سورة الأنعام

ซูเราะฮ์ที่ 6 · ตอน 9/10 · เล่ม 3 หน้า 357–371

ج3 · ص357

قال: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه".

ورواه أبو داود، من حديث خالد الحذاء (١).

وقال الأعمش، عن جامع بن شَدَّاد، عن كلثوم، عن أسامة بن زيد قال: دخلنا على رسول الله ﷺ وهو مريض نعوده، فوجدناه نائما قد غطى وجهه ببرد عَدني، فكشف عن وجهه وقال (٢): لعن الله اليهود يحرمون شحوم الغنم ويأكلون أثمانها"، وفي رواية: "حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها" (٣).

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾

يقول تعالى: فإن كذّبك (٤) -يا محمد -مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم، فقل: (رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة، واتباع رسوله، (وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) ترهيب لهم من (٥) مخالفتهم الرسول خاتم النبيين. وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن، كما قال تعالى في آخر هذه السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الآية: ١٦٥]، وقال ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦]، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٣]، وقال [تعالى] (٦): ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٤]، والآيات في هذا كثيرة جدًا.

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾

هذه مناظرة ذكرها الله تعالى وشبهة تشبثت بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا؛ فإن الله

(١) ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٤٤) من طريق هشيم، عن خالد الحذاء به.

(٢) في أ: "فقال".

(٣) المسند (١/ ٢٤٧) وسنن أبي داود برقم (٣٤٨٨).

(٤) في م، أ: "كذبوك".

(٥) في م: "في".

(٦) زيادة من أ.

ج3 · ص358

مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان، أو يحول بيننا وبين الكفر، فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا ذلك؛ ولهذا قال: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) كما في قوله [تعالى] (١): ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ]﴾ (٢) [الزخرف: ٢٠]، وكذلك (٣) الآية التي في "النحل" مثل هذه سواء (٤) قال (٥) الله تعالى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء. وهي حجة داحضة باطلة؛ لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه، ودمر عليهم، وأدال عليهم رسله الكرام، وأذاق المشركين من أليم الانتقام.

(قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ) أي: بأن الله [تعالى] (٦) راض عنكم فيما أنتم فيه (فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) أي: فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه، (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ) أي: الوهم والخيال. والمراد بالظن هاهنا: الاعتقاد الفاسد. (وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ) أي: تكذبون على الله فيما ادعيتموه.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [﵄] (٧): (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) وقال (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، فإنهم قالوا: عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زُلْفَى فأخبرهم الله أنها لا تقربهم، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ (٨)، يقول تعالى: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين.

وقوله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) يقول [تعالى] (٩) لنبيه ﷺ: (قُلْ) لهم -يا محمد: (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) أي: له الحكمة التامة، والحجة البالغة في هداية من هَدى، وإضلال من أضل، (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) وكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين ويُبْغض الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ [كُلُّهُمْ جَمِيعًا]﴾. (١٠) [يونس: ٩٩]، وقوله (١١) ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].

قال الضحاك: لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده.

وقوله تعالى: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ) أي: أحضروا شهداءكم (الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا) أي: هذا الذي حرمتموه وكذبتم وافتريتم على الله فيه، (فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أي: لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبًا وزورًا، (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)

(١) زيادة من م، أ.

(٢) زيادة من م، أ.

(٣) في أ: "وكذا".

(٤) الآية: ٣٥ وهي قوله تعالى: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء).

(٥) في م: "وقال".

(٦) زيادة من م.

(٧) زيادة من أ.

(٨) في أ: "أشركنا" وهو خطأ، والصواب: "أشركوا" الآية: ١٠٧ من سورة الأنعام.

(٩) زيادة من م.

(١٠) زيادة من م، أ.

(١١) في م: "وقال تعالى".

ج3 · ص359

أي: يشركون به، ويجعلون له عديلا.

