سورة النسَاء

ซูเราะฮ์ที่ 4 · ตอน 17/19 · เล่ม 2 หน้า 445–459

ج2 · ص445

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾

يتوعد [تبارك و] (١) تعالى الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى، حيث فَرّقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، بمجرد التشهي والعادة، وما ألفوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك بل بمجرد الهوى والعصبية. فاليهود -عليهم لعائن الله-آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد ﷺ، والسامرة لا يؤمنون بنبي بعد يوشع خليفة موسى بن عمران، والمجوس يقال: إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم يقال له (٢) زرادشت، ثم كفروا بشرعه، فرفع من بين أظهرهم، والله (٣) أعلم.

والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء، فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًّا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية؛ ولهذا قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله (وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ) أي: في الإيمان (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا) أي: طريقًا ومسلكًا.

ثم أخبر تعالى عنهم، فقال: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيًّا، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانًا منه، أو نظروا حق النظر في نبوته.

وقوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) أي: كما استهانوا بمن كفروا به إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله ﷺ حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] في الدنيا والآخرة.

وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) يعني بذلك: أمة محمد ﷺ، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ [وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ] (٤) [البقرة: ٢٨٥].

ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال: (أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) على ما آمنوا بالله ورسله (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) أي: لذنوبهم أي: إن كان لبعضهم ذنوب.

(١) زيادة من ر، أ.

(٢) في ر، أ: "اسمه".

(٣) في ر: "فالله".

(٤) زيادة من: ر، أ، وفي هـ: "الآية".

ج2 · ص446

﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾

قال محمد بن كعب القرظي، والسدي، وقتادة: سأل اليهود رسولَ الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء. كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة.

قال ابن جُرَيج: سألوه أن ينزل عليهم صحفا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان، بتصديقه فيما جاءهم به. وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفارُ قريش قبلهم نظير ذلك، كما هو مذكور في سورة "سبحان": ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠، ٩٣] الآيات. ولهذا قال تعالى: (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) أي: بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم. وهذا مفسر في سورة "البقرة" حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥، ٥٦].

وقوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى، ﵇، في بلاد مصر وما كان من إهلاك عدو الله فرعون (١) وجميع جنوده في اليمّ، فما جاوزوه إلا يسيرًا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى (٢) ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (٣) [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩]. ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة (٤) في سورة "الأعراف"، وفي سورة "طه" بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله، ﷿، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه: أن يقتُلَ من لم يعبد العجل منهم من عبده، فجعل يقتل بعضهم بعضا ثم أحياهم الله، ﷿، فقال الله ﷿ (٥) (فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا)

ثم قال تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ) وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى، ﵇، ورفع الله على رؤوسهم جبلا ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (٦) [الأعراف: ١٧١].

(١) في أ: "فرعون هو".

(٢) في د، ر، أ: "يا موسى".

(٣) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآيتين".

(٤) في ر: "مبسوط".

(٥) في أ: "قال الله تعالى".

(٦) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".

ج2 · ص447

(وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت القدس سجدا، وهم يقولون: حطة. أي: اللهم حط (١) عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونكولنا عنه، حتى تهنا في التيه أربعين سنة. فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعرة.

(وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرّم الله عليهم، ما دام مشروعًا لهم (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) أي: شديدا، فخالفوا وعَصَوْا وتحيلوا على ارتكاب مناهى الله، ﷿، كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ] (٢) [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦] الآيات، وسيأتي حديث صفوان بن عسال، في سورة "سبحان" عند قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]، وفيه: "وعليكم -خاصة يهود-أن لا تعدوا في السبت".

﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾

وهذه من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات الله، أي: حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على أيدي الأنبياء، ﵈.

قوله (٣) (وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمّا غفيرًا من الأنبياء [بغير حق] (٤) ﵈.

وقولهم: (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وعكرمة، والسّدّي، وقتادة، وغير واحد: أي في غطاء. وهذا كقول المشركين: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ] (٥) [فصلت: ٥]. وقيل: معناه أنهم ادعَوْا أن قلوبهم غُلُف للعلم، أي: أوعية للعلم قد حوته وحصلته. رواه الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وقد تقدم نظيره (٦) في سورة البقرة.

(١) في د: "احطط".

(٢) زيادة من ر، أ.

(٣) في أ: "وقوله".

(٤) زيادة من أ.

(٥) زيادة من د، أ، وفي هـ: "الآية".

(٦) في أ: "تفسيره".

ج2 · ص448

قال الله تعالى: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول؛ لأنها في غلف وفي أكنة، قال الله [تعالى] (١) بل هو مطبوع عليها بكفرهم. وعلى القول الثاني عكس عليهم ما ادَّعَوْه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة.

(فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا) أي: مَرَدت قلوبهم على الكفر والطغيان وقلة الإيمان.

(وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: "يعني أنهم رموها بالزنا". وكذا قال السدي، وجُوَيْبِر، ومحمد بن إسحاق وغير واحد. وهو ظاهر من الآية: أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية، وقد حملت بولدها من ذلك -زاد بعضهم: وهي حائض -فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.

