سورة المائدة
ซูเราะฮ์ที่ 5 · ตอน 3/16 · เล่ม 3 หน้า 35–49
ذكر الآثار بذلك:
قال ابن جرير: حدثنا هَنَّاد، حدثنا وَكِيع، عن شُعْبَة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: قال سلمان الفارسي: كل وإن أكل ثلثيه (١) -يعني الصيد-إذا أكل منه الكلب. وكذا رواه سعيد بن أبي عَرُوبَة، وعمر (٢) بن عامر، عن قتادة. وكذا رواه محمد بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان.
ورواه ابن جرير أيضا عن مجاهد بن (٣) موسى، عن يزيد، عن بكر بن عبد الله المُزَنِيّ (٤) والقاسم؛ أن (٥) سلمان قال: إذا أكل الكلب فكل، وإن أكل ثلثيه.
وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني مَخْرَمَة بن بُكَيْر (٦) عن أبيه، عن حميد بن مالك بن خُثَيْم (٧) الدؤلي؛ أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب، فقال: كل، وإن لم يبق منه إلا حِذْيَة (٨) -يعني: [إلا] (٩) بضعة.
ورواه شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن بكير بن الأشَجِّ، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص قال: كل وإن أكل ثلثيه.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن المُثَنَّى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عامر، عن أبي هريرة قال: لو أرسلت كلبك فأكل منه، فإن أكل ثلثيه وبقي ثلثه فكل.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المُعْتَمِر قال: سمعت عُبَيد الله (١٠) وحدثنا هناد، حدثنا (١١) عبدة، عن عبيد الله (١٢) بن عمر-عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله (١٣) فكل ما أمسك عليك، أكل أو لم يأكل.
وكذا رواه عبيد الله (١٤) بن عمر وابن أبي ذئب وغير واحد، عن نافع.
فهذه الآثار ثابتة عن سلمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وابن عمر. وهو محكي عن علي، وابن عباس. واختلف فيه عن عطاء، والحسن البصري. وهو قول الزهري، وربيعة، ومالك. وإليه ذهب الشافعي في القديم، وأومأ إليه في الجديد.
وقد روي من طريق سلمان الفارسي مرفوعا، فقال ابن جرير: حدثنا عمران بن بَكَّار الكُلاعِيّ، حدثنا عبد العزيز بن موسى اللاحوني، حدثنا محمد بن دينار -هو الطاحي-عن أبي إياس معاوية بن قُرَّة، عن سعيد بن المسيَّب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه، وقد أكل منه، فليأكل ما بقي ".
ثم قال ابن جرير: وفي إسناد هذا الحديث نظر، وسعيد غير معلوم له سماع من سلمان،
والثقات يروونه من كلام سلمان غير مرفوع. (١)
وهذا الذي قاله ابن جرير صحيح، لكن قد روي هذا المعنى مرفوعا من وجوه أخر، فقال أبو داود: حدثنا محمد بن مِنْهال الضرير، حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا حبيب المعلم، عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن أعرابيا -يقال له: أبو ثعلبة-قال: يا رسول الله، إن لي كلابا مُكَلَّبة، فأفتني في صيدها. فقال النبي ﷺ: "إن كان لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك". فقال: ذكيا وغير ذكي؟ قال: "نعم". قال: وإن أكل منه؟ قال: "نعم، وإن أكل منه". قال: يا رسول الله، أفتني في قوسي. فقال: "كُلْ ما ردت عليك قوسك" قال: ذكيا وغير ذكي؟ قال: "وإن تغيب عنك ما لم يصل، أو تجد فيه أثر غير سهمك". قال: أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها. قال: "اغسلها وكل فيها". (٢).
هكذا رواه أبو داود (٣) وقد أخرجه النسائي. وكذا رواه أبو داود، من طريق بُسْر بن عبيد الله (٤) عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك" (٥)
وهذان إسنادان جيدان، وقد روى الثوري، عن سِماك بن حَرْب، عن عَدِيٍّ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما كان من كلب ضار أمسك عليك، فكل". قلت: وإن أكل؟ قال: "نعم".
