سورة المائدة

ซูเราะฮ์ที่ 5 · ตอน 12/16 · เล่ม 3 หน้า 170–184

ج3 · ص170

وقال: حسن غريب (١) وقد روي من وجه آخر مرسلا وروي موقوفًا على ابن عباس، فالله أعلم.

وقال سفيان الثوري ووَكِيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قَيْس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ، وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]) (٢).

أخرجاه من حديث إسماعيل (٣). وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة، والله أعلم.

وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عمرو بن شُرحبيل قال: جاء مَعْقل بن مقرِّن إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني حرمت فراشي. فتلا هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]) (٤).

وقال الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كنا عند عبد الله بن مسعود، فجيء بضَرْع، فتنحى رجل، فقال [له] (٥) عبد الله: اُدْن. فقال: إني حرمت أن آكله. فقال عبد الله: ادن فاطعَم، وكفر عن يمينك وتلا هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) الآية.

رواهن ابن أبي حاتم. وروى الحاكم هذا الأثر الأخير في مستدركه، من طريق إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن منصور، به. ثم قال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (٦)

ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وَهْبٍ، أخبرني هشام بن سعد، أن زيد بن أسلم حدثه: أن عبد الله بن رواحة ضافه (٧) ضيف من أهله، وهو عند النبي ﷺ، ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يُطْعموا ضَيْفَهم انتظارًا له، فقال لامرأته: حبست ضيفي من أجلي، هو عليَّ حرام. فقالت امرأته: هو عليَّ حرام. وقال الضيف: هو عليَّ حرام. فلما رأى ذلك وضع يده وقال: كلوا باسم الله. ثم ذهب إلى النبي ﷺ فذكر الذي كان منهم، ثم أنزل (٨) الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) وهذا أثر منقطع. (٩)

وفي صحيح البخاري في قصة الصديق [﵁] (١٠) مع أضيافه شبيه (١١) بهذا (١٢) وفيه،

(١) سنن الترمذي برقم (٣٠٥٤).

(٢) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".

(٣) صحيح البخاري برقم (٤٦١٥) وصحيح مسلم برقم (١٤٠٤).

(٤) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".

(٥) زيادة من أ.

(٦) المستدرك (٢/ ٣١٣).

(٧) في ر: "أضافه".

(٨) في أ: "فأنزل".

(٩) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٤٣).

(١٠) زيادة من أ.

(١١) صحيح البخاري برقم (٦١٤٠).

(١٢) في أ: "شبه هذا".

ج3 · ص171

وفي هذه القصة دلالة لمن ذهب من العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلا أو ملبسًا أو شيئًا ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضا؛ ولقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ)؛ ولأن الذي حَرَّم اللحم على نفسه -كما في الحديث المتقدم-لم يأمره النبي ﷺ بكفارة. وذهب آخرون منهم الإمام أحمد بن حنبل (١) إلى أن من حرم مأكلا أو مشربًا أو أو شيئًا من الأشياء فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزامًا له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]. ثُمَّ قَالَ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ٢]. وكذلك (٢) هاهنا لما ذكر هذا الحكم عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير، والله أعلم.

وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيْج، عن مجاهد قال: أراد رجال، منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو، أن يَتَبَتَّلوا ويخصُوا أنفسهم ويلبسوا المسُوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) قال ابن جريج، عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالمًا مولى أبي حذيفة في أصحاب (٣) تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالإخصاء وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين (٤) يريد: ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا عليه من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الإخصاء، فلما نزلت فيهم بعث إليهم رسول الله ﷺ فقال: "إن لأنفسكم حقًا، وإن لأعينكم حقًا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا". فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت. (٥)

وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة، ولها شاهد في الصحيحين من رواية عائشة أم المؤمنين، كما تقدم ذلك، ولله الحمد والمنة.

وقال أسباط، عن السدي في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يومًا فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم (٦) على التخويف، فقال ناس من أصحاب النبي ﷺ، كانوا عشرة منهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون: ما خفنا إن لم نحدث عملا فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم، فنحن نحرم. فحرم

(١) في أ: "وذهب الإمام أحمد بن حنبل وآخرون".

(٢) في أ: "فكذلك".

(٣) في أ: "أصحابه".

(٤) في أ: "المرسلين".

(٥) تفسير الطبري (١٠/ ٥١٩).

(٦) في ر: "يزهدهم".

