سورة الأحزاب

ซูเราะฮ์ที่ 33 · ตอน 5/8 · เล่ม 6 หน้า 435–449

ج6 · ص435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ج6 · ص436

وقوله: (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا) أي: عند الصباح والمساء، كقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧، ١٨]

وقوله: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ): هذا تهييج إلى الذكر، أي: إنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١، ١٥٢]. وقال النبي ﷺ: "يقول الله: مَنْ ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومَنْ ذكرني في مَلأ ذكرته في ملأ خير منهم" (١)

والصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة، حكاه البخاري عن أبي العالية. ورواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عنه.

وقال غيره: الصلاة من الله: الرحمة [ورد بقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾] (٢)

وقد يقال: لا منافاة بين القولين والله أعلم.

وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار (٣)، كقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية. [غافر: ٧ - ٩].

وقوله: (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) أي: بسبب رحمته بكم وثنائه عليكم، ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين. (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا: فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبَصّرهم الطريق الذي ضَلَّ عنه وحاد عنه من سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأشياعهم (٤) من الطغام (٥). وأما رحمته بهم في الآخرة: فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم.

قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، ﵁، قال: مر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني، وَسَعَت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت

(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٤٠٥) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة، ﵁.

(٢) زيادة من ت.

(٣) في ت: "والاستغفار إليهم".

(٤) في ت، أ: "وأتباعهم".

(٥) في أ: "الطغاة".

ج6 · ص437

هذه لتلقي ابنها في النار. قال: فَخَفَّضهم رسول الله ﷺ وقال: "ولا الله (١)، لا يلقي حبيبه في النار".

إسناده على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة (٢)، ولكن في صحيح الإمام البخاري، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيا لها، فألصقته إلى صدرها، وأرضعته فقال: "أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟ " قالوا: لا. قال: "فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها" (٣).

﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾.

وقوله: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ) الظاهر أن المراد -والله أعلم - (تَحِيَّتُهُمْ) أي: من الله تعالى يوم يلقونه (سَلامٌ) أي: يوم يسلم عليهم كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].

وزعم قتادة أن المراد أنهم يحيي (٤) بعضهم بعضا بالسلام، يوم يلقون الله في الدار الآخرة. واختاره ابن جرير.

قلت: وقد يستدل بقوله (٥) تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وقوله: (وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) (٦) يعني: الجنة وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمناكح والملاذ والمناظر وما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (٤٨)﴾.

قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا فُلَيْح بن سليمان، عن هلال بن علي (٧) عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لست بفظ (٨) ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر (٩)، ولن يقبضَه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا".

(١) في أ: "لا والله".

(٢) المسند (٣/ ١٠٤).

(٣) صحيح البخاري برقم (٥٩٩٩).

(٤) في ت: "يحيون".

(٥) في ت، ف، أ: "وقد يستدل له بقوله".

(٦) في ت: "عظيما" وهو خطأ.

(٧) في ت: "روى الإمام أحمد بإسناده".

(٨) في ت: "لا بفظ" وفي أ: "لا فظ".

(٩) في ف: "يعفو ويصفح ويغفر".

ج6 · ص438

وقد رواه البخاري في "البيوع" عن محمد بن سنان، عن فُلَيْح بن سليمان، عن هلال بن علي به. ورواه في التفسير عن عبد الله -قيل: ابن رجاء، وقيل: ابن صالح -عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، به (١). ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عبد الله بن رجاء، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، به.

وقال البخاري في البيوع: وقال سعيد، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام.

