سورة النسَاء

ซูเราะฮ์ที่ 4 · ตอน 5/19 · เล่ม 2 หน้า 265–279

ج2 · ص265

بينهما لو لم تكن الآية نزلت، لكن لما علموا حكم أحد الحكمين سألوا عن حكم الحال الآخر، فبينه لهم. كما [ثبت] (١) في الصحيحين أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه، فذكرها لهم ثم قال: "والسلام ما قد (٢) علمتم" وفي لفظ: لما أنزل الله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] قالوا: هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ وذكر الحديث، وهكذا هذا السؤال (٣).

الجواب الرابع -عن مفهوم الآية-: جواب أبي ثور، فإن من مذهبه ما هو أغرب من قول داود من وجوه، ذلك أنه يقول (٤) فإذا أحْصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات (٥) المزوجات وهو الرجم، وهو لا يتناصف (٦) فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت، وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين. فأخطأ في فهم الآية وخالف الجمهور في الحكم، بل قد قال أبو عبد الله الشافعي، ﵀: ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا؛ وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ) والمراد بهن الحرائر فقط، من غير تعرض لتزويج غيره، وقوله: (نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه (٧) وهو الجلد لا الرجم، والله أعلم.

ثم قد روى الإمام أحمد [حديثا] (٨) نَصا في رَدِّ مذهب أبي ثور من رواية الحسن بن سعد عن أبيه أن صفية (٩) كانت قد زنت برجل من الحمس، فولدت غلاما، فادعاه الزاني، فاختصما إلى عثمان [بن عفان] (١٠) فرفعهما (١١) إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: أقضي فيهما (١٢) بقضاء رسول الله ﷺ: "الولد للفِرَاش وللعَاهِر الحَجَر" وجلدهما خمسين خمسين (١٣).

وقيل: بل المراد من المفهوم التنبيه بالأعلى على الأدنى، أي: أن الإماء على النصف من (١٤) الحرائر في الحد وإن كن محصنات، وليس عليهن رجم أصلا لا قبل النكاح ولا بعده، وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة. قال (١٥) ذلك صاحب الإفصاح عن الشافعي، فيما رواه ابن عبد الحكم، عنه. وقد ذكره (١٦) البيهقي في كتاب السنن والآثار، وهو بعيد عن لفظ الآية؛ لأنا إنما استفدنا تنصيف (١٧) الحد من الآية لا من سواها، فكيف يفهم منها التنصيف فيما عداها، وقال: بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام، ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه -وهو قول في مذهب الإمام أحمد ﵀-فأما قبل الإحصان فله ذلك، والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة. وهذا أيضا بعيد؛ لأنه (١٨) ليس في لفظ الآية ما يدل عليه.

(١) زيادة من أ.

(٢) في جـ، أ: "كما قد علمتم" وفي ر: "كما علمتم".

(٣) في أ: "سواء".

(٤) في ر: "وذلك أن نقول".

(٥) في جـ، أ: "المحصنات من العذاب أي".

(٦) في جـ، ر، أ: "ينتصف".

(٧) في جـ، ر: "تنصفه" وفي أ: "بنصفه".

(٨) زيادة من أ.

(٩) في جـ، ر، أ: "صبية".

(١٠) زيادة من جـ، أ.

(١١) في ر: "فرفعها".

(١٢) في جـ، ر: "فيها".

(١٣) المسند (١/ ١٠٤).

(١٤) في جـ، أ: "من جلد".

(١٥) في أ: "في الحالين بالنسبة نقل".

(١٦) في ر: "ذكر".

(١٧) في جـ، ر: "بنصف".

(١٨) في ر: "لأن".

ج2 · ص266

ولولا هذه لم ندر ما حكم الإمام (١) في التنصيف، ولوجب دخولهن في عموم الآية في تكميل الحد (٢) مائة أو رجمهن، كما (٣) أثبت في الدليل عليه، وقد تقدم عن علي أنه قال: أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من (٤) أحصن منهم ومن لم يحصن، وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة (٥) وغيرها، لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور: "إذا زَنَتْ أمةُ أحدِكم فتبين زِناهَا فَليجْلِدها (٦) الحدَّ ولا يثرب عَلَيْها".

ملخص الآية: أنها (٧) إذا زنت أقوال: أحدها: أنها (٨) بجلد خمسين قبل الإحصان وبعده، وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال:

[أحدها] (٩) أنها (١٠) تنفى عنه (١١) والثاني: لا تنفى عنه (١٢) مطلقًا. [وهو قول علي وفقهاء المدينة] (١٣) والثالث: أنها تنفى نصف سنة وهو نفي نصف (١٤) الحرة. وهذا الخلاف في مذهب الشافعي، وأما أبو (١٥) حنيفة فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحد، وإنما هو (١٦) رأي الإمام، إن شاء فعله وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء، وعند مالك أن النفي إنما هو على الرجال، وأما (١٧) النساء فلا (١٨)؛ لأن (١٩) ذلك مضاد لصيانتهن، [وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا في النساء نعم حديث عُبَادَة وحديث أبي هريرة] (٢٠) أن رسول الله ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة (٢١) الحد عليه، رواه البخاري، و[كل] (٢٢) ذلك مخصوص بالمعنى، وهو أن المقصود من النفي الصون وذلك مفقود في نفي النساء والله أعلم.

والثاني: أن الأمة إذا زنت تُجلد خمسين بعد الإحصان، وتضرب [قبله] (٢٣) تأديبا غير محدود بعدد محصور، وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير: أنها لا تضرب قبل الإحصان، وإن (٢٤) أراد نفيه فيكون مذهبًا بالتأويل (٢٥) وإلا فهو كالقول الثاني.

القول الآخر: أنها تجلد قبل الإحصان مائة وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود، و[هو] (٢٦) أضعف الأقوال: أنها تجلد قبل الإحصان خمسين وترجم بعده، وهو قول أبي ثور، وهو ضعيف أيضا والله ﷾ أعلم بالصواب.

