سورة النسَاء
ซูเราะฮ์ที่ 4 · ตอน 9/19 · เล่ม 2 หน้า 325–339
قال مجاهد: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا) يقول: عن صراط الحق، فنردها (١) على أدبارهم، أي: في الضلالة.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس، والحسن نحو هذا.
قال السدي: (فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) فنمنعها عن الحق، قال: نرجعها كفارا ونردهم قردة.
وقال ابن (٢) زيد (٣) نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز.
وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية، قال ابن جرير:
حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة، فخرج إليه عمر فقال: يا كعب، أسلم، قال: ألستم تقرءون في كتابكم (٤) ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ [ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ] (٥) أَسْفَارًا﴾ وأنا قد حملت التوراة. قال: فتركه عمر. ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلا من أهلها حزينا، وهو يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) الآية. قال (٦) كعب: يا رب آمنت، يا رب، أسلمت، مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين (٧).
وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر بلفظ آخر، فقال: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حلبس (٨) عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله ﷺ قال: فبعثه إليه ينظر أهو هو؟ قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن، يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) فبادرت الماء فاغتسلت وإني لأمسح وجهي مخافة أن أطمس، ثم أسلمت (٩).
وقوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ) يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مسخوا قردة وخنازير، وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف.
وقوله: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا) أي: إذا أمر بأمر، فإنه لا يخالف ولا يمانع.
ثم أخبر تعالى: أنه (لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) أي: من الذنوب (لِمَنْ يَشَاءُ) أي: من عباده.
وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر:
الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا صدقة بن موسى، حدثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس (١) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "الدواوين عند الله ثلاثة؛ ديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله. فأما الديوان الذي لا يغفره الله، فالشرك بالله، قال الله ﷿: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها؛ فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا، فظلم العباد بعضهم بعضا؛ القصاص لا محالة".
تفرد به أحمد (٢).
الحديث الثاني: قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن مالك، حدثنا زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النمري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "الظلم ثلاثة، فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله: فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وقال (٣) ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه (٤) فظلم العباد بعضهم بعضا، حتى يدين لبعضهم من بعض" (٥).
الحديث الثالث: قال الإمام أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ثور بن يزيد، عن أبي (٦) عون، عن أبي إدريس قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا".
رواه النسائي، عن محمد بن مثنى، عن صفوان بن عيسى، به (٧).
الحديث الرابع: قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثنا ابن غنم (٨) أن أبا ذر حدثه عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقول: يا عبدي، ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك، يا (٩) عبدي، إنك إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي، لقيتك بقرابها مغفرة".
تفرد به أحمد من هذا الوجه (١٠)
(١) في ر: "أبنوس"، وفي أ: "لينوس".
(٢) المسند (٦/ ٢٤٠).
(٣) في د، أ: "وقال الله".
(٤) في ر: "لا يتركه الله".
(٥) مسند البزار برقم (٣٤٣٩) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٤٨): "رواه البزار عن شيخه أحمد بن مالك القشيري ولم أعرفه، وبقية رجاله قد وثقوا". ورواه الطيالسي في مسنده (٢/ ٦٠) "منحة المعبود" ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٩) حدثنا الربيع عن يزيد عن أنس به. ويزيد هو الرقاشي ضعيف عند الأئمة.
(٦) في د: "ابن".
(٧) المسند (٦/ ٩٩) وسنن النسائي (٧/ ٨١).
(٨) في ر: "تميم".
(٩) في أ: "ويا".
(١٠) المسند (٥/ ١٥٤).
الحديث الخامس: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا حسين، عن ابن بريدة أن يحيى بن يعمر حدثه، أن أبا الأسود الديلي حدثه، أن أبا ذر حدثه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله. ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق". ثلاثا، ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر"! قال: فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: "وإن رغم أنف أبي ذر". وكان أبو ذر يحدث بهذا بعد ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر.
أخرجاه من حديث حسين، به (١).