وقال وهب بن منبه: إن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل -يقال له: شعياء -أن قم في قومك بني إسرائيل، فإني منطق لسانك بوحي وأبعث أميا من الأميين، أبعثه [مبشرا] (٢) ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، لو يمر إلى جنب سراج لم يطفئه، من سكينته، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا ونذيرا، لا يقول الخنا، أفتح به أعينا كُمْهًا (٣)، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، أسَدّده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخَمَالة، وأعرف به بعد النُّكْرَة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العَيْلَة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فِئامًا من الناس عظيمة (٤) من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين، مصدقين لما جاءت به رسلي (٥)، ألهمهم التسبيح والتحميد، والثناء والتكبير والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم، ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصلون لي قياما وقعودا، ويقاتلون في سبيل الله (٦) صفوفا وزُحوفا، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتي ألوفا، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب في الأنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل ليُوث بالنهار، وأجعل في أهل بيته وذريته السابقين والصديقين والشهداء والصالحين، أمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون، أعز مَنْ نصرهم، وأؤيد مَنْ دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على مَنْ خالفهم أو بغى عليهم، أو أراد أن ينتزع شيئا مما في أيديهم. أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويوفون بعهدهم، أختم بهم الخير الذي بدأته بأولهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم.

هكذا رواه ابن أبي حاتم، عن وهب بن منبه اليماني، ﵀.

ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد

(١) المسند (٢/ ١٧٤) وصحيح البخاري برقم (٢١٢٥) ورقم (٤٨٣٨).

(٢) زيادة من ت، ف.

(٣) في ت: "أعينا عميا كمها".

(٤) في ت: "عظيم".

(٥) في ت: "الرسل".

(٦) في أ: "في سبيلي".

ج6 · ص439

بن عبيد الله العَرْزَمي (١)، عن شَيْبَان النحوي، أخبرني قتادة، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس (٢) قال: لما نزلت: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) -وقد كان أمر عليا ومعاذا أن يسيرا إلى اليمن -فقال: "انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، إنه قد أنزل علي: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).

ورواه الطبراني عن محمد بن نصر بن حميد البزاز البغدادي، عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن عبد الرحمن [بن محمد] (٣) بن عبيد الله العرزمي، بإسناده مثله (٤). وقال في آخره: "فإنه قد أنزل (٥) علي: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا على أمتك ومبشرا بالجنة، ونذيرا من النار، وداعيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه، وسراجا منيرا بالقرآن".

وقوله: (شَاهِدًا) أي: لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾، [كقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (٦) [البقرة: ١٤٣].

وقوله: (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) أي: بشيرا للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرا للكافرين من وبيل العقاب.

وقوله: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ) أي: داعيا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك، (وَسِرَاجًا مُنِيرًا) أي: وأمرُك ظاهر فيما جئت به من الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند.

وقوله: (وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ)، أي: لا تطعهم و[لا] (٧) تسمع منهم في الذي يقولونه (٨) (وَدَعْ أَذَاهُمْ) أي: اصفح وتجاوز عنهم، وكِلْ أمرهم إلى الله، فإن فيه كفايةً لهم؛ ولهذا قال: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا).

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا (٤٩)﴾.

هذه الآية الكريمة فيها أحكام (٩) كثيرة. منها: إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اختلفوا في النكاح: هل هو حقيقة في العقد وحده، أو في الوطء، أو فيهما؟ على ثلاثة أقوال، واستعمال القرآن إنما هو في العقد والوطء بعده، إلا في هذه الآية فإنه استعمل في العقد وحده؛ لقوله: (إِذَا نَكَحْتُمُ (١٠) الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها.

(١) في أ: "عبد الله القرشي".

(٢) في ت: "ثم روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى ابن عباس".

(٣) زيادة من ت، ف، والمعجم.

(٤) المعجم الكبير (١١/ ٣١٢) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٢): "وفيه عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي وهو ضعيف".

(٥) في ت، أ: "أنزلت".

(٦) زيادة من ت، ف، أ.

(٧) زيادة من ت.

(٨) في أ: "في الذين يتولونهم".

(٩) في ت "اشتملت على أحكام".

(١٠) في ت: "نكحتموا".

