سورة الأنعام

ซูเราะฮ์ที่ 6 · ตอน 8/10 · เล่ม 3 หน้า 342–356

ج3 · ص342

دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام (١) لعبيده.

ثم شرع يرجح الوجه الأول، ولا شك أنه أقوى، والله أعلم (٢).

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾

وقال: وقوله: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) أي: ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها، ويثيبه بها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

قلت: ويحتمل أن يعود قوله: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) [أي] (٣) من كافري الجن والإنس، أي: ولكل درجة في النار بحسبه، كقوله [تعالى] (٤) ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ [وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ]﴾ (٥) [الأعراف: ٣٨]، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].

(وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) قال ابن جرير: أي وكل ذلك من عملهم، يا محمد، بعلم من ربك، يحصيها ويثبتها لهم عنده، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه.

﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾

يقول [تعالى] (٦) (وَرَبُّكَ) يا محمد (الْغَنِيُّ) أي: عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، (ذُو الرَّحْمَةِ) أي: وهو مع ذلك رحيم بهم رؤوف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].

(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) أي: إذا خالفتم أمره (وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ) أي: قوما آخرين، أي: يعملون بطاعته (٧)، (كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) أي: هو قادر على ذلك، سهل عليه، يسير لديه، كما أذهب القرون الأوَل وأتى بالذي بعدها (٨) كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٥ - ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].

وقال محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة قال: سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية:

(١) في أ: "ظالم".

(٢) تفسير الطبري (١٢/ ١٢٤).

(٣) زيادة من، م، أ.

(٤) زيادة من أ.

(٥) زيادة من أ.

(٦) زيادة من م، أ.

(٧) في م: "بطاعة الله".

(٨) في أ: "بعده".

ج3 · ص343

(كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) الذرية: الأصل، والذرية: النسل.

وقوله تعالى: (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أي: أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون (١) به من أمر المعاد كائن لا محالة، (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أي: ولا تعجزون الله، بل هو قادر على إعادتكم، وإن صرتم ترابًا رفاتًا وعظامًا هو قادر لا يعجزه شيء.

وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن حمير، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدُرْي، ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "يا بني آدم، إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى. والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين" (٢).

وقوله تعالى: (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، أي: استمروا على طريقكم (٣) وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقي ومنهجي، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود: ١٢١، ١٢٢].

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (عَلَى مَكَانَتِكُمْ) أي: ناحيتكم.

(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) أي: أتكون لي أو لكم. وقد أنجز موعده له، صلوات الله عليه، فإنه تعالى مكن له في البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته. ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق بعد وفاته في أيام خلفائه، ﵃ أجمعين، كما قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١، ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال تعالى إخبارًا عن رسله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣، ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقد فعل الله [تعالى] (٤) ذلك بهذه الأمة، وله الحمد والمنة أولا وآخرًا، باطنًا وظاهرًا (٥).

(١) في أ: "توعدون".

(٢) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (١٠٥٦٤) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٩١) من طريق محمد بن المصفى، عن محمد بن حمير به، قال أبو نعيم: "غريب من حديث عطاء، وأبي بكر تفرد به محمد بن حمير".

(٣) في د، أ: "طريقتكم".

(٤) زيادة من م، أ.

(٥) في م، أ: "وظاهرا وباطنا ".

ج3 · ص344

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾

هذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين الذين ابتدعوا بدعًا وكفرًا وشركًا، وجعلوا لله جزءًا من خلقه، وهو خالق كل شيء سبحانه وتعالى عما يشركون؛ ولهذا قال تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ) أي: مما خلق وبرأ (مِنَ الْحَرْثِ) أي: من الزروع والثمار (وَالأنْعَامِ نَصِيبًا) أي: جزءا وقسما، (فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا)

وقوله: (فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ) قال علي بن أبي طلحة، والعَوْفي، عن ابن عباس؛ أنه قال في (١) تفسير هذه الآية: إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثًا، أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءًا وللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه. وإن سقط منه شيء فيما سُمّي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن. وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن. فسقى شيئا جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن. وإن سقط شيء من الحرث والثمرة التي جعلوا لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا: هذا فقير. ولم يردوه إلى ما جعلوه لله. وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله. فسقى ما سُمّي للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه لله، فقال الله ﷿ (٢) (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا) الآية.

