سورة الأنعام

ซูเราะฮ์ที่ 6 · ตอน 3/10 · เล่ม 3 หน้า 267–281

ج3 · ص267

وقوله: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) أي: هو الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء.

(وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) أي: من الملائكة يحفظون بدن الإنسان، كما قال [تعالى] (١) ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، وحفظة يحفظون عمله ويحصونه [عليه] (٢) كما قال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * [كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون] (٣) [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨].

وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) أي: [إذا] (٤) احتضر وحان أجله (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) أي: ملائكة موكلون بذلك.

قال ابن عباس وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة، يخرجون الروح من الجسد، فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] (٥) [إبراهيم: ٢٧]، الأحاديث المتعلقة بذلك، الشاهدة لهذا المروي عن ابن عباس وغيره بالصحة.

وقوله: (وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ) أي: في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله، ﷿، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين، عياذا بالله من ذلك.

وقوله: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ) قال ابن جرير: (ثُمَّ رُدُّوا) يعني: الملائكة (إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ)

ونذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد [عن أبي هريرة في ذكر صعود الملائكة بالروح من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ﷿] (٦) حيث قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يَسَار، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يُعْرَج بها إلى السَّماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبْشري بروح وريحان ورب غير غضبان. فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ﷿. وإذا كان الرجل السوء، قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من م، أ.

(٣) زيادة من م، أ، وفي هـ "الآية".

(٤) زيادة من أ.

(٥) زيادة من أ.

(٦) زيادة من م.

ج3 · ص268

الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لا يفتح لك أبواب السماء. فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول (١)

هذا حديث غريب (٢)

ويحتمل أن يكون المراد بقوله: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ) يعني: الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة، فيحكم فيهم بعدله، كما قال [تعالى] (٣) ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩، ٥٠]، وقال ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧ - ٤٩]؛ ولهذا قال: (مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)

﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾

يقول تعالى ممتنا على عباده في إنجائه المضطرين منهم (مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) أي: الحائرين الواقعين في المهامه البرية، وفي اللجج البحرية إذا هاجت الريح (٤) العاصفة، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ [فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا]﴾ (٥) [الإسراء: ٦٧] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٦) [يونس: ٢٢] وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣].

وقال في هذه الآية الكريمة: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) أي: جهرا وسرا (لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ) أي: من هذه الضائقة (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أي: بعدها، قال الله [تعالى] (٧) (قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ) أي: بعد ذلك (تُشْرِكُونَ) أي: تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى.

(١) في أ: "الثاني".

(٢) المسند (٢/ ٣٦٤، ٣٦٥).

(٣) زيادة من أ.

(٤) في د: "الرياح".

(٥) زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".

(٦) في م، أ: "مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق".

(٧) زيادة من م، أ.

ج3 · ص269

وقوله: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) لما قال: (ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) عقبه بقوله: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا [مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ]) (١) أي: بعد إنجائه إياكم، كما قال في سورة سبحان: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلا * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٦ - ٦٩].

قال ابن أبي حاتم: ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا هارون الأعور، عن جعفر بن سليمان، عن الحسن في قوله: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال: هذه للمشركين.

وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد [في قوله] (٢) (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) لأمة محمد ﷺ، فعفا عنهم.

ونذكر هنا الأحاديث الواردة في ذلك والآثار، وبالله المستعان، وعليه التكلان، وبه الثقة.

قال البخاري، ﵀، في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) يلبسكم: يخلطكم، من الالتباس، يَلْبِسوا: يَخْلطُوا. شيعًا: فرقًا.

حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) قال رسول الله ﷺ: "أعوذ بوجهك". (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال: "أعوذ بوجهك". (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) قال رسول الله ﷺ: "هذه أهون -أو قال: هذا أيسر".

وهكذا رواه أيضا في "كتاب التوحيد" عن قتيبة، عن حماد، به (٣)

ورواه النسائي [أيضا] (٤) في "التفسير"، عن قتيبة، ومحمد بن النضر بن مساور، ويحيى بن حبيب بن عربي (٥) أربعتهم، عن حماد بن زيد، به.