وروى عبد الملك بن حبيب: حدثنا أسد بن موسى، عن ابن أبي زائدة، عن الشعبي، عن عَدي مثله. (٦)
فهذه آثار دالة على أنه يغتفر إن أكل منه الكلب. وقد احتج بها من لم يحرم الصيد بأكل الكلب وما أشبهه، كما تقدم عمن حكيناه عنهم، وقد توسط آخرون فقالوا: إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث عدي بن حاتم. وللعلة التي أشار إليها النبي ﷺ: "فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه" وأما إن أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه وجاع (٧) فأكل من الصيد لجوعه، فإنه لا يؤثر في التحريم. وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخُشَنِيّ، وهذا تفريق حسن، وجمع بين الحديثين صحيح. وقد تمنى الأستاذ أبو المعالي الجُوَيني في كتابه "النهاية" أن لو فصل مفصل هذا التفصيل، وقد حقق الله أمنيته، وقال بهذا القول والتفريق طائفة من الأصحاب منهم، وقال آخرون قولا رابعا في المسألة، وهو التفرقة بين أكل الكلب فيحرم لحديث عَدِيّ، وبين أكل الصقور ونحوها فلا يحرم؛ لأنه لا يقبل التعليم إلا بالأكل.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن حماد، عن (١) إبراهيم، عن ابن عباس؛ أنه قال في الطير: إذا أرسلته فقتل فكل، فإن الكلب إذا ضربته لم يَعُدْ، وإن تَعَلّم الطير أن يرجع إلى صاحبه وليس يضرب، فإذا أكل من الصيد ونتف الريش فكل. (٢)
وكذا قال إبراهيم النَّخَعِي، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان.
وقد يحتج لهؤلاء بما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا مُجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فما يحل لنا منها؟ قال: "يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه" ثم قال: "ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله عليه، فكل مما أمسك عليك". قلت: وإن قتل؟ قال: "وإن قتل، ما لم يأكل". قلت: يا رسول الله، وإن خالطت كلابنا كلابا غيرها؟ قال: فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك". قال: قلت: إنا قوم نرمي، فما يحل لنا؟ قال: "ما ذكرت اسم الله عليه وخزَقَتْ فكل ".
فوجه الدلالة لهم أنه اشترط في الكلب ألا يأكل، ولم يشترط ذلك في البزاة، فدل على التفرقة بينهما في الحكم، والله أعلم.
وقوله: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) أي: عند الإرسال، كما قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعلم (٣) وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك". وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضا: "إذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله"؛ ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة كأحمد [بن حنبل] (٤) -في المشهور عنه (٥) -التسمية -عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عن (٦) الجمهور، أن (٧) المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال، كما قال (٨) السُّدِّي وغير واحد.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) يقول: إذا أرسلت جارحك فقل: باسم الله، وإن نسيت فلا حرج.
وقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل كما ثبت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ عَلَّم رَبِيبه عمر بن أبي سلمة فقال: "سَمّ الله، وكُل بيمينك، وكل مما يليك". (٩) وفي صحيح البخاري: عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا -حديث عهدهم بكفر-بلُحْمانٍ لا ندري أذكر اسم الله عليها (١٠) أم لا؟ فقال: "سَمّوا الله أنتم وكلوا." (١١)
حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا هشام، عن بُدَيل، عن عبد الله بن عُبَيد بن عُمَير، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي ﷺ: "أما إنه لو (١) كان ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله أوله فليقل: باسم الله (٢) أوله وآخره ".
وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، به (٣) وهذا منقطع بين عبد الله (٤) بن عبيد بن عمير وعائشة، فإنه لم يسمع منها هذا الحديث، بدليل ما رواه الإمام أحمد:
حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا هشام -يعني ابن أبي عبد الله الدَّسْتَوائي-عن بديل، عن عبد الله بن عبيد بن عمير؛ أن امرأة منهم -يقال لها: أم كلثوم-حدثته، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يأكل طعاما في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي جائع فأكله بلقمتين، فقال: "أما إنه لو ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي اسم الله في أوله فليقل: باسم الله أوله وآخره ".
[و] (٥) رواه أحمد أيضا، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من غير وجه، عن هشام الدستوائي، به (٦) وقال الترمذي: حسن صحيح.
حديث آخر: وقال أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا جابر بن صبح (٧) حدثني المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي، وصحبته إلى واسط، فكان يسمي في أول طعامه (٨) وفي آخر لقمة يقول: بسم الله أوله وآخره.
فقلت له: إنك تسمي في أول ما تأكل، أرأيت (٩) قولك في آخر ما تأكل: باسم الله أوله وآخره؟ فقال: أخبرك عن ذلك إن جدي أمية بن مخشى (١٠) -وكان من أصحاب النبي ﷺ-سمعته يقول: إن رجلا كان يأكل، والنبي ينظر، فلم يسم، حتى كان في آخر طعامه لقمة، فقال: باسم الله أوله وآخره. فقال النبي ﷺ: "والله ما زال الشيطان يأكل معه حتى سَمّى، فلم يبق شيء في بطنه حتى قاءه ".