طريق أخرى عنه: قال [الإمام] (٢) أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في حرة المدينة عشاء، ونحن ننظر إلى أحد، فقال: "يا أبا ذر". فقلت: لبيك يا رسول الله، [قال] (٣) "ما أحب أن لي أحدا ذاك عندي ذهبا أمسي ثالثة وعندي منه دينار، إلا دينارا أرصده -يعني لدين-إلا أن أقول به في عباد الله هكذا". وحثا عن يمينه وبين يديه وعن يساره. قال: ثم مشينا فقال: "يا أبا ذر، إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا". فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره. قال: ثم مشينا فقال: "يا أبا ذر، كما أنت حتى آتيك". قال: فانطلق حتى توارى عني. قال: فسمعت لغطا (٤) فقلت: لعل رسول الله ﷺ عرض له. قال فهممت أن أتبعه، ثم ذكرت قوله: "لا تبرح حتى آتيك" فانتظرته حتى جاء، فذكرت له الذي سمعت، فقال: "ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق".
أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش، (٥) به.
وقد رواه البخاري ومسلم أيضا كلاهما، عن قتيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده، ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد. قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: "من هذا؟ " فقلت: أبو (٦) ذر، جعلني الله فداك. قال: "يا أبا ذر، تعال". قال: فمشيت معه ساعة فقال: "إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه عن يمينه وشماله، وبين يديه وورائه، وعمل فيه خيرا". قال: فمشيت معه ساعة فقال لي: "اجلس هاهنا"، قال: فأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي: "اجلس هاهنا حتى أرجع إليك". قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل، وهو يقول: "وإن سرق وإن زنى". قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبي الله، جعلني الله فداءك، من تكلم
في جانب الحرة؟ ما سمعت أحدا يرجع إليك شيئا. قال: "ذاك جبريل، عرض لي من (١) جانب الحرة فقال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر" (٢).
الحديث السادس: قال عبد بن حميد في مسنده: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر قال: جاء رجل إلى رسول الله (٣) ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان (٤)؟ قال: "من مات لا يشرك بالله شيئا وجبت له الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا وجبت له النار". وذكر تمام الحديث. تفرد به من هذا الوجه (٥).
طريق أخرى: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن عمرو بن خلاد الحراني، حدثنا منصور بن إسماعيل القرشي، حدثنا موسى بن عبيدة، الربذي، أخبر (٦) عبد الله بن عبيدة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من نفس تموت، لا تشرك بالله شيئا، إلا حلت لها المغفرة، إن شاء الله عذبها، وإن شاء غفر لها: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (٧).
ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده، من حديث موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن جابر؛ أن النبي (٨) ﷺ قال: "لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب". قيل: يا نبي الله، وما الحجاب؟ قال: "الإشراك بالله". قال: "ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئا إلا حلت لها المغفرة من الله تعالى، إن يشأ أن يعذبها، وإن يشأ أن يغفر لها غفر لها". ثم قرأ نبي الله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (٩).
الحديث السابع: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة".
تفرد به من هذا الوجه (١٠).
الحديث الثامن: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل، عن عبد الله بن ناشر (١١) من بني سريع قال: سمعت أبا رهم قاصن أهل الشام يقول: سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول: إن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم إليهم، فقال لهم: "إن ربكم، ﷿، خيرني
(١) في أ: "في".
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٤٤٣) وصحيح مسلم برقم (٩٤).
(٣) في ر، أ: "النبي".
(٤) في د، ر: "ما الموجبات".
(٥) المنتخب لعبد بن حميد برقم (١٠٥٨) وفي إسناده ابن أبي ليلي سيئ الحفظ. لكن روي من وجه آخر صحيح عن جابر: فرواه مسلم برقم (٩٣) من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر به.
(٦) في أ: "أخبرني".
(٧) وفي إسناده موسى بن عبيدة ضعفه الأئمة، وروايته عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن جابر مرسلة أيضا.
(٨) في أ: "نبي الله".
(٩) ورواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله برقم (٥٦) وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٣٤) من طريق معتمر بن سليمان عن علي بن صالح عن موسى بن عبيدة به.
(١٠) المسند (٣/ ٧٩).
(١١) في أ: "ياسر".
