سورة الأحزاب
ซูเราะฮ์ที่ 33 · ตอน 3/8 · เล่ม 6 หน้า 405–419
في لحافها دون غيرها.
ومن خصائصها: أن الله، ﷿، لما أنزل عليه آية التخيير بدأ بها فخيرها، فقال: "ولا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك". فقالت: أفي هذا أستأمر أبويَّ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. فاستن بها بقية أزواجه ﷺ، وقلن كما قالت.
ومن خصائصها: أن الله، سبحانه، برأها مما رماها به أهل الإفك، وأنزل في عذرها، وبراءتها، وحيا يتلى في محاريب المسلمين، وصلواتهم إلى يوم القيامة، وشهد لها أنها من الطيبات، ووعدها المغفرة والرزق الكريم، وأخبر سبحانه، أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرًا لها، ولم يكن بذلك الذي قيل فيها شر لها، ولا عيب لها، ولا خافض من شأنها، بل رفعها الله بذلك، وأعلى قدرها وعظم شأنها، وأصار لها ذكرًا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء، فيا لها من منقبة ما أجلها. وتأمل هذا التشريف والإكرام الناشئ عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها، حيث قالت: ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرئني الله بها، فهذه صديقة الأمة، وأم المؤمنين، وحب رسول الله ﷺ، وهي تعلم أنها بريئة مظلومة، وأن قاذفيها ظالمون مفترون عليها، قد بلغ أذاهم إلى أبويها، وإلى رسول الله ﷺ، وهذا كان احتقارها لنفسها وتصغيرها لشأنها، فما ظنك بمن قد صام يوما أو يومين، أو شهرا أو شهرين، قد قام ليلة أو ليلتين، فظهر عليه شيء من الأحوال، ولاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات، وأنهم ممن يتبرك بلقائهم، ويُغتنم بصالح دعائهم، وأنهم يجب على الناس احترامهم وتعظيمهم وتعزيزهم وتوقيرهم، فيتمسح بأثوابهم، ويقبل ثرى أعتابهم، وأنهم من الله بالمكانة التي تنتقم لهم لأجلها من تنقصهم في الحال، وأن يؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وإن إساءة الأدب عليهم ذنب لا يكفره شيء إلا رضاهم.
ولو كان هذا من وراء كفاية لهان، ولكن من وراء تخلف، وهذه الحماقات والرعونات نتاج الجهل الصميم، والعقل غير المستقيم، فإن ذلك إنما يصدر من جاهل معجب بنفسه، غافل عن جرمه وعيوبه وذنوبه، مغتر بإمهال الله له عن أخذه بما هو فيه من الكبر والازدراء على من لعله عند الله خير منه. نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. وينبغي للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيما، وهو عند الله حقير، ومن خصائص عائشة، ﵂: أن الأكابر من الصحابة، ﵃، كان إذا أشكل الأمر عليهم من الدين، استفتوها فيجدون علمه عندها.
ومن خصائصها: أن رسول الله ﷺ توفي في بيتها. ومن خصائصها: أن الملك أرى صورتها للنبي ﷺ قبل أن يتزوجها في خرقة حرير، فقال النبي ﷺ: "إن يكن هذا من عند الله يمضه" (١).
ومن خصائصها: أن الناس كانوا يتحرون هداياهم يومها من رسول الله ﷺ تقربًا إلى الرسول ﷺ، فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه، ﵃ أجمعين، وتكنى أم عبد الله، وروي أنها أسقطت من النبي ﷺ سقطًا، ولا يثبت ذلك.
(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٠٧٨) من حديث عائشة، ﵂.
وتزوج رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت قبله عند حبيش بن حذافة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ وممن شهد بدرا، توفيت سنة سبع، وقيل: ثمان وعشرين، ومن خواصها: ما ذكره الحافظ أبو محمد المقدسي في مختصره في السيرة: أن النبي ﷺ طلقها، فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة، فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة.
وقال الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى، حدثنا جدي حرملة، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو بن صالح الحضرمي، عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، أن النبي ﷺ طلق حفصة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فوضع التراب على رأسه، وقال: ما يعبأ الله بابن الخطاب بعد هذا. فنزل جبريل، ﵇، على النبي ﷺ فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر. (١)
وتزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة بنت صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصر بالحبشة، وأتم الله لها الإسلام، وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحبشة، وأصدقها عند النجاشي أربعمائة دينار، وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري بها إلى أرض الحبشة، وولى نكاحها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص، وهي التي أكرمت فراش رسول الله ﷺ أن يجلس عليه أبوها لما قدم أبو سفيان المدينة، وقالت له: إنك مشرك، ومنعته الجلوس عليه.
