سورة الأحزاب

ซูเราะฮ์ที่ 33 · ตอน 4/8 · เล่ม 6 หน้า 420–434

ج6 · ص420

ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة -كما قال رسول الله ﷺ: "يا معشر الشباب، مَنْ استطاع منكم الباء فليتزوج، فإنه أغَضُّ للبصر، وأحْصَن للفرج، ومَنْ لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء" (١) -ناسب أن يذكر بعده: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ) أي: عن المحارم والمآثم إلا عن المباح، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].

وقوله: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) قال ابن أبي حاتم:

حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا محمد بن جابر، عن علي بن الأقمر، عن الأغَرِّ أبي مسلم (٢)، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل، فصليا ركعتين، كتبا (٣) تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات".

وقد رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث الأعمش، [عن علي بن الأقمر] (٤)، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ، بمثله (٥).

وقال (٦) الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخُدْري، ﵁، أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات".

قال: قلت: يا رسول الله، ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: "لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون الله أفضل منه" (٧).

وقال (٨) الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁، قال: كان النبي ﷺ يسير في طريق مكة، فأتى على جُمْدان فقال: "هذا جُمْدان، سيروا فقد سبق المُفَرّدون". قالوا: وما المُفَرّدون (٩)؟ قال: "الذاكرون الله كثيرا (١٠) ". ثم قال: "اللهم اغفر للمحلقين". قالوا: والمقصرين؟ قال: "اللهم، اغفر للمحلقين". قالوا: والمقصرين؟ قال: "والمقصرين".

تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم دون آخره (١١).

(١) صحيح البخاري برقم (٥٠٦٦) وصحيح مسلم برقم (١٤٠٠).

(٢) في ت: "روى ابن أبي حاتم بإسناده".

(٣) في ت، أ: "كانا".

(٤) زيادة من ت، ف، وسنن أبي داود وابن ماجه.

(٥) سنن أبي داود برقم (١٣٠٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٠٦) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٣٥).

(٦) في ت: "وروى".

(٧) المسند (٣/ ٧٥) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.

(٨) في ت: "وروى".

(٩) في ف، أ: "وما المفردون يا رسول الله؟ "

(١٠) في ف، أ: "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات".

(١١) المسند (٢/ ٤١١) وصحيح مسلم برقم (١٣٠٢) وإنما رواه مسلم دون أوله، والله اعلم.

ج6 · ص421

وقال (١) الإمام أحمد: حدثنا حُجَيْن بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن زياد بن أبي زياد -مولى عبد الله بن عَيَّاش (٢) بن أبي ربيعة -أنه بلغه عن معاذ بن جبل، ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ما عمل آدمي عملا قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله". وقال معاذ: قال رسول الله ﷺ: "ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم غدا فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم"؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "ذكر الله ﷿" (٣).

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجُهَنيّ، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ: أن رجلا سأله فقال: أي المجاهدين أعظم أجرًا يا رسول الله؟ فقال: "أكثرهم (٤) لله ذكرًا". قال: فأي الصائمين أكثر أجرًا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرا". ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك يقول رسول الله ﷺ: "أكثرهم لله ذكرا". فقال أبو بكر لعمر، ﵄: ذهب الذاكرون بكل خير. فقال رسول الله ﷺ: "أجل" (٥).

وسنذكر بقية الأحاديث الواردة في كثرة الذكر عند قوله تعالى في هذه السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ الآية [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، إن شاء الله تعالى.

وقوله: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) أي: هيأ لهم (٦) منه لذنوبهم مغفرة وأجرا عظيما وهو الجنة.

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا (٣٦)﴾.

قال العوفي، عن ابن عباس: قوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ) الآية، وذلك أن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله ﷺ: "بل فانكحيه". قالت: يا رسول الله، أؤامر في نفسي. فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله ﷺ: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا) الآية، قالت: قد رضيته لي منكحا يا رسول الله؟ قال: "نعم". قالت: إذًا لا أعصي رسول الله ﷺ، قد أنكحته نفسي (٧).

(١) في ت: "وروى".

(٢) في ف، أ: "عباس".

(٣) المسند (٥/ ٢٣٩).

(٤) في أ: "أكثركم".

(٥) المسند (٣/ ٤٣٨) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٧٤): "وفيه زبان بن فائد وهو ضعيف، وقد وثق، وكذلك ابن لهيعة، وبقية رجاله ثقات".