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾

قال داود الأوْدِي، عن الشعبي، عن علَقْمَة، عن ابن مسعود، ﵁، قال: من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء (١) الآيات: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل، حدثنا مالك بن إسماعيل النَّهدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة قال: سمعت ابن عباس يقول: في (٢) الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا]) (٣).

ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (٤).

قلت: ورواه زُهَيْر وقيس بن الربيع كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن قيس، عن ابن عباس، به. والله (٥) أعلم.

وروى الحاكم أيضًا في مستدركه (٦) من حديث يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: "أيكم يبايعني على ثلاث؟ " -ثم تلا رسول الله ﷺ: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) حتى فرغ من الآيات -فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئًا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته (٧) ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه".

ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وإنما اتفقا على حديث الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا" الحديث. وقد روى سفيان بن حُسَين كلا الحديثين، فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما، والله أعلم (٨).

وأما تفسيرها فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ: قل يا محمد -لهؤلاء المشركين الذين [أشركوا و] (٩) عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم، (قُلْ) لهم (تَعَالَوْا) أي: هلموا وأقبلوا: (أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) أي: أقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقًا لا تخرصًا، ولا ظنًا، بل وحيًا منه وأمرًا من عنده:

(١) في م: "هذه".

(٢) في م، أ: "إن في".

(٣) زيادة من أ.

(٤) المستدرك (٢/ ٣١٧).

(٥) في م، أ: "فالله".

(٦) في أ: "في مسنده" وهو خطأ.

(٧) في م: "عقوبة".

(٨) المستدرك (٢/ ٣١٨). أما الحديث الذي اتفق عليه الشيخان من حديث الزهري، فرواه البخاري في صحيحه برقم (١٨) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٠٩).

(٩) زيادة من أ.

ج3 · ص360

(أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) وكأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق، وتقديره: وأوصاكم (١) أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ ولهذا قال في آخر الآية: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وكما قال الشاعر:

حَجَّ وأوصَى بسُلَيمى الأعْبُدَا … أنْ لا تَرَى ولا تُكَلِّم أحَدا

ولا يَزَلْ شَرَابُها مُبَرَّدا (٢).

وتقول العرب: أمرتك ألا تقوم.

وفي الصحيحين من حديث أبي ذر، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا من أمتك، دخل الجنة. قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق. قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق. قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق، وإن شرب الخمر": وفي بعض (٣) الروايات أن القائل ذلك إنما هو أبو ذر لرسول الله ﷺ، وأنه، عليه (٤) السلام، قال في الثالثة: "وإن رغم أنفُ أبي ذر" (٥) فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث: وإن رغم أنف أبي ذر.

وفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذر [﵁] (٦) قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئا، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عَنَان السماء ثم استغفرتني، غفرت لك" (٧).

ولهذا شاهد في القرآن، قال الله تعالى (٨): ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: "من مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة" (٩) والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.

وروى ابن مَرْدُوَيه من حديث عبادة وأبي الدرداء: "لا تشركوا بالله شيئًا، وإن قُطِّعتم أو صُلِّبتم أو حُرِّقتم" (١٠).

(١) في د، أ: "ووصاكم"، وفي م: "أوصاكم".

(٢) الرجز في تفسير الطبري (١٢/ ٢١٦).

(٣) في م: "قلت: وفي بعض".

(٤) في أ: "وأنه ﵊".

(٥) صحيح البخاري برقم (١٢٣٧) وصحيح مسلم برقم (٩٤).

(٦) زيادة من أ.

(٧) رواه أحمد في مسنده (٥/ ١٥٤) والترمذي في السنن برقم (٢٤٩٥) وابن ماجة في السنن برقم (٤٢٥٧) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".

(٨) في أ: "﷿".

(٩) صحيح مسلم برقم (٩٢).