وتزوج رسول الله ﷺ أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد، توفيت سنة اثنتين وستين، ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتًا، وقيل: بل ميمونة، ومن خصائصها: أن جبريل دخل على النبي ﷺ، وهي عنده فرأته في صورة دحية الكلبي. ففي صحيح مسلم عن أبي عثمان قال: أنبئت أن جبريل أتى النبي ﷺ، وعنده أم سلمة، فقال: فجعل يتحدث، ثم قام فقال نبي الله ﷺ لأم سلمة: "من هذا؟ " أو كما قال. قالت: هذا دحية الكلبي. قالت: وايم الله، ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطبة النبي ﷺ، يخبر أنه جبريل، أو كما قال، قال سليمان التيمي: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا الحديث؟ قال: من أسامة بن زيد (٢) وزوَّجها ابنها-عمر-من رسول الله ﷺ، وردت طائفة ذلك بأن ابنها لم يكن له من السن حينئذ ما يعقد التزويج، ورد الإمام أحمد ذلك، وأنكر على من قاله، ويدل على صحة قول أحمد ما رواه مسلم في صحيحه أن عمر بن أبي سلمة-ابنها-سأل النبي ﷺ عن القبلة للصائم؟ فقال: "سل هذه" يعني: أم سلمة فأخبرته أن رسول الله ﷺ يفعله، فقال: لسنا كرسول الله ﷺ، يحل الله لرسوله ما شاء. فقال رسول الله ﷺ: "إني أتقاكم لله وأعلمكم به" (٣) أو كما قال. ومثل هذا لا يقال لصغير جدا، وعمر ولد بأرض الحبشة قبل الهجرة. وقال البيهقي: وقول من زعم أنه كان صغيرا،
دعوى ولم يثبت صغره بإسناد صحيح.
وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش من بني خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبل عند مولاه زيد بن حارثة، فطلقها فزوجه الله إياها من فوق سبع سموات، وأنزل عليه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فقام فدخل عليها بلا استئذان، وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج النبي ﷺ، وتقول: زوَّجكن أهاليكن وزوَّجني الله من فوق سبع سمواته، وهذا من خصائصها. توفيت بالمدينة سنة عشرين، ودفنت بالبقيع.
وتزوج النبي ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية، وكانت تحت عبد الله بن جحش، تزوجها سنة ثلاث من الهجرة، وكانت تسمى أم المساكين، ولم تلبث عند رسول الله ﷺ إلا يسيرا، شهرين أو ثلاثة، وتوفيت، ﵂.
وتزوج رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وكانت سبيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى رسول الله ﷺ كتابتها، وتزوجها سنة ست من الهجرة، وتوفيت سنة ست وخمسين، وهي التي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من الرقيق، وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ، وكان ذلك من بركتها على قومها.
وتزوج رسول الله ﷺ صفية بنت حيي، من ولد هارون بن عمران أخي موسى، سنة سبع، فإنها سبيت من خيبر، وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحقيق، فقتله رسول الله ﷺ، توفيت سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة خمسين. ومن خصائصها: أن رسول الله ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها. قال أنس: أمهرها نفسها، وصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة، ويجوز للرجل أن يجعل عتق جاريته صداقها، وتصير زوجته على منصوص الإمام أحمد، ﵀. قال الترمذي: حدثنا إسحاق بن منصور، وعبد بن حميد، قالا حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ثابت، عن أنس قال: بلغ صفية أن حفصة قالت: صفية بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال: "ما يبكيك؟ " قالت: قالت لي حفصة: إني ابنة يهودي. فقال النبي ﷺ: "إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، فبما تفخر عليك؟ " ثم قال: "اتق الله يا حفصة". (١) قال الترمذى: هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه. وهذا من خصائصها، ﵂.
وتزوج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها بسَرَف وهو على تسعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين، توفيت سنه ثلاث وستين، وهي خالة خالد بن الوليد، وخالة ابن عباس، فإن أمه أم الفضل بنت الحارث وهي التي اختلف في نكاح النبي ﷺ لها. هل نكحها حلالا أو مُحرمًا؟ والصحيح إنما تزوجها حلالا كما قال أبو رافع السفير في نكاحها.
قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره: وعقد على سبع ولم يدخل بهن، فالصلاة على أزواجه تابعة لاحترامهن وتحريمهن على الأمة، وأنهن نساؤه ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن فارقها في حياتها ولم يدخل، لا يثبت لها أحكام زوجاته اللاتي دخل بهن صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وذريته وسلم تسليما]. (٢)
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾
يقول تعالى واعظًا نساء النبي ﷺ، اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر (١) أمرهن تحت رسول الله ﷺ أن يخبرهن (٢) بحكمهن [وتخصيصهن] (٣) دون سائر النساء، بأن من يأت منهن بفاحشة مبينة -قال ابن عباس: وهي النشوز وسوء الخلق. وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وكقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤]، فلما كانت محلَّتهن رفيعة، ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظا، صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع؛ ولهذا قال: (مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ).
قال مالك، عن زيد بن أسلم: (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) قال: في الدنيا والآخرة.
وعن ابن أبي نجيح [عن مجاهد] (٤) مثله.
(وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) أي: سهلا هينا.
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾
ثم ذكر عدله وفضله في قوله: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) أي: يطع (٥) الله ورسوله ويستجب (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) أي: في الجنة، فإنهن في منازل رسول الله ﷺ، في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق، في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش.
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾.
هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي ﷺ، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال مخاطبا لنساء النبي [ﷺ] (٦) بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة
والمنزلة، ثم قال: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ).
قال السُّدِّي وغيره: يعني بذلك: ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال؛ ولهذا قال: (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) أي: دَغَل، (وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا): قال ابن زيد: قولا حسنًا جميلا معروفًا في الخير.
ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.
وقوله: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) أي: الزمن بيوتكن فلا (١) تخرجن لغير حاجة. ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول الله ﷺ: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن وهن تَفِلات" وفي رواية: "وبيوتهن خير لهن" (٢)
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حميد بن مَسْعَدة (٣) حدثنا أبو رجاء الكلبي، روح بن المسيب ثقة، حدثنا ثابت البناني (٤) عن أنس، ﵁، قال: جئن النساء إلى رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول الله، ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "من قعد -أو كلمة نحوها -منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين (٥) في سبيل الله".
ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا روح بن المسيب، وهو رجل من أهل البصرة مشهور (٦).
وقال (٧) البزار أيضا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة، عن مُوَرِّق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون (٨) بروْحَة ربها وهي في قَعْر بيتها".
ورواه الترمذي، عن بُنْدَار، عن عمرو بن عاصم، به نحوه (٩)
وروى البزار بإسناده المتقدم، وأبو داود أيضا، عن النبي ﷺ قال: "صلاة المرأة في مَخْدعِها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها" (١٠) وهذا إسناد (١١) جيد.
(١) في ت: "ولا".
(٢) رواه بهذا اللفظ أبو داود في السنن برقم (٥٦٥) من حديث أبي هريرة، ﵁، وبالرواية الثانية برقم (٥٦٧) من حديث ابن عمر، ﵄، وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر.
(٣) في أ: "مسعود".
(٤) في ت: "وروى أبو بكر البزار بإسناده".
(٥) في ت: "المجاهد".
(٦) مسند البزار برقم (١٤٧٥) "كشف الأستار" ورواه أبو يعلى في المسند (٦/ ١٤٠) وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٩٩) من طريق أبي رجاء الكلبي بنحوه. قال ابن حبان: "وكان روح ممن يروي عن الثقات الموضوعات، ويقلب الأسانيد، ويرفع الموقوفات" ثم قال: "لا تحل الرواية عنه ولا كتابة حديثه إلا للاختبار". وقال ابن عدي في الكامل: "أحاديثه غير محفوظة".
(٧) في ت: "وروى".
(٨) في أ: "ما يكون".
(٩) سنن الترمذي برقم (١١٧٣) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (١٦٨٥) ومن طريقه ابن حبان في صحيحه برقم (٣٢٩) "موارد" عن عمرو بن عاصم، به، وشك ابن خزيمة في سماع قتادة هذا الحديث من مورق.
(١٠) سنن أبي داود برقم (٥٧٠).
(١١) في ت: "إسناده".
وقوله تعالى: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية.