(٦) في ت، ف: "أعد لهم".

(٧) تفسير الطبري (٢٢/ ٩).

ج6 · ص422

وقال ابن لَهِيعة، عن ابن أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فاستنكفت منه، وقالت: أنا خير منه حسبا -وكانت امرأة فيها حدة -فأنزل الله، ﷿: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ) الآية كلها.

وهكذا قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل بن حيان: أنها نزلت في زينب بنت جحش [الأسدية] (١) حين خطبها رسول الله ﷺ على مولاه زيد بن حارثة، فامتنعت ثم أجابت.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نزلت في أم كلثوم (٢) بنت عقبة بن أبي مُعَيْط، وكانت أول مَنْ هاجر من النساء -يعني: بعد صلح الحديبية -فوهبت نفسها للنبي ﷺ، فقال: قد قبلت. فزوجها زيد بن حارثة -يعني والله أعلم بعد فراقه زينب -فسخطت هي وأخوها وقالا إنما أردنا رسول الله ﷺ فزوّجَنا عبده. قال: فنزل القرآن: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا) إلى آخر الآية. قال: وجاء أمر أجمع من هذا: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم) قال: فذاك خاص وهذا جماع.

وقال (٣) الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن ثابت البُنَاني، عن أنس قال: خطب النبي ﷺ على جُلَيْبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتى أستأمر أمها. فقال النبي ﷺ: فنعم (٤) إذًا. قال: فانطلق الرجل إلى امرأته، [فذكر ذلك لها] (٥)، فقالت: لاها الله ذا (٦)، ما وجد رسول الله ﷺ إلا جلَيبيبا، وقد منعناها من فلان وفلان؟ قال: والجارية في سترها (٧) تسمع. قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي ﷺ بذلك. فقالت الجارية: أتريدون أن تَرُدّوا على رسول الله ﷺ أمره؟ إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه. قال: فكأنها جَلَّت عن أبويها، وقالا صدقت. فذهب أبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: إن كنت رضيته فقد رضيناه. قال: "فإني قد رضيته". قال: فزوجها (٨)، ثم فزع أهل المدينة، فركب جُلَيْبيب فوجدوه قد قتل، وحوله ناس من المشركين قد قتلهم، قال أنس: فلقد رأيتها [وإنها] (٩) لمن أنفق بيت بالمدينة (١٠).

وقال (١١) الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد -يعني: ابن سلمة -عن ثابت، عن كنانة بن نعيم العدوي، عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبا كان امرأ يدخل على النساء يَمُرّ بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي: لا يدخلن اليوم عليكم (١٢) جُليبيبُ، فإنه إن دخل عليكم (١٣) لأفعلن ولأفعلن. قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيّم لم يزوجها حتى يعلم: هل لنبي الله ﷺ فيها حاجة أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ لرجل من الأنصار: "زوجني ابنتك". قال: نعم، وكرامة يا رسول الله (١٤)، ونُعْمَة عين. فقال: إني لست أريدها لنفسي. قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: لجليبيب.

(١) زيادة من أ.

(٢) في أ: "أم مكتوم".

(٣) في ت: "وروى".

(٤) في ف: "لنعم".

(٥) زيادة من ت، ف، والمسند.

(٦) في هـ، أ: "إذا" والمثبت من ت، ف والنهاية لابن الأثير.

(٧) في ت: "خدرها".

(٨) في أ: "فتزوجها".

(٩) زيادة من ت، ف، والمسند.

(١٠) المسند (٣/ ١٣٦).

(١١) في ت: "وروى".

(١٢) في أ: "عليكن".

(١٣) في أ: "عليكن".

(١٤) في أ: "برسول الله".