بين سبعين ألفا يدخلون الجنة عفوا (١) بغير حساب، وبين الخبيئة عنده لأمتي". فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله، أيخبأ ذلك ربك؟ فدخل رسول الله ﷺ ثم خرج وهو يكبر، فقال: "إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفا والخبيئة عنده" قال أبو رهم: يا أبا أيوب، وما تظن خبيئة رسول الله ﷺ؟ فأكله الناس بأفواههم فقالوا: وما أنت وخبيئة رسول الله ﷺ؟ ! فقال أبو أيوب: دعوا الرجل عنكم، أخبركم عن خبيئة رسول الله ﷺ كما أظن، بل كالمستيقن. إن خبيئة رسول الله ﷺ أن يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله مصدقا لسانه قلبه أدخله (٢) الجنة" (٣).
الحديث التاسع: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى بن يونس (ح) وأخبرنا هاشم بن القاسم الحراني -فيما كتب إلي-قال: حدثنا عيسى بن يونس نفسه، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة ابن أخي أبي أيوب، عن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام. قال: "وما دينه؟ " قال: يصلي ويوحد الله تعالى. قال "استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه". فطلب الرجل ذاك منه فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: وجدته شحيحا في (٤) دينه. قال: فنزلت: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (٥).
الحديث العاشر: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك، حدثنا أبي، حدثنا مستور أبو همام الهنائي، حدثنا ثابت عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما تركت حاجة ولا ذا حاجة إلا قد أتيت. قال: "أليس تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ " ثلاث مرات. قال: نعم. قال: "فإن ذلك يأتي على ذلك كله" (٦).
الحديث الحادي عشر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس اليمامي (٧) قال: قال لي أبو هريرة: يا يمامي (٨) لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك. أو لا (٩) يدخلك الجنة أبدا. قلت: يا أبا هريرة (١٠) إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب قال: لا تقلها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كان في بني إسرائيل رجلان كان أحدهما مجتهدا في العبادة، وكان الآخر مسرفا على نفسه، وكانا متآخيين (١١) وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول: يا هذا أقصر. فيقول: خلني وربي! أبعثت علي رقيبا؟ قال: إلى أن رآه يوما على ذنب استعظمه، فقال له: ويحك! أقصر! قال: خلني وربي! أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله
(١) في ر، أ: "غفرا".
(٢) في د، أ: "فأدخله"، وفي ر: "فأدخل".
(٣) المسند (٥/ ٤١٣).
(٤) في ر: "على".
(٥) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٧٧) من طريق عيسى بن يونس عن واصل به. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥): "فيه واصل بن السائب وهو ضعيف".
(٦) مسند أبي يعلى (٦/ ١٥٥) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٣): "رجاله ثقات".
(٧) في د، ر: "الهفائي"، وفي أ: "الهنائي".
(٨) في د، ر، أ: "يا يماني".
(٩) في د، ر، أ: "ولا".
(١٠) في ر: "يا رسول الله".
(١١) في أ: "متحابين".
لا يغفر الله لك -أو لا يدخلك الجنة أبدا-قال: فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما واجتمعا عنده، فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أكنت بي عالما؟ أكنت على ما في يدي قادرا؟ اذهبوا به إلى النار. قال: فوالذي نفس أبي القاسم بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته".
ورواه أبو داود، من حديث عكرمة بن عمار، حدثني ضمضم بن جوش، به (١).
الحديث الثاني عشر: قال الطبراني: حدثنا أبو شيخ عن محمد بن الحسن بن عجلان الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله ﷿: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئا" (٢).
الحديث الثالث عشر: قال الحافظ أبو بكر البزار والحافظ أبو يعلى [الموصلي] (٣) حدثنا هدبة -هو ابن خالد-حدثنا سهل بن أبي حزم، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له، ومن توعده (٤) على عمل عقابا فهو فيه بالخيار". تفردا به (٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا بحر بن نصر الخولاني، حدثنا خالد -يعني ابن عبد الرحمن الخراساني-حدثنا الهيثم بن جمار (٦) عن سلام بن أبي مطيع، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر قال: كنا أصحاب النبي ﷺ لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وقاذف (٧) المحصنات، وشاهد الزور، حتى نزلت هذه الآية: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فأمسك أصحاب النبي ﷺ عن الشهادة.