وهكذا قال مجاهد، وقتادة، والسدي، وغير واحد.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسيره: كل شيء جعلوه لله من ذبْح يذبحونه، لا يأكلونه أبدا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة. وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ: (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) أي: ساء ما يقسمون، فإنهم أخطؤوا أولا في القسمة، فإن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه، وله الملك، وكل شيء له وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته، لا إله غيره، ولا رب سواه. ثم لما قسموا فيما زعموا لم يحفظوا القسمة التي هي فاسدة، بل جاروا فيها، كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥]، وقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢].

﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾

يقول تعالى: وكما زينت الشياطين لهؤلاء المشركين أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام

(١) في م: "لي".

(٢) في أ: "تعالى".

ج3 · ص345

نصيبا، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق، ووأد البنات خشية العار.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم: زينوا لهم قتل أولادهم.

وقال مجاهد: (شُرَكَاؤُهُمْ) شياطينهم، يأمرونهم أن يئدوُا أولادهم خشية العَيْلة. وقال السدي: أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات. وإما (لِيُرْدُوهُمْ) فيهلكوهم، وإما (لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) أي: فيخلطون عليهم دينهم.

ونحو ذلك قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ [أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ]﴾ [النحل: ٥٨، ٥٩]، (١) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨، ٩]. وقد كانوا أيضا يقتلون الأولاد من الإملاق، وهو: الفقر، أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تاني المال (٢) وقد نهاهم [الله] (٣) عن قتل أولادهم لذلك وإنما كان هذا (٤) كله من شرع الشيطان تزيينه لهم ذلك.

قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) أي: كل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته واختياره لذلك كونًا، وله الحكمة التامة في ذلك، فلا (٥) يسأل عما يفعل وهم يُسألون. (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) أي: فدعهم واجتنبهم وما هم فيه، فسيحكم الله بينك وبينهم.

﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: "الحجْرُ": الحرام، مما حرموا الوصيلة، وتحريم ما حرموا.

وكذلك قال مجاهد، والضحاك، والسُّدِّي، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقال قتادة: (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ) الآية: تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم، وتغليظ وتشديد، وكان ذلك من الشياطين، ولم يكن من الله تعالى.

وقال ابن زيد بن أسلم: (حِجْرٌ) إنما احتجزوها لآلهتهم.

وقال السدي: (لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ) يقولون: حرام أن نطعم إلا من شئنا.

وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، وكقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣].

(١) زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".

(٢) في أ: "الحال".

(٣) زيادة من أ.

(٤) في أ: "كذلك وإن كان هذا".

(٥) في أ: "ولا".

ج3 · ص346

وقال السدي: أما (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا) فهي البحيرة والسائبة والحام، وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها قال: إذا أولدوها، ولا إن نحروها.

وقال أبو بكر بن عَيَّاش، عن عاصم بن أبي النَّجُود قال لي أبو وائل: تدري (١) ما في قوله: (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا)؟ قلت: لا. قال: هي البحيرة، كانوا لا يحجون عليها.

وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها [ولا] (٢) في شيء من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا إن حملوا، ولا إن سحبوا (٣) ولا إن عملوا شيئا (٤).

(افْتِرَاءً عَلَيْهِ) أي: على الله، وكذبا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه؛ فإنه لم يأذن لهم في ذلك ولا رَضيه منهم (سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: عليه، ويُسْندون إليه.

﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾

قال أبو إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن أبي الهُذَيل، عن ابن عباس: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا) الآية، قال: اللبن.

وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا) [الآية] (٥): فهو اللبن، كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكرانهم. وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء. وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء. فنهى الله عن ذلك. وكذا قال السُّدِّي.

وقال الشعبي: "البحيرة" لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء، وكذا قال عِكْرِمة، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقال مجاهد في قوله: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) قال: هي السائبة والبحيرة.

وقال أبو العالية، ومجاهد، وقتادة [في قوله] (٦) (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) أي: قولهم الكذب في ذلك، يعني قوله (٧) تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ﴾ الآية [النحل: ١١٦، ١١٧].

إنه (حَكِيمٌ) أي: في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، (عَلِيمٌ) بأعمال عباده من خير وشر، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء.

(١) في أ: "أتدري".

(٢) زيادة من م، أ.

(٣) في م، أ: "حجوا".

(٤) في د: "شيئا نتجوا".