ج6 · ص423

فقال: يا رسول الله، أشاور أمها. فأتى أمها فقال: رسول الله ﷺ يخطب ابنتك؟ فقالت: نعم ونُعمة عين. فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب. فقالت: أَجُلَيبيب إنيه (١)؟ أجليبيب إنيِه (٢)؟ لا لعمر الله لا تزَوّجُه. فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله ﷺ فيخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: مَنْ خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها. قالت: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟! ادفعوني إليه، فإنه لن يضيعني. فانطلق أبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: شأنَك بها. فَزَوّجها جليبيبا. قال: فخرج رسول الله ﷺ في غزاة له، فلما أفاء الله عليه قال لأصحابه: "هل تفقدون من أحد"؟ قالوا: نفقد فلانا ونفقد فلانا. قال: "انظروا هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جليبيبا". قال: "فاطلبوه في القتلى". فطلبوه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. [فقالوا: يا رسول الله، ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه] (٣). فأتاه رسول الله ﷺ فقام عليه، فقال: قتل سبعة [وقتلوه] (٤)، هذا مني وأنا منه. مرتين أو ثلاثا، ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه [وحفر له، ما له سرير إلا ساعد النبي ﷺ] (٥). ثم وضعه في قبره، ولم يذكر أنه غسله، ﵁. قال ثابت: فما كان في الأنصار أيّم أنفق منها. وحدث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتا: هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ؟ فقال: "اللهم، صب عليها [الخير] (٦) صبا، ولا تجعل عيشها كدا" كذا قال، فما كان في الأنصار أيم أنفق منها.

هكذا أورده الإمام أحمد بطوله (٧)، وأخرج منه مسلم والنسائي في الفضائل قصة قتله (٨). وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" أن الجارية لما قالت في خدرها: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ تلت (٩) هذه الآية: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (١٠).

وقال ابن جُرَيْج [أخبرني عامر بن مصعب، عن طاوس قال: إنه سأل ابن عباس عن ركعتين بعد العصر، فنهاه، وقرأ ابن عباس، ﵁ (١١): (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ (١٢) لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)] (١٣).

فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هاهنا، ولا رأي ولا قول، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وفي الحديث: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به". ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا)، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].

(١) في هـ، ت، ف، أ: "ابنه" والتصويب من المسند.

(٢) في هـ، ت، ف، أ: "ابنه" والتصويب من المسند.

(٣) زيادة من ت، ف، والمسند.

(٤) زيادة من ت، ف، والمسند.

(٥) زيادة من ت، ف، والمسند.

(٦) زيادة من ت، ف، والمسند.

(٧) المسند (٤/ ٤٢٢).

(٨) صحيح مسلم برقم (٢٤٨٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨٢٤٦).

(٩) في أ: "نزلت".

(١٠) الاستيعاب (١/ ٢٥٩).

(١١) في أ: "عنهما".

(١٢) في ت: "تكون".

(١٣) زيادة من ت، ف، أ.

ج6 · ص424

﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا (٣٧)﴾.

يقول تعالى مخبرا عن نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، إنه قال لمولاه زيد بن حارثة وهو الذي أنعم الله عليه، أي: بالإسلام، ومتابعة الرسول، عليه أفضل الصلاة والسلام: (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْه) أي: بالعتق من الرق، وكان سيدًا كبير الشأن جليل القدر، حبيبًا إلى النبي ﷺ، يقال له: الحِبّ، ويقال لابنه أسامة: الحِبّ ابن الحِبّ. قالت عائشة، ﵂: ما بعثه رسول الله ﷺ في سرية إلا أمره عليهم، ولو عاش بعده لاستخلفه. رواه أحمد عن سعيد بن محمد الوراق ومحمد بن عبيد، عن وائل بن داود، عن عبد الله البهي عنها (١).

وقال (٢) البزار: حدثنا خالد بن يوسف، حدثنا أبو عَوَانة (ح)، وحدثنا محمد بن مَعْمَر، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو عوانة، أخبرني عمران بن أبي سلمة (٣)، عن أبيه: حدثني أسامة بن زيد قال: كنت في المسجد، فأتاني العباس وعلي بن أبي طالب، ﵄، فقالا يا أسامة، استأذن لنا على رسول الله ﷺ. قال: فأتيتُ رسولَ الله فأخبرته، فقلت: علي والعباس يستأذنان؟ فقال: "أتدري ما حاجتهما؟ " قلت: لا يا رسول الله. فقال: "لكني أدري"، قال: فأذن لهما. قالا يا رسول الله، جئناك لتخبرنا: أيُّ أهلك أحبُّ إليك؟ فقال: "أحب أهلي إليَّ فاطمة بنت محمد" قالا يا رسول الله، ما نسألك عن فاطمة. قال: "فأسامة بن زيد بن حارثة، الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه" (٤).

