذكاة في الحلق واللبّة، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق". (٧)

وفي (٨) الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن، من رواية حماد بن سلمة، عن أبي العشراء الدارمي، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟ فقال: "لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك.

وهو حديث صحيح (٩) ولكنه محمول على ما [لم] (١٠) يقدر على ذبحه في الحلق واللبة.

وقوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) قال مجاهد وابن جُرَيْج (١١) كانت النصب حجارة حول الكعبة، قال (١٢) ابن جريج: وهي ثلاثمائة وستون نصبا، كان العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب.

وكذا ذكره غير واحد، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر (١٣) عليها اسم الله في الذبح عند النصب من الشرك (١٤) الذي حرمه الله ورسوله. وينبغي أن يحمل هذا على هذا؛ لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله.

(١) في ر: "فقال".

(٢) في ر: "قال".

(٣) في أ: "مخصوص".

(٤) صحيح البخاري برقم (٢٥٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٩٦٨).

(٥) زيادة من د، ر.

(٦) في ر، أ: "وقال".

(٧) سنن الدارقطني (٤/ ٢٨٣) من طريق سعيد بن سلام، عن عبد الله بن بديل، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ بديل بن ورقاء على أورق يصيح في فجاج منى: "ألا إن الذكاة في الحلق واللبة، ألا ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق". وسعيد بن سلام ضعيف قال البخاري: يذكر بوضع الحديث، وروي موقوفا على عمر بن الخطاب. رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٧٨) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن فرافصة الحنفي، عن عمر به.

(٨) في ر: "فأما"، وفي أ: "وأما"

(٩) المسند (٤/ ٣٣٤) وسنن أبي داود برقم (٢٨٢٥) وسنن الترمذي برقم (١٤٨١) وسنن النسائي (٧/ ٢٢٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٨٤).

(١٠) زيادة من ر.

(١١) في أ: "وابن جرير".

(١٢) في ر: "وقال".

(١٣) في أ: "ولو كان قد ذكر".

(١٤) في أ: "من التبرك".

ج3 · ص24

وقوله تعالى: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ) أي: حرم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام: واحدها: زُلَم، وقد تفتح الزاي، فيقال: زَلم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب: "افعل" وعلى الآخر: "لا تفعل" والثالث "غُفْل ليس عليه شيء. ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد: "أمرني ربي" وعلى الآخر: "نهاني ربي". والثالث غفل (١) ليس عليه شيء، فإذا أجالها فطلع السهم الآمر فعله، أو الناهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد [الاستقسام.] (٢)

والاستقسام: مأخوذ من طلب القَسم من هذه الأزلام. هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا الحجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ) قال: والأزلام: قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور.

وكذا روي عن مجاهد، وإبراهيم النَّخَعِي، والحسن البصري، ومُقَاتِل بن حَيَّان.

وقال ابن عباس: هي القداح، كانوا يستقسمون بها في الأمور. وذكر محمد بن إسحاق وغيره: أن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له: هُبَل، وكان داخل الكعبة، منصوب على بئر فيها، توضع الهدايا وأموال الكعبة فيه، كان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه، مما أشكل عليهم، فما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه.

وثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها، وفي أيديهما الأزلام، فقال: "قاتلهم الله، لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا." (٣)

وفي الصحيح: أن سراقة بن مالك بن جُعْشُم لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره: لا تضرهم (٤) قال: فعصيت الأزلام وأتبعتهم، ثم إنه استقسم بها ثانية وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره: لا تضرهم (٥) وكان كذلك وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك، ثم أسلم بعد ذلك. (٦)

وروى ابن مَرْدُويه من طريق إبراهيم بن يزيد، عن رَقَبةَ، عن عبد الملك بن عُمَيْر، عن رَجاء بن حَيْوَة، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: "لن يَلِج الدرجات من تَكَهَّن أو استقسم أو رجع من سفر طائرًا". (٧)

وقال مجاهد في قوله: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ) قال: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون بها.