(٥) زيادة من أ.

(٦) زيادة من م، أ.

(٧) في م، أ: "كقوله".

ج3 · ص347

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾

يقول تعالى: قد خسر الذين فعلوا هذه الأفعال (١) في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى شر المنازل بكذبهم على الله وافترائهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩، ٧٠].

وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه في تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا أبو عَوَانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، ﵄ (٢) قال: إذا سَرَّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام، (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)

وهكذا رواه البخاري منفردًا في كتاب "مناقب قريش" من صحيحه، عن أبي النعمان محمد بن الفضل عارم، عن أبي عوَانة -واسمه الوَضَّاح بن عبد الله اليَشْكُرِي -عن أبي بشر -واسمه جعفر بن أبي وَحْشِيَّة بن إياس، به (٣).

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾

يقول تعالى بيانا لأنه الخالق لكل شيء، من الزروع والثمار والأنعام التي تصرف فيها المشركون بآرائهم الفاسدة وقسَّموها وجَزَّءوها، فجعلوا منها حرامًا وحلالا فقال: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ)

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (مَعْرُوشَاتٍ) مسموكات. وفي رواية: "المعروشات": معروشات ما عرش الناس، (وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ) ما خرج في البر والجبال من الثمرات.

وقال عطاء الخراساني، عن ابن عباس: (مَعْرُوشَاتٍ) ما عرش من الكرم (وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ) ما لم يعرش من الكرم. وكذا قال السدي.

(١) في م: "صنعوا هذه الأفاعيل

(٢) في م: "عنه".

(٣) صحيح البخاري برقم (٣٥٢٤).

ج3 · ص348

وقال ابن جُرَيْج: (مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) قال: متشابه في المنظر، وغير متشابه في الطعم.

وقال محمد بن كَعْب: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ) قال: من رطبه وعنَبه.

وقوله (١) تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) قال ابن جرير: قال بعضهم: هي الزكاة المفروضة.

حدثنا عمرو، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) قال: الزكاة المفروضة.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) يعني: الزكاة المفروضة، يوم يُكَال ويعلم كيله. وكذا قال سعيد بن المسيب.

وقال العَوْفي، عن ابن عباس: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده، لم يخرج مما حصد شيئًا فقال الله: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) وذلك أن يعلم ما كيله وحقه، من كل عشرة واحدًا، ما يَلْقُط (٢) الناس من سنبله.

وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في سننه من حديث محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى ابن حبَّان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي ﷺ أمَرَ من كُل جاد عَشْرَة أوسُق من التمر، بقنْو يعلق في المسجد للمساكين (٣) وهذا إسناده جيد قوي.

وقال طاوس، وأبو الشعثاء، وقتادة، والحسن، والضحاك، وابن جُرَيْج: هي الزكاة.

وقال الحسن البصري: هي الصدقة من الحب والثمار، وكذا قال زيد بن أسلم.

وقال آخرون: هو حق آخر سوى الزكاة.

وقال (٤) أشعث، عن محمد بن سِيرين، ونافع، عن ابن عمر في قوله: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) قال: كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة. رواه ابن مردويه. وروى عبد الله بن المبارك وغيره. عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) قال: يعطي من حضره يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة.

وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين، طرحت لهم منه.

وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة (٥) عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) قال: عند الزرع يعطي القبض، وعند الصرام يعطي القبض، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام.

وقال الثوري، عن حماد، عن إبراهيم [النخعي] (٦) قال: يعطي مثل الضغث.

وقال ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) قال: كان هذا قبل الزكاة: للمساكين، القبضة الضغث لعلف دابته.

وفي حديث ابن لَهِيعة، عن دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن سعيد مرفوعًا: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)

(١) في أ: "قال".

(٢) في د: "وما يلفظه".

(٣) المسند (٣/ ٣٥٩) وسنن أبي داود برقم (١٦٦٢).

(٤) في أ: "قال".

(٥) في أ: "قتينة".

(٦) زيادة من أ.

ج3 · ص349

قال: ما سقط من السنبل. رواه ابن مَرْدُويه (١).

وقال آخرون: هذا كله شيء كان واجبًا، ثم نسخه الله بالعشر ونصف العشر. حكاه ابن جرير عن ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم النخعي، والحسن، والسدي، وعطية العَوْفي. واختاره ابن جرير، رحمه (٢) الله.