وكان رسول الله ﷺ قد زَوّجه بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية -وأمها أميمة (٥) بنت عبد المطلب -وأصدقها عشرة دنانير، وستين درهما، وخِمارا، ومِلْحَفة، ودرْعًا، وخمسين مُدّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر. قاله مقاتل بن حيان، فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله ﷺ فجعل رسول الله يقول له: "أمسك عليك زوجك، واتق الله". قال الله تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ).

ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم هاهنا آثارًا عن بعض السلف، ﵃، أحببنا أن نضرب

(١) المسند (٦/ ٢٢٧).

(٢) في ت: "وروى".

(٣) في ت، ف، أ، هـ: "عمر بن أبي سلمة"، والصواب ما أثبتناه.

(٤) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٨١٩) من طريق أبي عوانة بنحوه، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".

(٥) في ت: "أمية".

ج6 · ص425

عنها صفَحا لعدم صحتها فلا نوردها.

وقد روى الإمام أحمد هاهنا أيضا حديثًا، من رواية حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس فيه غرابة تركنا سياقه أيضا (١).

وقد روى البخاري أيضا بعضه مختصرا فقال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا مُعَلَّى (٢) بن منصور، عن حماد بن زيد، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك قال: إن هذه الآية: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة، ﵄ (٣).

وقال (٤) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا ابن عيينة، عن علي بن زيد بن جُدْعان قال: سألني علي بن الحسين ما يقول الحسن في قوله: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ]) (٥)؟ فذكرت له فقال: لا ولكن الله أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ليشكوها إليه قال: اتق الله، وأمسك عليك زوجك. فقال: قد أخبرتك أني مُزَوّجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه.

وهكذا رُوي عن السُّدِّي أنه قال نحو ذلك.

وقال (٦) ابن جرير: حدثني إسحاق بن شاهين، حدثني خالد، عن داود عن عامر، عن عائشة، ﵂، أنها قالت: لو كتم محمد ﷺ شيئًا مما أوحي إليه من كتاب الله، لكتم: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) (٧).

وقوله: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا): الوطر: هو الحاجة والأرب، أي: لما فَرَغ منها، وفارقها، زَوّجناكها، وكان الذي وَلي تزويجها منه هو الله، ﷿، بمعنى: أنه أوحى إليه أن يدخل عليها بلا ولي ولا مهر ولا عقد ولا شهود من البشر.

قال (٨) الإمام أحمد: حدثنا هاشم -يعني: ابن القاسم أبو النضر -حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، ﵁، قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "اذهب فاذكرها علي". فانطلق حتى أتاها وهي تُخَمِّر عَجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري -حتى ما أستطيع أن أنظر إليها -أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت (٩) على عقبي، وقلت: يا زينب، أبشري، أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى

(١) الحديث في المسند (٣/ ١٤٩) والغرابة من قوله: "فرأى رسول الله ﷺ امرأته زينب وكأنه دخله" فقد شك مؤمل في الرواية، وهو سيئ الحفظ.

(٢) في أ: "يعلى".

(٣) صحيح البخاري برقم (٤٧٨٧).

(٤) في ت: "وروى".

(٥) زيادة من ف.

(٦) في ت: "وروى".

(٧) تفسير الطبري (٢٢/ ١١) وأصله في الصحيح بلفظ: "من حدثك بثلاث".

(٨) في ت: "وروى".

(٩) في ف، أ: "وركضت".

ج6 · ص426

أؤامر ربي، ﷿. فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. ولقد رأيتنا حين دَخَلَتْ على رسول الله ﷺ أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ [واتبعته] (١) فجعل يتتبع حُجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر. قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقي الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، ووعظ القوم بما وعظوا به: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية.

ورواه مسلم والنسائي من طرق، عن سليمان (٢) بن المغيرة، به. (٣)

وقد روى البخاري، ﵀، عن أنس بن مالك، ﵁، أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات (٤).

وقد قدمنا في "سورة النور" عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة، فقالت زينب، ﵂ (٥): أنا التي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة: أنا التي نزل عُذْري من السماء، فاعترفت لها زينب، ﵂. (٦)

وقال (٧) ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي قال: كانت زينب تقول للنبي ﷺ إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهن: إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله من السماء، وإن السفير جبريل ﵇. (٨)

وقوله: (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) أي: إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك؛ لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة، فكان يقال له: "زيد بن محمد"، فلما قطع الله هذه النسبةبقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ثم زاد ذلك بيانا وتأكيدا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش لما طلقها زيد بن حارثة؛ ولهذا قال في آية التحريم: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ليحترز من الابن الدَّعِي؛ فإن ذلك كان كثيرًا فيهم.