(١) في د، ر: "عطل".

(٢) زيادة من ر، أ.

(٣) صحيح البخاري برقم (٤٢٨٨).

(٤) في أ: "لا يضرهم".

(٥) في أ: "لا تكبر".

(٦) صحيح البخاري برقم (٣٩٠٦).

(٧) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٢١٠٤) وتمام الرازي في الفوائد برقم (١٤٤٤) من طريق يحيى بن داود، عن إبراهيم بن يزيد به. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢١٣): "رجاله ثقات إلا أنني أظن أن فيه انقطاعًا".

ج3 · ص25

وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار، فيه نظر، اللهم إلا أن يقال: إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة، وفي القمار أخرى، والله أعلم. فإن الله سبحانه [وتعالى] (١) قد فرَّق بين هذه وبين القمار وهو الميسر، فقال في آخر السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ [فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ] منتهون﴾ (٢) [الآيتان: ٩٠، ٩١] وهكذا قال هاهنا: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) أي: تعاطيه فسق وغي وضلال وجهالة وشرك، وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه، ثم يسألوه الخيَرَة في الأمر الذي يريدونه، كما رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن، من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا (٣) الاستخارة (٤) كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: "إذا هَمَّ أحدُكُم بالأمْرِ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أسْتَخِيركَ بعلمكَ، وأسْتَقْدِرُك بقدرتكَ، وأسألُكَ من فَضْلك العظيم؛ فإنك تَقْدِر ولا أقْدِر، وتَعْلَمُ ولا أَعْلَم، وأنت عَلام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلم (٥) هذا الأمر -ويسميه باسمه-خيرًا لي في دِينِي ومَعاشي وعاقِبة أمري، فاقدُرْهُ لي ويَسِّره لي (٦) وبارك لي فيه، اللهم إن كنتَ تَعْلَمْهُ شرا لي (٧) في ديني ومَعاشي وعاقبة أمري، فاصْرِفْنِي عنه، واصرفه عنِّي، واقْدُرْ لي الخير حيث كان، ثم رَضِّني به". لفظ أحمد. (٨)

وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي.

قوله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: يئسوا أن يراجعوا دينهم ..

وكذا رُوي عن عطاء بن أبي رباح، والسّدِّي ومُقاتِل بن حَيَّان. وعلى هذا المعنى يرد (٩) الحديث الثابت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المُصَلُّون في جزيرة العرب، ولكن بالتَّحْرِيش (١٠) بينهم".

ويحتمل أن يكون المراد: أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين، بما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله؛ ولهذا قال تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار، ولا يخافوا أحدا إلا الله، فقال: (فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) أي: لا تخافوا منهم في مخالفتكم إياهم واخشوني، أنصركم عليهم وأبيدهم وأظفركم بهم، وأشف صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة.

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من ر، وفي هـ: "إلى قوله".

(٣) في د: "يعلمنا دعاء".

(٤) في د: "الاستخارة في الأمور".

(٥) في د: "تعلم أن".

(٦) في أ: "ثم".

(٧) في د: "تعلم أنه شر".

(٨) المسند (٣/ ٣٤٤) وصحيح البخاري برقم (١١٦٢) وسنن أبي داود برقم (١٥٣٨) وسنن الترمذي برقم (٤٨٠) وسنن النسائي (٦/ ٨٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٨٣).

(٩) في ر: "يورد"

(١٠) في د: "التحريش".

ج3 · ص26

وقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا) هذه أكبر نعم الله، ﷿، على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خُلْف، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ (١) رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل (٢) الدين لهم تمت النعمة عليهم (٣)؛ ولهذا قال [تعالى] (٤) (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا) أي: فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي رضيه الله وأحبه (٥) وبعث به أفضل رسله الكرام، وأنزل به أشرف كتبه.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وهو الإسلام، أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدا، وقد رضيه الله فلا يَسْخَطُه أبدا.

وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عَرَفَة، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله ﷺ فمات. قالت أسماء بنت عُمَيس: حَجَجْتُ مع رسول الله ﷺ تلك الحجة، فبينما نحن نسير إذ تَجلَّى له جبريل، فمال رسول الله ﷺ على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن، فبركت فأتيته فَسَجَّيْتُ عليه بُرْدا (٦) كان علي.

قال ابن جُرَيْج (٧) وغير واحد: مات رسول الله ﷺ بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوما.

رواهما (٨) ابن جرير، ثم قال: حدثنا سفيان بن وَكِيع، حدثنا ابن فُضَيْل، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: لما نزلت (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي ﷺ: "ما يبكيك؟ " قال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذْ أكمل (٩) فإنه لم يكمل شيء إلا نقص. فقال: "صدقت". (١٠)

ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت: "إن الإسلام بدأ غَرِيبًا، وسيعود غريبا، فَطُوبَى للغُرَبَاء". (١١)

وقال الإمام أحمد: حدثنا جعفر بن عَوْن، حدثنا أبو العُمَيْس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب [﵁] (١٢) فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرءون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية؟ قال قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) فقال (١٣) عمر: والله إني

(١) في د: "كلمة" وهي قراءة.

(٢) في د: "فلما كمل".

(٣) في د: "تمت عليهم النعمة"

(٤) زيادة من د.

(٥) في د: "الذي أحبه الله ورضيه".

(٦) في أ: "برداء"

(٧) في ر: "ابن جرير".

(٨) في د: "رواه".

(٩) في ر: "إذ كمل".

(١٠) تفسير الطبري (٩/ ٥١٩).

(١١) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٥) من حديث أبي هريرة ﵁، وبرقم (١٤٦) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.

(١٢) زيادة من أ.

(١٣) في أ: "قال".

ج3 · ص27

لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ﷺ، نزلت عَشية عَرَفَة في يوم جمعة.

ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون، به. ورواه أيضا مسلم والترمذي والنسائي، من طرق عن قيس بن مسلم، به (١) ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري، عن قيس، عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية، لو نزلت فينا لاتخذناها (٢) عيدا. فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت (٣) وأين رسول الله ﷺ حيث أنزلت: يوم عرفة، وأنا والله بعرفة -قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أم لا (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية. (٤)

وشك سفيان، ﵀، إن كان في الرواية فهو تَوَرُّعٌ، حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا؟ وإن كان شكا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة، فهذا ما أخاله يصدر عن الثوري، ﵀، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير ولا من الفقهاء، وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة لا يشك في صحتها، والله أعلم، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر.

وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّةَ، أخبرنا رَجاء بن أبي سلمة، أخبرنا عبادة بن نُسَيّ، أخبرنا أميرنا إسحاق -قال أبو جعفر بن جرير: هو إسحاق بن خَرَشة-عن قَبِيصة -يعني ابن ذُؤيب-قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه. فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت (٥) فيه، نزلت في يوم جمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.

وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا قَبيصة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار-هو مولى بني هاشم-أن ابن عباس قرأ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا) فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا. فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد ويوم جمعة. (٦)

وقال ابن مَرْدُويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا يحيى بن الحُمَّاني، حدثنا قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سَلْمان، عن أبي عمر البَزّار، عن ابن الحنفية، عن علي [﵁] (٧) قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ، وهو قائم عَشِيَّةَ عرفة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)

(١) المسند (١/ ٢٨) وصحيح البخاري برقم (٤٥) وصحيح مسلم برقم (٣٠١٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٣) وسنن النسائي (٥/ ٢٥١).

(٢) في أ: "لاتخذنا بها"

(٣) في ر: "نزلت".

(٤) صحيح البخاري برقم (٤٦٠٦).

(٥) في ر: "نزلت".

(٦) تفسير الطبري (٩/ ٥٢٥).

(٧) زيادة من أ.