وقد رواه الحميدي في مسنده، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمع جابرًا عن النبي ﷺ، به.

ورواه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى الموصلي، عن أبي خيثمة، عن سفيان بن عيينة، به.

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من أ.

(٣) صحيح البخاري برقمي (٤٦٢٨)، (٧٤٠٦)

(٤) زيادة من أ.

(٥) في أ: "عدي".

ج3 · ص270

ورواه ابن جرير في تفسيره عن أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع، وسفيان بن وَكِيع، كلهم عن سفيان بن عيينة، به.

ورواه أبو بكر بن مَرْدُوَيه، من حديث آدم بن أبي إياس، ويحيى بن عبد الحميد، وعاصم بن علي، عن سفيان بن عيينة، به.

ورواه سعيد بن منصور، عن حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، كلاهما عن عمرو بن دينار، به (١)

طريق أخرى: قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا مقدام ابن داود، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا بن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما نزلت: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) قال رسول الله ﷺ: "أعوذ بالله من ذلك" (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال رسول الله ﷺ: "أعوذ بالله من ذلك" (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا) قال: "هذا أيسر"، ولو استعاذه لأعاذه (٢)

ويتعلق بهذه الآية [الكريمة] (٣) أحاديث كثيرة:

أحدها: قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو اليمان، حدثنا أبو بكر -هو ابن أبي مريم -عن راشد -هو ابن سعد المقرئي -عن سعد بن أبي وقاص [﵁] (٤) قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) فقال: "أما إنها كائنة، ولم يأت تأويلها بعد".

وأخرجه الترمذي، عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن أبي مريم، به (٥) ثم قال: هذا حديث غريب. [جدا] (٦)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى -هو ابن عبيد -حدثنا عثمان بن حكيم، عن عامر ابن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ، حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين، فصلينا معه، فناجى ربه، ﷿، طويلا قال (٧) سألت ربي ثلاثا "سألته ألا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها وسألته ألا يهلك أمتي بالسنة، فأعطانيها. وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها".

انفرد بإخراجه مسلم، فرواه (٨) في "كتاب الفتن" عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله ابن نمير، كلاهما عن عبد الله بن نمير -وعن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن مروان بن معاوية،

(١) النسائي في السنن الكبرى برقم (١١١٦٤) ومسند الحميدي (٢/ ٥٣٠) ومسند أبي يعلى (٣/ ٣٦٢) وتفسير الطبري (١١/ ٤٢٢)

(٢) وفي إسناده عبد الله بن لهيعة وقد اختلط.

(٣) زيادة من أ.

(٤) زيادة من أ.

(٥) المسند (١/ ١٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٦٦).

(٦) زيادة من أ.

(٧) في أ: "ثم قال"

(٨) في أ: "ورواه".

ج3 · ص271

كلاهما عن عثمان بن حكيم، به (١)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: قرأت على عبد الرحمن بن مَهْدِيّ، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن جابر بن عتيك؛ أنه قال: "جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية -قرية من قرى الأنصار -فقال لي: هل تدري (٢) أين صلى رسول الله ﷺ في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم. فأشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بِهِنّ فيه؟ فقلت: نعم. فقال: وأخبرني (٣) بهن، فقلت (٤) دعا ألا يُظْهِر عليهم عدوا من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين، فَأُعْطِيْهِمَا، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم، فَمُنِعَهَا. قال: صدقت، فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة" (٥)

ليس هو في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، ولله الحمد والمنة.

حديث آخر: قال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حُنَيف (٦) عن علي بن عبد الرحمن، أخبرني حذيفة بن اليمان قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى حرة بني معاوية، قال: فصلى ثماني ركعات، فأطال فيهن، ثم التفت إليّ فقال: حبستك؟ قلت (٧) الله ورسوله أعلم. قال: "إني سألت الله ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألته ألا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم، فأعطاني (٨) وسألته ألا يهلكهم بغرق، فأعطاني. وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعني".