وهكذا رواه أبو داود والنسائي، من حديث جابر بن صبح (١١) الراسبي أبي بشر البصري (١٢) ووثقه ابن مَعِين والنسائي، وقال أبو الفتح الأزدي: لا تقوم به الحجة. (١٣)
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن خَيْثَمَة، عن أبي حذيفة
(١) في ر: "أما لو أنه".
(٢) في أ: "باسم الله على".
(٣) المسند (٦/ ١٤٣) وسنن ابن ماجه برقم (٣٢٦٤).
(٤) في أ: "عبيد الله".
(٥) زيادة من ر.
(٦) المسند (٦/ ٢٦٥)، (٦/ ٢٤٦) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٧) وسنن الترمذي برقم (١٨٥٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠١١٢).
(٧) في أ: "صبيح"
(٨) في أ: "الطعام".
(٩) في أ: "أفرأيت".
(١٠) في ر: "خالد بن أمية بن مخشى".
(١١) في أ: "صبيح".
(١٢) المسند (٤/ ٣٣٦) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠١١٣).
(١٣) في أ: "لا يقوم به حجة.
قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد: واسمه سلمة بن الهيثم بن صهيب -من أصحاب ابن مسعود-عن حذيفة قال: كنا إذا حضرنا مع النبي [ﷺ] (١) على طعام، لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله [ﷺ] (٢) فيضع يده، وإنا حضرنا معه طعاما فجاءت جارية، كأنما تُدفع، فذهبت تضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، وجاء أعرابي كأنما يُدفع، فذهب يضع يده في الطعام، فأخذ رسول الله [ﷺ] (٣) بيده، فقال رسول الله ﷺ: "إن الشيطان يَسْتَحِلُّ الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل (٤) بها، فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده، والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع يدهما (٥) يعني الشيطان. وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث الأعمش به. (٦)
حديث آخر: روى مسلم وأهل السنن إلا الترمذي (٧) من طريق ابن جُرَيْج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله (٨) عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مَبِيت لكم ولا عَشَاء، وإذا دخل فلم (٩) يذكر اسم الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم (١٠) المبيت، فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه قال: أدركتم (١١) المبيت والعشاء". لفظ أبي داود.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن وَحْشِيّ بن حَرْب بن وَحْشِي بن حَرْب، عن أبيه، عن جده؛ أن رجلا قال للنبي ﷺ: إنا نأكل وما نشبع؟ قال: "فلعلكم (١٢) تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله، يبارك لكم فيه ".
ورواه أبو داود، وابن ماجه، من طريق الوليد بن مسلم. (١٣)
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾
لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث، وما أحله لهم من الطيبات، قال بعده: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)
(١) زيادة من أ.
(٢) زيادة من أ.
(٣) زيادة من و، أ.
(٤) في أ: "فيستحل".
(٥) في أ: "بيديهما".
(٦) المسند (٥/ ٣٨٢) وصحيح مسلم برقم (٢٠١٧) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٧٥٤).
(٧) صحيح مسلم برقم (٢٠١٨) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٧٥٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٨٨٧).
(٨) في أ: "فذكر اسم الله".
(٩) في أ: "ولم".
(١٠) في أ: "أدركتكم".
(١١) في أ: "أدركتكم".
(١٢) في أ: "فعلكم".
(١٣) المسند (٣/ ٥٠١) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٤) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٨٦).
ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى، فقال: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) قال ابن عباس، وأبو أمامة، ومجاهد، وسعيد بن جُبَيْر، وعِكْرِمة، وعَطاء، والحسن، ومَكْحول، وإبراهيم النَّخَعِي، والسُّدِّي، ومُقاتل بن حيَّان: يعني ذبائحهم.
وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عن قولهم، تعالى وتقدس. وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مُغَفَّل قال: دُلِّي بجراب من شحم يوم خيبر. [قال] (١) فاحتضنته (٢) وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحدًا، والتفتُّ فإذا النبي ﷺ يتبسم. (٣)
فاستدل به الفقهاء على أنه يجوز تناولُ ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة، وهذا ظاهر. واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة على أصحاب مالك في منعهم أكل (٤) ما يعتقد اليهود تحريمه (٥) من ذبائحهم، كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم. فالمالكية لا يجوزون للمسلمين أكله؛ لقوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) قالوا: وهذا ليس من طعامهم. واستدل عليهم (٦) الجمهور بهذا الحديث، وفي ذلك نظر؛ لأنه قضية عين، ويحتمل أنه كان شحما يعتقدون حله، كشحم الظهر والحوايا ونحوهما، والله أعلم.