وقال قتادة: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) يقول: إذا خرجتن من بيوتكن -وكانت لهن (١) مشية وتكسر وتغنُّج -فنهى الله عن ذلك.
وقال مقاتل بن حيان: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) والتبرج: أنها تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج. وقال ابن جرير: حدثني ابن زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا داود -يعني ابن أبي الفرات -حدثنا علي بن أحمر، عن عِكْرِمة (٢) عن ابن عباس قال: تلا هذه الآية: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى). قال: كانت فيما بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل. وكان رجال الجبل صباحا وفي النساء دَمَامة. وكان نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام، فآجر نفسه منه، فكان يخدمه واتخذ إبليس شيئًا مثل الذي يُزَمّر فيه الرِّعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمَع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة، فيتبرَّجُ النساء للرجال. قال: ويتزيَّن (٣) الرجال لهن، وإن رجلا من أهل الجبل هَجَم عليهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصَبَاحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن، فنزلوا معهن وظهرت الفاحشة فيهن، فهو قوله تعالى: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) (٤).
وقوله: (وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، نهاهن أولا عن الشر ثم أمرهن بالخير، من إقامة الصلاة -وهي: عبادة الله، وحده لا شريك له -وإيتاء الزكاة، وهي: الإحسان إلى المخلوقين، (وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وهذا من باب عطف العام على الخاص. وقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا): وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت هاهنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا، إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح.
وروى ابن جرير: عن عِكْرِمة أنه كان ينادي في السوق: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، نزلت (٥) في نساء النبي ﷺ خاصة، وهكذا روى ابن أبي حاتم قال:
حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا زيد بن الْحُبَاب، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن (٦) ابن عباس في قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) قال: نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة.
وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي ﷺ.
فإن كان المراد أنهن كُنّ سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن، ففي هذا نظر؛ فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك:
الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد (١)، عن أنس بن مالك، ﵁، قال: إن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: "الصلاة يا أهل البيت، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).
ورواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن عفان به. وقال: حسن غريب (٢). (٣)
حديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبو نعيم، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، أخبرني أبو داود، عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله ﷺ، [قال: رأيت رسول الله ﷺ] (٤) إذا طلع الفجر، جاء إلى باب علي وفاطمة فقال: "الصلاة الصلاة (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (٥).
أبو داود الأعمى هو: نفيع بن الحارث، كذاب.
حديث آخر: وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، حدثنا شداد أبو عمار (٦) قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا عليًّا، ﵁، فلما قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله الله عليه وسلم؟ قلت: بلى. قال: أتيت فاطمة أسألها عن علي فقالت: تَوَجه إلى رسول الله ﷺ، فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله ﷺ، ومعه علي وحسن وحسين، آخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل، فأدنى عليًّا وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنًا وحسينًا كل واحد منهما على فخذه، ثم لفَّ عليهم (٧) ثوبه -أو قال: كساءه -ثم تلا هذه الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، اللهم (٨) هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق"، وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن عبد الكريم بن أبي عمير (٩)، عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه -زاد في آخره: قال واثلة: فقلت: وأنا يا رسول الله-صلى الله عليك -من أهلك؟ قال: "وأنت من أهلي"قال واثلة: إنها من أرجى ما أرتجي (١٠).
ثم رواه أيضا عن عبد الأعلى بن واصل، عن الفضل بن دُكَيْن، عن عبد السلام بن حرب، عن كلثوم المحاربي، عن شداد أبي عمار قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليا
(١) في ت: "فروى الإمام أحمد بإسناده".
(٢) في ت: "حديث حسن".
(٣) المسند (٣/ ٢٥٩) وسنن الترمذي برقم (٣٢٠٦).
(٤) زيادة من ت، ف، أ، والطبري.
(٥) تفسير الطبري (٢٢/ ٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٢٠٠) من طريق منصور بن الأسود، عن أبي داود بنحوه.
(٦) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده عن شداد بن عمار".
(٧) في ت: "عليهما".
(٨) في ت، ف: "وقال: اللهم".
(٩) في أ: "عمر".
(١٠) المسند (٤/ ١٠٧) وتفسير الطبري (٢٢/ ٦).
فشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن الذي شتموه، إني عند رسول الله ﷺ إذ جاء علي وفاطمة وحسن وحسين فألقى ﷺ عليهم كساء له، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". قلت: يا رسول الله، وأنا؟ قال: "وأنت" قال: فوالله إنها لأوثق عملي عندي (١).