رواه ابن مَرْدُوَيه من حديث ابن إسحاق (٩)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبيدة بن حميد، حدثني سليمان الأعمش، عن رجاء الأنصاري، عن عبد الله بن شداد، عن معاذ بن جبل، ﵁، قال: أتيت رسول الله ﷺ أطلبه فقيل لي: خرج قَبْلُ. قال: فجعلت لا أمر بأحد إلا قال: مر قبل. حتى مررت فوجدته قائما يصلي. قال: فجئت حتى قمت خلفه، قال: فأطال الصلاة، فلما قضى صلاته (١٠) قلت: يا رسول الله، لقد صليت صلاة طويلة؟ فقال رسول الله ﷺ: "إني صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله، ﷿، ثلاثا فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة. سألته ألا يهلك أمتي غرقا، فأعطاني (١١) وسألته ألا يُظْهِر عليهم عدوا ليس منهم، فأعطانيها. وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم، فردها علي".

ورواه ابن ماجه في "الفتن" عن محمد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن محمد، كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش، به (١٢)

(١) المسند (١/ ١٧٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٩٠).

(٢) في أ: "ترى".

(٣) في م، أ: "قال: فأخبرني".

(٤) في م: "فقال".

(٥) المسند (٥/ ٤٤٥) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٢١): "رجاله ثقات".

(٦) في أ: "عن خصيف".

(٧) في أ: "حسبك يا حذيفة فقلت".

(٨) في أ: "فأعطانيها".

(٩) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٣١٨) من طريق عبد الله بن نمير عن محمد بن إسحاق به.

(١٠) في جـ: "الصلاة".

(١١) في أ: "فأعطانيها".

(١٢) المسند (٥/ ٢٤٠) وسنن ابن ماجه برقم (٣٩٥١).

ج3 · ص272

ورواه ابن مَرْدُوَيه من حديث أبي عَوَانة، عن عبد الله (١) بن عُمَيْر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ، بمثله أو نحوه.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وَهْب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بُكَيْر (٢) بن الأشج، أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدثه، عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في سفر صلى سُبْحَة الضحى ثماني ركعات. فلما انصرف قال: "إني صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته ألا يبتلي أمتي بالسنين، ففعل. وسألته ألا يظهر عليهم عدوهم، ففعل. وسألته ألا يَلْبِسَهُم شيعًا، فأبى عليّ".

رواه النسائي في الصلاة، عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، به. (٣)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، قال: قال الزهري: حدثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن خباب، عن أبيه خباب بن الأرت -مولى بني زهرة، وكان قد شهد بدرا مع رسول الله ﷺ -أنه قال: راقبت (٤) رسول الله ﷺ في ليلة صلاها كلها، حتى كان مع الفجر فسلم رسول الله ﷺ من صلاته، قلت (٥) يا رسول الله، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها. فقال رسول الله ﷺ: "أجل، إنها صلاة رَغَب ورَهَب. سألت ربي، ﷿، فيها ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت ربي، ﷿، ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا، فأعطانيها. وسألت ربي، ﷿، ألا يظهر علينا عدوا من غيرنا، فأعطانيها. وسألت ربي، ﷿، ألا يلبسنا شيعًا، فمنعنيها".

ورواه النسائي من حديث شعيب بن أبي حمزة، به (٦) ومن وجه آخر. وابن حبان في صحيحه، بإسناديهما عن صالح بن كيسان -والترمذي في "الفتن" من حديث النعمان بن راشد -كلاهما عن الزهري، به (٧) وقال: حسن صحيح.

حديث آخر: قال أبو جعفر بن جرير في تفسيره: حدثني زياد بن عبيد الله (٨) المزني، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا أبو مالك، حدثني نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، فقال: "قد كانت صلاة رَغْبَة ورَهْبَة، سألت الله، ﷿، فيها ثلاثا، أعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألت الله ألا يصيبكم بعذاب أصاب به من قبلكم، فأعطانيها. وسألت الله ألا يسلط عليكم عدوا يستبيح بيضتكم، فأعطانيها. وسألته ألا يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها". قال أبو مالك: فقلت له: أبوك سمع هذا من في رسول الله ﷺ؟

(١) في م: "عبد الملك".