ج3 · ص28

وقال ابن جرير: حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السَّكُوني، حدثنا هشام (١) بن عمار، حدثنا ابن عياش، حدثنا عمرو بن قيس السكوني: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) حتى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة، في يوم جمعة.

وروى ابن مَرْدُويه، من طريق محمد بن إسحاق، عن عمر بن موسى بن وجيه، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرَة قال: نزلت هذه الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا) يوم عرفة ورسول الله ﷺ واقف على الموقف. (٢)

فأما ما رواه ابن جرير وابن مردويه، والطبراني من طريق ابن لَهيعَة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنَش بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس قال: ولد نبيكم ﷺ يوم الاثنين، [ونبئ يوم الاثنين] (٣) وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ورفع الذكر يوم الاثنين، فإنه أثر غريب (٤) وإسناده ضعيف.

وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لَهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنَش الصنعاني، عن ابن عباس قال: ولد النبي ﷺ يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، ووضع (٥) الحجر الأسود يوم الاثنين.

هذا لفظ أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الاثنين (٦) فالله أعلم. ولعل ابن عباس أراد أنها نزلت يوم عيدين اثنين كما تقدم، فاشتبه على الراوي، والله أعلم.

[و] (٧) قال ابن جرير: وقد قيل: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس، ثم روي من طريق العَوْفِيِّ عن ابن عباس في قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) يقول: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس قال: وقد قيل: إنها نزلت على رسول الله ﷺ في مسِيره إلى حجة الوداع. ثم رواه من طريق أبى جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس.

قلت: وقد روى ابن مَرْدُويه من طريق أبي هارون العَيْدي، عن أبي سعيد الخدري؛ أنها أنزلت على رسول الله ﷺ يوم غَدِير خُم (٨) حين قال لعلي: "من كنتُ مولاه فَعَليٌّ مولاه". ثم رواه عن أبي هريرة (٩) وفيه: أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، يعني مرجعه ﵇ (١٠) من حجة الوداع.

(١) في ر: "هاشم".

(٢) في أ: "يوم".

(٣) زيادة من أ.

(٤) تفسير الطبري (٩/ ٥٣٠).

(٥) في أ: "ورفع".

(٦) المسند (١/ ٢٧٧) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٩٦): "فيه ابن لهيعة وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح".

(٧) زيادة من أ.

(٨) في ر: "غديرهم"

(٩) وفي إسناده أبو هارون العبدي شيعي متروك، لكن تابعه عطية العوفي رواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٧٣٧) "مجمع البحرين"، وحديث أبي هريرة رواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٧٣٨) "مجمع البحرين". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية: "ليس في الصحاح لكن هو مما رواه العلماء، وتنازع الناس في صحته فنقل عنه البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم طعنوا فيه وضعفوه، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه حسنه كما حسنه الترمذي". وقد جمع طرق هذا الحديث الشيخ ناصر الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٥٠).

(١٠) في أ: "ﷺ".

ج3 · ص29

ولا يصح هذا ولا هذا، بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية: أنها أنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسَمُرَة بن جندب، ﵃، وأرسله [عامر] (١) الشعبي، وقتادة بن دعامة، وشَهْر بن حَوْشَب، وغير واحد من الأئمة والعلماء، واختاره ابن جرير الطبري، رحمه (٢) الله.

وقوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها تعالى (٣) لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناول ذلك، والله غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر، وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه ويغفر له. وفي المسند وصحيح ابن حبَّان، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يحب أن تؤتى رُخْصته (٤) كما يكره أن تؤتى مَعْصِيته" (٥) لفظ ابن حبان. وفي لفظ لأحمد (٦) من لم يقبل رُخْصَة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة". (٧)

ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على مهجته (٨) التلف ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبا، و[قد] (٩) يكون مباحا بحسب الأحوال. واختلفوا: هل يتناول منها قدر ما يسد به الرَّمَق، أو له أن يشبع، أو يشبع ويتزود؟ على أقوال، كما هو مقرر في كتاب الأحكام. وفيما إذا وجد ميتة وطعام الغير، أو صيدًا (١٠) وهو محرم: هل يتناول الميتة، أو ذلك الصيد ويلزمه الجزاء، أو ذلك الطعام ويضمن بدله؟ على قولين، هما قولان للشافعي، ﵀. وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما، كما قد يتوهمه كثير من العوام (١١) وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا (١٢) بها المخمصة، فمتى تحل (١٣) لنا بها الميتة؟ فقال: "إذا لم تَصْطَبِحوا، ولم تَغْتَبِقُوا، ولم تَجتفئوا (١٤) بقْلا فشأنكم بها ".

تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين. وكذا رواه ابن جرير، عن عبد الأعلى بن واصل، عن محمد بن القاسم الأسدي، عن الأوزاعي به (١٥) لكن رواه بعضهم

(١) زيادة من أ.

(٢) في أ: "رحمهم".

(٣) في أ: "الله".

(٤) في د: "رخصه".

(٥) المسند (٢/ ١٠٨) وصحيح ابن حبان برقم (٥٤٥) "موارد" وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٦٢): "رجاله رجال الصحيح".

(٦) في د: "لفظ أحمد".

(٧) المسند (٢/ ٧١).

(٨) في د: "نفسه"، وفي أ: "مهجة"

(٩) زيادة من ر.

(١٠) في ر: "وصيدًا".

(١١) في ر: "الأعوام".

(١٢) في أ: "يصيبنا".

(١٣) في د: "فما يحل"، وفي أ: "فمتى يحل".

(١٤) في أ: "تحتفنوا".

(١٥) المسند (٥/ ٢١٨) وتفسير الطبري (٩/ ٥٣٨) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٢٥) من طريق الأوزاعي به وقال: "على شرطهما ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي فقال: "فيه انقطاع".

ج3 · ص30

عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن مسلم بن يزيد، عن أبي واقد، به (١) ومنهم من رواه عن الأوزاعي، عن حسان، عن مرثد -أو أبي مرثد-عن أبي واقد، به (٢) ورواه ابن جرير عن هناد بن السري، عن عيسي بن يونس، عن حسان، عن رجل قد سمي له، فذكره. ورواه أيضا عن هناد، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان، مرسلا (٣)

وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن عَوْن قال: وجدت عند الحسن كتاب سَمُرة، فقرأته عليه، فكان فيه: "ويُجزي من الأضرار غَبُوق أو صبوح ".

حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا هُشَيْم، عن الخَصيب بن زيد التميمي (٤) حدثنا الحسن، أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: [إلى] (٥) متى يحل [لي] (٦) الحرام؟ قال: فقال: "إلى متى يَرْوى أهلك من اللبن، أو تجيء مِيرَتُهم ".

حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، حدثنا عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة بن الزبير، عن جدته (٧)؛ أن رجلا من الأعراب أتى النبي ﷺ يستفتيه في الذي حرم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي ﷺ: "تَحِلُّ لك الطيبات، وتَحْرُم عليك الخبائث (٨) إلا أن تَفْتَقِر إلى طعام لا يحل لك، فتأكل منه حتى تَسْتَغْنِيَ عنه". فقال الرجل: وما فَقْرِي الذي يحل لي؟ وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي ﷺ: "إذا كنت ترجو نِتَاجًا، فتبلغ بلُحُوم ماشيتك إلى نتاجك، أو كنت ترجو غِنًى، تطلبه، فتبلغ من ذلك شيئا، فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه". فقال الأعرابي: ما غناي الذي أدعه إذا وجدته؟ فقال [النبي] (٩) ﷺ: "إذا أرويت أهلك غَبُوقا من الليل، فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام، وأما مالك فإنه ميسور كله، ليس فيه حرام". (١٠)