ورواه ابن جرير من حديث الهيثم بن حماد (٨) به (٩).
وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن المقري (١٠) حدثنا عبد الله بن عاصم، حدثنا صالح -يعني المري أبو بشر-عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب، حتى نزلت علينا هذه الآية: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) قال: فلما سمعناها كففنا عن الشهادة، وأرجينا الأمور إلى الله، ﷿ (١١)
(١) المسند (٢/ ٣٢٣) وسنن أبي داود برقم (٤٩٠١).
(٢) في إسناده إبراهيم بن الحكم بن أبان، ضعفه الأئمة وقال ابن عدي: "كان يوصل المراسيل عن أبيه وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".
(٣) زيادة من أ.
(٤) في ر: "ومن توعد"، وفي أ: "وعده".
(٥) مسند أبي يعلى (٦/ ٦٦) ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٧٣٩) وقال: "لم يروه عن ثابت إلا سهيل تفرد به هدبة". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢١١): "فيه سهيل بن أبي حزم، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(٦) في أ: "حمار".
(٧) في د، ر، أ: "وقذف".
(٨) في ر: "جماز"، وفي أ: "حمار".
(٩) تفسير الطبري (٨/ ٤٥٠) وفي إسناده الهيثم بن جماز ضعفه أحمد وابن معين، والنسائي وغيرهم.
(١٠) في أ: "المقبري"
(١١) في د: "تعالى".
وقال البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا شيبان بن أبي شيبة، حدثنا حرب بن سُرَيج، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر [﵄] (١) قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر، حتى سمعنا نبينا ﷺ يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) وقال: "أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة".
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، أخبرني مجبر، عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] (٢)﴾ [الزمر: ٥٣]، قام رجل فقال: والشرك بالله يا نبي الله؟ فكره ذلك رسول الله ﷺ فقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا)
رواه ابن جرير. وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر (٣).
وهذه الآية التي في سورة "تنزيل" مشروطة بالتوبة، فمن تاب من أي ذنب وإن تكرر منه تاب الله عليه؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] أي: بشرط التوبة، ولو لم يكن كذلك لدخل الشرك فيه، ولا يصح ذلك، لأنه، تعالى، قد حكم هاهنا بأنه لا يغفر الشرك، وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء، أي: وإن لم يتب صاحبه، فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه، والله أعلم.
وقوله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) كقوله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وثبت في الصحيحين، عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك … " وذكر تمام الحديث.
وقال ابن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن، حدثنا سعيد (٤) بن بشير حدثنا قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين؛ أن رسول الله صلى الله ﷺ قال: "أخبركم بأكبر الكبائر: الشرك بالله (٥) ثم قرأ: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) وعقوق الوالدين. ثم قرأ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٦)
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا (٥١)﴾.
قال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية، وهي قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) في اليهود والنصارى، حين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾
وقال ابن زيد: نزلت في قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وفي قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].
وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم، ويزعمون أنهم لا ذنب لهم (١).
وكذا قال عكرمة، وأبو مالك. روى ذلك ابن جرير.
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُم) وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله على محمد [ﷺ] (٢) (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا) (٣) رواه ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا ابن حمير، عن ابن لهيعة، عن بشر بن أبي عمرو (٤) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب. وكذبوا. قال (٥) الله [تعالى] (٦) "إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له" وأنزل الله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ)
ثم قال: وروى عن مجاهد، وأبي مالك، والسدي، وعكرمة، والضحاك -نحو ذلك.
وقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب، كما ليس لأبنائنا ذنوب. فأنزل الله ذلك فيهم.
وقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية.
وقد جاء في الحديث الصحيح عند (٧) مسلم، عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المداحين التراب (٨).
وفي الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من طريق خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يثني على رجل، فقال: "ويحك. قطعت عنق صاحبك". ثم قال: "إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا ولا يزكي على الله أحدا" (٩).
وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر بن الخطاب: من قال: أنا مؤمن، فهو كافر. ومن قال: هو عالم، فهو جاهل. ومن قال: هو في الجنة، فهو في النار (١٠)
(١) في أ: "لا ذنوب لهم".
(٢) زيادة من أ.
(٣) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(٤) في أ: "عمرة".
(٥) في أ: "فقال".
(٦) زياد من أ.
(٧) في أ: "عن".
(٨) صحيح مسلم برقم (٣٠٠٢)
(٩) صحيح البخاري برقم (٢٦٦٢) وصحيح مسلم برقم (٣٠٠٠).
(١٠) رواه حنبل بن إسحاق عن أحمد به كما في مسند عمر بن الخطاب ﵁ للحافظ ابن كثير (٢/ ٥٧٤).
ورواه ابن مردويه، من طريق موسى بن عبيدة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، عن عمر أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه، فمن قال: إنه مؤمن، فهو كافر، ومن قال: إنه عالم فهو جاهل، ومن قال: إنه في الجنة، فهو في النار (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، أنبأنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن معبد الجهني قال: كان معاوية قلما يحدث عن النبي ﷺ، قال: وكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبي ﷺ، يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح فإنه الذبح" (٢).
وروى ابن ماجه منه: "إياكم والتمادح فإنه الذبح" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن شعبة به (٣).
ومعبد هذا هو ابن عبد الله بن عويم البصري القدري.
وقال ابن جرير: حدثنا يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليغدو بدينه، ثم يرجع وما معه منه شيء، يلقى الرجل ليس يملك له نفعا ولا ضرا فيقول له: والله إنك كيت وكيت (٤) فلعله أن يرجع ولم (٥) يحل من حاجته بشيء وقد أسخط الله. ثم قرأ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) الآية.
وسيأتي الكلام على ذلك مطولا عند قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. ولهذا قال تعالى: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) أي: المرجع في ذلك إلى الله، ﷿ (٦) لأنه عالم بحقائق الأمور وغوامضها.
ثم قال تعالى: (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا) أي: ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقتادة، وغير واحد من السلف: هو ما يكون في شق النواة.
وعن ابن عباس أيضا: هو ما فتلت بين أصابعك. وكلا القولين متقارب.
وقوله: (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) أي: في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] واتكالهم (٧) على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال
(١) ذكره ابن كثير في مسند عمر بن الخطاب (٢/ ٥٧٤) وطلحة لم يدرك عمر فهو منقطع
(٢) المسند (٤/ ٩٣).
(٣) سنن ابن ماجة برقم (٣٧٤٣) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٨١): "هذا إسناد حسن، معبد مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات".
(٤) في ر، أ: "إنك لذيت وذيت".
(٥) في أ: "وما".
(٦) في أ: "تعالى".
(٧) في أ: "تميزهم باتكالهم".
الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئا، في قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ [وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (١)﴾ [البقرة: ١٤١].
ثم قال: (وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا) أي: وكفى بصنعهم (٢) هذا كذبا وافتراء ظاهرا.
وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) أما "الجبت" فقال محمد بن إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر بن الخطاب أنه قال: "الجبت": السحر، و"الطاغوت": الشيطان.
وهكذا روي عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن، والضحاك، والسدي.
وعن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، [وأبي مالك] (٣) وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن، وعطية: "الجبت" الشيطان -زاد ابن عباس: بالحبشية. وعن ابن عباس أيضا: "الجبت": الشرك. وعنه: "الجبت": الأصنام.
وعن الشعبي: "الجبت": الكاهن. وعن ابن عباس: "الجبت": حيي بن أخطب. وعن مجاهد: "الجبت": كعب بن الأشرف.
وقال العلامة أبو نصر بن إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه "الصحاح": "الجبت" كلمة تقع على الصنم والكاهن (٤) والساحر ونحو ذلك، وفي الحديث: "الطيرة والعيافة والطرق من الجبت" قال: وهذا ليس من محض العربية، لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة (٥) من غير حرف ذولقي. (٦)
وهذا الحديث الذي ذكره، رواه الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا، عوف عن حيان أبي العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه -وهو قبيصة بن مخارق-أنه سمع النبي ﷺ قال: "إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت" وقال عوف: "العيافة": زجر الطير، و"الطرق": الخط، يخط في الأرض، و"الجبت" قال الحسن: إنه الشيطان.