(٢) في أ: "بكر".

(٣) المسند (٢/ ١٤٦).

(٤) في م: "وافيت".

(٥) في أ: "فقلت"

(٦) المسند (٥/ ١٠٨) وسنن النسائي (٣/ ٢١٦).

(٧) النسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف (٣/ ١١٥) وصحيح ابن حبان (٩/ ١٨٠) "الإحسان"، وسنن الترمذي برقم (٢١٧٥)

(٨) في أ: "عبد الله".

ج3 · ص273

فقال: نعم، سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها من في رسول الله ﷺ (١)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال: قال مَعْمَر، أخبرني أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرَّحْبي، عن شداد بن أوْس؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زَوَى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن مُلْك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي، ﷿، ألا يهلك أمتي بسنَة بعامة وألا يسلط عليهم عدوّا فيهلكهم بعامة، وألا يلبسهم شيعا، وألا يذيق بعضهم بأس بعض. فقال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد. وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكتهم (٢) بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدوا ممن سواهم فيهلكهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وبعضهم يقتل بعضا، وبعضهم يسبي بعضا". قال: وقال النبي ﷺ "وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي، لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة" (٣)

ليس في شيء من الكتب الستة، وإسناده (٤) جيد قوي، وقد رواه ابن مَرْدُوَيه من حديث حماد ابن زيد، وعباد بن منصور، وقتادة، ثلاثتهم عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثَوْبان، عن رسول الله ﷺ بنحوه (٥) فالله أعلم (٦)

حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه: حدثنا عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي قالا حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه قال -وكان أبوه من أصحاب رسول الله (٧) ﷺ، وكان من أصحاب الشجرة -: كان رسول الله ﷺ إذا صلى والناس حوله، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود. قال: فجلس يوما فأطال الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض: أن اسكتوا، إنه ينزل عليه. فلما فرغ قال له بعض القوم: يا رسول الله، لقد أطلت الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض: إنه ينزل عليك. قال: "لا ولكنها كانت صلاة رَغْبة ورهبة، سألت الله فيها ثلاثا فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة. سألت الله ألا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم، فأعطانيها. ألا يسلط (٨) على أمتي (٩) عدوا يستبيحها، فأعطانيها. وسألته ألا يَلْبسَكم شِيعًا وألا يذيق بعضكم بأس بعض، فمنعنيها"، قال: قلت له: أبوك سمعها من رسول الله صلى الله عليه؟ قال: نعم، سمعته يقول: إنه سمعها من رسول الله ﵌ عدد أصابعي هذه، عشر أصابع (١٠)

(١) تفسير الطبري (١١/ ٤٣٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٩٢) والبزار في مسنده برقم (٣٢٨٩) "كشف الأستار" من طريق مروان بن معاوية به.

(٢) في م، أ: "يهلكهم".

(٣) المسند (٤/ ١٢٣) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٢١): "رجال أحمد رجال الصحيح"

(٤) في أ: "وإسناد".

(٥) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٨٩) من طريق حماد بن زيد به ورواه من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أبي قلابة به ولم يذكر أيوب.

(٦) في أ: "والله أعلم".

(٧) في م، أ: "النبي".

(٨) في م، أ: "فأعطانيها، وسألته ألا يسلط".

(٩) في م: "عامتكم".

(١٠) ورواه البزار في مسنده برقم (٣٢٨٩) "كشف الأستار" والطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٩٢) من طريق أبي مالك الأشجعي عن نافع عن أبيه به.