ومعنى قوله: "ما لم تصطبحوا": يعني به: الغداء، "وما لم (١١) تغتبقوا": يعني به: العشاء، "أو تختفئوا (١٢) بقلا (١٣) فشأنكم بها" [أي] (١٤) فكلوا منها. وقال ابن جرير: يروى هذا الحرف -يعني قوله: "أو تختفئوا (١٥) [بقلا] (١٦) على أربعة أوجه: "تختفئوا" بالهمزة، "وتحتفيوا" بتخفيف الياء والحاء، "وتحتفوا" بتشديد [الفاء] (١٧) وتحتفوا" بالحاء وبالتخفيف، ويحتمل الهمز، كذا ذكره في التفسير.

حديث آخر: قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا الفضل بن دُكَيْن، حدثنا عُقْبَة بن وَهْب بن عقبة العامري (١٨) سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري؛ أنه أتى رسول الله ﷺ فقال:

(١) رواهما الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٨٤) من طريق الأوزاعي به.

(٢) رواهما الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٨٤) من طريق الأوزاعي به

(٣) تفسير الطبري (٩/ ٥٤٢).

(٤) في أ: "يزيد التيمي".

(٥) زيادة من ر، أ.

(٦) زيادة من أ.

(٧) في أ: "عمن حدثه".

(٨) في ر، أ: "يحل لك الطيبات ويحرم عليك الخبائث".

(٩) زيادة من ر، أ.

(١٠) تفسير الطبري (٩/ ٥٤٠).

(١١) في أ: "ولم".

(١٢) في أ: "تحتفنوا".

(١٣) في د: "ليلا".

(١٤) زيادة من ر.

(١٥) في أ: "تحتفؤوا".

(١٦) زيادة من أ.

(١٧) زيادة من ر، أ.

(١٨) في أ: "وهب بن عقبة بن وهب العامري".

ج3 · ص31

ما يحل لنا من الميتة؟ قال: "ما طعامكم؟ " قلنا: نغتبق ونصطبح. قال أبو نعيم: فَسَّرَه لي عقبة: قدح غُدوة، وقدح عَشيَّة (١) قال: "ذَاكَ وأبي الجُوعُ". وأحل لهم الميتة على هذه (٢) الحال.

تفرد به أبو داود (٣) وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئًا لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم، وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ذلك بسد الرَّمَق، والله أعلم.

حديث آخر: قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا سماك، عن جابر بن سَمُرَة، أن رجلا نزل الحَرَّةَ، ومعه أهله وولده، فقال له رجل: إن ناقة لي ضَلَّت، فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها ولم يجد صاحبها، فمرضت فقالت امرأته: انحرها، فأبى، فَنَفَقَتْ، فقالت له امرأته: اسلخها حتى نُقدد شَحْمَها ولحمها فنأكله. فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ، فأتاه فسأله، فقال: "هل عندك غنًى يُغْنِيك؟ " قال: لا. قال: " فكلوها". قال: فجاء صاحبها فأخبره (٤) الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك.

تفرد به (٥) وقد يحتج به من يُجوز الأكل والشبع، والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها والله أعلم.

وقوله: (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ) أي: [غير] (٦) مُتَعَاطٍ لمعصية الله، فإن الله قد أباح ذلك له وسكت عن الآخر، كما قال في سورة البقرة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الآية: ١٧٣].

وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر؛ لأن الرخص لا تنال (٧) بالمعاصي، والله أعلم.

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾

لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إما في بَدَنِه، أو في دينه، أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة (٨) الضرورة، كما قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] قال بعدها: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) كما [قال] (٩) في سورة الأعراف في صفة محمد ﷺ: أنه ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الآية: ١٥٧].

(١) في أ: "عشوة".

(٢) في د، ر، أ: "هذا".

(٣) سنن أبي داود برقم (٢٨١٧).

(٤) في د: "فأخبر".

(٥) سنن أبي داود برقم (٢٨١٧).

(٦) زيادة من ر.

(٧) في أ: "لأن الترخص لا ينال".