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، حدثني من سمع أم سلمة تذكر أن النبي ﷺ كان في بيتها، فأتته فاطمة، ﵂، ببرمة فيها خَزيرة، فدخلت بها عليه فقال لها: "ادعي زوجك وابنيك". قالت: فجاء علي وحسن وحسين فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامةٍ له على دكان (٢) تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلي، فأنزل الله، ﷿، هذه الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). قالت: فأخذ فضل الكساء فغطاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا"، قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال: "إنك إلى خير، إنك إلى خير" (٣).
في إسناده من لم يسم (٤)، وهو شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات.
طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبي المعدل (٥)، عن عطية الطُّفَاوِيّ، عن أبيه؛ أن أم سلمة حدثته قالت (٦): بينما رسول الله ﷺ في بيتي يومًا إذ قال الخادم: إن فاطمة وعليا بالسدّة قالت: فقال لي: "قومي فَتَنَحي عن (٧) أهل بيتي". قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبًا، فدخل علي وفاطمة، ومعهما الحسن والحسين، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبَّلهما، واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى، وقَبَّل فاطمة وقَبَّل عليا، وأغدق عليهم خَميصَة سوداء وقال: "اللهم، إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي". قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله؟ صلى الله عليك. قال: "وأنت" (٨).
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا [الحسن بن عطية، حدثنا] (٩) فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، عن أم سلمة؛ أن هذه الآية نزلت في بيتها: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) قالت: وأنا جالسة على باب البيت فقلت: يا رسول
(١) تفسير الطبري (٢٢/ ٧) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٦٥) من طريق علي بن عبد العزيز عن الفضل بن دكين، أبو نعيم به.
(٢) في ف: "وكان".
(٣) المسند (٦/ ٢٩٢) وقد سمى شيخ عطاء في رواية الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١١) فقال عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سلمة بنحوه.
(٤) في أ: "يسمع".
(٥) في أ: "العدل".
(٦) في ت: "وروى الإمام أحمد بسنده أن أم سلمة قالت".
(٧) في أ: "فتنحى لي عن".
(٨) المسند (٦/ ٢٩٦).
(٩) زيادة من: ت، ف، و"الطبري".
الله، ألستُ من أهل البيت؟ فقال: "إنك إلى خير، أنت من أزواج النبي ﷺ" قالت: وفي البيت رسول الله ﷺ، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، ﵃ (١).
طريق أخرى: رواه ابن جرير أيضا، عن أبي كُرَيْب، عن وَكِيع، عن عبد الحميد بن بَهْرَام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أم سلمة بنحوه (٢).
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا خالد بن مَخْلَد، حدثني موسى بن يعقوب، حدثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وهب بن زَمْعَة قال: أخبرتني أم سلمة، ﵂، أن رسول الله ﷺ جمع فاطمة والحسن والحسين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله، ﷿، ثم قال: "هؤلاء أهل بيتي". قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، أدخلني معهم. فقال: "أنت من أهلي" (٣).
طريق أخرى: رواه ابن جرير أيضا، عن أحمد بن محمد الطوسي، عن عبد الرحمن بن صالح، عن محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي، عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة، عن أمه بنحو ذلك (٤).
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله ﷺ ببرمة لها قد صنعت فيها عَصيدَة تحملها على طبق، فوضعتها بين يديه فقال: "أين ابن عمك وابناك؟ " فقالت: في البيت. فقال: "ادعيهم". فجاءت إلى علي فقالت: أجِبْ رسول الله أنت وابناك. قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين مدَّ يده إلى كساء كان على المنامة، فمده وبسطه، وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رؤوسهم، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه، ﷿، فقال: "اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". (٥)
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا عبد الله (٦) بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب عند أم سلمة، فقالت: في بيتي نزلت: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). قالت أم سلمة: جاء رسول الله ﷺ إلى بيتي فقال: "لا تأذني لأحد". فجاءت فاطمة فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها. ثم جاء الحسن فلم أستطع أن أحجبه عن أمه وجده، ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه، ثم جاء علي فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا فَجَلّلهم رسول الله ﷺ بكساء كان عليه، ثم قال: "هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط. قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا؟ قالت: فوالله ما أنعم، وقال: "إنك إلى خير" (٧).