وهكذا رواه أبو داود في سننه والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث عوف الأعرابي، به (٧)
وقد تقدم الكلام على "الطاغوت" في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله أنه سئل عن "الطواغيت" فقال: هم كهان تنزل عليهم الشياطين.
وقال مجاهد: "الطاغوت": الشيطان في صورة إنسان، يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم.
وقال الإمام مالك: "الطاغوت": هو كل ما يعبد من دون الله، ﷿.
وقوله: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا) أي: يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم.
وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد. فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج -ومحمد صنبور، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو (١) غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا. فأنزل الله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ [الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا] (^٢».
وقد روي هذا من غير وجه، عن ابن عباس وجماعة من السلف.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية! قال: أنتم خير. قال فنزلت (٣) ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] ونزل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) إلى (نَصِيرًا).
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وأبو عمار، ووحوح (٤) بن عامر، وهوذة بن قيس. فأما وحوح (٥) وأبو عمار وهوذة فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول (٦) فسلوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله ﷿: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ [الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا. أُولَئِك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا] (^٧» إلى قوله ﷿: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾.
وهذا لعن لهم، وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة، لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم، وجاءوا معهم يوم الأحزاب، حتى حفر النبي ﷺ وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾
[الأحزاب: ٢٥].
يقول تعالى: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ)؟ ! وهذا استفهام إنكار، أي: ليس لهم نصيب من الملك (١) ثم وصفهم بالبخل فقال: (فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) أي: لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لما أعطوا أحدا من الناس -ولا سيما محمدا ﷺ-شيئًا، ولا ما يملأ "النقير"، وهو النقطة التي في النواة، في قول ابن عباس والأكثرين.
وهذه الآية كقوله تعالى ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: خوف أن يذهب ما بأيديكم، مع أنه لا يتصور نفاده، وإنما هو من بخلكم وشحكم؛ ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: بخيلا.
ثم قال: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) يعني بذلك: حسدهم النبي ﷺ على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له؛ لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل.
قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن السدي، عن عطاء، عن ابن عباس قوله: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه]) (٢) الآية، قال ابن عباس: نحن الناس دون الناس، قال الله تعالى: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل -الذين هم من ذرية إبراهيم-النبوة، وأنزلنا عليهم الكتب، وحكموا فيهم بالسنن (٣) -وهي الحكمة-وجعلنا فيهم الملوك، ومع هذا (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) أي: بهذا الإيتاء وهذا الإنعام (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) أي: كفر به وأعرض عنه، وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم، أي من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟.
وقال مجاهد: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) أي: بمحمد ﷺ (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) فالكفرة منهم أشد تكذيبا لك، وأبعد عما جئتهم به من الهدى، والحق المبين.
ولهذا قال متوعدا لهم: (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا (٥٧)﴾.
يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا [سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا]) (١) الآية، أي ندخلهم نارا دخولا يحيط بجميع أجرامهم، وأجزائهم. ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم، فقال: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) قال [الأعمش، عن ابن عمر] (٢) إذا أحرقت جلودهم بدلوا جلودًا بيضا أمثال القراطيس. رواه ابن أبي حاتم.
وقال يحيى بن يزيد الحضرمي إنه بلغه في قول الله: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) قال: يجعل (٣) للكافر مائة جلد، بين كل جلدين لون من العذاب. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قوله: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ [بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا]) (٤) الآية. قال: تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة. قال حسين: وزاد فيه فضيل عن هشام عن الحسن: كلما أنضجتهم فأكلت لحومهم قيل لهم: عودوا فعادوا.
وقال أيضا: ذكر عن هشام بن عمار: حدثنا سعيد بن يحيى -يعني سعدان-حدثنا نافع، مولى يوسف السلمي البصري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) فقال عمر: أعدها علي فأعادها، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ.
