سورة المائدة

ซูเราะฮ์ที่ 5 · ตอน 14/16 · เล่ม 3 หน้า 200–214

ج3 · ص200

وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع، وقال: نَقِيقُها تسبيح. (١)

وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السمك، ولا يؤكل الضفدع. واختلفوا فيما سواهما، فقيل: يؤكل سائر ذلك، وقيل: لا يؤكل. وقيل: ما أكل شبهه من البر أكل مثله في البحر، وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل. وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي، ﵀.

وقال أبو حنيفة، ﵀: لا يؤكل ما مات في البحر، كما لا يؤكل ما مات في البر؛ لعموم قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣].

وقد ورد حديث بنحو ذلك، فقال ابن مردويه:

حدثنا عبد الباقي -هو ابن قانع-حدثنا الحسين بن إسحاق التُّسْتَرِيّ وعبد الله بن موسى بن أبي عثمان قالا حدثنا الحسين بن زيد الطحان، حدثنا حفص بن غِياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "ما صِدْتُموه وهو حي فمات فكلوه، وما ألقى البحر ميتًا طافيًا فلا تأكلوه".

ثم رواه من طريق إسماعيل بن أمية، ويحيى بن أبي أُنَيْسَة، عن أبي الزبير عن جابر به. وهو منكر. (٢)

وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، بحديث "العَنْبَر" المتقدم ذكره، وبحديث: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، وقد تقدم أيضًا.

وروى الإمام أبو عبد الله الشافعي، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "أحِلَّت لنا ميتتان ودَمَان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال".

ورواه أحمد وابن ماجه، والدارقطني والبيهقي. وله شواهد، وروي (٣) موقوفًا، والله أعلم.

وقوله: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) أي: في حال إحرامكم يحرم (٤) عليكم الاصطياد. ففيه دلالة على تحريم ذلك (٥) فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدًا أثمَ وغَرم، أو مخطئًا غرم وحرم عليه أكله؛ لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك والشافعي -في أحد قوليه-وبه يقول عطاء، والقاسم، وسالم، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم. فإن

(١) لم أجده عند البحث في سنن النسائي ولعلى أتداركه فيما بعد. ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٨٥٢) من طريق الحجاج بن محمد عن شعبة عن قتادة عن زرارة بن أوفي عن عبد الله بن عمرو به.

(٢) ونكارته؛ لمخالفته الاية والأحاديث الصحيحة مثل حديث: "هو الطهور ماؤه"، وحديث العنبر.

(٣) مسند الشافعي برقم (١٧٣٤) ومسند أحمد (٢/ ٩٧) ومضى تخريجه عند الآية: ٣ من هذه السورة.

(٤) في د: "فحرام".

(٥) في د: "التحريم".

ج3 · ص201

أكله أو شيئًا منه، فهل يلزمه جزاء؟ فيه قولان للعلماء:

أحدهما: نعم، قال عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، قال: إن ذبحه ثم أكله فكفارتان، وإليه ذهب طائفة.

والثاني: لا جزاء عليه بأكله. نص عليه مالك بن أنس.

قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء. ثم وجهه أبو عمر بما لو وطئ ثم وطئ ثم وطئ قبل أن يحد، فإنما عليه حد واحد. (١)

وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل.

وقال أبو ثور: إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه، وحلال أكل ذلك الصيد، إلا أنني أكرهه للذي قتله، للخبر عن رسول الله ﷺ: "صَيْد البَرِّ لكم حلال، ما لم تُصِيدوه

أو يُصَدْ لكم".

وهذا الحديث سيأتي بيانه. وقوله بإباحته للقاتل غريب، وأما لغيره ففيه خلاف. قد ذكرنا المنع عمن تقدم. وقال آخرون. بإباحته لغير القاتل، سواء المحرمون والمحلون؛ لهذا الحديث. والله أعلم.

وأما إذا صاد (٢) حَلال صيدًا فأهداه إلى محرم، فقد ذهب (٣) ذاهبون إلى إباحته مطلقًا، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده لأجله أم لا. حكى هذا القول أبو عمر بن عبد البر، عن عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، والزبير بن العوام، وكعب الأحبار، ومجاهد وعطاء -في رواية-وسعيد بن جبير. قال: وبه قال الكوفيون.

قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بَزِيع، حدثنا بِشْر بن المفضل، حدثنا سعيد، عن قتادة، أن سعيد بن المسيب حدثه، عن أبى هريرة؛ أنه سئل عن لحم صيد صاده حَلال، أيأكله المحرم؟ قال: فأفتاهم بأكله. ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعتُ لك رأسك.

وقال آخرون: لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك مطلقًا؛ لعموم هذه الآية الكريمة.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن ابن طاوس وعبد الكريم بن أبي أميَّة، عن طاوس، عن ابن عباس؛ أنه كره أكل لحم الصيد للمحرم. وقال: هي مبهمة. يعني قوله: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا).

قال: وأخبرني معمر، عن الزهري، عن ابن عمر؛ أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال.

(١) الاستذكار لابن عبد البر (١١/ ٣١٢).

(٢) في د: "صاده".

(٣) في د: "فذهبا".

ج3 · ص202

قال معمر: وأخبرني أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، مثله.

قال ابن عبد البر: وبه قال طاوس، وجابر بن زيد، وإليه ذهب الثوري، وإسحاق بن راهويه -في رواية-وقد روي نحوه عن علي بن أبي طالب، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: أن عليًا كره لحم الصيد للمحرم على كل حال.

وقال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه -في رواية-والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد، لم يجز للمحرم أكله؛ لحديث الصعب بن جثامة: أنه أهدى للنبي ﷺ حمارًا وحشيًا، وهو بالأبواء -أو: بوَدّان-فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: "إنا لم نرُدَّه عليك إلا أنّا حُرُم".

وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وله ألفاظ كثيرة (١) قالوا: فوجهه أن النبي ﷺ ظن أن هذا إنما صاده من أجله، فرده لذلك. فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه؛ لحديث أبي قتادة حين صاد حمار وَحْش، كان حلالا لم يحرم، وكان أصحابه محرمين، فتوقفوا في أكله. ثم سألوا رسول الله ﷺ فقال: "هل كان منكم أحد أشار إليها، أو أعان في قتلها؟ " قالوا: لا. قال: "فكلوا". وأكل منها رسول الله ﷺ.

وهذه القصة ثابتة أيضًا في الصحيحين بألفاظ كثيرة. (٢)

وقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ -وقال قتيبة في حديثه: سمعت رسول الله ﷺ-يقول: "صيد البر لكم حلال -قال سعيد: وأنتم حرم-ما لم تُصِيدوه أو يُصَدْ لكم".

وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي جميعًا، عن قتيبة. وقال الترمذي: لا نعرف للمطلب سماعًا من جابر. (٣)

ورواه الإمام محمد بن إدريس الشافعي، من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن مولاه المطلب، عن جابر ثم قال: وهذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس.

وقال مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عثمان بن عفان بالعَرْج، وهو محرم في يوم صائف، قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتي بلحم صيد فقال

(١) صحيح البخاري برقم (١٨٢٥، ٢٥٧٣) وصحيح مسلم برقم (١١٩٣).

(٢) صحيح البخاري برقم (٢٩١٤، ٥٤٩٠) وصحيح مسلم برقم (١١٩٦).

(٣) سنن أبي داود برقم (١٨٥١) وسنن الترمذي برقم (٨٤٦) وسنن النسائي (٥/ ١٨٧).

ج3 · ص203

لأصحابه: كلوا، فقالوا: أوَلا تأكل أنت؟ فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي. (١) (٢)

﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾

يقول تعالى لرسوله ﷺ: (قُلْ) يا محمد: (لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ) أي: يا أيها الإنسان (كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) يعني: أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار، كما جاء في الحديث: "ما قَلَّ وكَفَى، خَيْرٌ مما كَثُر وألْهَى".

وقال أبو القاسم البَغَوِيُّ في معجمه: حدثنا أحمد بن زُهَيْر، حدثنا الحَوْطِي، حدثنا محمد بن شعيب، حدثنا مُعان (٣) بن رِفاعة، عن أبي عبد الملك علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أنه أخبره عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا. فقال النبي ﷺ: "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه". (٤)

(فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ) أي: يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة، وتجنبوا الحرام ودعوه، واقنعوا بالحلال واكتفوا به (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: في الدنيا والآخرة.