ج3 · ص172

بعضهم أن يأكل اللحم والودَك، وأن يأكل بنَهَار، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء وكان (١) لا يدنو من أهله ولا تدنو منه. فأتت امرأتُه عائشةَ، ﵂، وكان يقال لها: الحولاء، فقالت لها عائشة ومن عندها من أزواج النبي ﷺ: ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين، لا تتطيبين؟ قالت: وكيف أمتشط وأتطيب وما وقع عليَّ زوجي وما رفع عني ثوبًا، منذ كذا وكذا. قال: فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال: "ما يضحككن؟ " قالت: يا رسول الله، إن الحولاء سألتها عن أمرها، فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبًا منذ كذا وكذا. فأرسل إليه فدعاه، فقال: "ما لك يا عثمان؟ " قال: إني تركته لله، لكي أتخلى للعبادة، وقص عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يَجُبَّ نفسه، فقال رسول الله ﷺ: "أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك". فقال: يا رسول الله، إني صائم. فقال: "أفطر". فأفطر، وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة [زوج رسول الله ﷺ] (٢) وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة وقالت: ما لك يا حولاء؟ فقالت: إنه آتاها أمس، وقال رسول الله ﷺ: "ما بال أقوام حَرَّموا النساء والطعام والنوم؟ ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رَغِب عني فليس مني". فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) يقول لعثمان "لا تجُبَّ نفسك، فإن هذا هو الاعتداء". وأمرهم أن يكفروا عن أيمانهم، فقال: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ) رواه (٣) ابن جرير.

وقوله: (وَلا تَعْتَدُوا) يحتمل أن يكون المراد منه: ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم في تحريم (٤) المباحات عليكم، كما قاله من قاله (٥) من السلف. ويحتمل أن يكون المراد: كما لا تحرموا (٦) الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقَدْر كفايتكم وحاجتكم، ولا تجاوزوا الحد فيه، كما قال (٧) تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ]﴾ [الأعراف: ٣١]) (٨) وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فشرعُ الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط؛ ولهذا قال: (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)

ثم قال: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا) أي: في حال كونه حلالا طيبًا، (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته (٩) وعصيانه، (الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)

(١) في ر: "فكان".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ر: "ورواه".

(٤) في د: "بتحريم".

(٥) في أ: "قال".

(٦) في ر: "يحرموا".

(٧) في د: "كقوله".

(٨) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".

(٩) في ر: "محارمه".

ج3 · ص173

﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾

قد تقدم في سورة البقرة الكلام على لغو اليمين، وإنه قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا والله، بلى والله، وهذا مذهب الشافعي (١) وقيل: هو في الهَزْل. وقيل: في المعصية. وقيل: على غلبة الظن وهو قول أبي حنيفة وأحمد. وقيل: اليمين في الغضب. وقيل: في النسيان. وقيل: هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك، واستدلوا بقوله: (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ)

والصحيح أنه اليمين من غير قصد؛ بدليل قوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ) أي: بما صممتم عليه من الأيمان وقصدتموها، فكفارته إطعام عشرة مساكين يعني: محاويج من الفقراء، ومن لا يجد ما يكفيه.

وقوله: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة: أي من أعدل ما تطعمون أهليكم.

وقال عطاء الخراساني: من أمثل ما تطعمون أهليكم. قال (٢) ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن الحارث، عن علي قال: خبز ولبن، خبز (٣) وسمن.

وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عييْنَة، عن سليمان -يعني ابن أبي المغيرة-عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت بعض أهله قوت دون وبعضهم قوتًا فيه سعَة، فقال الله تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) أي: من الخبز والزيت.

وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وَكِيع عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) قال: من عسرهم ويسرهم.

وحدثنا عبد الرحمن بن خَلَف الحِمْصِي، حدثنا محمد بن شُعَيب -يعني ابن شابور-حدثنا شَيْبان بن عبد الرحمن التميمي، عن لَيْث بن أبي سليم، عن عاصم الأحول، عن رجل يقال له: عبد الرحمن، عن ابن عمر أنه قال: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) قال: الخبز واللحم، والخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والخل.

وحدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن ابن عمر

(١) في ر: "وهذا مذهب يأتي".

(٢) في أ: "وقال".

(٣) في ر: "وخبز".

ج3 · ص174

في قوله: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) قال: الخبز والسمن، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم: الخبز واللحم.

ورواه ابن جرير عن هَنَّاد وابن وَكِيع كلاهما عن أبي معاوية. ثم روى (١) ابن جرير عن عُبَيدة والأسود، وشُرَيح القاضي، ومحمد بن سِيرِين، والحسن، والضحاك، وأبي رَزِين: أنهم قالوا نحو ذلك، وحكاه ابن أبي حاتم عن مكحول أيضًا.