ج6 · ص440

وقوله: (الْمُؤْمِنَاتِ) خرج مخرج الغالب؛ إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق. وقد استدل ابن عباس، وسعيد بن المسَيَّب، والحسن البصري، وعلي بن الحسين، زين العابدين، وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح؛ لأن الله تعالى قال: (إِذَا نَكَحْتُمُ (١) الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ)، فعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله. وهذا مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وطائفة كثيرة من السلف والخلف، رحمهم الله تعالى.

وذهب مالك وأبو حنيفة، رحمهما الله، إلى صحة الطلاق قبل النكاح؛ فيما إذا قال: "إن تزوجت فلانة فهي طالق". فعندهما متى تزوجها طلقت منه. واختلفا فيما إذا قال: "كل امرأة أتزوجها فهي طالق". فقال مالك: لا تطلق حتى يعين المرأة. وقال أبو حنيفة، ﵀: كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه، فأما الجمهور فاحتجوا على عدم وقوع الطلاق بهذه الآية.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، حدثنا النضر بن شُمَيْل، حدثنا يونس -يعني: ابن أبي إسحاق -سمعت آدم مولى خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: [إذا قال] (٢): كل امرأة أتزوجها فهي طالق، قال: ليس بشيء من أجل أن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ) الآية.

وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحْمَسِي، حدثنا وَكِيع، عن مطر، عن الحسن بن مسلم بن يَنّاق (٣)، عن ابن عباس قال: إنما قال الله تعالى: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ)، ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح؟!

وهكذا روى محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال الله: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ) فلا طلاق [قبل النكاح] (٤).

وقد ورد الحديث بذلك عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: "لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك". رواه الإمام أحمد والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه (٥). وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وهكذا روى ابن ماجه عن علي، والمِسْوَر بن مَخْرَمَة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا طلاق قبل نكاح" (٦).

[وفي الآية دليل على أن المسيس مطلق، ويراد به الوطء] (٧).

(١) في ت: "نكحتموا".

(٢) زيادة من ت.

(٣) في ت: "وروى أيضا بإسناده".

(٤) زيادة من ف، أ.

(٥) المسند (٢/ ١٨٩) وسنن الترمذي برقم (١١٨١) وسنن أبي داود برقم (٢١٩١) وسنن ابن ماجه برقم (٢٠٤٧).

(٦) سنن ابن ماجه برقم (٢٠٤٨) من طريق علي بن الحسين، عن هشام بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، به. وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٣٢): "هذا إسناد حسن، علي بن الحسين وهشام بن سعد مختلف فيهما". وبرقم (٢٠٤٩) من طريق جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي، به. وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٣٢): "هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف جويبر بن سعيد البجلي، لكن لم ينفرد به جويبر، فقد رواه البيهقي في الكبرى (٧/ ٣٢٠) من طريق معاذ العنبري، عن حميد الطويل، عن الحسن عن علي به، ثم رواه من طريق سعيد عن جويبر به موقوفا من الطريقين معا".

(٧) زيادة من ت.

ج6 · ص441

وقوله (١): (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا): هذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها فتذهب فتتزوج في فورها مَنْ (٢) شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرا، وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضا.

وقوله: (فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا): المتعة هاهنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى، أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمى لها، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].

وفي صحيح البخاري، عن سهل بن سعد وأبي أسيد؛ أن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شَرَاحيل، فلما أدخلت (٣) عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيَّين (٤).

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ﵄: إن كان سمى لها صداقا، فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمى لها صداقا فأمتعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل.

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾.

يقول تعالى مخاطبا نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مُهُورَهُنَّ، وهي الأجور هاهنا. كما قاله مجاهد وغير واحد، وقد كان مَهْرُه لنسائه اثنتي (٥) عشرة أوقية ونَشّا وهو نصف (٦) أوقية، فالجميع خمسمائة درهم، إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشي، ﵀، أربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حُيَيّ فإنه اصطفاها من سَبْي خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها. وكذلك جُوَيرية بنت الحارث المصطلقية، أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها، رضي الله عن جميعهن (٧).