وقوله: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) أي: إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، وعنت بسبب ذلك [كله، فحينئذ يتزوج الأمة، وإن ترك تزوج الأمة] (٢٧) وجاهد نفسه في الكف عن الزنا، فهو خير له؛ لأنه إذا تزوجها

(١) في جـ، ر، أ: "الإماء".

(٢) في جـ، أ: "الجلد".

(٣) في جـ، أ: "بما".

(٤) في ر: "فمن".

(٥) في أ: "الزوجة".

(٦) في ر: "فليحدها".

(٧) في أ: "فتلخص في الأمة".

(٨) زيادة من جـ، ر، أ.

(٩) زيادة من جـ، ر، أ.

(١٠) في ر: "أنه".

(١١) في جـ، أ: "سنة".

(١٢) في جـ، أ: "لا نفي عليها" وفي ر: "لا تنفى عليها".

(١٣) زيادة من جـ، أ.

(١٤) في جـ: "نصف نفي".

(١٥) في جـ، أ: "وأما مذهب أبي حنيفة".

(١٦) في جـ، ر، أ: "هو إلى".

(١٧) في جـ، أ: "فأما".

(١٨) في جـ، أ: "فلا ينقين".

(١٩) في ر: "فإن".

(٢٠) في جـ: "وما ورد من ألفاظ عامة في نفي الرجال والنساء كحديث أبي هريرة وحديث عبادة".

(٢١) في جـ، ر: "بإقامة".

(٢٢) زيادة من جـ، وفي أ: "فكل".

(٢٣) زيادة من جـ، أ.

(٢٤) في جـ، ر، أ: "فإن".

(٢٥) في جـ، أ: "ثالثا".

(٢٦) زيادة من جـ، ر، أ".

(٢٧) في جـ: "فله حينئذ أن يتزوج بالأمة وإن ترك تزويجها".

ج2 · ص267

جاء أولاده أرقاء لسيدها إلا أن يكون الزوج عربيا فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

ومن هذه الآية الكريمة استدل جمهورُ العلماء في جواز نكاح الإماء، على أنه لا بد من عدم الطَّوْل لنكاح الحرائر ومن خوف العنت؛ لما في نكاحهن من مفْسَدة رق الأولاد، ولما فيهن من الدناءة (١) في العدول عن الحرائر إليهن. وخالف الجمهورَ أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوجا بحرّة جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضا، سواء كان واجدًا الطول لحرة أم (٢) لا وسواء خاف العنت أم (٣) لا وعمدتهم (٤) فيما ذهبوا إليه [عموم] (٥) قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أي: العفائف، وهو يعم الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة، وهذه (٦) أيضا ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور والله أعلم.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾

يخبر تعالى أنه يُريدُ أن يبين لكم -أيها المؤمنون-ما (٧) أحل لكم وحرم عليكم، مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها، (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) يعني: طرائقهم الحميدة واتباع (٨) شرائعه التي يحبها ويرضاها (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) أي من الإثم (٩) والمحارم، (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله.

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾

وقوله: ([وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] (١٠) وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا) أي: يُريد (١١) أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة (أَنْ تَمِيلُوا) يعني: عن الحق إلى الباطل (مَيْلا عَظِيمًا* يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم، ولهذا أباح [نكاح] (١٢) الإماء بشروطه، كما قال مجاهد وغيره: (خُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) فناسبه (١٣) التخفيف؛ لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل [الأحمسي] (١٤) حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه: (خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا) أي: في أمر النساء، وقال وكيع: يذهب عقله عندهن.

وقال موسى الكليم ﵊ (١٥) لنبينا صلوات الله وسلامه (١٦) عليه ليلة الإسراء حِينَ مر عليه راجعا من عند سدْرة المنتهى، فقال له: ماذا فرض عليكم (١٧)؟ فقال: "أمرني بخمسين

(١) في أ: "من الزنا".

(٢) في ر: "أو".

(٣) في ر: "أو".

(٤) في ر: "وعدتهم".

(٥) زيادة من جـ، أ.

(٦) في جـ، أ: "خاصة وهي".

(٧) في جـ، ر، أ: "فيما".

(٨) في ر: "في اتباع".

(٩) في ر، أ: "المأثم".

(١٠) زيادة من ر، أ.

(١١) في ر، أ: "من".

(١٢) زيادة من أ.

(١٣) في أ: "فيناسبه".

(١٤) زيادة من جـ، أ.

(١٥) في جـ، أ: "والتسليم".

(١٦) في أ: "لنبينا محمد ﷺ".

(١٧) في جـ، أ: "عليك ربك".

ج2 · ص268

صلاة في كل يوم وليلة" (١) فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس (٢) قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعا وأبصارا وقلوبا، فرجع فوضع عشرا، ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسًا [قال الله ﷿: "هن خمس وهن خمسون، الحسنة بعشر أمثالها"] (٣) الحديث.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا (٣١)﴾

نهى (٤) ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير:

حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس -في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهما-قال: هو الذي قال الله ﷿: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن داود الأودي عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله [(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)] (٥) قال: إنها [كلمة] (٦) محكمة، ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما أنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف (٧) للناس (٨)! فأنزل الله بعد ذلك: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] الآية، [وكذا قال قتادة بن دعامة] (٩).

وقوله: (إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) (١٠) قرئ: تجارة بالرفع وبالنصب، وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر (١١) المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال. كما قال [الله] (١٢) تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وكقوله ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦].

(١) في ر: "أمرني بخمسين اليوم والليلة" وفي جـ، أ: "أمرني بخمسين صلاة في اليوم والليلة".

(٢) في أ: "الناس من".

(٣) زيادة من جـ، أ.

(٤) في أ: ينهى.

(٥) زيادة من جـ، ر، أ.

(٦) زيادة من أ.

(٧) في أ: "فكف".

(٨) في أ: "فكيف للناس عن ذلك".

(٩) زيادة من أ.

(١٠) في أ: "بينكم".

(١١) في أ: "المتجار".

(١٢) زيادة من أ.

ج2 · ص269

ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي [﵀] (١) على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول؛ لأنه يدل على التراضي نَصا، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا ولا بد، وخالف (٢) الجمهورَ في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا، فصححوا بيع المعاطاة مطلقا، ومنهم من قال: يصح في المحقَّرات، وفيما يعده الناس بيعا، وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم.