ج3 · ص274

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس -هو ابن محمد المؤدب -حدثنا ليث -هو ابن سعد عن أبي وهب الخولاني، عن رجل قد سماه، عن أبي بَصْرَة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ، أن رسول الله ﷺ قال: "سألت ربي، ﷿، أربعًا فأعطاني ثلاثًا، ومنعني واحدة. سألت الله ألا يجمع أمتي على ضلالة، فأعطانيها. وسألت الله ألا يظهر عليهم عدوا من غيرهم، فأعطانيها. وسألت الله ألا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم، فأعطانيها. وسألت الله، ﷿، ألا يلبسهم شيعا وألا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعنيها" (١)

لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.

حديث آخر: قال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا أبو حذيفة الثعلبي، عن زياد بن عِلاقة، عن جابر بن سَمُرَة السَّوَائي، عن علي [﵁] (٢)؛ أن رسول الله ﷺ قال: "سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، فقلت: يا رب، لا تهلك أمتي جوعا فقال: هذه لك. قلت: يا رب، لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم -يعني أهل الشرك -فيجتاحهم. قال ذلك لك (٣) قلت: يا رب، لا تجعل بأسهم بينهم". قال: "فمنعني هذه" (٤)

حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا أبو الدرداء المروزي، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، حدثني أبي، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: "دعوت ربي، ﷿، أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع الله عنهم اثنتين، وأبى عليّ أن يرفع عنهم اثنتين. دعوت ربي أن يرفع الرجم (٥) من السماء، والغرق من الأرض، وألا يلبسهم شيعًا، وألا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع اثنتين: القتل، والهَرج".

طريق أخرى عن ابن عباس أيضا: قال ابن مَرْدُوَيه: حدثني عبد الله بن محمد بن زيد (٦) حدثني الوليد بن أبان، حدثنا جعفر بن منير، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا عمرو بن قيس، عن رجل، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) قال: فقام النبي ﷺ فتوضأ، ثم قال: "اللهم لا ترسل على أمتي عذابًا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم، ولا تلبسهم شيعا، ولا تذق (٧) بعضهم بأس بعض" قال: فأتاه جبريل فقال: يا محمد، إن الله قد أجار أمتك أن يرسل

(١) المسند (٦/ ٣٩٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٢٨٠) من طريق الليث به. تنبيه: وقع في المسند كما هو هنا: "أبو وهب الخولاني" وفي المعجم الكبير للطبراني: "أبو هانئ الخولاني" وهو الصحيح، كما ذكره المزى في تهذيب الكمال (٧/ ٤٠١) وابن عبد البر في الاستغناء (٢/ ٩٧٦).

(٢) زيادة من أ.

(٣) في م: "لك ذلك".

(٤) المعجم الكبير للطبراني (١/ ١٠٧) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٢٢): " فيه أبو حذيفة الثعلبي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".

(٥) في م، أ: "يرفع عنهم الرجم".

(٦) في أ: "يزيد".

(٧) في أ: "لا تذيق" وهو خطأ.

ج3 · ص275

عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم (١)

حديث آخر: قال ابن مَرْدُوَيه: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزار، حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، حدثنا عمرو بن محمد العَنْقَزِي، حدثنا أسباط، عن السُّدِّي، عن أبي المِنْهَال، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "سألت ربي لأمتي أربع خصال، فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة. سألته ألا تكفر أمتي واحدة، فأعطانيها. وسألته ألا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم، فأعطانيها. وسألته ألا يظهر عليهم عدوًا من غيرهم، فأعطانيها. وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها".

ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطَّان، عن عمرو بن محمد العنقزي، به نحوه (٢)

طريق أخرى: وقال ابن مَرْدُوَيه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا زيد بن الحُباب، حدثنا كثير بن زيد الليثي المدني، حدثني الوليد بن رباح مولى آل أبي ذُبَاب، سمع أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ: "سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألته ألا يسلط على أمتي عدوًا من غيرهم (٣) فأعطاني. وسألته ألا يهلكهم بالسنين، فأعطاني. وسألته ألا يلبسهم (٤) شيعا وألا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعني".