(١٠) أما حديث أبي الدرداء، فرواه الطبراني في المعجم الكبير كما في معجم الزوائد (٤/ ٢١٦) من طريق شهر بن حوشب، عن أم الدرداء عن أبي الدرداء به. قال الهيثمي: "فيه شهر بن حوشب وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات". وأما حديث عبادة فهو الآتي.

ج3 · ص361

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عَوْف الحِمْصي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد حدثني سيار بن عبد الرحمن، عن يزيد بن قَوْذر، عن سلمة بن شُرَيح، عن عبادة بن الصامت قال: أوصانا رسول الله ﷺ بسبع خصال: "ألا تشركوا بالله شيئًا، وإن حرقتم وقطعتم وصلبتم" (١).

وقوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي: وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحسانا، أي: أن تحسنوا إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].

وقرأ بعضهم: "ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا".

والله تعالى كثيرًا ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين، كما قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٤، ١٥]. فأمر بالإحسان إليهما، وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية. [البقرة: ٨٣]. والآيات في هذا كثيرة. وفي الصحيحين عن ابن مسعود، ﵁، قال: سألت رسول الله ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أيّ؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أيّ؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته (٢) لزادني (٣).

وروى الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه بسنده عن أبي الدرداء، وعن عبادة بن الصامت، كل منهما يقول: أوصاني خليلي ﷺ: "أطع والديك، وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا، فافعل" (٤).

ولكن في إسناديهما ضعف، والله أعلم.

وقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) لما أوصى (٥) تعالى ببر الآباء والأجداد، عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد، فقال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ) وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سَوَّلت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خَشْيَة العار، وربما قتلوا بعض الذكور خيفةَ الافتقار؛ ولهذا جاء في الصحيحين، من حديث عبد الله ابن مسعود، ﵁، قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندّا وهو خلَقَكَ". قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يَطْعَم معك". قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تُزَاني حليلة جارك". ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا]﴾ (٦) [الفرقان: ٦٨]. (٧)

(١) ورواه الطبراني في المعجم الكبير كما في الزوائد (٤/ ٢١٦) وقال الهيثمي: "فيه سلمة بن شريح قال الذهبي: لا يعرف، وبقية رجاله رجال الصحيح".

(٢) في أ: "استزدت".

(٣) صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥).

(٤) سبق تخريجهما من رواية الطبراني في المعجم الكبير.

(٥) في د، م: "وصى".

(٦) زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".

(٧) صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨).

ج3 · ص362

وقوله: (مِنْ إِمْلاقٍ) قال ابن عباس، وقتادة، والسُّدِّي: هو الفقر، أي: ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة "سبحان": ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، أي: خشية (١) حصول فقر، في الآجل؛ ولهذا قال هناك: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي: لا تخافوا من فقركم بسببهم، فرزقهم على الله. وأما في هذه الآية فلما كان الفقر حاصلا قال: (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)؛ لأنه الأهم هاهنا، والله أعلم.

وقوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وقد تقدم تفسيرها في قوله: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢].

وفي الصحيحين، عن ابن مسعود، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا أحد أغْيَر من الله، من أجل ذلك حَرَّم الفواحش ما ظَهَر منها وما بَطنَ" (٢).

وقال عبد الملك بن عُمَيْر، عن وَرّاد، عن مولاه المغيرة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مُصْفَح. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "أتعجبون من غيرة سعد! فوالله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حَرّم الفواحش ما ظهر منها وما بَطَن". أخرجاه (٣).

وقال كامل أبو العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، إنا (٤). نغار. قال: "والله إني لأغار، والله أغير مني، ومن غيرته نهى عن الفواحش" (٥).

رواه ابن مَرْدُوَيه، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وهو على شرط الترمذي، فقد روي بهذا السند: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" (٦).

وقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ) وهذا مما نص ﵎ على النهي عنه تأكيدًا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فقد جاء في الصحيحين، عن ابن مسعود، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (٧).