(١) في هـ: "قال".

(٢) في ت: "في فورها متى" وفي أ: "في قرئها من".

(٣) في ت: "فلما دخلت" وفي ف، أ: "فلما أن دخلت".

(٤) صحيح البخاري برقم (٥٢٥٦، ٥٢٥٧).

(٥) في ت: "ثنتي".

(٦) في ت: "والنش النصف".

(٧) في ت: "﵅ أجمعين".

ج6 · ص442

وقوله: (وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ) أي: وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم (١)، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما. وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم، ﵇، وكانتا من السراري، ﵄.

وقوله: (وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ): هذا عدل وَسط بين الإفراط والتفريط؛ فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم (٢) ما فَرّطت (٣) فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت، وهذا بشع (٤) فظيع.

وإنما قال: (وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ) فَوَحَّدَ لفظ الذكر لشرفه، وجمع الإناث لنقصهن كقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]، ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وله نظائر كثيرة.

وقوله: (اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) قال ابن أبي حاتم، ﵀:

حدثنا محمد بن عمار بن (٥) الحارث الرازي، حدثنا عبيد الله (٦) بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح (٧)، عن أم هانئ قالت: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه بعذري، ثم أنزل الله: (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ) إلى قوله: (اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) قالت: فلم أكن أحل له، ولم أكن ممن هاجر معه، كنت من الطلقاء. ورواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن عبيد الله بن موسى، به (٨).

ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عنها بنحوه.

ورواه الترمذي في جامعه (٩). وهكذا قال أبو رَزين وقتادة: إن المراد: من هاجر معه إلى المدينة. وفي رواية عن قتادة: (اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) أي: أسلمن. وقال الضحاك: قرأ ابن مسعود: "واللاتي هَاجَرْنَ مَعَك".

وقوله: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا) أي: ويحل لك -يأيها النبي -المرأة المؤمنة إذا وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك. وهذه الآية توالى فيها شرطان، كقوله تعالى إخبارًا عن نوح، ﵇، أنه قال لقومه: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وكقول موسى: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤].

(١) في أ: "الغنائم".

(٢) في أ: "وحرم".

(٣) في ت: "ما حرموا".

(٤) في ف، أ: "شنيع".

(٥) في أ: "و".

(٦) في أ: "عبد الله".

(٧) في ت: "روى ابن أبي حاتم بإسناده".

(٨) تفسير الطبري (٢٢/ ١٥).

(٩) سنن الترمذي برقم (٣٢١٤) وقال: "هذا حديث حسن صحيح لا أعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي".

ج6 · ص443

وقال هاهنا: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا) وقد قال الإمام أحمد (١):

حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي؛ أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني قد وَهَبت نفسي لك. فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال: يا رسول الله، زَوّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ: "هل عندك من شيء تُصدقها إياه"؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ: "إن أعطيتها إزارك جلستَ لا إزار لك، فالتمس شيئا". فقال: لا أجد شيئا. فقال: "التمس ولوخاتما من حديد" فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له النبي ﷺ: "هل معك من القرآن شيء؟ " قال: نعم؛ سورة كذا، وسورة كذا -لسور يسميها -فقال له رسول الله ﷺ: "زوجتكها بما معك من القرآن".

أخرجاه من حديث مالك (٢).

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان (٣)، حدثنا مرحوم، سمعت ثابتا يقول (٤): كنت مع أنس جالسا وعنده ابنة له، فقال أنس: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله، هل لك فيّ حاجة؟ فقالت ابنته: ما كان أقل حياءها. فقال: "هي خير منك، رغبت في النبي، فعرضت عليه نفسها".

انفرد بإخراجه البخاري، من حديث مرحوم بن عبد العزيز [العطار] (٥)، عن ثابت البُنَاني، عن أنس، به (٦).