ثم رواه ابن مَرْدُوَيه بإسناده عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه. ورواه البزار من طريق عمر (٥) بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه (٦)

أثر آخر: قال سفيان، الثوري عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: أربعة من (٧) هذه الأمة: قد مضت ثنتان، وبقيت ثنتان: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) قال: الرجم. (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال: الخسف. (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) قال سفيان: يعني: الرجم والخسف.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) قال: فهي أربع خلال، منها ثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، أُلبِسوا شيعًا، وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان لا بد منهما واقعتان (٨) الرجم والخسف.

(١) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٣٧٤) من طريق أبي الدرداء المروزي به، وفي إسناده من لم أعرفهم.

(٢) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٣٣٦) "مجمع البحرين" من طريق القطيعي عن عمرو بن محمد العنقزي به. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٢٢): "رجاله ثقات".

(٣) في أ: " من غيرهم فأعطاني".

(٤) في م: "يلبسها".

(٥) في أ: "عمرو".

(٦) مسند البزار برقم (٣٢٩٠) "كشف الأستار".

(٧) في أ: "في".

(٨) في أ: "وقفتان".

ج3 · ص276

ورواه أحمد، عن وَكِيع، عن أبي جعفر. ورواه ابن أبي حاتم.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن، في قوله: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ [عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا]) (١) الآية، قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها، فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها.

وهكذا (٢) قال سعيد بن جُبَيْر، وأبو مالك ومجاهد، والسُّدِّي وابن زيد في قوله: (عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) يعني: الرجم. (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) يعني: الخسف. وهذا هو اختيار ابن جرير.

ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وَهْب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال: كان عبد الله بن مسعود [﵁] (٣) يصيح وهو في المجلس -أو على المنبر -يقول: ألا أيها الناس، إنه قد نزل بكم.

إن الله يقول: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ [أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ]) (٤) لو جاءكم عذاب من السماء، لم يبق منكم أحدا (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) لو خسف (٥) بكم الأرض أهلككم، لم يبق منكم أحدا (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث.

قول ثان: قال ابن جرير وابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، سمعت خلاد بن سليمان يقول: سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول: إن ابن عباس كان يقول في هذه الآية: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) فأما العذاب من فوقكم، فأئمة السوء (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) فخدم السوء.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) يعني: أمراءكم. (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) يعني: عبيدكم وسفلتكم.

وحكى ابن أبي حاتم، عن أبي سنان وعمير بن هانئ، نحو ذلك.

وقال ابن جرير: وهذا القول وإن كان له وجه صحيح، لكن الأول أظهر وأقوى.

وهو كما قال (٦) ابن جرير، ﵀، ويشهد له بالصحة قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ * [وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ]﴾ (٧) [الملك: ١٦ - ١٨]، وفي الحديث: "ليكونن في هذه الأمة قَذْفٌ وخَسْفٌ ومَسْخٌ" (٨) وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها وظهور الآيات

(١) زيادة من م، أ.

(٢) في أ: "وكذا".

(٣) زيادة من أ.

(٤) زيادة من أ.

(٥) في م، أ: "يخسف".

(٦) في أ: "قاله".

(٧) زيادة من م، أ.

(٨) رواه أحمد في مسنده (٢/ ١٦٣) من حديث عبد الله بن عمرو، ﵁.

ج3 · ص277

قبل يوم القيامة، وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى.

وقوله: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا) أي: يجعلكم ملتبسين شيعا فرقا متخالفين. قال الوالبي، عن ابن عباس: يعني: الأهواء وكذا قال مجاهد وغير واحد.

وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه ﷺ أنه قال: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة".

وقوله: (وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) قال ابن عباس وغير واحد: يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل.

وقوله: (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ) أي: نبينها ونوضحها ونُقِرُّهَا (١) (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) أي: يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه.