وقد رواه ابن مردويه، عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن عبدان بن محمد المروزي، عن هشام بن عمار، به. ورواه من وجه آخر بلفظ آخر فقال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمران، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا نافع أبو هرمز، حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: تلا رجل عند عمر هذه الآية: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ [بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ]) (٥) الآية، قال: فقال عمر: أعدها علي -وثم كعب-فقال: يا أمير المؤمنين، أنا عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام، قال: فقال: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله ﷺ صدقناك، وإلا لم ننظر إليها. فقال: إني قرأتها قبل الإسلام: "كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة". فقال عمر: هكذا سمعت من رسول الله ﷺ.
وقال الربيع بن أنس: مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعا، وسنه تسعون ذراعًا، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها.
وقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا، قال (١) الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أبو يحيى الطويل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "يعظم أهل النار في النار، حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد".
تفرد به أحمد من هذا الوجه (٢).
وقيل: المراد بقوله: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ) أي: سرابيلهم. حكاه ابن جرير، وهو ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر.
وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن، التي تجري فيها (٣) الأنهار في جميع فجاجها ومحالها وأرجائها حيث شاءوا وأين أرادوا، وهم خالدون فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا.
وقوله: (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) أي: من الحيض والنفاس والأذى. والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة، كما قال ابن عباس: مطهرة من الأقذار والأذى. وكذا قال عطاء، والحسن، والضحاك، والنخعي، وأبو صالح، وعطية، والسدي.
وقال مجاهد: مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد.
وقال قتادة: مطهرة من الأذى والمآثم ولا حيض ولا كلف.
وقوله: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا) أي: ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا.
قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن -وحدثنا ابن المثنى، حدثنا (٤) ابن (٥) جعفر -قالا حدثنا شعبة قال: سمعت أبا الضحاك يحدث، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، شجرة الخلد" (٦).
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾
يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة، أن رسول الله
ﷺ قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". رواه الإمام أحمد وأهل السنن (١) وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله، ﷿، على عباده، من الصلوات والزكوات، والكفارات والنذور والصيام، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به (٢) بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة (٣) على ذلك. فأمر الله، ﷿، بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء" (٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة -وإن كان قد قتل في سبيل الله-فيقال: أد أمانتك. فيقول وأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم، فيهوي إليها فيحملها على عاتقه. قال: فتنزل عن عاتقه، فيهوي على أثرها أبد الآبدين. قال زاذان: فأتيت البراء فحدثته فقال: صدق أخي: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا).
وقال: سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى عن رجل، عن ابن عباس قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) قال: هي (٥) مبهمة للبر والفاجر. وقال محمد بن الحنفية: هي مسجلة للبر والفاجر. وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة ائتمنت على فرجها.
وقال الربيع بن أنس: هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) قال:
(١) لم أجد من رواه من حديث سمرة ﵁: أ - وإنما رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤١٤) عن رجل عن النبي ﷺ. ب- ورواه الترمذي في سننه برقم (١٢٦٤) وأبو داود في سننه برقم (٣٥٣٥) من طريق طلق بن غنام عن شريك وقيس عن أبي حصين عن أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: "حديث حسن غريب"، وقال أبو حاتم: "حديث منكر لم يرو هذا الحديث غير طلق" العلل (١/ ٣٧٥). جـ- ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٤) والطبراني في المعجم الصغير (١/ ١٧١) من طريق أيوب بن سويد عن ابن شوذب عن أبي التياح، عن أنس ﵁، وأيوب بن سويد ضعيف.، د- ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٥٠) من طريق يحيى بن عثمان، عم عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب عن إسحاق ابن أسيد عن أبي حفص عن مكحول عن أبي أمامة ﵁. قال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٢٨): "فيه يحي بن عثمان بن صالح المصري. قال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه". هـ - ورواه الطبري في تفسيره (٨/ ٤٩٣) من طريق قتادة عن الحسن مرسلا.
(٢) في أ: "فيه"
(٣) في ر: "نبيه".
(٤) مسلم في صحيحه برقم "٢٥٨٢".
(٥) في أ: "فهي".