(٨) في ر، أ: "في حال".

(٩) زيادة من أ.

ج3 · ص32

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، حدثني عبد الله بن لَهِيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جُبَيْر، عن عَدِيّ بن حاتم، وزيد بن المهَلْهِل الطائيين (١) سألا رسول الله ﷺ، فقالا يا رسول الله، قد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) قال سعيد [بن جبير] (٢) يعني: الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل: [بن حيان] (٣) [في قوله: (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)] (٤) فالطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه (٥) وهو الحلال من الرزق. وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي فقال: ليس هو من الطيبات.

رواه ابن أبي حاتم (٦) وقال ابن وَهْبٍ: سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس. فقال: ليس هو من الطيبات.

وقوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) أي: أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما اصطدتموه (٧) بالجوارح، وهي من الكلاب والفهود والصقور وأشباه ذلك، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، وممن قال ذلك: علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) وهن (٨) الكلاب المعلمة (٩) والبازي، وكل طير يعلم للصيد (١٠) والجوارح: يعني الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها.

رواه ابن أبى حاتم، ثم قال: وروي عن خَيْثَمَة، وطاوس، ومجاهد، ومكحول، ويحيى بن أبي كثير، نحو ذلك. وروي عن الحسن أنه قال: الباز والصقر من الجوارح. وروي عن علي بن الحسين مثله. ثم روي عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله، وقرأ قول الله [﷿] (١١) (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) قال: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك.

ونقله ابن جرير عن الضحاك والسُّدِّي، ثم قال: حدثنا هَنَّاد، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن جُرَيْجٍ، عن نافع، عن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير البُزاة وغيرها من الطير، فما أدركتَ فهو لك، وإلا فلا تطعمه.

قلت: والمحكي عن الجمهور أن صيد الطيور كصيد الكلاب (١٢)؛ لأنها تَكْلَبُ الصيد بمخالبها (١٣) كما تكلبه الكلاب، فلا فرق. وهذا (١٤) مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن جرير، واحتج في ذلك بما رواه عن هناد، حدثنا عيسي بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: "ما أمسك عليك فَكُلْ". (١٥)

(١) في أ: "الطائي".

(٢) زيادة من أ.

(٣) زيادة من د، أ.

(٤) زيادة من أ.

(٥) في أ: "أن تصيبوه"

(٦) سنن أبي داود برقم (٢٨١٧).

(٧) في د: " ما صدتموه".

(٨) في د: "وهي".

(٩) في أ: "المعلمين".

(١٠) في د، أ: "يعلم الصيد".

(١١) زيادة من ر.

(١٢) في د: "كالصيد بالكلاب".

(١٣) في ر: "بمخاليبها".

(١٤) في د: "وهو".

(١٥) تفسير الطبري (٩/ ٥٥٠).

ج3 · ص33

واستثنى الإمام أحمد صيد الكلب الأسود؛ لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يَقْطَع الصلاةَ الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ" فقلت: ما بال الكلب الأسود من الأحمر (١)؟ فقال: "الكلب الأسود شيطان" (٢) وفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالهم وبال الكلاب، اقتلوا (٣) منها كل أسود بَهِيم". (٤)

وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهن: جوارح، من الجرح، وهو: الكسب. كما تقول (٥) العرب: فلان جَرح أهله خيرا، أي: كسبهم خيرا. ويقولون: فلان لا جارح له، أي: لا كاسب له، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: ما كسبتم من خير وشر.

وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الكريمة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا زيد بن الحُبَاب، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبان بن صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى أم رافع، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ؛ أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، فقتلت، فجاء الناس فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت (٦) بقتلها؟ قال: فسكت، فأنزل الله: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) الآية. فقال رسول الله ﷺ: "إذا أرسل الرجل كلبه وسَمَّى، فأمسك عليه، فليأكل ما لم يأكل ".

وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كُرَيْب، عن زيد بن الحباب بإسناده، عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ليستأذن (٧) عليه، فأذن له فقال: قد أذنا لك يا رسول الله. قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب، قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة، فقتلت، حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فأمرني، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاءوا فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ، قال: فأنزل الله ﷿: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ)

ورواه الحاكم في مستدركه من طريق محمد بن إسحاق، عن أبَان بن صالح، به. وقال: صحيح ولم يخرجاه. (٨)

(١) في أ: "الأصفر".

(٢) صحيح مسلم برقم (٥١٠).

(٣) في أ: "وقالوا".

(٤) صحيح مسلم برقم (١٥٧٣) وسنن أبي داود برقم (٧٤) وسنن النسائي (١/ ١٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٦٥).

(٥) في أ: "يقول".

(٦) في د: "أمر".

(٧) في ر: "يستأذن عليه".

(٨) ورواه الطبري في تفسيره (٩/ ٥٤٥) من طريق زيد بن الحباب به، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٢٦) من طريق موسى بن عبيدة به. قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٤٢): "فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف". قلت: وقد توبع: تابعه محمد بن إسحاق. رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٣٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣١١) من طريق معلى بن منصور، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق به مختصرا.

ج3 · ص34

وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيْج، عن عِكْرَمة؛ أن رسول الله ﷺ بعث أبا (١) رافع في قتل الكلاب، حتى بلغ العَوالي فدخل (٢) عاصم بن عَدِيٍّ، وسعد بن خَيْثَمةَ، وعُوَيْم بن ساعدة، فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) [الآية] (٣)

ورواه الحاكم من طريق سِمَاك، عن عكرمة (٤) وهكذا قال محمد بن كعب القُرَظِيّ في سبب نزول هذه الآية: إنه في قتل الكلاب.

وقوله تعالى: (مُكَلِّبِينَ) يحتمل أن يكون حالا من الضمير في (عَلَّمْتُمْ) فيكون حالا من الفاعل، ويحتمل أن يكون حالا من المفعول وهو (الْجَوَارِحِ) أي: وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلَّبات للصيد، وذلك أن تقتنصه (٥) [الجوارح] (٦) بمخالبها أو أظفارها (٧) فيستدل بذلك -والحالة هذه-على أن الجارحة إذا قتل الصيد بصدمته أو بمخلابه وظفره أنه لا يحل، كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء؛ ولهذا قال: (تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ) وهو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا أشلاه استشلى (٨) وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه؛ ولهذا قال تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) فمتى كان (٩) الجارحة معلما وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عند إرساله حل الصيد، وإن قتله بالإجماع.

وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين عن عَدِيّ بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلَّمة وأذكر اسم الله. فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك (١٠) عليك". قلت: وإن قتلن؟ قال: "وإن قتلن ما لم يشركها كلب (١١) ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره". قلت له: فإني أرمي بالمِعْرَاض الصيد فأصيب؟ فقال: "إذا رميت بالمعراض فَخَزق (١٢) فكله، وإن أصابه بعَرْض فإنه وَقِيذٌ، فلا تأكله". وفي لفظ لهما: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخْذ الكلب ذكاته". وفي رواية لهما: "فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه." (١٣) فهذا دليل للجمهور (١٤) وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا، ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث. وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لا يحرم مطلقا.

(١) في أ: "بعث أبي" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.

(٢) في د: "فجاء".

(٣) زيادة من د.

(٤) تفسير الطبري (٩/ ٥٤٦) والمستدرك (٢/ ٣١١).

(٥) في د: "تصيد".

(٦) زيادة من ر.

(٧) في أ: "وأظفارها".

(٨) أشلاه استشلى: أي دعاه إليه.

(٩) في أ: "كانت".

(١٠) في أ: "أمسكن".

(١١) في ر: "كلب ما".

(١٢) في أ: "فخرق"

(١٣) صحيح البخاري برقم (٥٤٨٣) وصحيح مسلم برقم (١٩٢٩).

(١٤) في ر، أ: "الجمهور".