قال زيد بن أسلم: لما نزلت (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ [أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ]) (٢) الآية، قال رسول الله ﷺ: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رِقاب بعض بالسيوف" (٣). قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله؟ قال: " نعم". فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبدا، أن يقتل بعضنا بعضا ونحن مسلمون، فنزلت: (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)

رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (٤)

﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾

يقول تعالى: (وَكَذَّبَ بِهِ) أي: بالقرآن الذي جئتهم به، والهدى والبيان. (قَوْمُكَ) يعني: قريشا (وَهُوَ الْحَقُّ) أي: الذي ليس وراءه حق (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) أي: لست عليكم بحفيظ، ولست بموكل بكم، كقوله ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] أي: إنما علي البلاغ، وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني، سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفني، فقد شقي في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ)

قال ابن عباس وغير واحد: أي لكل نبأ حقيقة، أي: لكل خبر وقوع، ولو بعد حين، كما قال:

(١) في أ: "ونفسرها".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في أ: بالسيف".

(٤) تفسير الطبري (١١/ ٤٣٠).

ج3 · ص278

﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]، وقال ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨].

وهذا تهديد ووعيد أكيد؛ ولهذا قال بعده: (وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)

ثم قال: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا) أي: بالتكذيب والاستهزاء (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) أي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه (١) من التكذيب، (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ) والمراد بهذا كلّ فرد، فرد من آحاد الأمة، ألا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله ويضعونها على غير مواضعها، فإن جلس أحد معهم ناسيًا (فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى) بعد التذكر (مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)

ولهذا ورد في الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢)

وقال السُّدِّي، عن أبي مالك وسعيد بن جُبَيْر في قوله: (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ) قال: إن نسيت فذكرت، فلا تجلس معهم. وكذا قال مقاتل بن حيان.

وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٤٠] أي: إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم في الذي هم فيه.

﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾

وقوله: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) أي: إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك، فقد برئوا من عهدتهم، وتخلصوا من إثمهم.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السُّدِّي، عن أبي مالك وسعيد بن جُبَيْر، قوله: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم.

وقال آخرون: بل معناه: وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء. وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. قاله مجاهد، والسُّدِّي، وابن جُرَيْج، وغيرهم. وعلى قولهم، يكون قوله: (وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي: ولكن أمرناكم (٣) بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا لهم عما هم فيه؛ لعلهم يتقون ذلك، ولا يعودون إليه.

(١) في أ: "قبله".

(٢) رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٠٤٣) من حديث أيوب بن سويد عن أبي بكر الهذلي عن شهر عن أبي ذر الغفاري، ﵁. وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٣٠): "إسناده ضعيف".

(٣) في أ: "أمرناهم".

ج3 · ص279

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾

يقول تعالى: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) أي: دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم؛ ولهذا قال: (وَذَكِّرْ بِهِ) أي: وذكر الناس بهذا القرآن، وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة.

وقوله: (أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ) أي: لئلا تبسل. قال الضحاك عن ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمة، والحسن، والسُّدِّي: تبسل: تُسْلَم.

وقال الوالبي، عن ابن عباس: تفتضح. وقال قتادة: تُحْبَس. وقال مُرَّة وابن زيد تُؤاخذ. وقال الكلبي: تُجَازَي (١)

وكل هذه العبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها الإسلام للهلكة، والحبس عن الخير، والارتهان عن درك المطلوب، كما قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨، ٣٩].

وقوله: (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ) أي: لا قريب ولا أحد يشفع فيها، كما قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].

وقوله: (وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا) أي: ولو بذلت كلّ مبذول ما قبل منها كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا [وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ] (٢) [آل عمران: ٩١]، وهكذا قال هاهنا: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ)

﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾

قال السُّدِّي: قال المشركون للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، فأنزل الله، ﷿: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا) أي: في الكفر (بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ) فيكون مثلُنا مثل الذي (اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ [حَيْرَانَ]) (٣) يقول: مثلكم، إن كفرتم بعد الإيمان، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل الطريق، فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: "ائتنا فَإنَّا على الطريق"، فأبى أن

(١) في م، أ: "تجزي".

(٢) زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".

(٣) زيادة من أ.

ج3 · ص280

يأتيهم. فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد ﷺ ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام. رواه ابن جرير.

وقال قتادة: (اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ) أضلته في الأرض، يعني: استهوته (١) مثل قوله: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧].

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا) الآية. هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، والدعاة الذين يدعون إلى الله، ﷿، كمثل رجل ضل عن طريق تائها ضالا إذ ناداه مناد: "يا فلان بن فلان، هلم إلى الطريق"، وله أصحاب يدعونه: "يا فلان، هلم إلى الطريق"، فإن اتبع الداعي الأول، انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة (٢) وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى، اهتدى إلى الطريق. وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان، يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت، فيستقبل الهلكة والندامة. وقوله: (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ) هم "الغيلان"، يدعونه باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها وهو يرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في هلكة، وربما أكلته -أو تلقيه في مضلة من الأرض، يهلك فيها عطشا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله، ﷿. رواه ابن جرير.

وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ) قال: رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، وذلك مثل من يضل بعد أن هدي.

وقال العَوْفي، عن ابن عباس، قوله: (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ) هو الذي لا يستجيب لهدى الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وجار (٣) عن الحق وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس، يقول [الله] (٤) (إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) والضلال ما يدعو إليه الجن. رواه ابن جرير، ثم قال: وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال، ويزعمون أنه هدى. قلت: وهذا خلاف ظاهر الآية؛ فإن الله أخبر أن أصحابه يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ضلالا وقد أخبر الله أنه هدى.

وهو كما قال ابن جرير، وكان (٥) سياق الآية يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، وهو منصوب على الحال، أي: في حال حيرته وضلاله وجهله وجه المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى. وتقدير الكلام: فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم، ولو شاء الله لهداه، ولرد به إلى الطريق؛ ولهذا قال: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى)

(١) في م: "استهوته سيرته".

(٢) في م، أ: "في هلكه".

(٣) في أ: "وحاد".

(٤) زيادة من أ.

(٥) في م، أ: "فإن".

ج3 · ص281

كما قال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ (١) [الزمر: ٣٧]، وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧]، وقوله (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: نخلص له العباد (٢) وحده لا شريك له.

(وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ) أي: وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال، (وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أي: يوم القيامة.

(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ) أي: بالعدل، فهو خالقهما ومالكهما، والمدبر لهما ولمن فيهما.

وقوله: (وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ) يعني: يوم القيامة، الذي يقول الله: (كُنْ) فيكون عن أمره كلمح البصر، أو هو أقرب.

(وَيَوْمَ) منصوب إما على العطف على قوله: (وَاتَّقُوهُ) وتقديره: واتقوا يوم يقول كن فيكون، وإما على قوله: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ) أي: وخلق يوم يقول كن فيكون. فذكر بدء الخلق وإعادته، وهذا مناسب. وإما على إضمار فعل تقديره: واذكر يوم يقول كن فيكون.

وقوله: (قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ) جملتان محلهما الجر، على أنهما صفتان لرب العالمين.

وقوله: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) يحتمل أن يكون بدلا من قوله: (وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ) (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) ويحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) كقوله ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وكقوله ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]، وما أشبه ذلك.

واختلف المفسرون في قوله: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) فقال بعضهم: المراد بالصور هاهنا جمع "صورة" أي: يوم ينفخ فيها فتحيا.

قال ابن جرير: كما يقال (٣) سور -لسور البلد (٤) هو جمع سورة. والصحيح أن المراد بالصور: "القَرْن" الذي ينفخ فيه إسرافيل، ﵇، قال ابن جرير: والصواب عندنا ما (٥) تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته، ينتظر متى يُؤمَر فينفخ". (٦)

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان التيمي، عن أسلم العِجْلي، عن بِشْر بن شَغَاف، عن عبد الله بن عمرو قال: قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ

(١) في أ: "من يهده الله فلا مضل له".

(٢) في م، أ: "العبادة".

(٣) في أ: "كما تقول".

(٤) في أ: "المدينة".

(٥) في م، أ: "والصواب من القول في ذلك ما".

(٦) تفسير الطبري (١١/ ٤٦٣).