ثم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) هذا تأديب من الله [تعالى] (٥) لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا (عَنْ أَشْيَاءَ) مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها، كما جاء في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يُبْلغني أحد عن أحد شيئًا، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر". (٦)

وقال البخاري: حدثنا مُنْذِر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن

(١) الموطأ (١/ ٣٥٤)

(٢) لم يتعرض الحافظ ابن كثير ﵀ لتفسير بقية الآيات، كما في جميع النسخ المخطوطة، ولعل ذلك -والله أعلم- لأنه قد تطرق إلى تفسير معانيها في متشابهتها في سورة البقرة.

(٣) في د: "يعلى".

(٤) ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٢٠١) وابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٢٨٤) من طريق معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن به، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني وهو متروك. وللفاضل عداب الحمش رسالة في الذب عن ثعلبة بن حاطب بين فيها نكارة هذه القصة وتوسع في ذلك.

(٥) زيادة من د.

(٦) رواه أبو داود في السنن برقم (٤٨٦٠) والترمذي في السنن برقم (٣٨٩٦) من حديث عبد الله بن مسعود، ﵁، وسيأتي سياقه.

ج3 · ص204

موسى بن أنس، عن أنس بن مالك قال: خطب النبي ﷺ خُطبة ما سمعت مثلها قط، قال "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا" قال: فغطّى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم حنين. فقال رجل: من أبي؟ قال: "فلان"، فنزلت هذه الآية: (لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ)

رواه النَّضْر وروح بن عبادة، عن شعبة (١) وقد رواه البخاري في غير هذا الموضع، ومسلم، وأحمد، والترمذي، والنسائي من طرق عن شعبة بن الحجاج، به. (٢)

وقال ابن جرير: حدثنا بِشْر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) الآية، قال: فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه: أن رسول الله ﷺ سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر، فقال: "لا تسألوا اليوم عن شيء إلا بينته لكم". فأشفق أصحاب رسول الله ﷺ أن يكون بين يدي أمر قد حَضَر، فجعلت لا ألتفت يمينًا ولا شمالا إلا وجدت كلا لافا رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يُلاحي فيدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ قال: "أبوك حذافة". قال: ثم قام عمر -أو قال: فأنشأ عمر-فقال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولا عائذًا بالله -أو قال: أعوذ بالله-من شر الفتن قال: وقال رسول الله ﷺ: "لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط". أخرجاه من طريق سعيد. (٣)

ورواه مَعْمَر، عن الزهري، عن أنس بنحو ذلك -أو قريبًا منه-قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدًا أعق منك قط، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفَتْ ما قارفَ أهلُ الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس، فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقتُه. (٤)

وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا قَيْس، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وهو غضبان محمارّ وجهه حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: أين أبي (٥)؟ فقال: "في النار" فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: "أبوك حذافة"، فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إمامًا، إنا يا رسول الله حَدِيثو عهد بجاهلية وشرْك، والله أعلم من آباؤنا. قال: فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (٦) إسناده جيد. (٧)

وقد ذكر هذه القصة (٨) مرسلة غير واحد من السلف، منهم أسباط عن السُّدِّي أنه قال في قوله:

(١) صحيح البخاري برقم (٤٦٢١).

(٢) صحيح البخاري برقم (٦٤٨٦، ٧٢٩٥) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٩) والمسند (٣/ ٢١٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٦).

(٣) تفسير الطبري (١١/ ١٠٠) وصحيح البخاري برقم (٧٠٩١) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٩).

(٤) رواه الطبري في تفسيره (١١/ ١٠٢) من طريق معمر به.

(٥) في د: "أين أنا".

(٦) تفسير الطبري (١١/ ١٠٣).

(٧) في د: "إسناد جيد".

(٨) في د: "ذكرها".

ج3 · ص205

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) قال: غضب رسول الله ﷺ يومًا من الأيام، فقام خطيبًا فقال: "سلوني، فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به". فقام إليه رجل من قريش، من بني سهم، يقال له: عبد الله بن حُذَافة، وكان يُطْعَن فيه، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ فقال: "أبوك فلان"، فدعاه لأبيه، فقام إليه عمر بن الخطاب فقبل رجله، وقال: يا رسول الله، رضينا بالله ربًّا، وبك نبيًا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، فاعف عنا عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي، فيومئذ قال: "الولد للفِرَاش وللعاهرِ الحَجَر".