قال مجاهد: (إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) بيعا (٣) أو عطاء يعطيه أحد أحدًا. ورواه ابن جرير [ثم] (٤) قال:

وحدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبي، عن القاسم، عن (٥) سليمان الجُعْفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله ﷺ: "البَيْعُ عن تَراض والخِيارُ بعد الصَّفقة ولا يحل لمسلم أن يغش (٦) مسلمًا". هذا حديث مرسل (٧).

ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: "البيعان بالخيار ما لم يَتَفَرقا" وفي لفظ البخاري: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا" (٨).

وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الشافعي، وأحمد [بن حنبل] (٩) وأصحابهما، وجمهورُ السلف والخلف. ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، [كما هو متفق عليه بين العلماء إلى ما هو أزيد من ثلاثة أيام] (١٠) بحسب ما يتبين فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك، ﵀. وصححوا (١١) بيع المعاطاة مطلقا، وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا، وهو اختيار طائفة من الأصحاب.

وقوله: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: بارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) أي: فيما أمركم به، ونهاكم عنه.

قال الإمام أحمد: حدثنا حسن (١٢) بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمْران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن عمرو بن العاص، ﵁، أنه قال لما بعثه النبي ﷺ عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمتُ على رسول الله صلى عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: "يا عمرو صَلَّيت بأصحابك وأنت جُنُبٌ! " قال: قلت يا رسول الله (١٣) إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت (١٤) أن أهلكَ، فذكرت (١٥) قول الله [عز

(١) زيادة من جـ، أ.

(٢) في ر، أ: "وخالفوا".

(٣) في أ: "بيع".

(٤) زيادة من جـ، أ.

(٥) في أ: "بن".

(٦) في ر: "يضر".

(٧) تفسير الطبري (٨/ ٢٢١).

(٨) صحيح البخاري برقم (٢١٠٩) وصحيح مسلم برقم (١٥٣١).

(٩) زيادة من أ.

(١٠) زيادة من جـ، د، أ.

(١١) في ر: "فصححوا".

(١٢) في جـ، أ: "حسين".

(١٣) في أ: "نعم يا رسول الله".

(١٤) في أ: "أن أغتسل".

(١٥) في ر: "ذكرت"، وفي جـ، أ: "وذكرت".

ج2 · ص270

وجل] (١) (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا.

وهكذا رواه أبو داود من حديث يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، به. ورواه أيضا عن محمد بن أبي سلمة، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمر بن الحارث، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عنه، فذكر نحوه. وهذا، والله أعلم، أشبه بالصواب (٢).

وقال أبو بكر بن مَرْدُوَيه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البَلْخِي، حدثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي، حدثنا عُبَيد (٣) عبد الله بن عمر القواريري، حدثنا يوسف بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جُنُب، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، خفْتُ أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا]) (٤) قال: فسكت عنه رسولُ الله ﷺ (٥).

ثم أورد ابن مَرْدُويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ قَتَل نَفْسَه بِحَدِيدَةٍ فحديدته في يَدِهِ، يَجَأ بها بَطْنه يوم القيامة في نار جَهَنَّمَ خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو مُتَرد (٦) في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا".

وهذا الحديث (٧) ثابت في الصحيحين (٨) وكذلك رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه، وعن أبي قِلابة، عن ثابت بن الضحاك، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ قتل نَفْسَه بشيء عُذِّبَ به يوم القيامة". وقد أخرجه الجماعَةُ في كُتُبهم من طريق أبي قلابة (٩) وفي الصحيحين من حديث الحسن، عن (١٠) جُنْدب بن عبد الله البَجَلي قال: قال رسول الله ﷺ: "كان رَجُلٌ ممن (١١) كان قبلكم وكان به جُرْح، فأخذ سكينًا نَحَر بهَا يَدَهُ، فما رَقأ الدَّمُ حتى ماتَ، قال الله ﷿: عَبْدِي بادرنِي بِنَفْسه، حرَّمت (١٢) عليه الْجَنَّة" (١٣).

ولهذا قال الله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا) أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا

(١) زيادة من جـ، ر، أ.

(٢) المسند (٤/ ٢٠٣) وسنن أبي داود برقم (٣٣٤).

(٣) في ر: "عبد".

(٤) زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".

(٥) ورواه الطبراني (١١/ ٢٣٤) من طريق عبيد الله القواريري به، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٦٤): "فيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب".

(٦) في ر: "متردد".

(٧) في ر: "حديث".

(٨) صحيح البخاري برقم (٥٧٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٩).

(٩) صحيح البخاري برقم (٦٠٤٧، ٦١٠٥) وصحيح مسلم برقم (١١٠) وسنن أبي داود برقم (٣٢٥٧) وسنن الترمذي برقم (١٥٤٣) وسنن النسائي (٧/ ٥، ٦) وسنن ابن ماجه برقم (٢٠٩٨) وليس عند الترمذي قوله: "ومن قتل نفسه بشيء" وهو الشاهد هنا.

(١٠) في ر: "ابن".

(١١) في أ: "فيمن".

(١٢) في أ: "فحرمت".

(١٣) صحيح البخاري برقم (١٣٦٤، ٣٤٦٣) وصحيح مسلم برقم (١١٣).

ج2 · ص271

فيه ظالما في تعاطيه، أي: عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا]) (١) وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فَلْيحذَرْ منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد.

وقوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا]) (٢). أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها كفرنا عنكم صغائر الذنوب وأدخلناكم الجنة؛ ولهذا قال: (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا).

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد (٣) بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس (٤) [يرفعه] (٥): " الذي بلغنا عن ربنا، ﷿، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، يقول الله [تعالى] (٦) (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا]) (٧) " (٨).

وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر:

قال الإمام أحمد: حدثنا هُشَيم عن مُغِيرة، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم، عن قَرْثَع الضَّبِّي، عن سلمان الفارسي قال: قال لي النبي ﷺ: "أتدري ما يوم الجمعة؟ " قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم. قال: "لكن أدْرِي ما يَوْمُ الجُمُعَةِ، لا يتطهر الرجل فيُحسِنُ طُهُوره، ثم يأتي الجُمُعة فيُنصِت حتى يقضي الإمام صلاته، إلا كان (٩) كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة، ما اجْتُنبت المقتلة (١٠) وقد رَوَى البخاري من وجه آخر عن سلمان نحوه (١١).

وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى [بن إبراهيم] (١٢) حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المُجْمر، أخبرني صهيب مولى العُتْوارِي، أنه سمع من أبي هريرة وأبي سعيد يقولان: خَطَبَنَا رسول الله ﷺ يوما فقال: "والذي نَفْسي بِيَدِهِ" -ثلاث مرات-ثم أكَبَّ، فأكب كل رجل منا يبكي، لا ندري على ماذا حلف عليه ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر (١٣) فكان أحب إلينا من حُمْر النَّعَم، فقال [ﷺ] (١٤) ما من عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَواتِ الخمسَ، ويَصُومُ رمضانَ، ويُخرِج الزكاة، ويَجْتنبُ الكبائر السَّبعَ، إلا فُتِحتْ له أبوابُ الجَنَّةِ، ثم قيل له: ادْخُل بسَلامٍ".

وهكذا رواه النسائي، والحاكم في مستدركه، من حديث الليث بن سعد، رواه الحاكم أيضا وابن حِبَّان في صحيحه، من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، به. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (١٥).

(١) زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".

(٢) زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".

(٣) في ر: "الخلد"، وفي أ: "الخالد".

(٤) عند البزار، عن أنس قال: "لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا" انظر: المجمع (٧/ ٣).

(٥) زيادة من جـ، ر، أ.

(٦) زيادة من جـ، ر، أ.

(٧) زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".

(٨) مسند البزار برقم (٢٢٠٠) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي: "فيه الجلد بن أيوب وهو ضعيف".

(٩) في ر: "كانت".

(١٠) في جـ: "المقتل".

(١١) المسند (٥/ ٤٣٩) ورواه البخاري برقم (٩١٠) من طريق سعيد المقبري عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان الفارسي بنحوه.

(١٢) زيادة من ر، أ.

(١٣) في أ: "البشرى"

(١٤) زيادة من جـ.

(١٥) تفسير الطبري (٨/ ٢٣٨) وسنن النسائي (٥/ ٨) والمستدرك (١/ ٢٠٠).

ج2 · ص272

تفسير هذه السبع:

وذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال، عن ثَوْر بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "اجْتَنِبُوا السبعَ المُوبِقَاتِ" قيل: يا رسول الله، وما هُنَّ؟ قال: "الشِّركُ بالله، وقَتْلُ النَّفْس التي حَرَّمَ الله إلا بالحق، والسِّحرُ، وأكْلُ الربا، وأكل مال اليتيم، والتَّوَلِّي يوم الزَّحْف، وقَذْفُ المحصنَات المؤمنات الغافلات" (١).

طريق أخرى عنه: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فَهْد بن عَوْف، حدثنا أبو عَوَانة، عن عَمْرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "الكبائر سَبْعٌ، أولها الإشراكُ بالله، ثم قَتْل النَّفْس بغير حقها، وأكْلُ الرِّبَا، وأَكْلُ مال اليتيمِ إلى أن يكبر، والفِرَارُ من (٢) الزَّحْفِ، ورَميُ المحصنات، والانقلاب إلى الأعراب بَعْدَ الهِجْرَةِ" (٣).

فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر لا ينفي ما عداهن، إلا عند من يقول بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند عدم القرينة، ولا سيما عند (٤) قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم، كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع، فمن ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه حيث قال:

حدثنا أحمد بن كامل القاضي، إملاء حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد، حدثنا معاذ بن هانئ، حدثنا حَرْب بن شَدَّاد، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سِنَان، عن عبيد بن عُمَيْر، عن أبيه -يعني عُمَير بن قتادة-﵁ أنه حدثه -وكانت له صحبة-أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: "ألا إن أولياء الله المُصَلُّون من يُقِيم (٥) الصلواتِ الخمسَ التي كُتبت (٦) عليه، ويَصومُ رمضان ويَحتسبُ صومَهُ، يرى أنه عليه حق، ويُعطي زكاةَ ماله يَحْتسِبها، ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها". ثم إن رجلا سأله فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ فقال: "تسع: الشِّركُ بالله، وقَتْلُ نَفْسِ مؤمن بغير حق (٧) وفِرارُ يوم الزّحْفِ، وأكل مال اليتيم، وأكل الرِّبا، وقذفُ المُحصنَة (٨) وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا، ثم قال: لا يموت رجل لا يعمل (٩) هؤلاء الكبائر، ويقيم الصلاة، ويُؤتِي الزكاة، إلا كان مع النبي ﷺ في دار أبوابها مصاريع (١٠) من ذَهَبٍ".

وهكذا رواه الحاكم مطولا وقد أخرجه أبو داود والترمذي (١١) مختصرا من حديث معاذ بن هانئ، به وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطًا ثم قال الحاكم: رجاله كلهم يحتج بهم في الصحيحين إلا عبد الحميد بن سنان (١٢).

(١) صحيح البخاري برقم (٢٧٦٦) وصحيح مسلم برقم (٨٩).

(٢) في أ: "يوم".

(٣) مسند البزار برقم (١٠٩) "كشف الأستار"، وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (١/ ١٠٣): "فيه عمر بن أبي سلمة، ضعفه شعبة وغيره، ووثقة أبو حاتم وابن حبان وغيرهما".

(٤) في ر: "عن".

(٥) في ر، أ: "يقم".

(٦) في أ: "التى كتب".

(٧) في د، أ: "الحق".

(٨) في أ: "المحصنات".

(٩) في جـ: "لم يعمل".

(١٠) في جـ، ر، أ: "مصانعها".

(١١) في ج: "والترمذي والنسائي".