وقوله: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا) أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحَتَّمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ.

(١) زيادة من ت، ف، أ، والمسند.

(٢) في أ: "سليم".

(٣) المسند (٣/ ١٩٥) وصحيح مسلم برقم (١٤٢٨) وسنن النسائي (٦/ ٧٩).

(٤) صحيح البخاري برقم (٧٤٢٠).

(٥) في ت: "عنهما".

(٦) عند الأية ١١.

(٧) في ت: "وروى".

(٨) تفسير الطبري (٢٢/ ١١).

ج6 · ص427

﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾.

يقول تعالى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ) أي: فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب التي طلقها دَعِيُّه زيد بن حارثة.

وقوله: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) أي: هذا حكم الله في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حَرج، وهذا رَدٌّ على مَنْ تَوَهَّم مِن المنافقين نقصًا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودَعيه، الذي كان قد تبناه.

(وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) أي: وكان أمره الذي يقدِّره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء [الله] (١) كان، وما لم يشأ لم يكن.

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾.

يمدح تعالى (٢): (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ) أي: إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها (وَيَخْشَوْنَهُ) أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سواه فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله، (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا. وسيد الناس في هذا المقام -بل وفي كل مقام -محمد رسول الله ﷺ؛ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي يبعث (٣) إلى قومه خاصة، وأما هو، صلوات الله عليه، فإنه بُعث إلى جميع الخلق عَرَبهم وعجمهم، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى مَنْ قام بها بعده أصحابه، ﵃، بلغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحَضَره وسفره، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم. ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون. فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم.

قال (٤) الإمام أحمد: حدثنا ابن نُمَيْر، أخبرنا الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البَخْتَري، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا (٥) يقوله، فيقول الله: ما يمنعك أن تقول فيه؟ فيقول: رب، خشيت الناس. فيقول: فأنا أحق أن يخشى (٦) ".

(١) زيادة من ت.

(٢) في ت، ف: "يمدح الله تعالى" وفي أ: "يمدح الله ﷿".

(٣) في ت، ف، أ: "وكان النبي قبله إنما يبعث".

(٤) في ت: "روى".

(٥) في ت: "أن لا".

(٦) في أ: "يخشاه".

ج6 · ص428

ورواه أيضا عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن زبيد، عن عمرو بن مرة (١).

ورواه ابن ماجه، عن أبي كُرَيْب، عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، به (٢).

وقوله: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ)، نهى (٣) [تعالى] (٤) أن يقال بعد هذا: "زيد بن محمد" أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه، صلوات الله عليه وسلامه، لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم؛ فإنه ولد له القاسم، والطيب، والطاهر، من خديجة فماتوا صغارا، وولد له إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضا رضيعا (٥)، وكان له من خديجة أربع بنات: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، ﵃ (٦) أجمعين، فمات في حياته ثلاث وتأخرت فاطمة حتى أصيبت به، صلوات الله وسلامه عليه، ثم ماتت بعده لستة أشهر.

وقوله: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فهذه الآية نص في (٧) أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول [بعده] (٨) بطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس. وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة.

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زُهَيْر بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبيّ بن كعب (٩)، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لَبنة لم يَضَعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تمَّ موضع هذه اللبنة؟ فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة".

ورواه الترمذي، عن بُنْدَار، عن أبي عامر العقدي، به (١٠)، وقال: حسن صحيح.

حديث آخر: قال (١١) الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا المختار بن فُلفُل، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي." قال: فشَقّ ذلك على الناس قال: قال (١٢): ولكن المبشرات". قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: "رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة".

وهكذا روى الترمذي عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن عفان بن مسلم، به (١٣) وقال: صحيح غريب من حديث المختاربن فُلفُل.

(١) المسند (٣/ ٣٠، ٧٣).

(٢) سنن ابن ماجه برقم (٤٠٠٨) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٢٤٢): "هذا إسناد صحيح".

(٣) في أ: "ينهى".

(٤) زيادة من أ.

(٥) في أ: "أيضا صغيرا رضيعا".

(٦) في أ: "عنهن".

(٧) في أ: "على".

(٨) زيادة من أ.

(٩) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده عن أبي بن كعب".