قلت: وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنه فصل بيانه وبَيَّن مقدار المخرج وكميته. قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم.

وقد ذم الله سبحانه الذين يصومون ولا يتصدقون، كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة "ن": ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي: كالليل المدلهم سوداء محترقة ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: قوة وجلد وهمة ﴿قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ٣٣].

وقوله: (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) قيل: معناه: ولا تسرفوا في الإعطاء، فتعطوا فوق المعروف.

وقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا، ثم تباروا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: (وَلا تُسْرِفُوا)

وقال ابن جُرَيْج (٣) نزلت في ثابت بن قَيْس بن شَمَّاس، جذَّ نخلا. فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته. فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله: (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) رواه ابن جرير، عنه.

وقال ابن جريج، عن عطاء: ينهى عن السرف في كل شيء.

وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف.

وقال السدي في قوله: (وَلا تُسْرِفُوا) قال: لا تعطوا أموالكم، فتقعدوا فقراء.

وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب، في قوله: (وَلا تُسْرِفُوا) قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا.

(١) ورواه النحاس في الناسخ المنسوخ (ص ٤٢٧): حدثنا الحسن بن غليب، حدثنا عمران بن أبي عمران، حدثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم يروى عن أبي الهيثم مناكير.

(٢) في أ: "رحمهم".

(٣) في م: "ابن جرير".

ج3 · ص350

ثم اختار ابن جرير قول عطاء: إنه نَهْيٌ عن الإسراف في كل شيء. ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر -والله أعلم -من سياق الآية حيث قال تعالى: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا [إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ]) (١) أن يكون عائدًا على الأكل، أي: ولا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ]﴾ (٢) [الأعراف: ٣١]، وفي صحيح البخاري تعليقًا: "كلوا واشربوا، والبسوا وتصدقوا، في غير إسراف ولا مخيلة" (٣) وهذا من هذا، والله أعلم.

وقوله: (وَمِنَ الأنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا) أي: وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما هو فرش، قيل: المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل، والفرش الصغار منها. كما قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قوله: (حَمُولَةً) ما حمل عليه من الإبل، (وَفَرْشًا) وقال: الصغار من الإبل.

رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وقال ابن عباس: الحمولة: الكبار، والفرش [هي] (٤) الصغار من الإبل. وكذا قال مجاهد.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَمِنَ الأنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا) فأما الحمولة فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش فالغنم.

واختاره ابن جرير، قال: وأحسبه إنما سمي فرشًا لدنوه من الأرض.

وقال الربيع بن أنس، والحسن، والضحاك، وقتادة: الحمولة: الإبل والبقر، والفرش: الغنم.

وقال السدي: أما الحمولة فالإبل، وأما الفرش فالفُصْلان والعَجَاجيل والغنم، وما حمل عليه فهو حمولة.

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحمولة ما تركبون، والفرش ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل، تأكلون لحمها وتتخذون من صوفها لحافًا وفرشا (٥).

وهذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن يشهد له قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١، ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * [وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ]﴾ (٦) إلى أن قال: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٦٩ - ٨٠]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٧٩ - ٨١].

(١) زيادة من م، أ.

(٢) زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".

(٣) صحيح البخاري (١٠/ ٢٥٢) "فتح"، وقد وصله ابن أبي الدنيا في كتاب االشكر برقم (٥١) فرواه من طريق همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، ﵁.

(٤) زيادة من أ.

(٥) في م، أ: "وفراشا".

(٦) زيادة من أ.

ج3 · ص351

وقوله تعالى: (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) أي: من الثمار والزروع والأنعام، فكلها خلقها الله [تعالى] (١) وجعلها رزقًا لكم، (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) أي: طرائقه وأوامره، كما اتبعها المشركون الذين حرموا ما رزقهم الله، أي: من الثمار والزروع افتراء على الله، (إِنَّهُ لَكُمْ) أي: إن الشيطان -أيها الناس -لكم (عَدُوٌّ مُبِينٌ) أي: بَيِّن ظاهر العداوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ الآية، [الأعراف: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠]. والآيات في هذا كثيرة في القرآن.

﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾

وهذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام فيما كانوا حَرّموا من الأنعام، وجعلوها أجزاءً وأنواعًا: بحيرة، وسائبة، ووصيلة وحامًا، وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام والزروع والثمار، فبين (٢) أنه تعالى أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشا. ثم بين أصناف الأنعام إلى غنم وهو بياض وهو الضأن، وسواد وهو المعز، ذكره وأنثاه، وإلى إبل ذكورها وإناثها، وبقر كذلك. وأنه تعالى لم يحرم شيئًا من ذلك ولا شيئًا من أولاده. بل كلها مخلوقة لبني آدم، أكلا وركوبًا، وحمولة، وحلبا، وغير ذلك من وجوه المنافع، كما قال [تعالى] (٣) ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الآية [الزمر: ٦].

وقوله: (أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ) رَدٌ عليهم في قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾

وقوله: (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: أخبروني عن يقين: كيف حرم الله عليكم (٤) ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك؟

وقال العَوْفي عن ابن عباس قوله: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) فهذه أربعة أزواج، (وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنْثَيَيْنِ) يقول: لم أحرم شيئًا من ذلك ([أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ])

(١) زيادة من م، أ.

(٢) في أ: "وبين".

(٣) زيادة من أ.

(٤) في م، أ: "عليهم".

ج3 · ص352

يعني: هل يشمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعضا وتحلون بعضا؟ (١) (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) يقول: كله حلال.

وقوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا) تهكم بهم فيما ابتدعوه وافتروه على الله، من تحريم ما حرموه من ذلك، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي: لا أحد أظلم منه، (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)

وأول من دخل في هذه الآية: عمرو بن لُحَيّ بن قَمَعَة، فإنه أول من غير دين الأنبياء، وأول من سيب السوائب، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، كما ثبت ذلك في الصحيح (٢).

﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾

يقول تعالى آمرًا عبده ورسوله محمدًا، صلوات الله وسلامه عليه: قل لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراء على الله: (لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) أي: آكل يأكله. قيل: معناه: لا أجد شيئًا مما حرمتم حرامًا سوى هذه. وقيل: معناه: لا أجد من الحيوانات شيئًا (٣) حرامًا سوى هذه. فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات بعد هذا في سورة "المائدة"، وفي الأحاديث الواردة، رافعًا لمفهوم هذه الآية.

ومن الناس من يسمي ذلك نسخًا، والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخًا؛ لأنه من باب رفع مباح الأصل، والله أعلم.

قال العَوْفي، عن ابن عباس: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) يعني: المهراق.

قال عِكْرِمة في قوله: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) لولا هذه الآية لتتبع الناس ما في العُرُوق، كما تتبعه اليهود.

وقال حماد، عن عمران بن حُدَير قال: سألت أبا مِجْلَز عن الدم، وما يتلطخ من الذبح من الرأس، وعن القِدْر يُرَى فيها الحمرة، فقال: إنما نهى الله عن الدم المسفوح.

وقال قتادة: حرم من الدماء ما كان مسفوحًا، فأما لحم خالطه دم فلا بأس به.

وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا حجاج بن مِنْهال، حدثنا حماد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة: أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسًا، والحمرة والدم يكونان على (٤) القدر بأسًا، وقرأت هذه الآية. صحيح غريب (٥).

وقال الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن عبد الله: إنهم يزعمون

(١) زيادة من أ.

(٢) سبق ذكر الحديث عند الآية: ١٠٣ من سورة المائدة وتخريجه هناك.

(٣) في م: "شيئا من الحيوانات".

(٤) في م، أ: "يكون في أعلى".

(٥) تفسير الطبري (١٢/ ١٩٤)

ج3 · ص353

أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، فقال: قد كان يقول ذلك "الحَكَمُ بنُ عَمْرو" عن رسول الله ﷺ، ولكن أبى ذلك الحبر -يعني ابن عباس -وقرأ: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) الآية.

وهكذا رواه البخاري عن علي بن المديني، عن سفيان، به. وأخرجه أبو داود من حديث ابن جُرَيْج، عن عمرو بن دينار. ورواه الحاكم في مستدركه مع أنه في صحيح البخاري، كما رأيت (١).

وقال أبو بكر بن مَرْدُوَيه والحاكم في مستدركه: حدثنا محمد بن على بن دُحَيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا أبو نُعَيم الفضل بن دُكَيْن، حدثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه، وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا هذه الآية: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ [إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا]) (٢) إلى آخر الآية.