حديث آخر: قال ابن جرير، حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا محمد بن بشر (٨) عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة، ﵂: خرج رسول الله (٩) ﷺ ذات
(١) تفسير الطبري (٢٢/ ٧) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٢٤٩) من طريق فضيل بن مرزوق به مختصرا.
(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٦) ورواه الطحاوي في مشكل الآثار برقم (٧٧٠) من طريق عبد الحميد بن بهرام، به. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٣٣٣) من طريق زبيد، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة.
(٣) تفسير الطبري (٢٢/ ٧) ورواه الطحاوي في مشكل الآثار برقم (٧٦٣) من طريق خالد بن مخلد القطواني به.
(٤) تفسير الطبري (٢٢/ ٧) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٢٨٦) من طريق شريك، عن عطاء، عن أم سلمة.
(٥) تفسير الطبري (٢٢/ ٧).
(٦) في أ: "عبد الملك".
(٧) تفسير الطبري (٢٢/ ٧) ورواه الطحاوي في مشكل الآثار برقم (٧٦٢) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش بنحوه.
(٨) في أ: "بشير".
(٩) في ف: "النبي".
غداة، وعليه مِرْط مُرَحَّل من شَعْر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).
ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر (١)، به. (٢)
طريق أخرى: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سُرَيج بن يونس أبو الحارث، حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام -يعني: ابن حَوْشَب -عن عمٍّ له قال: دخلت مع أبي على عائشة، فسألتها عن علي، ﵁، فقالت، ﵂: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله ﷺ دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فألقى عليهم ثوبا فقال: "اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". قالت: فدنوت منه فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك؟ فقال: "تَنَحّي، فإنك على خير".
حديث آخر: قال ابن جرير حدثنا المثنى، حدثنا بكر (٣) بن يحيى بن زَبّان العَنزيّ، حدثنا منْدَل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ، وفي علي، وحسن، وحسين، وفاطمة: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (٤).
قد تقدم أن فضيل بن مرزوق رواه عن عطية، عن أبي سعيد، عن أم سلمة، كما تقدم.
وروى ابن أبي حاتم من حديث هارون بن سعد العِجْلي، عن عطية، عن أبي سعيد موقوفا، فالله أعلم.
حديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا بُكَيْر بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد قال: قال سعد: قال رسول الله ﷺ حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه، ثم قال: "رب، هؤلاء أهلي وأهل بيتي" (٥)
حديث آخر: وقال مسلم في صحيحه: حدثني زُهَير بن حرب، وشُجاع بن مَخْلَد جميعا، عن ابن عُلَيَّة -قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثني أبو حَيَّان، حدثني يزيد بن حَيَّان قال: انطلقت أنا وحُصَين بن سَبْرَةَ وعمر بن مسلم (٦) إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيتَ يا زيدُ خيرًا كثيرًا [رأيتَ رسول الله ﷺ وسمعتَ حديثه، وغزوتَ معه، وصليتَ خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا] (٧)؛ حَدّثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ. قال: يا بن أخي، والله لقد
كَبرَت (١) سِنِّي، وقدم عهدي، ونسيتُ بعض الذي كنتُ أعي من رسول الله ﷺ، فما حَدّثتكُم فاقبلوا، وما لا فلا تُكَلّفونيه. ثم قال: قام فينا رسول الله ﷺ يوما خطيبا بماء يدعى خُمًّا -بين مكة والمدينة -فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وَذَكّر، ثم قال: "أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك (٢) أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، وأولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به". فَحَثّ على كتاب الله وَرَغَّب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي، أذَكِّركم الله في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي" ثلاثا. فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصّدَقة بعده. قال: ومَنْ هم؟ قال هم آل علي، وآل عَقِيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حُرِمَ الصدقة؟ قال: نعم (٣).
ثم رواه عن محمد بن بَكَّار بن الريَّان، عن حسان بن إبراهيم، عن سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حَيَّان (٤)، عن زيد بن أرقم، فذكر الحديث بنحو ما تقدم، وفيه: فقلنا له: مَنْ أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا وايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعَصبَته الذين حُرموا الصدقة بعده (٥).