(١) في م: "خيفة" وفي أ: "ضيقة".

(٢) صحيح البخاري برقم (٤٦٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٠).

(٣) صحيح البخاري برقم (٦٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٤٩٩).

(٤) في م: "أما".

(٥) ورواه أحمد في مسنده (٢/ ٣٢٦) من طريق كامل به، قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٣٢٨): "فيه كامل أبو العلاء، وفيه كلام لا يضر وهو ثقة، وبقية رجاله رجال الصحيح".

(٦) سنن الترمذي برقم (٢٣٣١) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة".

(٧) صحيح البخاري برقم (٦٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٦).

ج3 · ص363

وفي لفظ لمسلم (١) والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم … " وذكره، قال الأعمش: فحدثت به إبراهيم، فحدثني عن الأسود، عن عائشة [﵂] (٢)، بمثله (٣).

وروى أبو داود، والنسائي، عن عائشة، ﵂؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زانٍ مُحْصَن يُرْجَم، ورجل قتل رَجُلا مُتَعمِّدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض". وهذا لفظ النسائي (٤).

وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، أنه قال وهو محصور: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يَحِلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كَفَر بعد إسلامه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس". فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، فبم تقتلونني. رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن (٥).

وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهدَ -وهو المستأمن من أهل الحرب -كما رواه البخاري، عن عبد الله بن عمرو، ﵄، عن النبي ﷺ قال: "من قتل مُعاهِدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد (٦) من مسيرة أربعين عاما" (٧).

وعن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من قتل معاهَدًا له ذِمَّة الله وذمَّة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خَريفًا".

رواه ابن ماجه، والترمذي وقال: حسن صحيح (٨).

وقوله: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: هذا ما (٩) وصاكم به لعلكم تعقلون عنه أمره ونهيه.

﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾

قال عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية [النساء: ١٠]، فانطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله

(١) في م: "مسلم".

(٢) زيادة من أ.

(٣) صحيح مسلم برقم (١٦٧٦).

(٤) سنن أبي داود برقم (٤٣٥٣) وسنن النسائي (٧/ ١٠١).

(٥) المسند (١/ ٦٣) وسنن الترمذي برقم (٢١٥٨) وسنن النسائي (٧/ ٩٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٣٣).

(٦) في د، م، أ: "يوجد".

(٧) صحيح البخاري برقم (٣١٦٦).

(٨) سنن ابن ماجة برقم (٢٦٨٧) وسنن الترمذي برقم (١٤٠٣).

(٩) في أ: "مما".

ج3 · ص364

ويفسد. فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله [﷿] (١): ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم. رواه أبو داود.

وقوله: (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) قال الشعبي، ومالك، وغير واحد من السلف: يعني: حتى يحتلم.

وقال السُّدِّي: حتى يبلغ ثلاثين سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ستون سنة. قال: وهذا كله بعيد هاهنا، والله أعلم.

وقوله: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء، كما توعد على تركه في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦]. وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان.

وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي، من حديث الحسين بن قيس أبي علي الرّحَبي، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والميزان: "إنكم وُلّيتم أمرًا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم". ثم قال: لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحُسين، وهو ضعيف في الحديث، وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفا (٢).

قلت: وقد رواه ابن مَرْدُوَيه في تفسيره، من حديث شَرِيك، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "إنكم مَعْشَر الموالي قد بَشَّرَكم الله بخصلتين بها هلكت القرون المتقدمة: المكيال والميزان" (٣).

وقوله تعالى: (لا نُكَلِّفُ (٤) نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) أي: من اجتهد في أداء الحق وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه.

وقد روى ابن مَرْدُوَيه من حديث بَقِيَّة، عن مُبَشر (٥) بن عبيد، عن عمرو بن ميمون بن مهْران، عن أبيه، عن سعيد بن المسَيَّب قال: قال رسول الله ﷺ: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) فقال: "من أوفى على يده في الكيل والميزان، والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما، لم يؤاخذ". وذلك تأويل (وُسْعَهَا) هذا مرسل غريب (٦).