وقال (٧) أحمد أيضا: حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا سِنان بن ربيعة، عن الحضرمي، عنأنس بن مالك: أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ابنة لي كذا وكذا. فذكرت من حسنها وجمالها، فآثرتك بها. فقال: "قد قبلتها". فلم تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تصدع ولم تَشْتَك شيئًا قط، فقال: "لا حاجة لي في ابنتك". لم يخرجوه (٨).

وقال (٩) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مُزَاحم، حدثنا ابن أبي الوضاح -يعني: محمد بن مسلم -عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة قالت: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ خولة بنت حكيم (١٠).

وقال ابن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن وابن أبي الزِّنَاد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن خولة بنت حكيم بن الأوقص، من بني سُلَيم، كانت من اللاتي وَهَبْن أنفسهن لرسول الله ﷺ (١١).

وفي رواية له عن سعيد بن عبد الرحمن، عن هشام، عن أبيه: كنا نتحدث أن خولة بنت حكيم

(١) في ت: "وقد روى البخاري ومسلم".

(٢) المسند (٥/ ٣٣٦) وصحيح البخاري برقم (٥١٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٤٢٥) ولكنه عند مسلم من طريق يعقوب وعبد العزيز بن أبي حازم وسفيان بن عيينة والدراوردي وزائدة كلهم عن أبي حازم بنحوه.

(٣) في أ: "عثمان".

(٤) في ت: "وروى البخاري أن ثابتا قال".

(٥) زيادة من أ.

(٦) المسند (٣/ ٢٦٨) وصحيح البخاري برقم (٥١٢٠).

(٧) في ت: "وروى".

(٨) المسند (٣/ ١٥٥).

(٩) في ت: "وروى".

(١٠) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٥٥) من طريق منصور بن أبي مزاحم، به.

(١١) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٢٣).

ج6 · ص444

كانت وهبت نفسها لرسول الله ﷺ، وكانت امرأة صالحة (١).

فيحتمل أن أم سليم هي خولة بنت حكيم، أو هي امرأة أخرى.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحْمَسِي، حدثنا وَكِيع، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، وعمر بن الحكم، وعبد الله بن عبيدة قالوا: تزوج رسول الله ﷺ ثلاث عشرة امرأة، ست من قريش، خديجة، وعائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة. وثلاث من بني عامر بن صَعْصَعَة، وامرأتان من بني هلال بن عامر: ميمونة بنت الحارث، وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ، وزينب أم المساكين -امرأة من بني أبي بكر بن كلاب من القرطاء -وهي التي اختارت الدنيا، وامرأة من بني الجون، وهي التي استعاذت منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيتان صفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث بن عمرو بن المصطلق الخزاعية (٢).

وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن ابن عباس: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) قال: هي ميمونة بنت الحارث.

فيه انقطاع: هذا مرسل، والمشهور أن زينب التي كانت تُدْعى أم المساكين هي زينب بنت خُزَيمة الأنصارية، وقد ماتت عند النبي ﷺ في حياته، فالله أعلم.

والغرض من هذا أن اللاتي وهبن أنفسهن من النبي ﷺ كثير، كما قال (٣) البخاري، حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو أسامة قال: هشام بن عروة حدثنا عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن من النبي ﷺ وأقول: أتهب امرأة (٤) نفسها؟ فلما أنزل الله: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ) قلت: ما أرى ربك إلا يُسَارع في هواك (٥).

وقد قال (٦) ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن منصور الجعفي، حدثنا يونس بن بُكَيْر، عن عَنْبَسَة بن الأزهر، عن سِماك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له.

ورواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن يونس بن بُكَيْر (٧). أي: إنه لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان ذلك مباحا له ومخصوصا به؛ لأنه مردود إلى مشيئته، كما قال الله تعالى: (إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا) أي: إن اختار ذلك.

(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٢٣).

(٢) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٧٠) من طريق وكيع بلفظ: "تزوج رسول الله ﷺ امرأة من بني الجون فطلقها وهي التي استعاذت منه".