هكذا وقع في هذه الرواية، والأولى أولى، والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه، إنما المراد بهم آله الذين حُرموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح؛ جمعا بينها وبين الرواية التي قبلها، وجمعا أيضا بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت، فإن في بعض أسانيدها نظرًا، والله أعلم. ثم الذي لا يشك فيه من تَدَبَّر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، فإن سياق الكلام معهن؛ ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) أي: اعملن بما ينزل الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة. قاله قتادة وغير واحد، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن (٦) بها من بين الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة [الصديقة] (٧) بنت الصديق أَوْلاهُنَّ بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله ﷺ الوحيُ في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه (٨). قال بعض العلماء، ﵀: لأنه لم يتزوج بكرا سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه الرتبة العلية. ولكن إذا كان أزواجه من أهل
بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية، كما تقدم في الحديث: "وأهل بيتي أحق". وهذا يشبه ما ثبت في صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال: "هو مسجدي هذا" (١). فهذا من هذا القبيل؛ فإن الآية إنما نزلت في مسجد قُباء، كما ورد في الأحاديث الأخر. ولكن إذا كان ذاك أسّسَ على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ أولى بِتَسمِيَته بذلك، والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عَوَانة، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن أبي جميلة (٢) قال: إن الحسن بن علي استُخلفَ حين قُتِل علي، ﵄ (٣) قال: فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر وزعم حصين أنه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد، وحسن ساجد قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه، فمرض منها أشهرا، ثم بَرَأ فقعد على المنبر، فقال: يا أهل العراق، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) قال: فما زال يقولها حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إلا وهو يَحِنّ بكاء.
وقال السُّدِّي، عن أبي الديلم قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الأحزاب: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)؟ قال: نعم، ولأنتم هم؟ قال: نعم.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) أي: بلطفه بكن بلغتن هذه المنزلة، وبخبرته (٤) بكن وأنكن أهل لذلك، أعطاكن ذلك وخصكن بذلك.
قال ابن جرير، ﵀: واذكرن نعمة الله عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن الله على ذلك واحمدنه.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) أي: ذا لطف بكن، إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة. وهي السنة، خبيرًا بكنَّ إذ اختاركن لرسوله أزواجًا.
وقال قتادة: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) قال: يمتنُّ عليهن بذلك. رواه ابن جرير.
وقال عطية العَوْفي في قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) يعني: لطيف باستخراجها، خبير بموضعها. رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وكذا روى الربيع بن أنس، عن قتادة (٥).
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عثمان بن حكيم، حدثنا (١) عبد الرحمن بن شيبة، سمعت أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول: قلت للنبي ﷺ: ما لنا لا نُذْكَرُ في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت (٢): فلم يَرعني منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر، قالت، وأنا أسَرّح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إلى حُجْرة من حُجَر بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول عند المنبر: "يا أيها الناس، إن الله يقول: إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات" إلى آخر الآية.
وهكذا رواه النسائي وابن جرير، من حديث عبد الواحد بن زياد، به مثله (٣).
طريق أخرى عنها: قال النسائي أيضا: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا سُوَيْد، أخبرنا عبد الله بن شَريك، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أم سلمة أنها قالت للنبي ﷺ: يا نبي الله، ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يذكرن؟ فأنزل الله (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) (٤).
وقد رواه ابن جرير، عن أبي كُرَيْب، عن أبي معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة: أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، حدثه عن أم سلمة، ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله، أيذكر الرجال في كل شيء ولا نذكر؟ فأنزل الله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) الآية (٥)
طريق أخرى: قال سفيان الثوري، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا نذكر؟ فأنزل الله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) الآية.
حديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب قال: حدثنا سَيَّار بن مظاهر العَنزي (٦) حدثنا أبو كُدَيْنة يحيى بن المهلَّب، عن قابوس بن أبي ظِبْيَان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال النساء للنبي ﷺ: ما له يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات؟ فأنزل الله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) الآية (٧).
وحدثنا بشر (٨) حدثنا يزيد، حدثنا سعيد (٩)؛ عن قتادة قال: دخل نساء على نساء النبي ﷺ، فقلن: قد ذَكَركُنّ الله في القرآن، ولم نُذكَر بشيء، أما فينا ما يذكر؟ فأنزل الله ﷿: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) الآية (١٠).
(١) في ت: "وروى الإمام احمد بإسناده عن".
(٢) في ف: "قال".
(٣) المسند (٦/ ٣٠٥) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٤٠٥) وتفسير الطبري (٢٢/ ٩).