واختار ابن جرير أن المراد بقوله: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) أي: في القلة والكثرة.

ثم اختلف العلماء في مقدار ما يطعمهم، فقال ابن أبي حاتم:

حدثنا أبو سعيد حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن حُصَيْن الحارثي، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي [﵁] (٢) في قوله: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) قال: يغذيهم ويعشيهم.

وقال الحسن ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزًا ولحمًا، زاد الحسن: فإن لم يجد (٣) فخبزًا وسمنًا ولبنًا، فإن لم يجد فخبزًا وزيتًا وخلا حتى يشبعوا.

وقال آخرون: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بُرّ أو تمر، ونحوهما. هذا قول عمر، وعلي، وعائشة، ومجاهد، والشعبي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعي، وميمون بن مِهْران، وأبي مالك، والضحاك، والحاكم (٤) ومكحول، وأبي قلابة، ومُقَاتِل بن حَيَّان.

وقال أبو حنيفة: نصف صاع [من] (٥) بر، وصاع مما عداه.

وقد قال أبو بكر بن مَرْدُويه: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الثقفي، حدثنا عبيد بن الحسن بن يوسف، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا زياد بن عبد الله بن الطُّفَيل بن سَخْبَرَة بن أخي عائشة لأمه، حدثنا عمرو بن يعلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كفَّر رسولُ الله ﷺ بصاع من تمر، وأمر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من بُرٍّ.

ورواه ابن ماجه، عن العباس بن يزيد، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عُمر (٦) بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن المنهال بن عمرو، به. (٧)

لا يصح هذا الحديث لحال عُمر بن عبد الله هذا فإنه مجمع على ضعفه، وذكروا أنه كان يشرب الخمر. وقال الدارقطني: متروك.

(١) في أ: "وروى".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ر: "فإن لم تجد".

(٤) في ر: "والحكم".

(٥) زيادة من أ.

(٦) في ر: "عمرو".

(٧) سنن ابن ماجة برقم (٢١١٢).

ج3 · ص175

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن (١) داود -يعني ابن أبي هند-عن عِكْرِمة، عن ابن عباس: مُدٌّ (٢) من بر -يعني لكل مسكين-ومعه إدامه.

ثم قال: ورُوِي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وأبي الشعثاء، والقاسم (٣) وسالم، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، والحسن، ومحمد بن سيرين، والزهري، نحو ذلك.

وقال الشافعي: الواجب في كفارة اليمين مُدٌّ بمُدِّ النبي ﷺ لكل مسكين. ولم يتعرض للأدم -واحتج بأمر النبي ﷺ للذي جامع في رمضان بأن يطعم ستين مسكينًا من مكيل يسع خمسة عشر صاعًا لكل واحد منهم مُدٌّ.

وقد ورد حديث آخر صريح في ذلك، فقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن علي بن الحسن المقري، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا النضْر بن زُرَارة الكوفي، عن عبد الله بن عُمَر (٤) العُمَري، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ كان يقيم كفارة اليمين مدًا من حنطة بالمد الأول.

إسناده ضعيف، لحال النضر بن زرارة بن عبد الأكرم الذهلي الكوفي نزيل بَلْخ، قال فيه أبو حاتم الرازي: هو مجهول مع أنه قد روى عنه غير واحد. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: روى عنه قتيبة بن سعيد أشياء مستقيمة، فالله أعلم. ثم إن شيخه العُمَري ضعيف أيضًا.

وقال أحمد بن حنبل: الواجب مُدّ من بر، أو مدان من غيره. والله أعلم.

وقوله: (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) قال الشافعي، ﵀: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقْنَعَة أجزأه ذلك. واختلف أصحابه في القلنسوة: هل تجزئ أم لا؟ على وجهين، فمنهم من ذهب إلى الجواز، احتجاجًا بما رواه ابن أبي حاتم:

حدثنا أبو سعيد الأشج، وعمار بن خالد الواسطي قالا حدثنا القاسم بن مالك، عن محمد بن الزبير، عن أبيه قال: سألت عمران بن حصين عن قوله: (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) قال: لو أن وفدًا قدموا على أميركم وكساهم (٥) قلنسوة قلنسوة، قلتم: قد كُسُوا.

ولكن هذا إسناد ضعيف؛ لحال محمد بن الزبير هذا، والله أعلم. وهكذا حكى الشيخ أبو حامد الاسفرايني (٦) في الخف وجهين أيضًا، والصحيح عدم الإجزاء.

وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه، إن كان رجلا أو امرأة، كلٌّ بحسبه. والله أعلم.

وقال العَوْفي عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين، أو ثَمْلَة.

(١) في ر: "هو".

(٢) في ر: "مدًا".

(٣) في ر: "وأبي القاسم".

(٤) في ر: "عمرو".

(٥) في أ: "فكساهم".

(٦) في ر: "الاسفراييني".

ج3 · ص176

وقال مجاهد: أدناه ثوب، وأعلاه ما شئت.

وقال لَيْث، عن مجاهد: يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التُّبَّان.

وقال الحسن، وأبو جعفر الباقر، وعطاء، وطاوس، وإبراهيم النَّخَعي، وحماد بن أبى سليمان، وأبو مالك: ثوب ثوب.

وعن إبراهيم النخعي أيضًا: ثوب جامع كالملحفة والرداء، ولا يرى الدرع والقميص والخمار ونحوه جامعًا.

وقال الأنصاري، عن أشعث، عن ابن سيرين، والحسن: ثوبان. (١)

وقال الثوري، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها.

وقال ابن جرير: حدثنا هَنَّاد، حدثنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أبي موسى؛ أنه حلف على يمين، فكسا ثوبين من مُعقَّدة البحرين.

وقال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن المعلى، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن مقاتل بن سليمان، عن أبي عثمان، عن أبي عياض، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ في قوله: (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) قال: "عباءة لكل مسكين". (٢) حديث غريب.

وقوله: (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أخذ أبو حنيفة بإطلاقها، فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقال الشافعي وآخرون: لا بد أن تكون مؤمنة. وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل؛ لاتحاد الموجب وإن اختلف السبب ولحديث معاوية بن الحكم السلمي، الذي هو في موطأ مالك ومسند الشافعي وصحيح مسلم: أنه ذكر أن عليه عتق رقبة، وجاء معه بجارية سوداء، فقال لها رسول الله ﷺ: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "من أنا؟ " قالت: رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". الحديث بطوله. (٣)

فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين، أيُّها فَعَلَ الحانثُ أجزأ عنه بالإجماع. وقد بدأ بالأسهل فالأسهل، فالإطعام أيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فَرُقىَ فيها من الأدنى إلى الأعلى. فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفر بصيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ)

وروى ابن جرير، عن سعيد بن جبير والحسن البصري أنهما قالا من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإطعام وإلا صام.

وقال ابن جرير، حاكيًا عن بعض متأخري متفقهة زمانه أنه قال: جائز لمن لم يكن له فضل عن

(١) في ر، أ: "ثوبان ثوبان".

(٢) وفي إسناده مقاتل بن سليمان البلخي، كذبه وكيع والنسائي. وقال البخاري: سكتوا عنه. وإسماعيل بن عياش روايته عن غير أهل الشام ضعيفة.

(٣) الموطأ (٢/ ٧٧٧) ومسند الشافعي برقم (١١٩٦) "بدائع المنن" وصحيح مسلم برقم (٥٣٧).

ج3 · ص177

رأس مال يتصرف به لمعاشه ما يكفر به بالإطعام، أن يصوم إلا أن يكون له كفاية، ومن المال ما يتصرف به لمعاشه، ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه.

ثم اختار ابن جرير: أنه الذي لا يفضل عن قوته (١) وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفارة اليمين. (٢)

واختلف العلماء: هل يجب فيها التتابع، أو يستحب ولا يجب ويجزئ التفريق؟ على قولين: أحدهما أنه لا يجب التتابع، هذا منصوص الشافعي في كتاب "الأيمان"، وهو قول مالك، لإطلاق قوله: (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) وهو صادق على المجموعة والمفرقة، كما في قضاء رمضان؛ لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].

ونص الشافعي في موضع آخر في "الأم" على وجوب التتابع، كما هو قول الحنفية والحنابلة؛ لأنه قد روي عن أبي بن كعب وغيرهم أنهم كانوا يقرءونها: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات".

قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات".

وحكاها مجاهد، والشعبي، وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود.

وقال إبراهيم: في قراءة عبد الله بن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات".

وقال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود يقرؤونها كذلك.

وهذه (٣) إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترًا، فلا أقل من أن يكون خبر واحد، أو تفسيرًا من الصحابي، وهو في حكم المرفوع.

وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي، حدثنا محمد بن جعفر (٤) الأشعري، حدثنا الهيثم بن خالد القرشي، حدثنا يزيد بن قيس، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله، نحن بالخيار؟ قال: "أنت بالخيار، إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات".