وهذا لفظ ابن مَرْدُوَيه. ورواه أبو داود منفردًا به، عن محمد بن داود بن صبيح، عن أبي نعيم به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٣).

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عَوَانة، عن سِمَاك بن حرب، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسَوْدَة بنت زَمْعَة، فقالت: يا رسول الله، ماتت فلانة -تعني الشاة -قال: "فلم لا (٤) أخذتم مَسْكها؟ ". قالت: نأخذ مَسْك شاة قد ماتت؟! فقال لها رسول الله ﷺ: "إنما قال الله: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ) وإنكم لا تطعمونه، أن تدبغوه فتنتفعوا به". فأرسلت فسلخت مسكها فدبغته، فاتخذت منه قربة، حتى تخرقت عندها (٥).

ورواه البخاري والنسائي، من حديث الشعبي، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، عن سودة بنت زمعة، بذلك أو نحوه (٦).

وقال سعيد بن منصور: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عيسى بن نُميلَة الفزاري، عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر، فسأله رجل عن أكل القنفذ، فقرأ عليه: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ [إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ]) (٧) الآية، فقال شيخ عنده: سمعت

(١) مسند الحميدي (٢/ ٣٧٩) ورواه البخاري في صحيحه برقم (٥٥٢٩) لكنه من مسند جابر بن زيد ﵁، ورواه أبو داود في السنن برقم (٣٨٠٨) من طريق عمرو بن دينار، عن رجل، عن جابر بن عبد الله، ﵁، ولا عتب على الحاكم، فإنه رواه في مستدركه (٢/ ٣١٧) من طريق عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله من مسنده، ثم إنه حدد مقصوده بقوله: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة"

(٢) زيادة من م.

(٣) المستدرك (٤/ ١١٥) وسنن أبي داود برقم (٣٨٠٠).

(٤) في م: "فلولا".

(٥) المسند (١/ ٣٢٧).

(٦) صحيح البخاري برقم (٦٦٨٦) وسنن النسائي (٧/ ١٧٣).

(٧) زيادة من أ.

ج3 · ص354

أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي ﷺ فقال: "خبيث من الخبائث". فقال ابن عمر: إن كان النبي ﷺ قاله فهو كما قال.

ورواه أبو داود، عن أبي ثور، عن سعيد بن منصور، به (١).

وقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ) أي: فمن اضطر إلى أكل شيء مما حُرّم في هذه الآية الكريمة، وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان، (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: غفور له، رحيم به.

وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية.

والمقصود من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه، من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البَحِيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر [الله] (٢) رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم، وإنما حُرِّم ما ذكر في [هذه] (٣) الآية، من الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به. وما عدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون [أنتم] (٤) أنه حرام، ومن أين حرمتموه ولم يحرمه [الله] (٥)؟ وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم الحمر ولحوم السباع، وكل ذي مخلب من الطير، على المشهور من مذاهب (٦) العلماء.

﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾

قال ابن جرير: يقول تعالى: وحرمنا على اليهود (كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) وهو البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع، كالإبل والنعام (٧) والأوز والبط. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) وهو البعير والنعامة. وكذا قال مجاهد، والسُّدِّي في رواية (٨).

وقال سعيد بن جُبَيْر: هو الذي ليس بمنفرج الأصابع، وفي رواية عنه: كل شيء متفرق الأصابع، ومنه الديك.

وقال قتادة في قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) وكان يقال: البعير والنعامة وأشياء من الطير والحيتان. وفي رواية: البعير والنعامة، وحرم عليهم من الطير: البط وشبهه، وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع.

وقال ابن جُرَيْج: عن مجاهد: (كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) قال: النعامة والبعير، شقا شقا. قلت للقاسم بن أبي بَزَّة وحدثنيه: ما "شقا شقًا"؟ قال: كل ما لا يفرج (٩) من قول البهائم. قال: وما انفرج أكلته

(١) سنن أبي داود برقم (٣٧٩٩).

(٢) زيادة من م.

(٣) زيادة من م، أ.

(٤) زيادة من م، أ.

(٥) زيادة من م، أ.

(٦) في أ: "مذهب".

(٧) في م: "والأنعام".

(٨) في م، أ: "في رواية والسدى".

(٩) في م: "ما لم ينفرج".

ج3 · ص355

اليهود قال: انفرجت قوائم البهائم والعصافير، قال: فيهود تأكلها. قال: ولم تنفرج قائمة البعير، خفه، ولا خف النعامة ولا قائمة الوز، فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعام ولا الوز، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته، ولا تأكل حمار وَحْش.