(٤) النسائي في السنن الكبرى برقم (١٤٠٤).
(٥) تفسير الطبري (٢٢/ ٨).
(٦) في ف، أ: "سنان بن مظاهر العمرى".
(٧) تفسير الطبري (٢٢/ ٨).
(٨) في ف، أ: "بشير".
(٩) في ف، أ: "سعد".
(١٠) تفسير الطبري (٢٢/ ٨).
فقوله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وهو أخص منه، لقوله (١) تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. وفي الصحيحين: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". فيسلبه (٢) الإيمان، ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، فدل على أنه أخص منه كما قررناه في أول شرح البخاري.
[وقوله] (٣): (وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ) القنوت: هو الطاعة في سكون، ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]، ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فالإسلام بعده مرتبة (٤) يرتقي إليها، ثم القنوت ناشئ عنهما.
(وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ): هذا في الأقوال، فإن الصدق خصلة محمودة؛ ولهذا كان بعض الصحابة لم تُجَرّب عليه كِذْبة لا في الجاهلية ولا في الإسلام (٥)، وهو علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومَنْ صدق نجا، "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة. وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار. ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، ولا يزال الرجل يكذب ويتَحرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" (٦). والأحاديث فيه كثيرة جدا.
(وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ): هذه سَجِيّة الأثبات، وهي الصبر على المصائب، والعلم بأن المقدور كائن لا محالة، وَتَلَقّي ذلك بالصبر والثبات، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي: أصعبه في أول وهلة، ثم ما بعده أسهل منه، وهو صدق السجية وثباتها.
(وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ) الخشوع (٧): السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار والتواضع. والحامل عليه الخوف من الله ومراقبته، [كما في الحديث] (٨): "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
(وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ): الصدقة: هي الإحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء، الذين لا كَسْبَ لهم ولا كاسب، يعطون من فضول الأموال (٩) طاعة لله، وإحسانا إلى خلقه، وقد ثبت في الصحيحين: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" فذكر منهم: "ورجل تصدق بصدقة
فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (١). وفي الحديث الآخر: "والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار" (٢).
[وفي الترمذي عن أنس بن مالك، ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "إن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء".
وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه. فاتقوا النار ولو بشق تمرة".
وفي حديث أبي ذر أنه قال: سألت رسول الله ﷺ ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: "الإيمان بالله". قلت: يا نبي الله، مع الإيمان عمل؟ قال: "ترضخ مما خوَّلك الله"، أو "ترضخ مما رزقك الله"؛ ولهذا لما خطب النبي ﷺ يوم العيد قال في خطبته: "يا معشر النساء تصدَّقْنَ ولو من حليكن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار". وكأنه حثهن ورغبهن على ما يفدين به أنفسهن من النار، وقال عمر بن الخطاب، ﵁: ذكر لي أن الأعمال تتباهى، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: ضرب رسول الله ﷺ، مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، أو جنتان من حديد. قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فجعل المتصدق، كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تغشى أنامله، وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همَّ بصدقة قلصت، وأخذت كل حلقة مكانها. قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعه هكذا في جيبه. فلو رأيته يوسعها ولا يتسع. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] فجود الرجل يحببه إلى أضداده، وبخله يبغضه إلى أولاده. كما قيل:
وَيُظْهر عيبَ المرء في الناس بخلُه … وتستره عنهم جميعا سخاؤه
تَغَطَّ بأثواب السخاء فإنني … أرى كل عيب والسخاء غطاؤه] (٣)
والأحاديث في الحث عليها كثيرة جدا، له موضع بذاته.
(وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ): في الحديث الذي رواه ابن ماجه: "والصوم زكاة البدن" أي: تزكيه وتطهره وتنقيه من الأخلاط الرديئة طبعا وشرعا.
قال (٤) سعيد بن جبير: من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر، دخل في قوله: (وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ).
(١) صحيح البخاري برقم (١٤٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٠٣١).
(٢) رواه الترمذي في السنن برقم (٦١٤) من حديث كعب بن عجرة، ﵁، وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" ورواه أحمد في المسند ٣/ ٣٢١ من حديث جابر بن عبد الله، ﵁، ورواه الترمذي في السنن برقم (٢٦١٦) وابن ماجه في السنن برقم (٣٩٧٣) من حديث معاذ، ﵁.
(٣) زيادة من ت.
(٤) في أ: "كما قال".