(١٢) المستدرك (١/ ٥٩) وسنن أبي داود برقم (٢٨٧٥) ولم أجده عند الترمذي، ورواه البيهقى في السنن الكبرى من طريق الحاكم (٣/ ٤٠٨) وقال: "سقط من كتابي أو من كتاب شيخى -يعنى الحاكم- السحر". وعبد الحميد بن سنان. قال الذهبي: "عداده في التابعين لا يعرف، وقد وثقه بعضهم. قال البخاري: روى عن عبيد بن عمير في حديثه نظر. قلت: حديثه عن عبيد عن أبيه: الكبائر تسع .. الحديث .. ".

ج2 · ص273

قلت: وهو حجازي لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقد ذكره ابن حِبَّان في كتاب الثقات، وقال البخاري: في حديثه نظر.

وقد رواه ابن جرير، عن سليمان بن ثابت الجحدري، عن سلم (١) بن سلام، عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبيد بن عُمَير، عن أبيه، فذكره. ولم يذكر في الإسناد: عبد الحميد بن سنان، فالله أعلم (٢) (٣).

حديث آخر في معنى ما تقدم: قال ابن مَرْدُويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن الوليد، عن المطلب عن عبد الله بن حنطب عن عبد الله بن عمرو قال: صعد النبي ﷺ المنبر فقال: "لا أقْسِمُ، لا أقْسِمُ". ثم نزل فقال: "أبْشِرُوا، أبْشِرُوا، من صَلَّى الصلوات الخمس، واجْتَنَبَ الكبائر السَّبعَ، نُودِيَ من أبواب الجنة: ادخُل". قال عبد العزيز: لا أعلمه إلا قال: "بسلام". قال المطلب: سمعت من سأل عبد الله بن عَمْرو: أسمعت رسول الله ﷺ يذكرهن؟ قال: نعم: "عقوق الوالدين، وإشْرَاكٌ بالله، وقَتْلُ النفس، وقَذْفُ المُحْصنات، وأكْلُ مالِ اليتيمِ، والفِرارُ من الزَّحفِ، وأكْلُ الرِّبَا" (٤).

حديث آخر في معناه: قال أبو جعفر بن جرير في التفسير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّةَ، أخبرنا زياد بن مِخْرَاق عن طيسلة بن مياس قال: كنت مع النَّجدات، فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر، فلقيت ابن عُمَر فقلت له: إني أصبت ذُنُوبا لا أراها إلا من الكبائر قال: ما هي؟ قلت: أصبت كذا وكذا. قال: ليس من الكبائر. قلت: وأصبت كذا وكذا. قال: ليس من الكبائر قال -بشيء لم يسمه طَيْسَلَة-قال: هي تسع وسأعدهن عليك: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها (٥) والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلما، وإلحاد في المسجد الحرام، والذي يستسحر (٦) وبكاء الوالدين من العقوق. قال زياد: وقال طيسلة لما رأى ابن عمر: فَرَقي. قال: أتخاف النار أن تدخلها؟ قلت: نعم. قال: وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: نعم. قال: أحيّ والداك؟ قلت: عندي أمي. قال: فوالله لئن أنت ألَنْتَ لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات (٧).

طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا سليمان بن ثابت الْجَحْدَرِي الواسطي، حدثنا سلم (٨) بن سلام، حدثنا أيوب بن عتبة، عن طَيْسَلة بن علي النهدي قال: أتيت ابن عمر وهو في ظل أرَاك يوم

(١) في جـ، أ: "سلمة".

(٢) في أ: "والله أعلم".

(٣) تفسير الطبري (٨/ ٢٤١).

(٤) ورواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (٣) "القطعة المفقودة" من طريق عبد العزيز بن محمد عن مسلم بن الوليد عن المطلب به وفي إسناده مسلم بن الوليد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٥٣) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ١٩٧) ولم يذكرا فيه جرحا أو تعديلا.

(٥) في د: "النسمة بغير حلها" رفي جـ: "نسمة بغير حلها"، في ر: "النفس بغير حلها".

(٦) في جـ: "يسحر".

(٧) تفسير الطبري (٨/ ٢٣٩) ورواه البخاري في الأدب المفرد برقم (٨) من طريق زياد بن مخراق به.

(٨) في جـ، ر، أ: "مسلم".

ج2 · ص274

عَرَفة، وهو يصب الماء على رأسه ووجهه قلت (١) أخبرني عن الكبائر؟ قال: هي تسع. قلت: ما هي؟ قال: الإشراك بالله، وقذف المحصنة -قال: قلت: قبل القتل (٢)؟ قال: نعم وَرَغْمَا -وقتل النفس المؤمنة، والفِرارُ من الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الربا، وأكل مال اليتيم، وعُقوق الوالدين المسلمين، وإلْحاد بالبيت الحرام، قبْلَتكم أحياء وأمواتا (٣).

هكذا رواه من هذين الطريقين موقوفا، وقد رواه علي بن الجَعْدِ، عن أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي [النهدي] (٤) قال: أتيت ابن عمر عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وهو تحت ظلِّ أرَاكة، وهو يَصُبُّ الماء على رأسه، فسألته عن الكبائر، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هُنّ سبع". قال: قلت: وما هُنّ؟ قال: "الإشراك بالله، وقذف المحصنة (٥) -قال: قلت: قبل (٦) الدم؟ قال: نعم ورغما -وقتلُ النفس المؤمنة، والفرار من الزَّحفِ، والسِّحرُ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعُقوق الوالدين، وإلحاد (٧) بالبيت الحرامِ قِبْلَتَكُم أحياء وأمواتا".

وكذا رواه الحسن بن موسى الأشيب، عن أيوب بن عتبة اليماني -وفيه ضعف (٨) -والله أعلم.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عَديّ، حدثنا بَقِيَّة، عن بَحير بن سعد (٩) عن خالد بن مَعْدان: أن أبا رُهْم السمعي حدثهم، عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ: "من عَبَدَ الله لا يُشرِكُ به شيئا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجْتَنَبَ الكبائر، فله الجنة -أو دخل الجنة" فسأله رجل: ما الكبائر؟ فقال (١٠) الشرك بالله، وقَتْلُ نفس مسلمة، والفِرار يوم الزَّحْف".

ورواه أحمد أيضًا والنسائي، من غير وجه، عن بقية (١١).