وقوله: (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا) قال السُّدِّي: [يعني] (١) الثَرْب وشحم الكليتين. وكانت اليهود تقول (٢): إنه حرمه إسرائيل فنحن نحرمه. وكذا قال ابن زيد.

وقال قتادة: الثرب وكل شحم (٣) كان كذلك ليس في عظم.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا) يعني: ما عَلِق بالظهر من الشحوم.

وقال السُّدِّي وأبو صالح: الألية، مما (٤) حملت ظهورهما.

وقوله: (أَوِ الْحَوَايَا) قال الإمام أبو جعفر بن جرير: (الْحَوَايَا) جمع، واحدها حاوياء، وحاوية وحَوِيَّة وهو ما تَحَوي (٥) من البطن فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن، وهي "المباعر"، وتسمى "المرابض"، وفيها الأمعاء.

قال: ومعنى الكلام: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما، إلا ما حملت ظهورهما، أو ما حملت الحوايا (٦).

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (أَوِ الْحَوَايَا) وهي المبعر.

وقال مجاهد: (الْحَوَايَا) المبعر، والمربض. وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، وأبو مالك، والسُّدِّي.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (الْحَوَايَا) المرابض التي تكون فيها الأمعاء، تكون وسطها، وهي بنات اللبن، وهي في كلام العرب تدعى المرابض.

وقوله تعالى: (أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) أي: وإلا ما اختلط من الشحوم بالعظام فقد أحللناه لهم.

وقال ابن جُرَيْج: شحم الألية اختلط بالعُصْعُص، فهو حلال. وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين وما اختلط بعظم، فهو حلال، ونحوه قال (٧) السُّدِّي.

وقوله تعالى: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ) أي: هذا التضييق إنما فعلناه بهم وألزمناهم (٨) به، مجازاة لهم على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠].

(١) زيادة من م، أ.

(٢) في م، أ: "يقولون".

(٣) في أ: "شيء".

(٤) في د، م: "ما".

(٥) في م: "ما يحوى".

(٦) تفسير الطبري (١٢/ ٢٠٣).

(٧) في أ: "قاله".

(٨) في أ: "وألزمناه".

ج3 · ص356

وقوله: (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) أي: وإنا لعادلون فيما جزيناهم به.

وقال ابن جرير: وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمد من تحريمنا ذلك عليهم، لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه على نفسه، والله أعلم.

وقال عبد الله بن عباس: بلغ عمر بن الخطاب، ﵁، أن سَمُرَة باع خمرًا، فقال: قاتل الله سمرة! ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها".

أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر، به.

وقال الليث: حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: قال عطاء بن أبي رباح: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول عام الفتح: "إن الله ورسوله حَرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام". فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يدهن بها الجلود ويُطلى بها السفن، ويَسْتَصبِح بها الناس. فقال: "لا هو حرام". ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جَمَلوه، ثم باعوه وأكلوا ثمنه".

رواه الجماعة من طرق، عن يزيد بن أبي حبيب، به (١).

وقال الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "قاتل الله اليهود (٢)! حرمت عليهم الشحوم، فباعوها (٣) وأكلوا ثمنه".

ورواه البخاري ومسلم جميعًا، عن عبدان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، به (٤).

وقال ابن مَرْدُوَيه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا وُهَيْب، حدثنا خالد الحَذَّاء، عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ كان قاعدا خلف المقام، فرفع بصره إلى السماء فقال: "لعن الله اليهود -ثلاثًا -إن الله حرم عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا ثمنها، إن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه" (٥).

وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، أنبأنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، أنبأنا ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ قاعدًا في المسجد مستقبلا الحِجْر، فنظر إلى السماء فضحك، ثم

(١) صحيح البخاري برقم (٢٢٣٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٨١). وسنن أبي داود برقم (٣٤٨٦) وسنن الترمذي برقم (١٢٩٧) وسنن النسائي (٧/ ٣٠٩) وسنن ابن ماجة برقم (٢١٦٧).

(٢) في م: "يهود".

(٣) في م، أ: "فباعوه".

(٤) في أ: "رواه".

(٥) صحيح البخاري برقم (٢٢٢٤) وصحيح مسلم برقم (١٥٨٣).