ثم قال البخاري: حدثنا الفَضْل بن سَهْل، حدثنا أبو النَّضْر، حدثنا أبو خَيْثَمَة، حدثنا أبو الجُويرية، عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تَضل ناقتُه: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) حتى فرغ من الآية كلها. تفرد (١) به البخاري. (٢)

وقال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وَرْدَان الأسدي، حدثنا عليّ بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البَخْتَريّ -وهو سعيد بن فيروز-عن (٣) علي قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: يا رسول الله، في (٤) كل عام؟ فسكت. فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال: "لا ولو قلت: نعم لوجبت"، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) إلى آخر الآية.

وكذا رواه الترمذي وابن ماجه، من طريق منصور بن وردان، به (٥) وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وسمعت البخاري يقول: أبو البختري لم يدرك عليًّا.

وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إبراهيم بن مسلم الهَجَرِيّ، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله كتب عليكم الحج" فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتى عاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: "من السائل؟ " فقال: فلان. فقال: "والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم لوَجَبَتْ، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم"، فأنزل الله، ﷿: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) حتى ختم الآية.

ثم رواه ابن جرير من طريق الحسين بن واقد، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة -وقال: فقام مِحْصَن الأسدي-وفي رواية من هذه الطريق: عُكَاشة بن محْصن-وهو أشبه. (٦)

(١) في د: "رواه".

(٢) صحيح البخاري برقم (٤٦٢٢).

(٣) في د: "وعن".

(٤) في د: "أفي".

(٥) المسند (١/ ١١٣) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٥) وسنن ابن ماجة برقم (٢٨٨٤)

(٦) تفسير الطبري (١١/ ١٠٥).

ج3 · ص206

وإبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف.

وقال ابن جرير أيضًا: حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري قال: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن ابن أبي الغمر، حدثنا ابو مطيع معاوية بن يحيى، عن صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: قام رسول الله ﷺ في الناس فقال: "كتب عليكم الحج". فقام رجل من الأعراب فقال: أفي كل عام؟ قال: فَغَلقَ كلام رسول الله ﷺ، وأسكت واستغضب، ومكث طويلا ثم تكلم فقال: "من السائل؟ " فقال الأعرابي: أنا ذا، فقال: "ويحك، ماذا يؤمنك أن أقول: نعم، والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، ألا إنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحَرَج، والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض، وحرمت عليكم منها موضع خُفٍّ، لوقعتم فيه" قال: فأنزل الله عند ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) إلى آخر الآية. (١) في إسناده ضعف.

وظاهر (٢) الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا أعلم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها. وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال:

حدثنا حَجَّاج قال: سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هشام مولى الهمداني، عن زيد بن زائد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "لا يبلغني أحد عن أحد شيئًا؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" الحديث.

وقد رواه أبو داود والترمذي، من حديث إسرائيل (٣) -قال أبو داود: عن الوليد-وقال الترمذي: عن إسرائيل-عن السدي، عن الوليد بن أبي هاشم، به. ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه.

وقوله: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) أي: وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على الرسول تُبَيَّن لكم، وذلك [على الله] (٤) يسير.

ثم قال (٥) (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) أي: عما كان منكم قبل ذلك، (وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)

وقيل: المراد بقوله: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) أي: لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها، فلعلَّه قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق (٦) وقد ورد في الحديث: "أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يُحَرّم فحرم من أجل مسألته" (٧) ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها حينئذ، تبينت لكم لاحتياجكم إليها. (٨)

(١) تفسير الطبري (١١/ ١٠٧).

(٢) في د: "فظاهر".

(٣) المسند (١/ ٣٩٥) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦٠) وسنن الترمذي برقم (٣٨٩٦).

(٤) زيادة من د.

(٥) في د: "وقوله".

(٦) في د: "أو تعسير".

(٧) رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٢٨٩) ومسلم في صحيحه برقم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص.

(٨) في د: "إليه".

ج3 · ص207

(عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) أي: ما لم يذكره (١) في كتابه فهو مما عفا عنه، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها. وفي الصحيح، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ذروني ما تُرِكْتُم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم". (٢)

وفي الحديث الصحيح أيضًا: " إن الله فرض فرائض فلا تُضيِّعُوها، وحَدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وحَرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غَيْرَ نِسْيان فلا تسألوا عنها". (٣)

ثم قال: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) أي: قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قومٌ من قبلكم، فأجيبوا عنها ثم لم يؤمنوا بها، فأصبحوا بها كافرين، أي: بسببها، أي: بينت لهم ولم (٤) ينتفعوا بها لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، وإنما سألوا على وجه التعنت والعناد.