حديث آخر: روى الحافظ أبو بكر ابن مردويه في تفسيره، من طريق سليمان بن داود اليماني -وهو ضعيف-عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حزم، عن أبيه، عن جده قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، قال: وكان في الكتاب: "إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: إشْراكٌ باللهِ وقَتْل النفْسِ المؤمنة بغير حَقٍّ، والفِرارُ في سبيل الله يوم الزَّحْفِ، وعُقوق الوالدين، ورَمْي المحصنة، وتَعَلُّم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم" (١٢).

(١) في أ: "قال: قلت".

(٢) في ر، أ: "قتل النفس".

(٣) تفسير الطبري (٨/ ٢٤٠).

(٤) زيادة من أ.

(٥) في د: "المحصنات".

(٦) في جـ: "قتل".

(٧) في جـ، ر، أ: "والإلحاد".

(٨) رواه البغوي في الجعديات، وروى الخرائطى في مساوئ الأخلاق برقم (٢٤٧) من طريق حسين بن محمد المروزى عن أيوب بن عتبه بنحوه، وأيوب بن عتبه ضعيف. ورواه عكرمة بن عمار عن طيسلة بن على: أن ابن عمر كان ينزل الآراك يوم عرفه. أخرجه أبو داود في المسائل (١١٨).

(٩) في جـ، ر، أ: "يحيى بن سعيد".

(١٠) في ر: "قال".

(١١) المسند (٥/ ٤١٣) وسنن النسائي (٧/ ٨٨).

(١٢) ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٩٥) من طريق يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود به، وقال الحاكم: "هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب، وسليمان بن داود الخولاني معروف بالزهرى وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عدله غيره ثم ذكر قول أبي حاتم وأبي زرعة: "سليمان بن داود الخولاني عندنا ممن لا بأس به".

ج2 · ص275

حديث آخر: فيه ذكر شهادة الزور؛ قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عُبَيد الله (١) بن أبي بكر قال: سمعت أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر -أو سئل عن الكبائر-فقال: "الشِّرْكُ بالله، وقَتْلُ النفْسِ، وعُقوق الوالدين". وقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قال: "قول الزور -أو شهادة الزور". قال شعبة: أكبر ظنى أنه قال"شهادة الزور" (٢).

أخرجاه من حديث شعبة (٣) به. وقد رواه ابن مَرْدُويه من طريقين آخرين غريبين عن أنس، بنحوه (٤).

حديث آخر: أخرجه (٥) الشيخان من حديث عبد الرحمن بن أبي بَكْرة، عن أبيه قال: قال النبي ﷺ: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ "، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين" وكان متكئا فجلس فقال: "ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور". فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (٦).

حديث آخر: فيه ذكر قتل الولد، وهو ثابت في الصحيحين، عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الذنب أعظم؟ -وفي رواية: أكبر-قال: "أن تجعل لله نِدا وهو خَلَقكَ" قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تَقْتُلَ ولدك خَشْيَةَ أن يَطْعَم معك". قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تُزاني حَلِيلَةَ جارِك" ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا]﴾ (٧) إلى قوله: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] (٨).

حديث آخر (٩) فيه ذكر شرب الخمر. قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثني أبو صخر: أن رجلا حَدّثه عن عمرة بن حزم أنه سمع عبد الله بن عَمْرو بن العاص وهو بالحِجْر (١٠) بمكة وسُئل عن الخمر، فقال: والله إنَّ عظيمًا عند الله الشيخُ مثلي يكذبُ في هذا المقام على رسول الله (١١) ﷺ، فذهب فسأله ثم رجع فقال: سألته عن الخمر فقال: "هي أكبر الكبائر، وأم الفواحش، من (١٢) شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته" (١٣) غريب من هذا الوجه.

طريق أخرى: رواها الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه من حديث (١٤) عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدي، عن داود بن صالح، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن أبا بكر الصديق، ﵁، وعُمَر بن

(١) في جـ، ر، أ: "عبد الله"، وفي ر: "محمد" وهو خطأ والصحيح عبيد الله وانظر: من مسند الإمام أحمد ٣/ ١٣١.

(٢) المسند (٣/ ١٣١).

(٣) صحيح البخاري برقم (٥٩٧٧) وصحيح مسلم برقم (٨٨).

(٤) في ر: "نحوه".

(٥) في أ: "أخرجاه".

(٦) صحيح البخاري برقم (٥٩٧٦) وصحيح مسلم برقم (٨٧).

(٧) زيادة من جـ، ر، أ.

(٨) صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨).

(٩) زيادةمن أ.

(١٠) في جـ، ر، أ: "وهو في الحجر".

(١١) في أ: "على نبي الله".

(١٢) في ر: "ثم".

(١٣) ورواه الطبراني من طريق آخر كما في المجمع (٥/ ٦٨) وقال الهيثمي: "عتاب لم أعرفه وابن لهيعة حديثه حسن وفيه ضعف".

(١٤) في أ: "طريق".

ج2 · ص276

الخطاب وأناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ، ورضي الله عنهم أجمعين، جلسوا (١) بعد وفاة رسول الله ﷺ، فذكروا أعظم الكبائر، فلم يكن عندهم ما ينتهون إليه، فأرسلوني إلى عبد الله بن عَمْرو بن العاص أسأله عن ذلك، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك، فوثبوا إليه حتى أتوه في داره، فأخبرهم أنهم تحدثوا عند رسول الله ﷺ أن مَلِكا من بني إسرائيل أخذ رجلا فخيَّره بين أن يشرب خمرًا أو يقتل نفسا، أو يزاني (٢) أو يأكل لحم خنزير، أو يقتله (٣) فاختار شُرْبَ الخمر (٤) وإنه لما شربها لم يمتنع من شَيْء أراده (٥) منه، وإن رسول الله ﷺ قال لنا مجيبا: "ما من أحد يشرب خمرًا إلا لم تُقْبَلْ له صَلاةٌ أربعين ليلة، ولا يموت أحد في مَثَانَتِهِ منها شيء إلا حَرَّم الله عليه الجنة فإنْ مات في أربعين ليلة مات ميتَةً جاهلية".