(٣) في ت: "كما روى".

(٤) في ت، أ: "المرأة".

(٥) صحيح البخاري برقم (٤٧٨٨).

(٦) في ت: "وروى".

(٧) تفسير الطبري (٢٢/ ١٧).

ج6 · ص445

وقوله: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) قال عكرمة: أي: لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئا. وكذا قال مجاهد والشعبي وغيرهما.

أي: إنها إذا فوضت المرأة نفسها إلى رجل، فإنه متى دخل بها وجب لها عليه بها مهر مثلها، كما حكم به رسول الله ﷺ في بَرْوَع (١) بنت واشق لما فوضت، فحكم لها رسول الله ﷺ بصداق مثلها لما توفي عنها زوجها، والموت والدخول سواء في تقرير (٢) المهر وثبوت مهر المثل في المفوضة لغير النبي ﷺ فأما هو، ﵇، فإنه لا يجب عليه للمفوضة شيء ولو دخل بها؛ لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، كما في قصة زينب بنت جحش، ﵂. ولهذا قال قتادة في قوله: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)، يقول: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي ﷺ.

[وقوله تعالى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)] (٣) قال أبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة وابن جرير في قوله: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ) أي: منحَصْرِهم في أربع نسوة حرائر وما شاءوا (٤) من الإماء، واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم، وهم الأمة، وقد رخصنا لك في ذلك، فلم نوجب عليك شيئا منه؛ (لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).

﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾.

قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بشر (٥)، حدثنا هشام بن عُرْوَة، عن أبيه (٦) عن عائشة، ﵂؛ أنها كانت تُعَيِّر (٧) النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ، قالت: ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق؟ فأنزل الله، ﷿: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ)، قالت: إني أرَى رَبَّك إلا يُسَارع في هواك (٨).

وقد تقدم أن البخاري رواه من حديث أبى أسامة، عن هشام بن عُرْوَة، فدل هذا على أن المراد بقوله: (تُرْجِي) أي: تؤخر (مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) أي: من الواهبات [أنفسهن] (٩) (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) أي: مَنْ شئت قبلتها، ومَنْ شئت رددتها، ومَنْ رددتها فأنت فيها أيضا بالخيار بعد ذلك، إن

(١) في أ: "تزويج".

(٢) في ت: "تقدير".

(٣) زيادة من ت، أ.

(٤) في ت: "وما يشاء".

(٥) في أ: "بشير".

(٦) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".

(٧) في ف: "تغير من النساء" وفي أ: "تغير النساء".

(٨) المسند (٦/ ١٥٨).

(٩) زيادة من ت.

ج6 · ص446

شئت عُدْتَ فيها فآويتها؛ ولهذا قال: (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ). قال عامر الشعبي في قوله: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ): كن نساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن لم يُنْكحن بعده، منهن أم شريك.

وقال آخرون: بل المراد بقوله: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) أي: من أزواجك، لا حرج عليك أن تترك القَسْم لهن، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت.

هكذا يروى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رَزين، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، ومع هذا كان، صلوات الله وسلامه عليه، يقسم لهن؛ ولهذا ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبا عليه، صلوات الله وسلامه عليه، واحتجوا بهذه الآية الكريمة.

وقال (١) البخاري: حدثنا حبّان بن موسى، حدثنا عبد الله -هو ابن المبارك -أخبرنا عاصم الأحول، عن مُعَاذة (٢) عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ)، فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذاك إليَّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أؤثر عليك أحدا (٣).

فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من (٤) ذلك عدم وجوب القسم، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات، ومن هاهنا اختار ابن جريرأن الآية عامة في الواهبات وفي النساء اللاتي عنده، أنه مخير فيهن إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم. وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث؛ ولهذا قال تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك (٥) الحَرَج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أنت تقسم لهن اختيارا منك لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به وحملن جميلك في ذلك، واعترفن بمنتك (٦) عليهن في قسمك لهن وتسويتك بينهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن.

وقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) أي: من الميل إلى بعضهن دون بعض، مما لا يمكن دفعه، كما قال (٧) الإمام أحمد:

حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: "اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".

(١) في ت: "وروى".

(٢) في أ: "معاذ".

(٣) صحيح البخاري برقم (٤٧٨٩).

(٤) في أ: "في".

(٥) في أ: "عليك".

(٦) في أ: "بأمانتك".

(٧) في ت: "كما روى".

ج6 · ص447

ورواه أهل السنن الأربعة، من حديث حماد بن سلمة - (١) وزاد أبو داود بعد قوله: فلا تلمني (٢) فيما تملك ولا أملك: يعني القلب. وإسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات. ولهذا عقب ذلك بقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا) أي: بضمائر السرائر، (حَلِيمًا) أي: يحلم ويغفر.

﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾.

ذكر غير واحد من العلماء -كابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم -أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي ﷺ ورضًا عنهن، على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله ﷺ، كما تقدم في الآية. فلما اخترن رسول الله ﷺ، كان جزاؤهن أن [الله] (٣) قَصَره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حجر عليه فيهن. ثم إنه تعالى رفع عنه الحجر (٤) في ذلك ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج (٥)، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تَزَوّج لتكون المنة للرسول (٦) ﷺ عليهن.

قال (٧) الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة، ﵂، قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء (٨).

ورواه أيضا من حديث ابن جُرَيْج، عن عَطاء، عن عبيد بن عمير (٩)، عن عائشة. ورواه الترمذي والنسائي في سننيهما (١٠).

وقال (١١) ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، حدثني عمر بن أبي بكر، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي (١٢)، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله (١٣)، عن عبد الله بن وهب بن زَمْعَة، عن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحلَّ الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، وذلك قول الله، ﷿: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.

فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة، كآيتي عدة الوفاة في البقرة، الأولى ناسخة للتي بعدها، والله (١٤) أعلم.

(١) المسند (٦/ ١٤٤) وسنن أبي داود برقم (٢١٣٤) وسنن الترمذي برقم (١١٤٠) وسنن النسائي (٧/ ٦٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٩٧١).

(٢) في أ: "فلا تملني".

(٣) زيادة من ت، أ.

(٤) في ت: "الحرج".

(٥) في أ: "التزويج".

(٦) في ف: "لرسول الله".

(٧) في ت: "روى".

(٨) المسند (٦/ ٤١).

(٩) في أ: "عن عمير بن عبيد".

(١٠) المسند (٦/ ١٨٠) وسنن الترمذي برقم (٣٢١٦) وسنن النسائي (٦/ ٥٦).

(١١) في ت: "وروى".

(١٢) في أ: "الخزاعي".

(١٣) في أ: "عبد الله".

(١٤) في ت: "فالله".

ج6 · ص448

وقال آخرون: بل معنى الآية: (لا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) أي: من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك، وبنات العم والعمات (١) والخال والخالات (٢) والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك. هذا مرويّ عن أبي بن كعب، ومجاهد، وعِكْرِمة، والضحاك -في رواية -وأبي رَزِين -في رواية عنه -وأبي صالح، والحسن، وقتادة -في رواية -والسدي، وغيرهم.

قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن داود بن أبي هند، حدثني محمد بن أبي موسى، عن زياد -رجل من الأنصار (٣) -قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي ﷺ تُوُفين، أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ قال: قلت: قوله: (لا تَحِلُّ (٤) لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ). فقال: إنما أحل الله له ضربا من النساء، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ ثم قيل له: (لا تَحِلُّ (٥) لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ).

ورواه عبد الله بن أحمد من طرق، عن داود، به (٦). وروى الترمذي، عن ابن عباس، ﵄، قال: نهي رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات بقوله: (لاتَحِلُّ (٧) لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ)، فأحل الله فتياتكم المؤمنات ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، وحرم كل ذات دين غير الإسلام، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وقال ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ (٨) إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء (٩).

وقال مجاهد: (لا تَحِلُّ (١٠) لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) أي: من بعد ما سمى لك، لا (١١) مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة.

وقال أبو صالح: (لا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) (١٢): أمر ألا يتزوج أعرابية ولا غريبة (١٣)، ويتزوج بعد من نساء تهامة، وما شاء من بنات العم والعمة، والخال والخالة، إن شاء ثلاثمائة.

وقال عكرمة: (لا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) (١٤) أي: التي سمى الله.

(١) في ت: "وبنات العمات".

(٢) في أ: "الخالة".

(٣) في ت: "فروى ابن جرير بإسناده عن رجل من الأنصار".

(٤) في ت، أ: "لا يحل".

(٥) في ت، أ: "لا يحل".

(٦) تفسير الطبري (٢٢/ ٢١) وزوائد المسند (٥/ ١٣٢).

(٧) في أ: "لا يحل".

(٨) بعدها في أ: "مما أفاء الله عليك".

(٩) سنن الترمذي برقم (٣٢١٥) وقال: "هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث عبد الحميد بن بهرام، قال: سمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب".

(١٠) في أ: "لا يحل".

(١١) في أ: "من".

(١٢) في أ: "لا يحل".

(١٣) في أ: "عربية".

(١٤) في أ: "لا يحل".

ج6 · ص449

واختار ابن جرير، ﵀، أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في عصمته وكن تسعا. وهذا الذي قاله جيد، ولعله مراد كثير ممن حكيناعنه من السلف؛ فإن كثيرا منهم روي عنه هذا وهذا، ولا منافاة، والله أعلم.

ثم أورد ابن جرير على نفسه ما روي أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها، وعزم على فراق سودة حتى وهبته يومها لعائشة، ثم أجاب بأن هذا كان قبل نزول قوله: (لا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ)، وهذا الذي قاله من أن هذا كان قبل نزول الآية صحيح، ولكن لا يحتاج إلى ذلك؛ فإن الآية إنما دلت على أنه لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته، وأنه لا يستبدل بهن غيرهن، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال، والله أعلم.

فأما قَضية سَوْدَة ففي الصحيح عن عائشة، ﵂، وهي سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ (١)]﴾ الآية [النساء: ١٢٨] (٢).

وأما قضية (٣) حفصة فروى أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، من طرق عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح بن حي (٤) عن سلمة بن كُهَيْل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عمر؛ أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها. وهذا إسناد (٥) قوي (٦).

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا يونس بن بُكَيْر، عن الأعمش، عن أبي صالح (٧)، عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ لعل رسول الله ﷺ طلقك؟ إنه قد كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي؛ والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا. ورجاله على شرط الصحيحين (٨).

وقوله: (وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ)، فنهاه عن الزيادة عليهن، أو طلاق واحدة منهن واستبدال غيرها بها إلا ما ملكت يمينه (٩).

وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا مناسبا ذكَرُه هاهنا، فقال:

حدثنا إبراهيم بن نصر، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله (١٠) القرَشي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار (١١) عن أبي هُرَيرة، ﵁،

(١) زيادة من ف، أ.

(٢) انظر تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ١٢٨ من سورة النساء.

(٣) في ت: "قصة".

(٤) في أ: "يحيى"

(٥) في ت: "إسناده".

(٦) سنن أبي داود برقم (٢٢٨٣) وسنن النسائي (٦/ ٢١٣) وسنن ابن ماجه برقم (٢٠١٦).

(٧) في ت: "وروى الإمام الحافظ أبو يعلى بسنده".

(٨) مسند أبي يعلى (١/ ١٦٠).

(٩) في أ: "يمينك".

(١٠) في أ: "عبيد الله".

(١١) في ت: "وروى البزار بإسناده".