(١٠) المسند (٥/ ١٣٦) وسنن الترمذي برقم (٣٦١٣) ".

(١١) في ت: "وروى".

(١٢) في ت، ف، أ: "فقال".

(١٣) المسند (٣/ ٢٦٧) وسنن الترمذي برقم (٢٢٧٢).

ج6 · ص429

حديث آخر: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سَليم بن حَيَّان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلا موضع لَبنة، فكان مَنْ دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة! فأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء، ﵈".

ورواه البخاري، ومسلم، والترمذي من طرق، عن سليم (١) بن حيان، به. (٢) وقال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: مثلي ومثل النبيين [من قبلي] (٣) كمثل رجل بنى دارا فأتمها إلا لَبنَة واحدة، فجئت أنافأتممت تلك اللبنة". انفرد بإخراجه مسلم من روايةالأعمش، به (٤).

حديث آخر: قال [الإمام] (٥) أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عثمان بن عُبَيد الراسبي قال: سمعت أبا الطفيل قال: قال رسول الله ﷺ: "لا نبوة بعدي إلا المبشرات". قال: قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: "الرؤيا الحسنة -أو قال -الرؤيا الصالحة." (٦)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة (٧) قال: قال رسول الله ﷺ: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأكملها وأجملها، إلا موضع لَبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان ويقولون: ألا وَضَعْتَ هاهنا لبنة فيتم بنيانك؟! " قال رسول الله ﷺ: "فكنت أنا اللبنة".

أخرجاه من حديث عبد الرزاق. (٨)

حديث آخر: عن أبي هريرة أيضا: قال (٩) الإمام مسلم: حدثنا يحيى بن أيوب (١٠) وقتيبة وعلي بن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "فُضلت على الأنبياء بست: أعْطِيتُ جوامع الكلم، ونُصِرْتُ بالرعب، وأحِلَّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون".

(١) في ف: "سليمان".

(٢) مسند الطيالسي برقم (١٧٨٥) وصحيح البخاري برقم (٣٥٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٢٨٧) وسنن الترمذي برقم (٢٨٦٢).

(٣) زيادة من ت، أ، والمسند.

(٤) المسند (٣/ ٩) وصحيح مسلم برقم (٢٢٨٦).

(٥) زيادة من أ.

(٦) المسند (٥/ ٤٥٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٧٣): "ورجاله ثقات".

(٧) في ت: "وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة، ﵁".

(٨) المسند (٢/ ٣١٢) وصحيح مسلم برقم (٢٢٨٦) ولم أجده في البخاري ولم يعزه المزي في تحفة الأشراف إلا لمسلم.

(٩) في ت: "وروى".

(١٠) في أ: "يعقوب".

ج6 · ص430

ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث إسماعيل بن جعفر، وقال الترمذي: حسن صحيح. (١)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى دارًا فأتمها إلا موضع لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة".

ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُرَيْب، كلاهما عن أبي معاوية، به. (٢)

حديث آخر: قال (٣) الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سُويد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العِرْباض بن سارية قال: قال النبي ﷺ: "إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنْجَدِل في طينته." (٤)

حديث آخر: قال (٥) الزهري: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده (٦) نبي." أخرجاه في الصحيحين (٧).

وقال (٨) الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعة، عن عبد الله بن هُبَيْرة، عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما كالمودّع، فقال: "أنا محمد النبي الأمي -ثلاثا -ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، وعُوفيتُ وعُوفيتْ (٩) أمتي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذُهب بي فعليكم بكتاب الله، أحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه". تفرد به الإمام أحمد. (١٠)

ورواه (١١) [الإمام] (١٢) أحمد أيضا عن يحيى بن إسحاق، عن ابن لَهِيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبد الله بن مريج (١٣) الخولاني، عن أبي قيس -مولى عمرو بن العاص -عن عبد الله بن عمرو فذكر مثله سواء (١٤) (١٥).

والأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد، صلوات الله وسلامه عليه، إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له. وقد أخبر تعالى في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه: أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل مَنِ ادعى هذا المقام بعده

(١) صحيح مسلم برقم (٥٢٣) وسنن الترمذي برقم (١٥٥٣) وسنن ابن ماجه برقم (٥٦٧).

(٢) تقدم الحديث من قريب.

(٣) في ت: "وروى".

(٤) المسند (٤/ ١٢٧).