وهذا حديث غريب جدًا. (٥)

وقوله: (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) قال ابن جرير: معناه لا تتركوها بغير تكفير. (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) أي: يوضحها وينشرها (٦) لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)

(١) في أ: "مؤنته".

(٢) تفسير الطبري (١٠/ ٥٥٩).

(٣) في أ: "وهذا".

(٤) في أ: "أحمد".

(٥) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٥٥) ولم يعزه لغير ابن مردويه. ويزيد بن قيس أظن أنه "يزيد بن قيس" وأنه تصحف هنا، وإسماعيل بن يحيى هو ابن عبيد الله كان يضع الحديث قال ابن عدي: عامة ما يرويه بواطيل، ثم الإسناد معضل، فإن بينه وبين ابن عباس قرن من الزمان تقريبًا.

(٦) في ر، أ: "ويفسرها".

ج3 · ص178

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾

يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر، وهو القمار.

وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: الشَطْرَنج من الميسر. رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عُبَيس بن مرحوم، عن حاتم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، به.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي (١) حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن لَيْث، عن عطاء ومجاهد وطاوس -قال سفيان: أو اثنين منهم-قالوا: كل شيء من القمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز.

ورُوي عن راشد بن سعد وحمزة بن حبيب (٢) وقالا حتى الكعاب، والجوز، والبيض التي (٣) تلعب بها الصبيان، وقال موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: الميسر هو القمار.

وقال الضحاك، عن ابن عباس قال: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام، فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة.

وقال مالك، عن داود بن الحُصَيْن: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين.

وقال الزهري، عن الأعرج قال: الميسر والضرب بالقداح على الأموال والثمار.

وقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو من الميسر.

رواهن ابن أبي حاتم.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا هذه الكِعَاب الموسومة التي يزجر بها زجرًا فإنها من الميسر". حديث غريب. (٤)

(١) في أ: "الأعمشي".

(٢) في أ: "حبيب مثله".

(٣) في أ: "الذي".

(٤) وذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٩٧)، وقال: "وقال أبي: هذا حديث باطل وهو من علي بن يزيد، وعثمان لا بأس به".

ج3 · ص179

وكأن المراد بهذا هو النرد، الذي ورد في الحديث به في صحيح مسلم، عن بُرَيدة بن الحُصَيب الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ: "من لعب بالنَّرْدَشير فكأنما صَبَغ يده في لحم خنزير ودَمه". (١) وفي موطأ مالك ومسند أحمد، وسنني أبي داود وابن ماجه، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله". (٢) وروي موقوفًا عن أبي موسى من قوله، فالله أعلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا مكي بن إبراهيم (٣) حدثنا الجُعَيْد، عن موسى بن عبد الرحمن الخطمي، أنه سمع محمد بن كعب وهو يسأل عبد الرحمن يقول: أخبرني، ما سمعت أباك يقول عن رسول الله (٤) ﷺ؟ فقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مثل الذي يلعب بالنرد، ثم يقوم فيصلي، مثل الذي يتوضأ بالقَيْح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي". (٥)

وأما الشطرنج فقد قال عبد الله بن عمر: أنه شرّ من النرد. وتقدم عن علي أنه قال: هو من الميسر، ونص على تحريمه مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وكرهه الشافعي، رحمهم الله تعالى.

وأما الأنصاب، فقال ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، وغير واحد: هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها.

وأما الأزلام فقالوا أيضًا: هي قداح كانوا يستقسمون بها.

وقوله: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي سَخَط من عمل الشيطان. وقال سعيد بن جبير: إثم. وقال زيد بن أسلم: أي شر من عمل الشيطان.

(فَاجْتَنِبُوهُ) الضمير عائد على الرجس، أي اتركوه (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وهذا ترغيب.

ثم قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) وهذا تهديد وترهيب.

ذكر الأحاديث الواردة في [بيان] (٦) تحريم الخمر:

قال الإمام أحمد: حدثنا سُرَيج (٧) حدثنا أبو مَعْشَر، عن أبي وَهْب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢١٩]. فقال الناس: ما حرم علينا، إنما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وكانوا يشربون الخمر، حتى كان يوما من الأيام صلى رجل من المهاجرين، أمَّ أصحابه (٨) في

(١) صحيح مسلم برقم (٢٢٦٠).

(٢) الموطأ (٢/ ٩٥٨) والمسند (٤/ ٣٩٤) وسنن أبي داود برقم (٤٩٣٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٦٢).

(٣) في أ: "علي بن إبراهيم" وهو خطأ.

(٤) في أ: "عن النبي".

(٥) المسند (٥/ ٣٧٠) وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١١٣): "فيه موسى بن عبد الرحمن الخطمي ولم أعرفه، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح".

(٦) زيادة من أ.

(٧) في د، ر: "شريح".

(٨) في ر: "الصحابة".

ج3 · ص180

المغرب، خلط في قراءته، فأنزل الله [﷿] (١) آية أغلظ منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وكان الناس يشربون، حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق. ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) قالوا: انتهينا ربنا. وقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، [وناس] (٢) ماتوا على سرفهم (٣) كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا من عمل الشيطان؟ فأنزل الله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) إلى آخر الآية، وقال النبي ﷺ: "لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم". انفرد به أحمد. (٤)

وقال الإمام أحمد: حدثنا خَلَف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي مَيْسَرة، عن عمر بن الخطاب [﵁] (٥) أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بَيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فَدُعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في سورة النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) فكان (٦) منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: ألا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قال عمر: انتهينا. (٧)

وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عَمْرو بن عبد الله السَّبِيعي وعن أبي ميسرة -واسمه عمرو بن شُرَحبيل الهمداني-عن عُمَر، به. وليس له عنه سواه، قال أبو زُرْعَة: ولم يسمع منه. وصحح هذا الحديث علي بن المديني والترمذي. (٨)

وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله ﷺ: أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحِنْطَة، والشعير، والخمر ما خامر العقل. (٩)

وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بِشْر، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حدثني نافع، عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب. (١٠)

حديث آخر: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا محمد بن أبي حميد، عن المصري -يعني أبا طعمة

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ر: "شربهم"، وفي أ: "فرشهم".

(٤) المسند (٢/ ٣٥١).

(٥) زيادة من أ.

(٦) في أ: "حتى كان".

(٧) في أ: "انتهينا انتهينا".

(٨) المسند (١/ ٥٣) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٩) وسنن النسائي (٨/ ٢٨٦).

(٩) صحيح البخاري برقم (٤٦١٩) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٢).

(١٠) صحيح البخاري برقم (٤٦١٦).

ج3 · ص181

قارئ مصر -قال: سمعت ابن عمر يقول: نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء نزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩] فقيل: حرمت الخمر. فقالوا: يا رسول الله، ننتفع بها كما قال الله تعالى. قال: فسكت عنهم ثم نزلت هذه الآية: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]. فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم ثم نزلت: (١) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فقال رسول الله ﷺ: "حرمت الخمر". (٢)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن القعقاع بن حكيم؛ أن عبد الرحمن بن وَعْلَة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف -أو: من دوس-فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ: "يا فلان، أما علمت أن الله حرمها؟ " فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها. فقال رسول الله ﷺ: "يا فلان، بماذا أمرته؟ " فقال: أمرته أن يبيعها. قال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". فأمر بها فأفرغت في البطحاء.

رواه مسلم من طريق ابن وَهْب، عن مالك، عن زيد بن أسلم. ومن طريق ابن وهب أيضًا، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد كلاهما -عن عبد الرحمن بن وَعْلَة، عن ابن عباس، به. ورواه النسائي، عن قتيبة، عن مالك، به. (٣)

حديث آخر: قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله ﷺ راوية (٤) من خمر، فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فلما رآها رسول الله ﷺ ضحك وقال: "إنها قد حرمت بعدك". قال: يا رسول الله، فأبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله ﷺ: "لعن الله اليهود، حرم عليهم شُحُوم البقر والغنم، فأذابوه، وباعوه، والله حَرّم الخمر وثمنها". (٥)

وقد رواه أيضًا الإمام أحمد فقال: حدثنا رَوْح، حدثنا عبد الحميد بن بَهْرام قال: سمعت شهر بن حوشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غَنْم: أن الداري كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر، فلما كان عام حُرّمت جاء براوية، فلما نظر إليه ضحك فقال (٦) أشعرت أنها قد حرمت بعدك؟ فقال: يا رسول الله، ألا (٧) أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله ﷺ: "لعن الله اليهود، انطلقوا إلى ما حُرّم عليهم من شحم البقر والغنم فأذابوه، فباعوه به ما يأكلون، وإن الخمر حرام

(١) في أ: "فنزلت".

(٢) مسند الطيالسي برقم (١٩٥٧).

(٣) المسند (١/ ٢٣٠) والموطأ (٢/ ٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٧٩) وسنن النسائي (٧/ ٣٠٧)

(٤) في أ: "ﷺ كل عام راوية".

(٥) وفي إسناده انقطاع. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٥٧) من طريق زيد بن أخزم، عن أبي بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن تميم الداري به.

(٦) في أ: "وقال".

(٧) في أ: "أفلا".

ج3 · ص182

وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام". (١)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد، حدثنا ابن لَهِيعَة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن نافع بن كَيسان أن أباه أخبره (٢) أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول الله ﷺ، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق، يريد بها التجارة، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني جئتك بشراب طيب (٣) فقال رسول الله ﷺ: "يا كيسان، إنها قد حرمت بعدك". قال: فأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "إنها قد حرمت وحرم ثمنها". فانطلق كيسان إلى الزقاق، فأخذ بأرجلها ثم هراقها. (٤)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد، عن (٥) أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبي بن كَعْب، وسُهَيْل بن بيضاء، ونفرًا من أصحابه عند أبي طلحة وأنا أسقيهم، حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين فقال: أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟ فما قالوا: حتى ننظر ونسأل، فقالوا: يا أنس اكف ما بقي في إنائك، فوالله (٦) ما عادوا فيها، وما هي إلا التمر والبسر، وهي خمرهم يومئذ. (٧)

أخرجاه في الصحيحين -من غير وجه-عن أنس (٨) وفي رواية حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنتُ ساقي القوم يوم حُرّمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفَضيخ البسرُ والتمرُ، فإذا مناد ينادي، قال: اخرج فانظر. فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حُرّمت، فَجرت في سِكَكِ المدينة، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فَأهْرقها. فهرقتها، فقالوا -أو: قال بعضهم: قُتل فلان وفلان وهي في بطونهم. قال: فأنزل الله: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) الآية. (٩)

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بَشَّار، حدثني عبد الكبير بن عبد المجيد (١٠) حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسهيل بن بيضاء، وأبي دُجَانة، حتى مالت رؤوسهم من خَليط بُسْر وتمر. فسمعت مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حُرّمت! قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج، حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أمّ سليم، ثم خرجنا إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ يقرأ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

(١) المسند (٤/ ٢٢٦) وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٨٨)، "فيه شهر وحديثه حسن وفيه كلام".

(٢) في أ: "أن أباه قد أخبره".

(٣) في أ: "جيد".

(٤) المسند (٤/ ٣٣٧) وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٨٨): "فيه نافع بن كيسان وهو مستور".

(٥) في ر: "بن".

(٦) في أ: "فرأيته".

(٧) المسند (٣/ ١٨١)

(٨) صحيح البخاري برقم (٤٦٢٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٨٠).

(٩) هذا لفظ مسلم في صحيحه برقم (١٩٨٠).

(١٠) في د، ر: "عبد الحميد".

ج3 · ص183

إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) فقال رجل: يا رسول الله، فما منزلة من مات وهو يشربها؟ فأنزل الله: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ]) (١) الآية، فقال رجل لقتادة: أنت سَمعتَه من أنس بن مالك؟ قال: نعم. وقال رجل لأنس بن مالك: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم -أو: حدثني من لم يكذب، ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب. (٢)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحر، عن بكر بن سوادة، عن قيس بن سعد بن عبادة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن ربي ﵎ حرم عَلَيّ الخمر، والكُوبَة، والقنّين. وإياكم والغُبيراء فإنها ثلث خمر العالم". (٣)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا فرج بن فضالة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع (٤) عن أبيه، عن عبد الله بن عَمْرو قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزْر، والكُوبة والقِنّين. وزادني صلاة الوتر". قال يزيد: القنين: البرابط. تفرد به أحمد. (٥)

وقال أحمد أيضا: حدثنا أبو عاصم -وهو النبيل-أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من جهنم". قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء، وكل مسكر حرام". تفرد به أحمد أيضا (٦)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبي طعمة -مولاهم-وعن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أنهما سمعا ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: "لعنت الخمر على عشرة وجوه: لعنت الخمر بعينها وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومُبتاعها، وعاصرها، ومُعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها".

ورواه أبو داود وابن ماجه، من حديث وكيع، به. (٧)

وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا أبو طِعْمة، سمعت ابن عمر يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى المربد، فخرجت معه فكنت عن يمينه، وأقبل أبو بكر فتأخرت عنه، فكان عن يمينه وكنت عن يساره. ثم أقبل عمر فتنحيت له، فكان عن يساره. فأتى رسول الله ﷺ المربد، فإذا بزقاق على المربد فيها خمر -قال ابن عمر-: فدعاني رسول الله ﷺ بالمدية -قال ابن عمر: وما عرفت المدية إلا يومئذ -فأمر بالزقاق فشقت، ثم قال: "لعنت الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها،

(١) زيادة من ر.

(٢) تفسير الطبري (١٠/ ٥٧٨) ورواه البزار في مسنده برقم (٢٩٢٢) "كشف الأستار" من طريق عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بنحوه.

(٣) المسند (٤/ ٤٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٥٤): "فيه عبيد الله بن زحر وثقة أبو زرعه والنسائي وضعفه الجمهور".

(٤) في ر: "نافع".

(٥) المسند (٢/ ١٦٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٤٠): "فيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع وهو مجهول".

(٦) المسند (٢/ ١٧١).

(٧) المسند (٢/ ٢٥) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٤) وسنن ابن ماجة برقم (٣٣٨٠).

ج3 · ص184

وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها، ومعتصرها، وآكل ثمنها". (١)

وقال أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضَمْرة بن حبيب قال: قال عبد الله بن عمر: أمرني رسول الله ﷺ أن آتيه بمدية وهي الشفرة، فأتيته بها فأرسل بها فأرهفت ثم أعطانيها وقال: "اغد عليَّ بها". ففعلت فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت، فلم أترك في أسواقها زقًّا إلا شققته. (٢)

حديث آخر: قال عبد الله بن وَهب: أخبرني عبد الرحمن بن شُرَيْح، وابن لَهِيعة، والليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن ثابت بن يزيد الخولاني أخبره: أنه كان له عم يبيع الخمر، وكان يتصدق، فنهيته عنها فلم ينته، فقدمت المدينة فتلقيت (٣) ابن عباس، فسألته عن الخمر وثمنها، فقال: هي حرام وثمنها حرام. ثم قال ابن عباس، ﵁: يا معشر أمة محمد، إنه لو كان كتاب بعد كتابكم، ونبي بعد نبيكم، لأنزل فيكم كما أنزل فيمن قبلكم، ولكن أخر ذلك من أمركم إلى يوم القيامة، ولَعمري لهو أشد عليكم، قال ثابت: فلقيت عبد الله بن عمر فسألته عن ثمن الخمر، فقال: سأخبرك عن الخمر، إني كنت عند رسول الله ﷺ في المسجد، فبينما هو محتب حَلّ حُبْوَته ثم قال: "من كان عنده من هذه الخمر فليأتنا بها". فجعلوا يأتونه، فيقول أحدهم: عندي راوية. ويقول الآخر: عندي زقٌّ أو: ما شاء الله أن يكون عنده، فقال رسول الله ﷺ: "اجمعوه ببقيع كذا وكذا ثم آذنوني". ففعلوا، ثم آذنوه فقام وقمت معه، فمشيت عن يمينه وهو متكئ عليّ، فألحقنا أبو بكر، ﵁، فأخرني رسول الله ﷺ، فجعلني عن شماله، وجعل أبا (٤) بكر في مكاني. ثم لحقنا عمر بن الخطاب، ﵁ فأخرني، وجعله عن يساره، فمشى بينهما. حتى إذا وقف على الخمر قال للناس: "أتعرفون هذه (٥) قالوا: نعم، يا رسول الله، هذه الخمر". قال: "صدقتم". قال: "فإن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها، وشاربها وساقيها، وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها". ثم دعا بسكين فقال: "اشحذوها". ففعلوا، ثم أخذها رسول الله ﷺ يخرق بها الزقاق، قال: فقال الناس: في هذه الزقاق منفعة، قال: "أجل، ولكني إنما أفعل ذلك غضبًا لله، ﷿، لما فيها من سخطه". فقال عمر: أنا أكفيك يا رسول الله؟ قال: "لا".

قال ابن وَهْب: وبعضهم يزيد على بعض في قصة الحديث. رواه البيهقي. (٦)

حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بِشْران، أنبأنا إسماعيل بن محمد

(١) المسند (٢/ ٧١).

(٢) المسند (٢/ ١٣٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٥٤): "رواه أحمد بإسنادين في أحدهما أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، وفي الآخر أبو طعمة، وقد وثقه محمد بن عمار الموصلي، وضعفه مكحول وبقية رجاله ثقات".

(٣) في أ: "فلقيت".

(٤) في ر: "أبو" وهو خطأ.

(٥) في ر: "هذا".

(٦) السنن الكبرى (٨/ ٢٨٦).