قال، العَوْفِي، عن ابن عباس قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) وذلك أن رسول الله ﷺ أذّن في الناس فقال: "يا قوم كتب عليكم الحج". فقام (٥) رجل من بني أسد فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فأغْضبَ رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا فقال: "والذي نفسي بيده لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما (٦) استطعتم، وإذًا لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه". فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين. فنهى الله عن ذلك وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ (٧) ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه (٨) رواه ابن جرير.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) قال: لما نزلت آية الحج، نادى النبي ﷺ في الناس فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا". فقالوا: يا رسول الله، أعامًا واحدًا أم كل عام؟ فقال: "لا بل عامًا واحدًا، ولو قلت: كل عام لوجبت، ولو وجبت لكفرتم". ثم قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) إلى قوله: (ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) (٩) رواه ابن جرير.

وقال خَصِيف، عن مجاهد، عن ابن عباس: (لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) قال: هي البحيرة والوصيلة والسائبة والحام، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك (١٠) "ما جعل الله من بحيرة ولا كذا ولا كذا"، قال: وأما عكرمة فقال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات، فنهوا عن ذلك. ثم قال: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) رواه ابن جرير.

(١) في د: "لم يذكرها".

(٢) صحيح مسلم برقم (١٣٣٧).

(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٣) من طريق داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني به مرفوعًا.

(٤) في د: "فلم".

(٥) في د: "فقال".

(٦) في د: "لما".

(٧) في د: "لتغليظ".

(٨) في د: "بيانه".

(٩) في د: " إلى قوم بها كافرين " وهو خطأ".

(١٠) في د: "قال بعدها".

ج3 · ص208

يعني عكرمة ﵀: أن المراد بهذا النهي عن سؤال وقوع الآيات، كما سألت قريش أن يجري لهم أنهارًا، وأن يجعل لهم الصَّفَا ذهبا وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١١].

﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾

قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كَيْسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب قال: "البحيرة": التي يُمْنَعُ درّها للطواغيت، فلا يَحْلبها (١) أحد من الناس. و"السائبة": كانوا يسيبونَها لآلهتهم، لا يحمل عليها شيء -قال: وقال (٢) أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: "رأيت عمْرَو بن عامر الخزاعي يجُرّ قُصْبَه في النار، كان أول من سيب السوائب"-و"الوصيلة": الناقة البكر، تُبَكّر في أول نتاج الإبل، ثم تُثَنّي بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم، إن وصلت إحْدَاهما بالأخرى ليس بينهما ذكَر. و"الحام": فحل الإبل يَضربُ الضرّابَ المعدود، فإذا قضى ضرابه وَدَعُوه للطواغيت، وأعفوه عن الحَمْل، فلم يُحْمَل عليه شيء، وسَمّوه (٣) الحامي.

وكذا رواه مسلم والنسائي، من حديث إبراهيم بن سعد، به. (٤)

ثم قال البخاري: وقال لي أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: سمعت سعيدًا يخبر بهذا. وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ نحوه. ورواه ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. (٥)

قال الحاكم: أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بُخْت، عن الزهري. كذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزني في "الأطراف" وسكت ولم ينبه عليه. وفيما قاله الحاكم نظر، فإن الإمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه من حديث الليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن

(١) في د: "عليها".

(٢) في د: "فقال".

(٣) في د: "ويسموه".

(٤) صحيح البخاري برقم (٤٦٢٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٥٦).

(٥) صحيح البخاري برقم (٤٦٢٣).

ج3 · ص209

الزهري نفسه. (١) والله أعلم.

ثم قال البخاري: حدثنا محمد بن أبي يعقوب أبو عبد الله الكِرْماني، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عُرْوَة؛ أن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "رأيت جَهَنَّم يَحْطِمُ بعضها بعضًا، ورأيت عَمْرًا يجر قُصْبه، وهو أول من سيب السوائب". تفرد به البخاري. (٢)

وقال ابن جرير: حدثنا هَنَّاد، حدثنا يونس بن بُكَير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجَوْن: "يا أكثم، رأيت عَمْرو بن لُحَيّ بن قَمعَةَ بن خِنْدف يجر قُصْبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك". فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال (٣) رسول الله ﷺ: "لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غَيّر دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيّب السائبة، وحمى الحامي". ثم رواه عن هناد، عن عبدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه أو مثله. (٤)