(٥) في ت: "وقال".

(٦) في أ: "بعدي".

(٧) صحيح البخاري برقم (٣٥٣٢) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٤).

(٨) في ت: "وروى".

(٩) في ت: "وعرفت".

(١٠) المسند (٢/ ١٢) وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.

(١١) في ف: "وحدثني".

(١٢) زيادة من ف، أ.

(١٣) في أ: "سريح".

(١٤) في أ: "سواه".

(١٥) المسند (٢/ ١٧٢) وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.

ج6 · ص431

فهو كذاب أفاك، دجال ضال مضل، ولو تخرق (١) وشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنَيرجيَّات (٢)، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب، كما أجرى الله، ﷾، على يد الأسود العَنْسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة، ما علم كل ذي لب وفهم وحِجى أنهما كاذبان ضالان، لعنهما الله. وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال، [فكل واحد من هؤلاء الكذابين] (٣) يخلق الله معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب مَنْ (٤) جاء بها. وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلا على سبيل الاتفاق، أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ الآية [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢]. وهذا بخلاف الأنبياء، ﵈، فإنهم في غاية البر والصدق (٥) والرشد والاستقامة [والعدل] (٦) فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات، والبراهين الباهرات، فصلوات الله وسلامه عليهم دائما مستمرا ما دامت الأرض والسموات.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾

يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم تعالى، المنعم عليهم بأنواع النعم وأصناف (٧) المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب.

قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد (٨)، حدثني مولى بن عياش (٩) عن أبي بَحرية (١٠)، عن أبي الدرداء، ﵁، قال: قالرسول الله ﷺ: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والوَرق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: "ذكر الله ﷿".

وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه، من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد -مولى ابن عياش (١١) -عن أبي بَحرية -واسمه عبد الله بن قيس التراغمي -عن أبي الدرداء، به (١٢). قال الترمذي: ورواه بعضهم عنه فأرسله.

(١) في أ: "تمخرق".

(٢) في أ: "النيرنجيات".

(٣) زيادة من أ.

(٤) في أ: "ما".

(٥) في أ: "الصدقة".

(٦) زيادة من أ.

(٧) في أ: "وصنوف".

(٨) في أ: "سعد".

(٩) في أ: "عباس".

(١٠) في أ: "عن أبي عرة".

(١١) في أ: "عباس".

(١٢) المسند (٥/ ١٩٥) وسنن الترمذي برقم (٣٣٧٧) وسنن ابن ماجه برقم (٣٧٩٠).

ج6 · ص432

قلت: وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ في مسند [الإمام] (١) أحمد، من حديث زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عَيَّاش: أنه بلغه عن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ، بنحوه، فالله أعلم.

وقال (٢) الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا فرج بن فَضَالة، عن أبي سعد الحِمْصي قال: سمعت أبا هريرة يقول: دعاء سمعته من رسول الله ﷺ لا أدعه: "اللهم، اجعلني أعظم شكرك، وأتبع نصيحتك، وأكثر ذكرك، وأحفظ وصيتك". (٣)

ورواه الترمذي عن يحيى بن موسى، عن وكيع، عن أبي فضالة الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد الحمصي، عن أبي هريرة، فذكر مثله وقال: غريب. (٤)

وهكذا رواه الإمام أحمد أيضا عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن فرج بن فضالة، عن أبي سعيد المدني (٥) عن أبي هريرة فذكره. (٦)

وقال (٧) الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، عن معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس قال: سمعت عبد الله بن بُسْر يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ، فقال أحدهما: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: "مَنْ طال عمره وحسن عمله". وقال الآخر: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا (٨)، فمرني بأمر أتشبث به. قال: "لا يزال لسانك رَطْبًا بذكر الله". (٩)

وروى الترمذي وابن ماجه [منه] (١٠) الفصل الثاني، من حديث معاوية بن صالح، به. (١١) وقال الترمذي: حسن غريب.

وقال (١٢) الإمام أحمد: حدثنا سُرَيج (١٣)، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث قال: إنّ دَرّاجا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله ﷺ قال: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون." (١٤)

وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مُكرم العَمِّي، حدثنا سعيد بن سفيان (١٥) الجَحْدَرِي، حدثنا الحسن بن أبي جعفر، عن عقبة بن أبي ثُبَيت (١٦) الراسبي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "اذكروا الله ذكرا كثيرا [حتى] (١٧) يقول

(١) زيادة من أ.