هذا حديث غريب من هذا الوجه جدًا، وداود بن صالح هو التَّمار (٦) المدني مولى الأنصار، قال الإمام أحمد: لا أرى به بأسا. وذكره ابن حبان في الثقات، ولم أر أحدًا جرحه (٧).

حديث آخر: عن عبد الله بن عَمْرو وفيه ذكْرُ اليمين الغَمُوس. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعْبة، عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عَمْرو، عن النبي ﷺ أنه قال: "أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعُقُوق الوالدين، أو قَتْل النَّفْس -شعبة الشاك-واليمين الغَمُوس". ورواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث شعبة: زاد البخاري وشيبان، كلاهما عن فراس، به (٨).

حديث آخر: في اليمين الغموس: "قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا هشام بن سعد، عن محمد بن يزيد بن مهاجر بن قُنْفُذ التيمي، عن أبي أمامة الأنصاري، عن عبد الله بن أنيس الجهني، عن رسول الله ﷺ قال: أكبر (٩) الكبائر الشرك بالله، وعُقوق الوالدين، واليمين الغَمُوس، وما حَلَفَ حالف بالله يمين صَبْر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة، إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة". وهكذا رواه الإمام (١٠) أحمد في مسنده، وعبد بن حميد في تفسيره، كلاهما عن يونس بن محمد المؤدّب، عن الليث بن سعد، به. وأخرجه الترمذي [في تفسيره] (١١) عن عبد بن حميد [به] (١٢) ثم قال: وهذا حديث حسن غريب، وأبو أمامة الأنصاري هذا هو ابن ثعلبة، ولا يعرف (١٣) اسمه. وقد رَوَى عن النبي ﷺ أحاديث (١٤).

قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المِزِّي: وقد رواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني، عن محمد بن زيد، عن عبد الله بن أبي أمامة، عن أبيه عن عبد الله بن أنيس. فزاد عبد الله بن أبي أمامة.

قلت: هكذا وقع في تفسير ابن مَرْدُويه وصحيح ابن حبّان، من طريق عبد الرحمن بن

(١) في ر: "كانوا جلوسًا".

(٢) في أ: "أو يزنى".

(٣) في أ: "أو يقتلوه".

(٤) في جـ، د، ر: "فاختار أن يشرب الخمر".

(٥) في أ: "أرادوه".

(٦) في د: "اليمانى".

(٧) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٤٧) والطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٣٨) "مجمع البحرين" كلاهما من طريق سعيد بن أبي مريم عن الدراوردى به.

(٨) المسند (٢/ ٢٠١) وصحيح البخاري برقم (٦٦٧٥) وسنن الترمذي برقم (٣٠٢١) وسنن النسائي (٨/ ٦٣).

(٩) في ر، أ: "من أكبر".

(١٠) زيادة من أ.

(١١) زيادة من أ.

(١٢) زيادة من أ.

(١٣) في أ: "ولا نعرف".

(١٤) سنن الترمذي (٣٠٢).

ج2 · ص277

إسحاق (١) كما ذكره (٢) شيخنا، فسَح اللهُ في أجله (٣).

حديث آخر: عن عبد الله بن عمرو، في التسبب إلى شتم الوالدين. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عَمْرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن مِسْعر وسفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو -رفعه سفيان إلى النبي ﷺ، ووقفه مسعر على عبد الله بن عمرو -قال: "من الكبائر أن يَشْتُم الرجلُ والديه": قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: "يَسُبُّ الرجلُ أبا الرجل فيسبَّ أباه، ويسُبُّ أمَّه فيسب أمه" (٤).

وقد أخر هذا الحديث البخاري عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عمه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن عَمْرو قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من أكبر الكبائر أن يَلْعَن الرجلُ والديه". قالوا: وكيفَ يَلْعَنُ الرجلُ والديه؟ ! قال: "يَسُبُّ الرجلُ أبا الرجل فيسبَّ أباه، ويسُبُّ أمَّه فيسب أمه".

وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان وشعبة ويزيد بن الهاد، ثلاثتهم عن سعد بن إبراهيم، به مرفوعا بنحوه. وقال الترمذي: صحيح (٥).

وثبت في الصحيح (٦) عن رسول الله ﷺ أنه قال: "سِبابُ المسلم فُسُوقٌ، وقِتاله كُفْر" (٧).

حديث آخر في ذلك: قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "من أكبر الكبائر عِرْضُ الرجل المسلم، والسَّبَّتَان والسَّبَّة (٨) " (٩).

هكذا روي هذا الحديث، وقد أخرجه أبو داود في كتاب الأدب في سننه، عن جعفر بن مسافر، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من أكبر (١٠) الكبائر استطالةُ المرْءِ (١١) في عِرْضِ رجلٍ مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان (١٢) بالسبة".

وكذا رواه ابن مَرْدُويه من طريق عبد الله بن العلاء بن زَيْر (١٣) عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكر مثله (١٤).

حديث آخر: في ذكْرُ الجمع بين الصلاتين من غير عذر؛ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا

(١) في ر: "إسماعيل.

(٢) في أ: "كما ذكر".

(٣) تحفة الأشراف (٤/ ٢٧٥) برقم (٥١٤٧) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩١) "موارد".

(٤) ورواه أحمد في مسنده (٢/ ١٦٤) من طريق وكيع به.

(٥) صحيح البخاري برقم (٥٩٧٣) وصحيح مسلم برقم (٩٠) وسنن الترمذي برقم (١٩٠٢).

(٦) في أ: "الصحيحين".

(٧) رواه البخاري برقم (٤٨) ومسلم برقم (٦٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.

(٨) في د: "والمستبان بالسبة.

(٩) ذكره السيوطي في الدر المنثور

(١٠) في أ: "إن من أكبر".

(١١) في ر: "المسب".

(١٢) في د: "المستبان".

(١٣) في ر، أ: "بن زيد".

(١٤) سنن أبي داود برقم (٤٨٧٧).

ج2 · ص278

نُعَيم بن حماد، حدثنا مُعْتَمِر بن سليمان، عن أبيه، عن حَنَش (١) عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "من جمع بين الصَّلاتين من غير عُذْرٍ، فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر". وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي عن أبي سلمة يحيى بن خلف، عن المعتمر بن سليمان، به ثم قال: حَنَش (٢) هو أبو (٣) علي الرحبي، وهو (٤) حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره (٥).

وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، عن خالد الحذاء، عن حميد (٦) بن هلال، عن أبي قتادة -يعنى العدوي-قال: قرئ علينا كتابُ عمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين -يعني بغير (٧) عذر-والفِرَار من الزَّحْفِ، والنُّهْبَة.

وهذا إسناد صحيح: والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر تقديما أو تأخيرًا، وكذا المغرب والعشاء هما من شأنه أن يجمع بسبب من الأسباب الشرعية، فإذا تعاطاه أحد بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكبا كبيرة، فما ظنك بمن ترك الصلاةِ بالكلية؟ ولهذا روى مسلم في صحيحه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة " (٨) وفي السنن عنه، ﵇، أنه قال: "العهد الذي بيننا وبينهم (٩) الصلاة، فمن تَرَكَها فقد كَفر" (١٠) وقال: "من ترك صلاةَ العَصْرِ فقد حبطَ عَمَلُه" (١١) وقال: "من فاتته صَلاةُ الْعَصْرِ فكأنما وَتِرَ أهله وماله" (١٢).

حديث آخر: فيه اليأسُ من رَوْح الله، والأمنُ من مَكْر الله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا شَبِيب بن بِشْر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ كان متكئًا فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر؟ فقال: "الشِّرْكُ بالله، واليأس من رَوْح الله، والقُنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر".

وقد رواه البزار، عن عبد الله بن إسحاق العطار، عن أبي عاصم النبيل، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رجلا قال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: "الإشراك (١٣) بالله، واليأس من رَوْح الله، والقُنوط من رحمة الله ﷿".

(١) في جـ: حبيش"، وفي أ: "حنيش".

(٢) في جـ: حبيش"، وفي أ: "حنيش".

(٣) في أ: "هذا أبو".

(٤) في ر: "هو".

(٥) سنن الترمذي برقم (١٨٨).

(٦) في أ: "حسن".

(٧) في أ: "من غير".

(٨) صحيح مسلم برقم (٨٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.

(٩) في ر: "وبينهم ترك الصلاة".

(١٠) رواه الترمذي في السنن برقم (٢٦٢١) والنسائي في السنن (١/ ٢٣١) وابن ماجة في السنن برقم (١٠٧٩) من حديث بريدة بن الحصيب ﵁.

(١١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٥٣) والنسائي في السنن (١/ ٢٣٦) من حديث بريدة بن الحصيب ﵁.

(١٢) رواه النسائي (١/ ٢٣٨) من حديث نوفل بن معاوية ﵁.

(١٣) في د: "الشرك".

ج2 · ص279

وفي إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفا، فقد روي عن ابن مسعود نحوُ ذلك (١) قال ابن جرير:

حدثنى يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيم، أخبرنا مطرف، عن وَبْرة بن عبد الرحمن، عن أبي الطفيل قال: قال ابن مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله والإياس (٢) من رَوْح الله، والقُنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله.

وكذا رواه من حديث الأعمش وأبي إسحاق، عن وَبْرة، عن أبي الطفيل، عن ابن مسعود، به ثم رواه من طُرُق عدة، عن أبي الطفيل، عن ابن مسعود. وهو صحيح إليه بلا شك. (٣)

حديث آخر: فيه سوء الظن بالله؛ قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم بن بُنْدار، حدثنا أبو حاتم بكر بن عبدان، حدثنا محمد بن مهاجر (٤) حدثنا أبو حذيفة (٥) البخاري، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال:] قال رسول الله ﷺ [(٦) "أكبر الكبائر سوء الظن بالله ﷿". حديث غريب جدًّا.

حديث آخر: فيه التعرب (٧) بعد الهجرة، قد تقدم في رواية عَمْرو (٨) بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا، قال (٩) أبو بكر بن مرْدويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين، حدثنا عَمْرو بن خالد الحراني، حدثنا ابن لَهِيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن سهل ابن أبي حَثْمة (١٠) عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "الكبائر سبع، ألا تسألوني عنهن؟ الشِّركُ بالله، وقَتْلُ النفْسِ، والفِرارُ يوم الزَّحْفِ، وأكْلُ مال اليتيم، وأكل الربا، وقَذْفُ المحصَنَة، والتعرب (١١) بعد الهجرة".

وفي إسناده نظر، ورفعه غلط فاحش (١٢) والصواب ما رواه ابن جرير: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن سهيل بن أبي حثْمة (١٣) عن أبيه قال: إني لفي هذا المسجد -مسجد الكوفة-وعلي، ﵁، يَخْطُب الناسَ على المنبر، فقال: يا أيها الناس، الكبائر (١٤) سبع فأصاخ (١٥) الناسُ، فأعادها ثلاث مرات، ثم

(١) مسند البزار برقم (١٠٦) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٤): "رجاله موثقون".

(٢) في ج، ر، د، أ: "اليأس".

(٣) تفسير الطبري (٨/ ٢٤٣، ٢٤٤) ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٩٧٠١) ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٧١) من طريق أبي إسحاق عن وبرة به. ورواه ابن أبي الدنيا في التوبة برقم (٣١) من طريق الأعمش عن وبرة به.

(٤) في أ: "محمد بن عمر بن مهاجر".

(٥) في أ: "أبو حذيفة إسحاق".

(٦) زيادة من أ.

(٧) في ر "التغرب".

(٨) في أ: "عمر".

(٩) في أ: "وقال".

(١٠) في جـ، أ: "ابن أبي خيثمة".

(١١) في ر: "التغرب".

(١٢) وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدرى ﵁ مرفوعا، ذكر فيها هذه السبع. رواه الطبراني في المعجم الأوسط (١٢٦) "مجمع البحرين" قال الهيثمى في المجمع (١/ ١٠٤): "فيه أبو بلال الأشعرى وهو ضعيف".

(١٣) في ر، أ: "خيثمة".

(١٤) في أ: "إن الكبائر".

(١٥) في ر: "أضاج"، وفي أ: "فأصاح".