ليس هذان الطريقان في الكتب.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عمرو بن مُجَمِّع، حدثنا إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "إن أول من سَيَّب السوائب، وعبد الأصنام، أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار". تفرد به أحمد من هذا الوجه. (٥)

وقال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير دين إبراهيم ﵇". قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: "عمرو بن لُحَيّ أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قُصْبه في النار، يُؤذي ريحه أهل النار. وإني لأعرف أول من بحر البحائر". قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: "رجل من بني مُدْلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما، وحرم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك، فلقد رأيته في النار وهما يعضّانه بأفواههما ويخبطانه (٦) بأخفافهما". (٧)

فعمرو هذا هو ابن لحي بن قَمَعَة، أحد رؤساء خزاعة، الذين ولَوا البيت بعد جَرْهم. وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب

(١) المسند (٢/ ٣٦٦) وتفسير الطبري (١١/ ١١٦).

(٢) صحيح البخاري برقم (٤٦٢٤).

(٣) في د: "قال".

(٤) تفسير الطبري (١١/ ١١٧) ورواه ابن هشام في السيرة النبوية (١/ ٧٨) من طريق محمد بن إسحاق به.

(٥) المسند (١/ ٤٤٦) وفي إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف، لكن للحديث شواهد من حديث عائشة وأبي هريرة المتقدمين، وانظر كلام الشيخ ناصر الألباني في السلسة الصحيحة برقم (١٦٧٧).

(٦) في د: "ويطآنه".

(٧) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٩١) ورواه الطبري في تفسيره (١١/ ١٢٠) من طريق عبد الرزاق به.

ج3 · ص210

بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام، عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] إلى آخر الآيات في ذلك.

فأما البحيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هي الناقة إذا نتجت خمسة أبْطُن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرًا ذبحوه، فأكله الرجال دون النساء. وإن كان (١) أنثى جدعوا آذانها، فقالوا: هذه بحيرة.

وذكر السُّدِّي وغيره قريبًا من هذا.

وأما السائبة، فقال مجاهد: هي من الغنم نحو ما فسر من البحيرة، إلا أنها ما ولدت من ولد كان بينها وبين ستة أولاد كان على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكرًا أو ذكرين، ذبحوه، فأكله رجالهم دون نسائهم.

وقال محمد بن إسحاق: السائبة: هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر، سُيّبت فلم تركب، ولم يُجَزّ وبرها، ولم يحلب لبنها إلا الضيف.

وقال أبو روق: السائبة: كان الرجل إذا خرج فَقُضيت حاجته، سَيَّب من ماله ناقة أو غيرها، فجعلها للطواغيت. فما ولدت من شيء كان لها.

وقال السُّدِّي: كان الرجل منهم إذا قُضيت حاجته أو عُوفي من مرض أو كثر ماله سَيَّب شيئًا من ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس عُوقب بعقوبة (٢) في الدنيا.

وأما الوصيلة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا إلى السابع، فإن كان ذكرًا أو أنثى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكرًا وأنثى في بطن استحيوهما وقالوا: وصلته أخته فحرمته علينا. رواه ابن أبي حاتم.

وقال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: (وَلا وَصِيلَةٍ) قال: فالوصيلة من الإبل، كانت الناقة تبتكر بأنثى، ثم تثنى بأنثى، فسموها الوصيلة، ويقولون: وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم.

وكذا روي عن الإمام مالك بن أنس، ﵀.

وقال محمد بن إسحاق: الوصيلة من الغنم: إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن، توأمين توأمين في كل بطن، سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى، جعلت للذكور دون الإناث. وإن كانت ميتة اشتركوا فيها.

وأما الحام، فقال العَوْفي، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا لقح فحله عشرًا، قيل حام، فاتركوه.

(١) في د: "كانت".

(٢) في د: "يغربه".

ج3 · ص211

وكذا قال أبو روق، وقتادة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وأما الحام فالفحل من الإبل، إذا وُلد لولده قالوا: حَمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه شيئًا، ولا يجزون له وبرًا، ولا يمنعونه من حمى رعي، ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه.

وقال ابن وَهْب: سمعت مالكًا يقول: أما الحام فمن الإبل كان يضرب في الإبل، فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيّبوه.

وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية. وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم، من طريق أبي إسحاق السَّبِيعي، عن أبي الأحوص الجُشَمي، عن أبيه مالك بن نَضْلَة قال: أتيت النبي ﷺ في خَلْقان من الثياب، فقال لي: "هل لك من مال؟ " قلت (١) نعم. قال: "من أيّ المال؟ " قال: فقلت: من كل المال، من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: "فإذا آتاك الله مالا فلْيُرَ عليك". ثم قال: "تنتج إبلك وافية آذانها؟ " قال: قلت: نعم. قال: "وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ " قال: "فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها وتقول: هذه بحير، وتشق آذان طائفة منها، وتقول: هذه حرم؟ " قلت: نعم. قال: "فلا تفعل، إن كل ما آتاك الله لك حل"، ثم قال: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ) أما البحيرة: فهي التي يجدعون آذانها، فلا تنتفع امرأته ولا بناته ولا أحد من أهل بيته بصوفها ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها، فإذا ماتت اشتركوا فيها. وأما السائبة: فهي التي يسيبون لآلهتهم، ويذهبون إلى آلهتهم فيسيبونها، وأما الوصيلة: فالشاة تلد ستة أبطن، فإذا ولدت السابع (٢) جدعت وقطع قرنها، فيقولون: قد وصلت، فلا يذبحونها ولا تضرب ولا تمنع مهما وردت على حوض. هكذا يذكر تفسير ذلك مدرجًا في الحديث. وقد روي من وجه آخر عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عوف بن مالك، من قوله، وهو أشبه. (٣)

وقد روى هذا الحديث (٤) الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه، به. وليس فيه تفسير هذه (٥) والله أعلم.

وقوله: (وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) أي: ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين افتروا ذلك (٦) وجعلوه شرعًا لهم وقربة يتقربون بها إليه. وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وبال عليهم.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) أي: إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه وتَرْك ما حرمه، قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباءَ والأجداد من الطرائق والمسالك، قال الله تعالى (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا) أي: لا يفهمون حقًا، ولا

(١) في د: "فقلت".

(٢) في د: "وتلد السابع".

(٣) ورواه الطبري في تفسيره (١١/ ١٢٢) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن أبيه به.

(٤) في د: "وروى الحديث".

(٥) المسند (٤/ ١٣٦).

(٦) في د: "ولكن افتروه المشركون".

ج3 · ص212

يعرفونه، ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه؟ لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم، وأضل سبيلا.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾

يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبرًا لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريبًا منه أو بعيدًا.

قال العَوْفي عن ابن عباس عند تفسر هذه الآية: يقول تعالى: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال والحرام (١) فلا يضره من ضل بعده، إذا عمل بما أمرته به.

وكذا (٢) روى الوالبي عنه. وهكذا قال مُقَاتِل بن حَيان. فقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) نصب على الإغراء (لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: فيجازي (٣) كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

وليس في الآية مسْتَدلٌّ (٤) على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا كان فعل ذلك ممكنًا، وقد قال الإمام أحمد (٥) ﵀:

حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زُهَيْر -يعني ابن معاوية-حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قَيْس قال: قام أبو بكر، ﵁، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها (٦) الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) إلى آخر الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ قال: "إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله، ﷿، أن يَعُمَّهُمْ بعِقَابه". قال: وسمعت أبا بكر يقول: يا أيها الناس، إياكم والكَذِب، فإن الكذب مجانب (٧) الإيمان.

وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حِبَّان في صحيحه، وغيرهم (٨) من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي خالد، به متصلا مرفوعًا، ومنهم من رواه عنه به موقوفًا على الصديق (٩) وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره (١٠) وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولا في

(١) في د: "ونهيته عنه".

(٢) في د: "وهكذا".

(٣) في د: "ليجازي".

(٤) في د: "وليس فيها دليل".

(٥) في د: "قال أحمد".

(٦) في د: "يا أيها".

(٧) في د: "يجانب".

(٨) المسند (١/ ٥) وسنن أبي داود برقم (٤٣٣٨) وسنن الترمذي برقم (٢١٦٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٥٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٥).

(٩) رواه أبو يعلى في المسند (١/ ١١٨) من طريق شعبة، عن الحكم، عن قيس بن أبي حازم به موقوفًا.

(١٠) العلل للدارقطني (١/ ٢٥٣).

ج3 · ص213

مسند الصديق، ﵁.

وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا سعيد بن يعقوب الطَالَقَاني، وحدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا عتبة بن أبي حكيم، حدثنا عمرو بن جارية (١) اللخمي، عن أبي أمية الشَّعْباني (٢) قال: أتيت أبا ثعلبة الخُشَنِي فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ فقال: أيَّة آية؟ قلت: قوله [تعالى] (٣) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله ﷺ فقال: "بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبعًا، ودنيا مُؤْثَرة، وإعجابَ كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصّة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القَبْضِ على الجَمْرِ، للعامل فيهن مثلُ أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم" -قال عبد الله بن المبارك: وزاد غير عتبة: قيل يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منهم أو منا؟ قال: "بل أجر خمسين منكم".

ثم قال (٤) الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح. وكذا رواه أبو داود من طريق ابن المبارك ورواه ابن ماجه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عتبة بن أبي حكيم. (٥)

وقال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر، عن الحسن أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله (٦) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) فقال: إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم (٧) مقبولة. ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانها، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا -أو قال: فلا يقبل منكم-فحينئذ (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ)

ورواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع عن أبي العالية، عن ابن مسعود في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) الآية، قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن الله يقول: ([يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] (٨) (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) الآية. قال: فسمعها (٩) ابن مسعود فقال: مَهْ، لم يجئ تأويل هذه بعد (١٠) إن القرآن أنزل حيث أنزل (١١) ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله ﷺ، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة، ومنه آي

(١) في د: "ابن الحارث".

(٢) في د: "الشعثاني".

(٣) زيادة من د.

(٤) في د: "فقال".

(٥) سنن الترمذي برقم (٣٠٥٨) وسنن أبي داود برقم (٤٣٤١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١٤) وتفسير الطبري (١١/ ١٤٥).

(٦) في د: "سئل عن قوله".

(٧) في د: "ليس زمانها اليوم".

(٨) زيادة من د.

(٩) في د: "فردها".

(١٠) في د: "تأويلها".

(١١) في د: "نزل".

ج3 · ص214

يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار. فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة ولم تلْبَسوا شِيعًا، ولم يَذُق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا. فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبسْتُم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه، عند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية. رواه ابن جرير. (١)

وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عَرفة، حدثنا شبابة بن سَوّار، حدثنا الربيع بن صُبَيْح، عن سفيان بن عقال قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)؟ فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي أن (٢) رسول الله ﷺ قال: "ألا فليبلّغ الشاهد الغائب". فكنا نحن الشهود وأنتم الغُيّب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم. (٣)

وقال أيضًا: حدثنا محمد بن بَشَّار، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم قالا حدثنا عَوْف، عن سوَّار بن شَبِيب قال: كنت عند ابن عمر، إذ أتاه (٤) رجل جَليد في العين، شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألو (٥) وكلهم بغيض إليه أن يأتي دَناءة، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك. فقال رجل من القوم: وأيّ دناءة تريد أكثرَ من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك؟

فقال الرجل: إني لست إياك أسأل، إنما أسأل الشيخ. فأعاد على عبد الله الحديث، فقال عبد الله: لعلك ترى، لا أبالك، أني سآمرك أن تذهب فتقتلهم! عظْهم وانههم، فإن عصوك فعليك نَفْسك (٦) فإن الله، ﷿ يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) الآية.

وقال أيضًا: حدثني أحمد بن المقدام، حدثنا المعتَمِر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا قتادة، عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ) فقال أكْبَرهم (٧) لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم.

وقال: حدثنا القاسم، حدثنا الحُسَين، حدثنا ابن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن جُبَير بن نُفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله ﷺ، وإني لأصغرُ القوم، فتذاكروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)؟ فأقبلوا عليّ بلسان واحد وقالوا: تنزع آية من القرآن ولا تعرفها، ولا تدري ما تأويلها!! حتى تمنّيت (٨) أني لم أكن تكلمتُ، وأقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام

(١) تفسير الطبري (١١/ ١٤٣).

(٢) في د: "لأن".

(٣) تفسير الطبري (١١/ ١٣٩).

(٤) في د: "فأتاه".

(٥) في د: "ولا يألو".

(٦) في د: "بنفسك".

(٧) في د: "أكثرهم".

(٨) في د: "فتمنيت".