(٢) في ت: "وروى".

(٣) المسند (٢/ ٤٧٧).

(٤) سنن الترمذي برقم (٣٦٠٤).

(٥) في أ: "المزني".

(٦) المسند (٢/ ٣١١).

(٧) في ت: "وروى".

(٨) في ت: "عليَّ".

(٩) المسند (٤/ ١٩٠).

(١٠) زيادة من ف، أ.

(١١) سنن الترمذي برقم (٣٣٧٥) وسنن ابن ماجه برقم (٣٧٩٣).

(١٢) في ت: "وروى".

(١٣) في أ: "شريح".

(١٤) المسند (٣/ ٦٨) وفيه دراج، عن أبي الهيثم ضعيف.

(١٥) في أ: "سفر".

(١٦) في أ: "سبب".

(١٧) زيادة من ت، ف، أ، والمعجم.

ج6 · ص433

المنافقون: تراءون." (١)

وقال (٢) الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد أبو طلحة الراسبي، سمعت أبا الوازع جابر بن عمرو يحدث عن عبد الله بن عمروقال: قال رسول الله ﷺ: "ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله فيه، إلا رأوه حسرة يوم القيامة." (٣)

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا): إن الله لم يفرض [على عباده] (٤) فريضة إلا [جعل لها حدا معلوما، ثم] (٥) عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه، إلا مغلوبا على تركه، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، بالليل والنهار، [في البر والبحر] (٦)، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقال: (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا) فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته.

والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله كثيرة جدا، وفي هذه الآية الكريمة الحث على الإكثار (٧) من ذلك.

وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنسائي والمعمري وغيرهما (٨)، ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب الأذكار للشيخ محيي الدين النووي، رحمه الله تعالى (٩)

(١) المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ١٦٩) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٧٦): "فيه الحسين بن أبي جعفر الجعفري وهو ضعيف".

(٢) في أ: "زاده".

(٣) المسند (٢/ ٢٢٤) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٠): "رجاله رجال الصحيح".

(٤) زيادة من ت، ف، أ.

(٥) زيادة من ت، ف، أ.

(٦) زيادة من ت، ف، أ.

(٧) في أ: "الإكثرار".

(٨) في ت: "والمعمري والكلم الطيب لشيخ الإسلام وغيرهم".

(٩) وقد طبع كتاب الأذكار بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في دار الهدى وعليه تخريج لابن علان اسمه: "الفتوحات الربانية" طبع في الهند. هذا وقد جاء في نسخة "ت" بعد هذه الفقرة ما يلي: "فذكر الله أصل موالاة الله، ﷿، ورأسها. والغفلة أصل معاداته ورأسها، فإن العبد لا يزال يذكر ربه حتى يحبه فيواليه، ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه ويعاديه. قال الله تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) وما استجلبت نعم الله تعالى واستدفعت نقمة بمثل ذكر الله، فالذكر جلاب النعم دفاع النقم. قال تعالى: (إن الله يدفع عن الذين آمنوا) وفي القراءة الأخرى: (يدافع عن الذين آمنوا) فدفعه ودفاعه عنهم بحسب قوة إيمانهم وكماله ومادة الإيمان وقوته بذكر الله، فمن كان أكمل إيمانا وأكثر ذكرا كان دفاع الله عنه، ودفعه أعظم. ومن نقص نقص ذكر بذكر ونسيان بنسيان، وقال تعالى: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم) والذكر رأس الشكر، والشكر جلاب النعم، موجب للمزيد. قال بعض السلف: ما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن برك. ومجالس الذكر رياض الجنة كما روى ابن أبي الدنيا من حديث جابر، عن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، فقال: "يأيها الناس ارتعوا في رياض الجنة" قلنا يا رسول الله: وما رياض الجنة؟ قال: "مجالس الذكر"، ثم قال: "اغدوا وروحوا فاذكروا فمن كان يحب أن يعلم منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه". فمجالس الذكر مجالس الملائكة كما في الصحيحين عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله ملائكة فَضْلا عن كتاب الناس يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلم إلى حاجتكم، فتحف بأجنحتها إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال: وهل رأوني؟ قال: يقولون: لا والله يا ربنا ما رأوك، فيقول: كيف لو أنهم رأوني؟ قال: فيقولون: لو أنهم رأوك =

ج6 · ص434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .