سورة الأنعام

ซูเราะฮ์ที่ 6 · ตอน 1/10 · เล่ม 3 หน้า 237–251

ج3 · ص237

[بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة وما توفيقي إلا بالله] (١)

تفسير سورة الأنعام

[وهي مكية] (٢)

قال العَوْفيّ وعِكْرمة وعَطاء، عن ابن عباس: أنزلت سورة الأنعام بمكة.

وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجّاج بن مِنْهال، حدثنا (٣) حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح (٤)

وقال سفيان الثوري، عن لَيْث، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد قالت: نزلت سورة الأنعام على النبي ﷺ جملة [واحدة] (٥) وأنا آخذة بزمام ناقة النبي ﷺ، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة (٦)

وقال شريك، عن ليث، عن شهر، عن أسماء قالت: نزلت سورة الأنعام على رسول الله ﷺ وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد نظموا (٧) ما بين السماء والأرض (٨)

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من د، أ.

(٣) في م: "عن".

(٤) المعجم الكبير (١٢/ ٢١٥) ورواه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص ١٢٩) وابن الضريس في فضائل القرآن (ص ١٥٧) من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد به، وفي إسناده علي بن زيد وهو ضعيف.

(٥) زيادة من أ.

(٦) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٧٨) من طريق قبيصة عن سفيان به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٠): " فيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد وثق".

(٧) في أ: "طبقوا".

(٨) قال الفاضل محمد بن رزق طرهوني في كتابه "موسوعة فضائل القرآن" (١/ ٢٥٨): "الحديث في إسناده ثلاثة ضعفاء في الحفظ وهم المذكورون قبل أسماء، وبالإضافة إلى هذا، ففيه علل أخرى: الأولى: لفظة: "في مسير" دخلت على أحدهم من حديث نزول المائدة المروي عند أحمد وغيره من حديث ليث عن شهر عن أسماء حيث قالت: "إنى لآخذة بزمام العضباء، ناقة رسول الله صلى الله علية وسلم، إذ أنزلت عليه المائدة كلها وكادت من ثقلها تدق بعضد الناقة". أخرجه أحمد (٦/ ٤٥٥): حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية يعنى شيبان عن ليث به. الثانية: أن ذكر نزول الأنعام هنا وهم في الأصل من ليث أو شهر، ولا دخل لشريك فيه، فقد رواه أحمد بن منيع. (انظر: "إتحاف المهرة" ٧٤/ب/٤) والطبراني (٢٤/ ١٧٨)، وابن مردويه (انظر: "الدر" ٣/ ٢) وعلقه ابن كثير -والله أعلم- نقلا من تفسيره ٣/ ٢٣٣ من طريق الليث عن شهر عن أسماء قالت: "نزلت سورة الأنعام على النبي ﷺ، جملة وأنا آخذة بزمام ناقة النبي ﷺ إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة". ورواه عن ليث سفيان الثوري وإسحاق بن يوسف. والذي من هذا الطريق هو ذكر نزول المائدة كما تقدم، وإنما دخل الوهم في ذلك على ليث أو شهر، وحديث أسماء فيما بعد الهجرة بالتأكيد والأنعام مكية بلا خلاف، ولولا أن ثقل المائدة ليس فضلا خاصا بها بل هو للقرآن جملة؛ لكنت ذكرت شواهد حديث أسماء في ذلك عند سورة المائدة. الثالثة: وهم شريك في جعل الحديث عن أسماء، وإنما هو من مراسيل شهر أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (٢٦٥/أ/٤) أخبرنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب: "نزلت سورة الأنعام ومعها زجل من الملائكة قد نظموا السماء الدنيا إلى الأرض"، وفيه ليث وشهر وكلاهما ضعيف من قبل حفظه، وأخرجه الفريابي وعبد بن حميد (انظر: "الدر" ٣/ ٣).

ج3 · ص238

وقال السُّدِّي (١) عن مُرَة، عن عبد الله قال: نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفًا من الملائكة.

وروي نحوه من وجه آخر، عن ابن مسعود.

وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، أخبرنا جعفر بن عَوْن، حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي، حدثنا محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر قال: لما نزلت سورة الأنعام سَبّح رسول الله ﷺ، ثم قال: " لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق ". ثم قال: صحيح على شرط مسلم (٢)

وقال أبو بكر بن مَرْدُوَيه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن دُرُسْتُويه الفارسي، حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عمر بن طلحة الرقاشي، عن نافع بن مالك أبي سهيل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: " نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة، سَد ما بين الخَافِقَين لهم زَجَل بالتسبيح والأرض بهم تَرْتَجّ "، ورسول الله [ﷺ] (٣) يقول: " سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم " (٤)

ثم روى ابن مَرْدُوَيه عن الطبراني، عن إبراهيم بن نائلة، عن إسماعيل بن عمرو، عن يوسف بن عطية، عن ابن عَوْن، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله: " نزلت عَلَيّ سورة الأنعام جملة واحدة، وشَيَّعَها سبعون ألفا من الملائكة، لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتحميد " (٥)

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾

يقول الله تعالى مادحًا نفسه الكريمة، وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارًا لعباده،

(١) في أ: "سفيان الثوري".

(٢) المستدرك (٢/ ٣١٤) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٣١) من طريق الحاكم به، وقد تعقب الذهبي الحاكم بقوله: "لا والله لم يدرك جعفر السدي، وأظن هذا موضوعا". قلت: "وهو على شرط مسلم في المعاصرة، فإن وفاة السدي كانت سنة ١٢٧ هـ، وولادة جعفر بن عون سنة ١٠٩ هـ، فاللقاء بينهما محتمل". وقول الذهبي: "أظنه موضوعا". لا وجه له؛ فرجال إسناد الحديث رجال مسلم، فالحمل فيه على من؟!

(٣) زيادة من م، أ.

(٤) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٣٤) والطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣١٧) "مجمع البحرين" من طرق عن أبى بكر أحمد بن محمد بن سالم، وفي إسناده أبو بكر أحمد بن محمد بن سالم لم أعرفه.

(٥) رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣١٦) "مجمع البحرين" ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٤٤) من طريق إبراهيم بن نائلة به. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٠): "فيه يوسف بن عطية الصفار وهو ضعيف".

ج3 · ص239

وجعل (١) الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ "الظلمات" ووحَّد لفظ (٢) "النور"؛ لكونه أشرف، كما قال ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]، وكما قال (٣) في آخر هذه السورة ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].

وقوله: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي: ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا معه شريكًا وعدلا واتخذوا له صاحبةً وولدًا، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.

وقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) يعني: أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا، فانتشروا في المشارق والمغارب.

وقوله: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) يعني: الموت (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني: الآخرة.

وهكذا رُوي عن مجاهد، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطية، والسُّدِّي، ومُقاتِل بن حَيَّان، وغيرهم.

وقول (٤) الحسن -في رواية عنه: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) ما بين أن يموت إلى أن يبعث-هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها، [وانتقالها] (٥) والمصير إلى الدار الآخرة.

وعن ابن عباس ومجاهد: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) يعني: مدة الدنيا (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني: عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ [يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ] (٦) الآية [الأنعام: ٦٠].

وقال عطية، عن ابن عباس (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) يعني: النوم، يقبض فيه الروح، ثم يرجع (٧) إلى صاحبه عند اليقظة (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني: أجل موت الإنسان، وهذا قول غريب.

ومعنى قوله: (عِنْدَهُ) أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وكقوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤].

وقوله: (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) قال السُّدِّي وغيره: يعني تشكون في أمر الساعة.

وقوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) اختلف

(١) في د: "وفي جعله"

(٢) في م: "له".

(٣) في د: "ثم قال".

(٤) في أ: "وقال".

(٥) زيادة من م، أ.

(٦) زيادة من أ.

(٧) في د: "ترجع".

ج3 · ص240

مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد الاتفاق على تخطئة قول الجَهْمِيَّة (١) الأول القائلين بأنه -تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا-في كل مكان؛ حيث حملوا الآية على ذلك، فأصح الأقوال أنه (٢) المدعو الله في السموات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رَغَبًا ورَهَبًا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، أي: هو إله مَنْ في السماء وإله مَنْ في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) خبرًا أو حالا.

والقول الثاني: أن المراد أن الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، من سر وجهر. فيكون قوله: (يَعْلَمُ) متعلقًا بقوله: (فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ) تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون.

والقول الثالث أن قوله (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ) وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: (وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) وهذا (٣) اختيار ابن جرير.

وقوله: (وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) أي: جميع أعمالهم خيرها وشرها.

﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾

يقول تعالى مخبرًا عن المشركين المكذبين المعاندين: إنهم مهما أتتهم (مِنْ آيَةٍ) أي: دلالة ومعجزة وحجة، من الدلالات على وحدانية الرب، ﷿، وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها، فلا ينظرون فيها ولا يبالون بها.

قال الله تعالى: (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) وهذا تهديد لهم ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وليجدُنَّ غبه، وليذوقُنَّ وَباله.

ثم قال تعالى واعظًا ومحذرًا لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة، وأكثر جمعًا، وأكثر أموالا وأولادًا واستغلالا للأرض وعمارة لها، فقال (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) أي: من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه العريض، والسعة والجنود، (وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا)

(١) في د: "اتفاقهم على إنكار قول الجهمية".

(٢) في أ: "أن".

(٣) في م: "وهو".

ج3 · ص241

أي: شيئًا بعد شيء، (وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ) أي: أكثرنا (١) عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض، أي: استدراجًا وإملاء لهم (فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) أي: بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها، (وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث، (وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) أي: جيلا آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم (٢) فهلكوا كهلاكهم. فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم [مثل] (٣) ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه وإحسانه.

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨)﴾

يقول تعالى مخبرًًا عن كفر المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق ومباهتتهم ومنازعتهم فيه: (وَلَوْ نزلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) أي: عاينوه، ورأوا نزوله، وباشروا ذلك (لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن مكابرتهم للمحسوسات: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤، ١٥] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤].

(وَقَالُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) [أي: فيكون معه نذيرا] (٤) قال الله: (وَلَوْ أَنزلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ) أي: لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب، كما قال تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨]، [و] (٥) قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا] (٦) [الفرقان: ٢٢].

﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾

وقوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) أي: ولو أنزلنا مع الرسول البَشَرِيّ ملكًا، أي: لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيًا (٧) لكان على هيئة رجل لتُفْهَم (٨) مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما يلبسون (٩) على أنفسهم في قبول رسالة البشري، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٥]، فمن رحمة الله (١٠) تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق

(١) في د، م، أ: "كثرنا".

(٢) في د، م: "عملهم".

(٣) زيادة من أ.

(٤) زيادة من أ.

(٥) زيادة من أ.

(٦) زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".

(٧) في م: "ملكا"

(٨) في د، م: "ليمكنهم".

(٩) في د، م: "كما هم يلبسون".

(١٠) في أ، م: "فمن رحمته".

ج3 · ص242

رسلا منهم، ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤].

قال الضحاك، عن ابن عباس في [قوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا)] (١) الآية. يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون. وقال الوالبي عنه: ولشبهنا عليهم.

وقوله: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) هذا تسلية لرسوله محمد ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة.

ثم قال: (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) أي: فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله (٢) وعاندوهم، من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا، مع ما ادَّخَر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نَجَّى رسله وعباده المؤمنون.

﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾

يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهن، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة، كما ثبت في الصحيحين، من طريق الأعْمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال النبي (٣) ﷺ "إن الله لما خَلَقَ الخَلْق كتب كتابًا عنده فوق العرش، إن رحمتي تَغْلِبُ غَضَبِي" (٤)

وقوله: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعن عباده لميقات يوم معلوم [وهو يوم القيامة] (٥) الذي لا ريب فيه ولا شك عند عباده

(١) زيادة من أ.

(٢) في م: "رسلهم".

(٣) في أ: "قال رسول الله".

(٤) صحيح البخاري برقم (٧٤٠٤) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٧٥١) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة. بنحوه

(٥) زيادة من أ.

ج3 · ص243

المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون فهم (١) في ريبهم (٢) يترددون.

وقال ابن مَرْدُوَيه عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عُقْبَة، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا مِحْصَن بن عقْبَة اليماني، عن الزبير بن شَبِيب، عن عثمان بن حاضر، عن ابن عباس قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء؟ قال: "والذي نَفْسِي بيَدِه، إن فيه لماءً، إن أولياء الله ليردون حِياضَ الأنبياء، ويَبْعَثُ الله تعالى سبعين ألف مَلَكٍ في أيديهم عِصِيّ من نار، يَذُودون الكفار عن حياض الأنبياء".

هذا حديث غريب (٣) وفي الترمذي: "إن لكل نبي حَوْضًا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وأرجو أن أكون أكثرهم واردة" (٤) (٥)

ولهذا قال: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) [أي يوم القيامة] (٦) (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم.

ثم قال تعالى (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي: كل دابة في السموات والأرض، الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، ولا (٧) إله إلا هو، (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم.

ثم قال لعبده ورسوله محمد ﷺ، الذي بعثه بالتوحيد العظيم والشرع القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى صراطه (٨) المستقيم: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) كَمَا قَالَ ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، والمعنى: لا أتخذ وليًا إلا الله وحده لا شريك له، فإنه فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سَبَق.

(وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٩) [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].

وقرأ بعضهم هاهنا: (وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ) الآية (١٠) أي: لا يأكل.

وفي حديث سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [﵁] (١١) قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ، قال: فانطلقنا معه، فلما طعم النبي ﷺ وغسل يديه قال:

(١) في أ: "فيهم".

(٢) في م: "دينهم".

(٣) في إسناده من لم أجد ترجمته.

(٤) في م، أ: "واردا".

(٥) سنن الترمذي برقم (٢٤٤٣) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، ﵁، مرفوعا. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب". قلت: في إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف.

(٦) زيادة من م، أ.

(٧) في أ: "لا".

(٨) في م، أ: "صراط الله".

(٩) زيادة من م، أ.

(١٠) في د: "الآيتين".

(١١) زيادة من أ.

ج3 · ص244

"الحمد لله الذي يُطعِم ولا يَطْعَم، ومَنَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسَقانا وكلّ بَلاء حَسَن أبلانا، الحمد لله غير مُودّع (١) ولا مكافَأ ولا مكفور ولا مُسْتَغْنًى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضلال، وبَصَّرنا من العَمَى، وفَضَّلنا على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين" (٢)

(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) أي: من هذه الأمة (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) يعني: يوم القيامة.

(مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ) يعني: العذاب (يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ) يعني: فقد ﵀ (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) (٣) كما قال: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، والفوز: هو حصول الربح ونفي الخسارة.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾

يقول تعالى مخبرًا أنه مالك الضر والنفع، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء، لا مُعَقِّب لحكمه، ولا رَادَّ لقضائه: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) كما قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية [فاطر: ٢] وفي الصحيح (٤) أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم لا مانع لِما أَعْطَيْت، ولا معطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدّ" (٥)؛ ولهذا قال تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) أي: هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره (٦)

(وَهُوَ الْحَكِيمُ) أي: في جميع ما يفعله (الْخَبِيرُ) بمواضع الأشياء ومحالها، فلا يعطي إلا لمن يستحق ولا يمنع إلا من يستحق.

﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾

(١) في م، أ: "غير مودع ربى".

(٢) رواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١٠١٣٢) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣٥٢) من طريق سهيل بن أبي صالح به.

(٣) في م، أ، هـ: "وذلك هو الفوز المبين"، وهو خطأ.

(٤) في أ: "الصحيحين".

(٥) رواه البخاري في صحيحه برقم (٨٤٤) ومسلم في صحيحه برقم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة، ﵁.

(٦) في أ: " حكم قهره".

ج3 · ص245

ثم قال: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً) أي: من أعظم الأشياء [شهادة] (١) (قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أي: هو العالم بما جئتكم به، وما أنتم قائلون لي: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) أي: وهو نذير لكل من بلغه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا وكيع وأبو أسامة وأبو خالد، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله: (وَمَنْ بَلَغَ) [قال] (٢) من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي ﷺ -زاد أبو خالد: وكَلّمه.

ورواه ابن جرير من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب قال: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد ﷺ.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) إن رسول الله ﷺ، قال: "بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بَلَغه أمر الله".

وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله ﷺ أن يدعو كالذي دعا رسول الله ﷺ، وأن ينذر كالذي أنذر.

وقوله: (أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ) [أي] (٣) أيها المشركون (أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ) كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، (قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)

ثم قال مخبرًا عن أهل الكتاب: إنهم يعرفون هذا الذي جئتهم (٤) به كما يعرفون أبناءهم، بما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين المتقدمين والأنبياء، فإن الرسل كلهم بَشَّروا بوجود محمد (٥) ﷺ وببعثه (٦) وصفته، وبلده ومُهَاجَرِه، وصفة أمته؛ ولهذا قال بعد هذا: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) أي: خسروا كل الخسارة، (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء، ونوهت به في قديم الزمان وحديثه.

ثم قال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) أي: لا أظلم ممن تَقَوَّل (٧) على الله، فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته، (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) أي: لا يفلح هذا ولا هذا، لا المفتري ولا المكذب.

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من م، أ.

(٣) زيادة من م.

(٤) في أ: "جئتكم".

(٥) في م: "النبي".

(٦) في أ: "وبنعته".

(٧) في م: "يقول".

ج3 · ص246

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾

يقول تعالى مخبرًا عن المشركين: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) يوم القيامة فيسألهم عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها من دونه قائلا [لهم] (١) (أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) كما قال تعالى في سورة القصص: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الآية: ٦٢].

وقوله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ) أي: حجتهم. وقال عطاء الخراساني، عن ابن عباس: أي: معذرتهم. وكذا قال قتادة. وقال ابن جريج، عن ابن عباس: أي قيلهم. وكذا قال الضحاك.

وقال عطاء الخراساني: ثم لم تكن بليتهم حين ابتلوا (إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)

وقال ابن جرير: والصواب ثم لم يكن (٢) قيلهم عند فتنتنا (٣) إياهم (٤) اعتذارا مما سلف منهم من الشرك بالله (إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) (٥)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن مُطَرِّف، عن المنهال، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال يا أبا (٦) عباس. سمعت الله يقول: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) قال: أما قوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، فقالوا: تعالوا فلنجحد، فيجحدون، فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثا، فهل في قلبك الآن شيء؟ إنه ليس من القرآن شيء إلا قد نزل (٧) فيه شيء، ولكن لا تعلمون (٨) وجهه.

وقال الضحاك، عن ابن عباس: هذه في المنافقين.

وفي هذا نظر، فإن هذه الآية مكية، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ [كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ] (٩) [المجادلة: ١٨]، وهكذا قال في حق هؤلاء: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) كَمَا قَالَ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا [بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ] (١٠) [غافر: ٧٣، ٧٤].

(١) زيادة من أ.

(٢) في أ: "تكن".

(٣) في م: "فتنتهما"

(٤) في أ: "لهم".

(٥) تفسير الطبري (١١/ ٣٠٠).

(٦) في م، أ: "يا ابن".

(٧) في أ: "ترك".

(٨) في أ: "لا يعلمون".

(٩) زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".

(١٠) زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".

ج3 · ص247

وقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا) أي: يجيؤوك (١) ليسمعوا قراءتك، ولا تجزي عنهم شيئًا؛ لأن الله جعل (عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) أي: أغطية لئلا يفهموا القرآن (وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) أي: صمما عن السماع النافع، فَهُم كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ] (٢) [البقرة: ١٧١].

وقوله: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا) أي: مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات، لا يؤمنوا بها. فلا فَهْم عندهم ولا إنصاف، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ [وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ] (٣) [الأنفال: ٢٣].

وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ) أي يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) أي: ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم.

وقوله: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) وفي معنى (يَنْهَوْنَ عَنْهُ) قولان: أحدهما: أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق، وتصديق الرسول، والانقياد للقرآن، وينأون عنه أي: [ويبتعدون هم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين لا ينتفعون] (٤) ولا يتركون أحدًا ينتفع [ويتباعدون] (٥) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ) قال: ينهون الناس عن محمد ﷺ أن يؤمنوا به.

وقال محمد بن الحنفية: كان كفار قريش لا يأتون النبي ﷺ، وينهون عنه.

وكذا قال مجاهد وقتادة، والضحاك، وغير واحد. وهذا القول أظهر، والله أعلم، وهو اختيار ابن جرير.

والقول الثاني: رواه سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس يقول في قوله: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ) قال: نزلت في أبي طالب كان ينهى [الناس] (٦) عن النبي ﷺ أن يؤذى (٧)

(١) في أ: "يجيؤون".

(٢) زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".

(٣) زيادة من م، وفي هـ "الآية".

(٤) زيادة من م، أ.

(٥) زيادة من م.

(٦) زيادة من أ.

(٧) رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٣١٣) والحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٥) من طريق سفيان به.

ج3 · ص248

وكذا قال القاسم بن مُخَيْمِرةَ، وحبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن دينار: إنها نزلت في أبي طالب. وقال سعيد بن أبي هلال: نزلت في عمومة النبي، ﷺ، وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر. رواه ابن أبي حاتم.

وقال محمد بن كعب القرظي: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ) أي: ينهون الناس عن قتله.

[و] (١) قوله: (وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) أي: يتباعدون منه (٢) (وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) أي: وما يهلكون بهذا الصنيع، ولا يعود وباله إلا عليهم، وما يشعرون.

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾

يذكر تعالى حال الكفار إذا وقفوا يوم القيامة على النار، وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك قالوا (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا، ليعملوا عملا صالحا، ولا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين.

﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾

قال تعالى: (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) أي: بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها، في الدنيا أو في الآخرة، كما قال قبل هذا بيسير ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾

ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت (٣) به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه، كما قال تعالى مخبرًا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ الآية [الإسراء: ١٠٢]. قال تعالى مخبرًا عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].

ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين الذين كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر، ويكون هذا إخبارا عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه [السورة] (٤) مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١]؛ وعلى هذا فيكون إخبارًا عن حال المنافقين في الدار الآخرة، حين يعاينون العذاب يظهر (٥) لهم حينئذ

(١) زيادة من أ.

(٢) في م: "عنه".

(٣) في أ: "ما جاءهم"

(٤) زيادة من م، أ.

(٥) في أ: "فظهر"

ج3 · ص249

غب ما كانوا يبطنون من الكفر والشقاق والنفاق، والله أعلم.

وأما معنى الإضراب في قوله: (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) فَهُم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة (١) في الإيمان، بل خوفا من العذاب الذي عاينوه جزاء على ما كانوا عليه من الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا ليتخلصوا مما شاهدوا (٢) من النار؛ ولهذا قال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) أي: في تمنيهم الرجعة رغبة ومحبة في الإيمان.

ثم قال مخبرًا عنهم: إنهم لو ردّوا إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه [من الكفر والمخالفة] (٣) (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) أي: في قولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) أي: لعادوا لما نهوا عنه، إنهم لكاذبون ولقالوا: (إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا) أي: ما هي إلا هذه الحياة الدنيا، ثم لا معاد بعدها؛ ولهذا قال: (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)

ثم قال (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ) أي: أوقفوا بين يديه قال: (أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ) أي: أليس هذا المعاد بحق وليس بباطل كما كنتم تظنون؟ (قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) أي: بما (٤) كنتم تكذبون به، فذوقوا اليوم مَسّه (٥) ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥]

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾

يقول تعالى مخبرًا عن خَسَارة من كذب بلقاء الله وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة، وعن ندامته على ما فرط من العمل، وما أسلف من قبيح الفعال (٦) ولهذا قال: (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)

وهذا الضمير يحتمل عَوْدُه على الحياة [الدنيا] (٧) وعلى الأعمال، وعلى الدار الآخرة، أي: في أمرها.

وقوله (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) أي: يحملون. وقال قتادة: يعملون.

[و] (٨) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، عن أبي مرزوق قال: ويُستقبل الكافر -أو: الفاجر - (٩) -عند خروجه من قبره كأقبح صورة رآها وأنتن (١٠) ريحًا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أو ما تعرفني؟ فيقول: لا والله إلا أن الله [قد] (١١) قَبَّحَ

(١) زياد من أ.

(٢) في أ: "شاهدوه".

(٣) زيادة من م، أ.

(٤) في د، م: "كما".

(٥) في أ: "منه".

(٦) في أ: "الفعل".

(٧) زيادة من م.

(٨) زيادة من أ.

(٩) في أ: "والفاجر".

(١٠) في أ: رأينها وأنتنه".

(١١) زيادة من م، أ.

ج3 · ص250

وجهك ونَتَّن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، طالما (١) ركبتني في الدنيا، هلم أركبك، فهو قوله: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ [أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ]) (٢) (٣)

وقال أسباط: عن السُّدِّي أنه قال: ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الرائحة (٤) عليه ثياب دنسة، حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال: ما أقبح وجهك! قال: كذلك كان عملك قبيحًا (٥) قال: ما أنتن (٦) ريحك! قال: كذلك كان عملك منتنًا (٧)! قال: ما أدنس ثيابك، قال: فيقول: إن عملك كان دنسًا. قال له: من أنت؟ قال: أنا عملك! قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)

وقوله: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) أي: إنما غالبها كذلك (وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)

﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾

يقول تعالى مسليا لنبيه ﷺ، في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) أي: قد أحطنا علما بتكذيب قومك لك، وحزنك وتأسفك عليهم، ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨] كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]

وقوله: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) أي: لا يتهمونك بالكذب في

(١) في أ: "فطال ما".

(٢) زيادة من م، أ.

(٣) وهذا مرسل، وأبو مرزوق التجيبي، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به. وقد روى هذا الأثر موقوفا على عمرو بن قيس الملائي دون ذكر أبي مرزوق. ورواه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٢٧) عن ابن حميد، عن الحكم بن بشير، عن عمرو به.

(٤) في أ: "الريح".

(٥) في أ: "قبيح" وهو خطأ.

(٦) في أ: "ما أنت".

(٧) في أ: "منتن".

ج3 · ص251

نفس الأمر (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) أي: ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم، كما قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي [﵁] (١) قال قال: أبو جهل للنبي ﷺ: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (٢)

ورواه الحاكم، من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (٣)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة، حدثنا بِشْر بن المُبَشِّر الواسطي، عن سلام بن مسكين، عن أبي يزيد المدني؛ أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فصافحه، قال له رجل: ألا أراك تصافح هذا الصابئ؟! فقال: والله إني أعلم (٤) إنه لنبي، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا؟! وتلا أبو يزيد: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)

قال أبو صالح وقتادة: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون.

وذكر محمد بن إسحاق، عن الزهري، في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي ﷺ من الليل، هو وأبو سفيان صَخْر بنِ حَرْب، والأخْنَس بن شِريْق، ولا يشعر واحدٌ منهم بالآخر. فاستمعوها إلى الصباح، فلما هَجَم الصبح تَفرَّقوا، فجمعتهم الطريق، فقال كل منهم للآخر: ما جاء بك؟ فذكر له ما جاء له (٥) ثم تعاهدوا ألا يعودوا، لما يخافون من علم شباب قريش بهم، لئلا يفتتنوا (٦) بمجيئهم فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظَنًا أن صاحبيه لا يجيئان، لما تقدم من العهود، فلما أجمعوا (٧) جمعتهم الطريق، فتلاوموا، ثم تعاهدوا ألا يعودوا. فلما كانت الليلة الثالثة جاؤوا أيضا، فلما أصبحوا تعاهدوا ألا يعودوا لمثلها [ثم تفرقوا] (٨)

فلما أصبح الأخنس بن شَرِيق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني (٩) يا أبا حَنْظَلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعتُ أشياء أعرفها وأعرف ما يُراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به.

ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه في بيته فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ تنازعنا (١٠) نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا،

(١) زيادة من أ.

(٢) رواه الترمذي في السنن برقم (٤٠٦٤) من طريق معاوية بن هشام، عن سفيان به، وقال الترمذي: "وهذا أصح" والطبري في تفسيره (١١/ ٣٣٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدى - وتابعه يحيى بن آدم - عن سفيان به مرسلا.

(٣) المستدرك (٢/ ٣١٥) وتعقبه الذهبي بقول: ناجية بن كعب لم يخرجا له شيئا.

(٤) في م، أ "لأعلم".

(٥) في د، أ: "به".

(٦) في د، م: "يفتنوا".

(٧) في د، م: "أصبحوا".

(٨) زيادة من أ.

(٩) في م: "أخبروني".

(١٠) في م، أ: "قال تنازعنا".