(١) زيادة من أ.

(٢) سنن الترمذي برقم (١٢١٧) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٥٢٨٨) وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٥٢) من طريق الحسين بن قيس أبي علي الرحبي به.

(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٣٨٥).

(٤) في أ: "لا يكلف الله".

(٥) في أ: "ميسر".

(٦) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٣٨٤) ولم يعزه لأحد غيره، وفي إسناده مبشر بن عبيد الحمصي. قال أحمد: كان يضع الحديث، وقال البخاري: روى عنه بقية، منكر الحديث.

ج3 · ص365

وقوله: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ]﴾ (١) [النساء: ١٣٥]، وكذا التي تشبهها في سورة المائدة [الآية: ٨]، يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال، على القريب والبعيد، والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد، في كل وقت، وفي كل حال.

وقوله: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) قال ابن جرير: يقول وَبِوَصِيَّة الله التي أوصاكم بها فأوفوا. وإيفاء ذلك: أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم، وتعملوا بكتابه وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله.

(ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) يقول تعالى: هذا وصاكم به، وأمركم به، وأكد عليكم فيه (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي: تتعظون وتنتهون عما (٢) كنتم فيه قبل هذا، وقرأ بعضهم بتشديد "الذال"، وآخرون بتخفيفها.

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) وقوله ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة (٣)، وأخبرهم أنه إنما (٤) هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله ونحو هذا. قاله (٥) مجاهد، وغير واحد.

وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا الأسود بن عامر: شاذان، حدثنا أبو بكر -هو ابن عياش -عن عاصم -هو ابن أبي النجود -عن أبي وائل، عن عبد الله -هو ابن مسعود، ﵁ -قال: خَطَّ رسول الله ﷺ خطًا بيده، ثم قال: "هذا سَبِيل الله مستقيما". وخط على يمينه وشماله، ثم قال: "هذه السُّبُل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه". ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)

وكذا رواه الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي بكر بن عياش، به. وقال: صحيح [الإسناد] (٦) ولم يخرجاه (٧).

وهكذا رواه أبو جعفر الرازي، وورقاء وعمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن أبي وائل شقيق ابن سلمة، عن ابن مسعود به مرفوعا نحوه.

وكذا رواه يزيد بن هارون ومُسدَّد والنسائي، عن يحيى بن حبيب بن عربي -وابن حِبَّان، من

(١) زيادة من م، أ.

(٢) في م: "وتنتبهون مما".

(٣) في أ: "والتفرقة".

(٤) في م: "لما".

(٥) في أ: "قال".

(٦) زيادة من م.

(٧) المسند (١/ ٤٦٥) والمستدرك (٢/ ٣١٨).

ج3 · ص366

حديث ابن وَهْب -أربعتهم عن حماد بن زيد، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، به.

وكذا رواه ابن جرير، عن المثنى، عن الحِمَّاني، عن حماد بن زيد، به.

ورواه الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، به كذلك. وقال: صحيح ولم يخرجاه (١).

وقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم، من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي بكر ابن عياش، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد الله بن مسعود. به مرفوعا (٢).

وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه من حديث يحيى الحماني، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِرٍّ، به.

فقد صححه الحاكم كما رأيت من الطريقين، ولعل هذا الحديث عند عاصم بن أبي النجود، عن زر، وعن أبي وائل شقيق بن سلمة كلاهما عن ابن مسعود، به، والله أعلم.

قال الحاكم: وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي عن جابر، من وجه غير معتمد (٣).

يشير إلى الحديث الذي قال الإمام أحمد، وعبد بن حميد جميعا -واللفظ لأحمد: حدثنا عبد الله بن محمد -وهو أبو بكر بن أبي شيبة -أنبأنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ، فخط خطًا هكذا أمامه، فقال: "هذا سبيل الله". وخطين عن يمينه، وخطين عن شماله، وقال: "هذه سبيل (٤) الشيطان". ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

ورواه ابن ماجه في كتاب السنة من سننه، والبزار عن أبي سعيد بن عبد الله بن سعيد، عن أبي خالد الأحمر، به (٥).

قلت: ورواه الحافظ ابن مَرْدُوَيه من طريقين، عن أبي سعيد الكندي، حدثنا أبو خالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: خط رسول الله ﷺ خطًا، وخط عن يمينه خطًّا، وخط عن يساره خطا، ووضع يده على الخط الأوسط (٦) وتلا هذه الآية: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) (٧).

(١) النسائي في السنن الكبرى برقم (١١١٧٤) وتفسير الطبري (١٢/ ٢٣٠) والمستدرك (٢/ ٣١٨).

(٢) النسائي في السنن الكبرى برقم (١١١٧٥) والمستدرك (٢/ ٢٣٩).

(٣) المستدرك (٢/ ٣١٨).

(٤) في م، أ: "سبل".

(٥) المسند (٣/ ٣٩٧) وسنن ابن ماجة برقم (١١) وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٤٥): "هذا إسناد فيه مقال من أجل مجالد بن سعيد".

(٦) في د، م: "الأسود".

(٧) وفي إسناده مجالد بن سعيد فيه كلام.

ج3 · ص367

ولكن العمدة على حديث ابن مسعود، مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرًا، وقد روي موقوفا عليه.

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن مَعْمَر، عن أبَان؛ أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جَوَادّ، وعن يساره جَوَادّ، وثمّ رجال يدعون من مر بهم. فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة. ثم قرأ ابن مسعود: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) الآية (١).

وقال ابن مَرْدُوَيه: حدثنا أبو عمرو، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا إسماعيل ابن عَيَّاش، حدثنا أبان بن عياش، عن مسلم بن أبي عمران، عن عبد الله بن عمر: سأل عبد الله عن الصراط المستقيم، فقال [له] (٢) ابن مسعود: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وذكر تمام الحديث كما تقدم، والله أعلم.

وقد روي من حديث النوّاس بن سمْعان نحوه، قال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سَوَّار أبو العلاء، حدثنا لَيْث -يعني ابن سعد -عن معاوية بن صالح؛ أن عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نفير حدثه، عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله ﷺ قال: "ضرب الله مثلا صِراطًا مستقيمًا، وعن جَنْبتَي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها (٣) الناس، ادخلوا الصراط المستقيم جميعا، ولا تتفرجوا (٤) وداع يدعو من جوف (٥) الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك. لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم".

ورواه الترمذي والنسائي، عن (٦) علي بن حُجْر -زاد النسائي -وعمرو بن عثمان، كلاهما عن بَقِيَّة بن الوليد، عن بَحير بن سعد، عن خالد بن مَعْدان، عن جُبَير بن نفير، عن النوّاس بن سِمْعان، به (٧). وقال الترمذي: حسن غريب.

وقوله: (فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ]) (٨) إنما وحد [سبحانه] (٩) سَبيله لأن (١٠) الحق واحد؛ ولهذا جمع لتفرقها وتشعبها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧].

(١) تفسير الطبري (١٢/ ٢٣٠).

(٢) زيادة من م.

(٣) في د، م: "يأيها".

(٤) في د: "ولا تفرقوا"، وفي م، أ: "ولا تفرجوا".

(٥) في أ: "من فوق".

(٦) في أ: "من حديث".

(٧) المسند (٢/ ١٨٢) وسنن الترمذي برقم (٢٨٥٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٢٣٣).

(٨) زيادة من أ.

(٩) زيادة من م.

(١٠) في أ: "لأنه".

ج3 · ص368

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنَان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: "أيكم يبايعني على هذه (١) الآيات الثلاث؟ ". ثم تلا ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من ثلاث الآيات، ثم قال: "ومن وَفَّى بهن أجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا أدركه (٢) الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخَّرَه إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء أخذه، وإن شاء عفا عنه" (٣).

﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾

قال ابن جرير: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) تقديره: ثم قل -يا محمد -مخبرًا عنا بأنا آتينا موسى الكتاب، بدلالة قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾

قلت: وفي هذا نظر، وثُم هاهنا إنما هي لعطف الخبر بعد الخبر، لا للترتيب هاهنا، كما قال الشاعر:

قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُم سَادَ أبوهُ … ثُمّ قد سَادَ قَبْلَ ذَلكَ جَده (٤)

وهاهنا لما أخبر الله تعالى عن القرآن بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ عطف بمدح التوراة ورسولها، فقال: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) وكثيرًا ما يقرن سبحانه (٥) بين ذكر القرآن والتوراة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢]، وقوله [في] (٦) أول هذه السورة: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الآية: ٩١]، وبعدها (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ) الآية [الأنعام: ٩٢]، وقال تعالى مخبرًا عن المشركين: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨]، وقال تعالى مخبرًا عن الجن أنهم قالوا: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ [وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ]﴾ (٧) [الأحقاف: ٣٠].

وقوله تعالى: (تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا) أي: آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمامًا كاملا جامعا لجميع ما يحتاج إليه في شريعته، كما قال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٥].

(١) في م: "هؤلاء".

(٢) في أ: "فأدركه".

(٣) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٨) من طريق يزيد بن هارون به.

(٤) لم أعرف قائله.

(٥) في أ: "الله تعالى".

(٦) زيادة من أ.

(٧) زيادة من م، أ، وفي هـ "الآية".

ج3 · ص369

وقوله: (عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) أي: جزاء على إحسانه في العمل، وقيامه بأوامرنا وطاعتنا، كقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وكقوله ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ]﴾ (١) [البقرة: ١٢٤]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) يقول: أحسن فيما أعطاه الله.

وقال قتادة: من أحسن في الدنيا تمم له ذلك في الآخرة.

واختار ابن جرير أن تقدير الكلام: ([ثُمَّ] آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا) (٢) على إحسانه. فكأنه جعل "الذي" مصدرية، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] أي: كخوضهم وقال ابن رَوَاحة:

فَثَبَّتَ اللهُ ما آتاكَ مِنْ حَسَنٍ … في المرسلين ونصرًا كالذي نُصِرُوا (٣)

وقال آخرون: الذي هاهنا بمعنى "الذين".

قال ابن جرير: وقد ذكر عن عبد الله بن مسعود: أنه كان يقرؤها: "تماما على الذين أحسنوا".

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) قال: على المؤمنين والمحسنين، وكذا قال أبو عبيدة. قال البغوي: والمحسنون: الأنبياء والمؤمنون، يعني: أظهرنا فضله عليهم.

قلت: كما قال تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ولا يلزم اصطفاؤه على محمد ﷺ خاتم الأنبياء والخليل، ﵉ لأدلة أخر.

قال ابن جرير: وروى أبو عمرو بن العلاء عن يحيى بن يَعْمَر أنه كان يقرؤها. (تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) رفعا، بتأويل: "على الذي هو أحسن"، ثم قال: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، وإن كان لها في العربية وجه صحيح.

وقيل: معناه: تمامًا على إحسان الله إليه زيادة على ما أحسن الله إليه، حكاه ابن جرير، والبَغوي.

ولا منافاة بينه وبين القول الأول، وبه جمع ابن جرير كما بيناه، ولله الحمد.

وقوله: (وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً) فيه مَدْحٌ لكتابه الذي أنزله الله عليه، (لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فيه الدعوة إلى اتباع القرآن ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة.

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من أ.

(٣) البيت في السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٣٧٤).

ج3 · ص370

﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾

قال ابن جرير: معناه: وهذا كتاب أنزلناه لئلا يقولوا: (إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا)

يعني: لينقطع عذرهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا (١) رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ [وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ]﴾ (٢) [القصص: ٤٧].

وقوله: (عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هم اليهود والنصارى وكذا قال مجاهد، والسدي، وقتادة، وغير واحد.

وقوله: (وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) أي: وما كنا نفهم ما يقولون؛ لأنهم ليسوا بلساننا، ونحن مع ذلك في شغل وغفلة عما هم فيه.

وقوله: (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ) أي: وقطعنا تَعَلُّلكم أن تقولوا: لو أنا أنزل علينا ما أنزل عليهم لكنا أهدى منهم فيما أوتوه، كقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ [فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا] (٣) [فاطر: ٤٢]، وهكذا قال هاهنا: (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) يقول: فقد جاءكم من الله على لسان محمد ﷺ النبي العربي قرآن عظيم، فيه بيان للحلال والحرام، وهدى لما في القلوب، ورحمة من الله بعباده الذين يتبعونه ويقتفون ما فيه.

وقوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا) أي: لم ينتفع بما جاء به الرسول، ولا اتبع ما أرسل به، ولا ترك غيره، بل صدف عن اتباع آيات الله، أي: صرف الناس وصدهم عن ذلك قاله السدي.

وعن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: (وَصَدَفَ عَنْهَا) أعرض عنها.

وقول السدي هاهنا فيه قوة؛ لأنه قال: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا) كما تقدم في أول السورة: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الآية: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]، وقال في هذه الآية الكريمة: (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ)

وقد يكون المراد فيما (٤) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا) أي: لا آمن بها ولا عمل بها، كقوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣٢، ٣١]، ونحو ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه، وترك

(١) في أ: "لقالوا"

(٢) زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".

(٣) زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".

(٤) في م: "كما".

ج3 · ص371

العمل بجوارحه، ولكن المعنى الأول أقوى وأظهر، والله [تعالى] (١) أعلم.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾

يقول تعالى متوعدًا للكافرين به، والمخالفين رسله والمكذبين بآياته، والصادين عن سبيله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) وذلك كائن يوم القيامة. (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ]) (٢) الآية، وذلك قبل يوم القيامة كائن من أمارات الساعة وأشراطها كما قال البخاري في تفسير هذه الآية:

حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عمارة، حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا أبو هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مَغْرِبها، فإذا رآها الناس آمن من عليها. فذلك حين (لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)

حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها" ثم قرأ هذه الآية.

هكذا روي هذا الحديث من هذين الوجهين (٣) ومن الوجه الأول أخرجه بقية الجماعة في كتبهم إلا الترمذي، من طرق، عن عمارة بن القَعْقَاع بن شُبْرُمَة، عن أبي زرعة بن (٤) عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، به (٥).

وأما الطريق الثاني: فرواه عن إسحاق، غير منسوب، فقيل: هو ابن منصور الكوسج، وقيل: إسحاق بن نصر (٦) والله أعلم.

وقد رواه مسلم عن محمد بن رافع النيسابوري، كلاهما عن عبد الرزاق، به (٧).

وقد ورد هذا الحديث من طرق أخر عن أبي هريرة، كما انفرد مسلم بروايته من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، به (٨).

وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث إذا خرجن (لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض".

(١) زيادة من م،.

(٢) زيادة من م،.

(٣) صحيح البخاري برقم (٤٦٣٥)، (٤٦٣٦).

(٤) في أ: "عن".

(٥) صحيح مسلم برقم (١٥٧) وسنن أبي داود برقم (٤٣١٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١١٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٦٨).

(٦) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٢٩٧): "جزم خلف بأنه ابن نصر، وأبو مسعود بأنه ابن منصور، وقول خلف أقوى".

(٧) صحيح مسلم برقم (١٥٧).

(٨) صحيح مسلم برقم (١٥٧).