وأجود منه في الدلالة ما ثبت في الصحيح: أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله ﷺ شاة مَصْليَّة، وقد سَمّوا ذراعها، وكان يعجبه الذراع، فتناوله فنَهَشَ منه نَهْشةً، فأخبره الذراع أنه مسموم، فلَفَظَه وأثر ذلك السم في ثنايا رسول الله ﷺ وفي أبْهَرِه، وأكل معه منها بشر بن البراء بن مَعْرور؛ فمات، فقتل اليهودية التي سمتها، وكان اسمها زينب، فقتلت ببشر بن البراء. (٧)
ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا.
وفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ أضافه يهودي على خبز شعير وإهالة سنَخَة، يعني: ودَكا زنخا (٨)
وقال ابن أبي حاتم: قرئ على العباس بن الوليد بن مَزْيَد، أخبرنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان بن المنذر، عن مكحول قال: أنزل الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ثم نسخها الرب، ﷿، ورحم المسلمين، فقال: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب.
وفي هذا الذي قاله مكحول، ﵀، نظر، فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحةُ أكل ما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم، وهم متعبدون
بذلك؛ ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم، لأنهم لم يذكروا اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة، بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة، ومن تَمَسّك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء، على أحد قولي العلماء، ونصارى العرب كبني تَغْلِب وتَنُوخ وبَهْرَاء وجُذام ولَخْم وعَاملة ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور.
[و] (١) قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن (٢) محمد بن عَبِيدة قال: قال علي: لا تأكلوا ذبائح بنى تغلب؛ لأنهم (٣) إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر.
وكذا قال غير واحد من الخلف والسلف.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة عن سعيد بن المسيب، والحسن؛ أنهما كانا لا يريان بأسا بذبيحة نصارى بني تغلب.
وأما المجوس، فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعا وإلحاقا لأهل الكتاب فإنهم (٤) لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، خلافا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي، وأحمد بن حنبل، ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال عنه الإمام أحمد: أبو ثور كاسمه! يعني في هذه المسألة، وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلا عن النبي ﷺ أنه قال: "سُنوا بهم سنة أهل الكتاب"، (٥) ولكن لم يثبت بهذا اللفظ، وإنما الذي في صحيح البخاري: عن عبد الرحمن بن عوف؛ أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مَجوس هَجَر (٦) ولو سلم صحة هذا الحديث، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) فدل بمفهومه -مفهوم المخالفة-على أن طعام من عداهم من أهل الأديان (٧) لا يحل (٨)
وقوله: (وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) أي: ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إخبارا عن الحكم عندهم، اللهم إلا أن يكون خبرا عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه، سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها. والأول أظهر في المعنى، أي: ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم. وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبي ﷺ ثوبه لعبد الله بن أبيّ ابن سلول حين مات ودفنه فيه، قالوا: لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه النبي ﷺ ذلك بذلك، فأما (٩) الحديث الذي فيه: "لا تَصْحَبْ إلا مُؤْمِنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي" (١٠) فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم.
(١) زيادة من أ.
(٢) في ر، أ: "بن".
(٣) في ر، أ: "فإنهم".
(٤) في أ "فإنه".
(٥) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٧٨) ومن طريقة الشافعي في السنن (١١٨٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ١٨٩) عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". ومحمد بن علي لم يسمع من عمر، فهو منقطع.
(٦) صحيح البخاري برقم (٣١٥٦).
(٧) في أ: "الأوثان".
(٨) في د: "طعام غير أهل الكتاب لا يحل".
(٩) في أ: "وأما".
(١٠) رواه أبو دواد في السنن برقم (٤٨٣٢) وابن ماجة في السنن برقم (٢٣٩٥) من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁.
وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ) أي: وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده، وهو قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم) فقيل: (١) أراد بالمحصنات: الحرائر دون الإماء، حكاه ابن جرير عن مجاهد. وإنما قال مجاهد: المحصنات: الحرائر، فيحتمل (٢) أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة، كما قاله مجاهد في الرواية الأخرى عنه. وهو (٣) قول الجمهور هاهنا، وهو الأشبه؛ لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل (٤) في المثل: "حَشفَا (٥) وسَوء كيلة". (٦) (٧) والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥].
ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) هل يعم كل كتابية عفيفة، سواء كانت حرة أو أمة؟ حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف، ممن فسر المحصنة بالعفيفة. وقيل: المراد بأهل الكتاب هاهنا الإسرائيليات، وهو مذهب الشافعي. وقيل: المراد بذلك: الذميات دون الحربيات؛ لقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ]﴾ [التوبة: ٢٩] (٨)
وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول: إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢١].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب، حدثنا القاسم بن مالك -يعني المُزَنِيّ-حدثنا إسماعيل بن سَمِيع، عن أبي مالك الغفاري، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قال: فحجز الناس عنهن حتى نزلت التي بعدها: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فنكح الناس [من] (٩) نساء أهل الكتاب.
وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا، أخذا بهذه الآية الكريمة: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فجعلوا (١٠) هذه مخصصة للآية التي في البقرة: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [الآية: ٢٢١] إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها وبينها (١١)؛ لأن أهل الكتاب قد يُفْصَل في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] وكقوله (١٢) ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الآية [آل عمران: ٢٠]
(١) في د: "قيل"، وفي أ: "قلت".
(٢) في أ: "يحتمل".
(٣) في أ: "وهي".
(٤) في د: "كما قيل".
(٥) في ر، د: "حثف".
(٦) في أ: "كلية"، وهو خطأ.
(٧) الحشف: أردأ التمر، وانظر: مجمع الأمثال للميداني (١/ ٢٠٧).
(٨) زيادة من ر، أ. وفي هـ: "الآية".
(٩) زيادة من أ.
(١٠) في أ: "وجعلوا".
(١١) في ر، أ: "وبيننا".
(١٢) في ر: "ولقوله".
، وقوله: (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي: (١) مهورهن، أي: كما هن محصنات عفائف، فابذلوا لهن المهور (٢) عن طيب نفس. وقد أفتى جابر بن عبد الله، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، والحسن البصري بأن الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها: أنه يفرق بينه وبينها، وتَرُدّ عليه ما بذل لها من المهر. رواه ابن جرير عنهم ..
وقوله: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) فكما شرط الإحصان في النساء -وهي العفة-عن الزنا كذلك شرطها في الرجال وهو أن يكون الرجل أيضا محصنا عفيفا؛ ولهذا قال: (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) وهم: الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية، ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم، (وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) أي: ذوي العشيقات الذين (٣) لا يفعلون إلا معهن، كما تقدم في سورة النساء سواء؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل، ﵀، إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البَغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا؛ لهذه الآية وللحديث الآخر: "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله." (٤)
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بَشّار، حدثنا سليمان بن حَرْب، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب [﵁] (٥) لقد هممت ألا أدع أحدًا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة. فقال له أبيّ بن كعب: يا أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب. (٦)
وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى [إن شاء الله تعالى] (٧) عند قوله: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾
قال كثيرون من السلف: قوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) معناه وأنتم مُحْدِثون.
وقال آخرون: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، وكلاهما قريب.
وقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حق المحدث على سبيل الإيجاب، وفي حق المتطهر على سبيل الندب والاستحباب. وقد قيل: إن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجبا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ.
قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن عَلْقَمَة بن مرثد، عن سليمان بن بُرَيْدة (١) عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: يا رسول الله، إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله؟ قال: "إني عمدًا فعلته يا عمر.
وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد (٢) ووقع في سنن ابن ماجه، عن سفيان عن محارب بن دِثَار -بدل علقمة بن مرثد-كلاهما عن سليمان بن بُريدة (٣) به وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عباد بن موسى، أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي، حدثنا الفضل بن المُبَشِّر قال: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدث، توضأ ومسح بفضل طَهُوره الخفين. فقلت: أبا عبد الله، شيء (٤) تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت النبي (٥) ﷺ يصنعه، فأنا أصنعه، كما رأيت رسول الله [ﷺ] (٦) يصنع. (٧)
وكذا رواه ابن ماجه، عن إسماعيل بن تَوْبة، عن زياد البكائي، به (٨) وقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن (٩) إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حَبَّان الأنصاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: قلت له: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، عَمَّن هو؟ قال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب؛ أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر بن الغسيل حدثها، أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة وَوُضِع عنه الوضوء، إلا من حدث. فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك، كان يفعله حتى مات. (١٠)
وكذا رواه أبو داود، عن محمد بن عَوْف (١١) الحِمْصِيّ، عن أحمد بن خالد الذهبي، عن محمد
(١) في أ: "يزيد".
(٢) المسند (٥/ ٣٥٨) وصحيح مسلم برقم (٢٧٧) وسنن أبي داود برقم (١٧٢) وسنن الترمذي برقم (٦١) وسنن النسائي (١/ ٨٦) وسنن ابن ماجة برقم (٥١٠).
(٣) في أ: "يزيد".
(٤) في أ: "أشيء".
(٥) في أ: "رسول الله".
(٦) زيادة من أ.
(٧) في أ: "يصنعه".
(٨) تفسير الطبري (١٠/ ١١) وسنن ابن ماجة برقم (٥١١) وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٠٢): "هذا إسناد ضعيف، الفضل بن مبشر ضعفه الجمهور، وهو في البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث أنس بن مالك".
(٩) في ر: "أبي".
(١٠) المسند (٥/ ٢٢٥).
(١١) في أ: "عون".
بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عبد الله بن عبد الله (١) بن عمر (٢) ثم قال أبو داود: ورواه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق فقال: عبيد الله بن عبد الله بن عمر، يعني كما تقدم في رواية الإمام أحمد.
وأيا ما كان فهو (٣) إسناد صحيح، وقد صرح ابن إسحاق فيه بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى بن حَبَّان، فزال محذور التدليس. لكن قال الحافظ ابن عساكر: رواه سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكَانة، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، به، والله (٤) أعلم. وفي فعل ابن عمر هذا، ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة، دلالة على استحباب ذلك، كما هو مذهب الجمهور. .
وقال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا أزْهَر، عن ابن عَوْن، عن ابن سِيرين: أن الخلفاء كانوا يتوضئون لكل صلاة.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى (٥) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعْبَة، سمعت مسعود بن علي الشيباني، سمعت عِكْرِمة يقول: كان علي، ﵁، يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) الآية.
وحدثنا ابن المثنى، حدثني وَهْب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: رأيت عليًا صلى الظهر، ثم قعد للناس في الرّحْبة، ثم أتي بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال (٦) هذا وضوء من لم يُحْدث.
وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيْم (٧) عن مغيرة، عن إبراهيم؛ أن عليًا اكماز (٨) من حُبٍّ، فتوضأ وضوءا فيه تجوّز (٩) فقال: هذا وضوء من لم يحدث ". وهذه طرق جيدة عن علي [﵁] (١٠) يقوي بعضها بعضا.
وقال ابن جرير أيضا: حدثنا ابن بَشَّار، حدثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن حُمَيْد، عن أنس قال: توضأ عمر بن الخطاب وضوءا فيه تَجَوّز، خفيفا، فقال (١١) هذا وضوء من لم يحدث. وهذا إسناد صحيح. (١٢)
وقال محمد بن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة ..
وأما ما رواه أبو داود الطيالسي، عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء. فهو غريب عن سعيد بن المسيب، ثم هو محمول على أن من اعتقد وجوبه فهو معتد، وأما مشروعيته استحبابا فقد دلت السنة على ذلك.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ، حدثنا سفيان، عن عمرو بن عامر الأنصاري، سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت (١) فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث.
وقد رواه البخاري وأهل السنن من غير وجه عن عَمْرو بن عامر، به. (٢)
وقال ابن جرير: حدثني أبو سعيد البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور، عن هُرَيم، عن عبد الرحمن بن زياد -هو الإفريقي-عن أبي غُطَيف، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "من توضأ على طُهْر كتب (٣) له عشر حسنات ".
ورواه أيضا من حديث عيسى بن يونس، عن الإفريقي، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، فذكره، وفيه قصة. (٤)
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث الإفريقي، به نحوه (٥) وقال الترمذي: وهو إسناد ضعيف.
قال ابن جرير: وقد قال قوم: إن هذه الآية نزلت إعلاما من الله أن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة، دون غيرها من الأعمال؛ وذلك لأنه ﵇ (٦) كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ.
حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان (٧) عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم، عن عبد الله بن عَلْقَمَة بن الفَغَواء، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى نزلت آية الرخصة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) الآية.
ورواه ابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم، عن أبي كُرَيْب، به (٨) نحوه. وهو حديث غريب
(١) في أ: "فقلت".
(٢) المسند (٣/ ١٣٢) وصحيح البخاري برقم (٢١٤) وسنن أبي داود برقم (١٧١) وسنن الترمذي برقم (٦٠) وسنن النسائي (١/ ٨٥) وسنن ابن ماجة برقم (٥٠٩).
(٣) في أ: "كتبت".
(٤) تفسير الطبري (١٠/ ٢١، ٢٢).
(٥) سنن أبي داود برقم (٦٢) وسنن الترمذي برقم (٥٩) وسنن ابن ماجة برقم (٥١٢).
(٦) في أ: "ﷺ".
(٧) في أ: "شيبان".
(٨) تفسير الطبري (١٠/ ٢٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٦) من طريق أبي كريب به. وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٧٦): "فيه جابر الجعفي وهو ضعيف".
جدًا، وجابر هذا هو ابن يزيد (١) الجعفي، ضعفوه.
وقال أبو داود: حدثنا مُسَدَّد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مُلَيكة، عن عبد الله بن عباس؛ أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء، فَقُدِّم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوَضُوء فقال: "إنما أمرت بالوضوء إذا قُمْتُ إلى الصلاة.
وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن مَنِيع والنسائي عن زياد بن أيوب، عن إسماعيل -وهو ابن علية-به (٢) وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس قال: كنا عند النبي ﷺ فأتى الخلاء، ثم إنه رجع فأتى بطعام، فقيل: يا رسول الله، ألا تتوضأ؟ فقال: "لِمَ؟ أأصلي (٣) فأتوضأ؟ ". (٤)
وقوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) قد استدل طائفة من العلماء بقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) على وجوب النية في الوضوء؛ لأن تقدير الكلام: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها"، كما تقول العرب: "إذا رأيت الأمير فقم" أي: له. وقد ثبت في الصحيحين حديث: "الأعمال (٥) بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". (٦) ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه؛ لما ورد في الحديث من طرق (٧) جيدة، عن جماعة من الصحابة، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". (٨)
ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء (٩) ويتأكد ذلك عند القيام من النوم؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نَوْمِه، فلا يُدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثا، فإن أحدَكم لا يَدْرِي أين باتت يده". (١٠)
وحَدُّ الوجه عند الفقهاء: ما بين منابت شعر الرأس -ولا اعتبار بالصَّلع ولا بالغَمَم-إلى منتهى اللحيين والذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا، وفي النزعتين (١١) والتحذيف خلاف، هل هما
(١) في ر، أ: "ابن زيد".
(٢) سنن أبي داود برقم (٣٧٦٠) وسنن الترمذي برقم (١٨٤٧) وسنن النسائي (١/ ٨٥).
(٣) في أ: "لم أصل".
(٤) صحيح مسلم برقم (٣٧٤).
(٥) في أ: "إنما الأعمال".
(٦) صحيح البخاري برقم (١) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٧).
(٧) في أ: "طريق".
(٨) روي من حديث أبي هريرة: رواه أبو داود في السنن برقم (١٠١)، وروي من حديث أبي سعيد الخدري: رواه ابن ماجة في السنن برقم (٣٩٧)، وروي من حديث سهل بن سعد: رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٠).
(٩) في أ: "إدخالهما الماء".
(١٠) صحيح البخاري برقم (١٦٢) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨).
(١١) في ر، أ: "النزعتان" وهو خطأ.
من الرأس أو الوجه، وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض قولان، أحدهما: أنه يجب إفاضة الماء عليه لأنه تقع به المواجهة. وروي في حديث: أن النبي ﷺ رأى رجلا مغطيا لحيته، فقال: "اكشفها، فإن اللحية من الوجه" (١) وقال مجاهد: هي من الوجه، ألا تسمع إلى قول العرب في الغلام إذا نبتت لحيته: طلع وجهه.
ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كَثَّة، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن جَمْرَة، عن أبي وائل (٢) قال: رأيت عثمان توضأ -فذكر الحديث-قال: وخلل اللحية ثلاثا حين غسل وجهه ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل الذي رأيتموني فعلت.
رواه الترمذي، وابن ماجه من حديث عبد الرزاق (٣) وقال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه البخاري.
وقال أبو داود: حدثنا أبو تَوْبَة الربيع بن نافع، حدثنا أبو المَلِيح، حدثنا الوليد بن زَوْرَانَ (٤) عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كَفًّا من ماء فأدخله تحت حنكه، يخلل (٥) به لحيته، وقال: "هكذا أمرني به ربي ﷿.
تفرد به أبو داود (٦) وقد رُوي هذا (٧) من غير وجه عن أنس. قال البيهقي: وروينا في تخليل اللحية عن عمار، وعائشة، وأم سلمة عن النبي ﷺ، ثم عن علي وغيره، وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر، والحسن بن علي، ثم عن النخعي، وجماعة من التابعين. (٨)
وقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه في الصحاح وغيرها: أنه كان إذا توضأ تمضمض (٩) واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك: هل هما واجبان في الوضوء والغسل، كما هو مذهب أحمد بن حنبل، ﵀؟ أو مستحبان فيهما، كما هو مذهب الشافعي ومالك؟ لما ثبت في الحديث الذي رواه أهل السنن وصححه ابن خُزَيمة، عن رفاعة بن رافع الزّرقي؛ أن النبي ﷺ قال للمسيء في صلاته: "توضأ كما أمرك الله" (١٠) أو يجبان في الغسل دون الوضوء، كما هو مذهب أبي حنيفة؟ أو يجب
(١) المسند (١/ ١٤٩) وسنن الترمذي برقم (٣١) وسنن ابن ماجة (٤٣٠) وقال الإمام أحمد: "أحسن شيء في تخليل اللحية حديث شقيق عن عثمان".
(٢) في ر، أ: "عن شقيق بن سلمة".
(٣) سنن أبي داود برقم (١٤٥).
(٤) في ر: "زروان"، وفي أ: "وردان".
(٥) في أ: "فخلل".
(٦) ١ - روي عن طريق عمر بن ذؤيب عن ثابت عن أنس: رواه العقيلي في الضعفاء (٣/ ١٥٧). ٢ - روي من طريق الحسن البصري عن أنس: رواه الدارقطني في السنن (١/ ١٠٦). ٣ - روي من طريق الزهري عن أنس. ٤ - وروي من طريق موسى بن أبي عائشة عن أنس: رواهما الحاكم في المستدرك (١/ ١٤٩).
(٧) في أ: "هذا الوجه".
(٨) السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٥٤) أما حديث عمار: فيرويه سفيان بن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان بن بلال عنه، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣٠). وأما حديث عائشة: فيرويه موسى بن ثروان عن طلحة بن عبيد عنها، أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٢٣٥)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٣٥): "رجاله موثقون". وأما حديث أم سلمة: فيرويه خالد بن إلياس، عن عبد الله بن رافع عنهما، أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣٩).
(٩) في أ: "مضمض".
(١٠) سنن أبي داود برقم (٨٦١) وسنن الترمذي برقم (٣٠٢) وسنن النسائي (٢/ ٢٠) وسنن ابن ماجة برقم (٤٦٠) وصحيح ابن خزيمة برقم (٥٤٥).
الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد لما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فليستنثر" (١) وفي رواية: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر" (٢) والانتثار: هو المبالغة في الاستنشاق.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس؛ أنه توضأ فغسل وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بهما وجهه. ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء، ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ، يعني يتوضأ.
ورواه البخاري، عن محمد بن عبد الرحيم، عن أبي سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، به (٣)
وقوله: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) أي: مع المرافق، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]
وقد روى الحافظ الدارقطني وأبو بكر البيهقي، من طريق القاسم بن محمد، عن (٤) عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جده، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. ولكن القاسم هذا متروك الحديث، وجده ضعيف (٥) والله أعلم.
ويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد ليغسله مع ذراعيه؛ لما روى البخاري ومسلم، من حديث نُعَيم المُجْمِر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أمتي يُدْعَوْن يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّته فليفعل". (٦)
وفي صحيح مسلم: عن قُتَيْبَة، عن خَلَف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: سمعت خليلي (٧) ﷺ يقول: "تبلغ الحِلْية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". (٨)
وقوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) اختلفوا في هذه "الباء" هل هي للإلصاق، وهو الأظهر أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين. ومن الأصوليين من قال: هذا مجمل فليرجع (٩) في بيانه إلى السنة، وقد ثبت في الصحيحين من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم -وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي ﷺ: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض (١٠) واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه
(١) صحيح البخاري برقم (١٦١) وصحيح مسلم برقم (٢٣٧).
(٢) في أ: "ثم لينثره".
(٣) المسند (١/ ٢٦٨) وصحيح البخاري برقم (١٤٠).
(٤) في أ: "بن".
(٥) سنن الدارقطني (١/ ٨٣) وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٥٦). قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٢٩٣): "ضعيف".
(٦) صحيح البخاري برقم (١٣٦) وصحيح مسلم برقم (٢٤٦).
(٧) في أ: "خليلي رسول الله".
(٨) صحيح مسلم برقم (٢٤٦).
(٩) في أ: "فيرجع".
(١٠) في أ "تمضمض".