وقولهم: (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) أي (٢) هذا الذي يدعي لنفسه هذا (٣) المنصب قتلناه. وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦].

وكان من خبر اليهود -عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه-أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله من النبوة والمعجزات الباهرات، التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائرًا ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا يشاهَدُ طيرانه بإذن الله، ﷿، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه، وسَعَوْا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى، ﵇، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه، ﵉، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان -وكان رجلا مشركًا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان-وأنهوا إليه: أن ببيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه. فغضب (٤) الملك من هذا، وكتب إلى نائبه بالقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه على الناس. فلما وصل الكتاب امتثل مُتَولِّي بيت المقدس (٥) ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى، ﵇، وهو في جماعة من أصحابه، اثنا عشر أو ثلاثة عشر -وقيل: سبعة عشر نفرًا-وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك. فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه، أو خروجه عليهم قال لأصحابه: أيكم يُلْقَى عليه شبهي، وهو رفيقي في الجنة؟ فانتَدَب لذلك شاب منهم، فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا يَنْتَدبُ إلا ذلك الشاب -فقال: أنت هو-وألقى اللهُ عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو،

(١) زيادة من أ.

(٢) بعدها في أ: "وبدعواهم البهتان والكذب والإفك والعدوان في قولهم: "إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله".

(٣) في ر:: ذلك".

(٤) في أ: "فغضب ذلك".

(٥) في ر، أ: "متولي البلد".

ج2 · ص449

وفُتحَت رَوْزَنَة من سقف البيت، وأخذت عيسى ﵇ سِنةٌ من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك، كما قال [الله] (١) تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا] (٢) الآية [آل عمران: ٥٥].

فلما رفع خرج أولئك النفر فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى، فأخذوه في الليل وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، فأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح، فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح (٣) ابن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها، والله (٤) أعلم.

وهذا كله من امتحان الله عباده؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد أوضح (٥) الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى -وهو أصدق القائلين، ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف (٦) يكون-: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) أي: رأوا شبهه فظنوه إياه؛ ولهذا قال: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) [وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ] (٧) يعني بذلك: من ادعى قتله من اليهود، ومن سَلَّمه من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسُعُر. ولهذا قال: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين. (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) أي منيع الجناب لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه (حَكِيمًا) أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، والسلطان العظيم، والأمر القديم.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه -وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين-يعني: فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة (٨) مرة، بعد أن آمن بي. ثم قال: أيكم يُلْقَى عليه شبهي، فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنا، فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام ذلك الشاب، فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا. فقال: أنت هو ذاك. فألقي عليه شَبَه عيسى ورفع عيسى من رَوْزَنَة في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه، ثم صلبوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة (٩) مرة، بعد أن آمن به،

(١) زيادة من، أ.

(٢) زيادة من ر، أ.

(٣) في أ: "هو عيسى".

(٤) في د، ر، أ: "فالله".

(٥) في ر: "وضح".

(٦) في ر، أ: "كيف كان يكون".

(٧) زيادة من أ.

(٨) في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".

(٩) في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".

ج2 · ص450

وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء، ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدًا ﷺ.

وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كُرَيب، عن أبي معاوية، بنحوه (١) وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتلَ مكاني، وهو رفيقي في الجنة؟

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القُمّي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن مُنَبِّه قال: أتى عيسى وعنده سبعة عشر من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم. فلما دخلوا عليه صَوَّرهم الله، ﷿، كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا. ليبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا. فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا. فخرج إليهم وقال: أنا عيسى -وقد صوره الله على صورة عيسى-فأخذوه وقتلوه وصلبوه. فمن ثَمَّ شُبّه لهم، فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك. وهذا سياق غريب جدًّا (٢). قال ابن جرير: وقد روي عن وهب نحو هذا القول، وهو ما حدثني به المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن مِعْقَل: أنه سمع وهبًا يقول: إن عيسى ابن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جزع من الموت وشَقَّ عليه، فدعا الحواريين فصنع لهم طعاما، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه من الليل عَشَّاهم وقام يخدمهم. فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من رد عليَّ شيئا الليلة مما أصنع، فليس مني ولا أنا منه. فأقرّوه، حتى إذا فرغ من ذلك قال: أمّا ما صنعت بكم الليلة، مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعظَّم بعضكم على بعض، وليبذلْ بعضكم نفسه لبعض، كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم عليها فتدعون لي الله، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله! أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها؟ قالوا: والله ما ندري ما لنا. لقد كنا نَسْمُر فنكثر السَّمَرَ، وما نطيق الليلة سَمَرا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه. فقال: يُذْهَب بالراعي (٣) وتفرق الغنمُ. وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعِي به نفسه. ثم قال: الحقَّ، ليَكْفُرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنّي أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن

(١) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٩١).

(٢) تفسير الطبري (٩/ ٣٦٨)، وقد صوب قول وهب بن منبه مع أن الحافظ هنا استغربه. انظر: تفسير الطبري (٩/ ٣٧٤).

(٣) في ر: "الراعي".

ج2 · ص451

ثمني، فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، وأخذوا شمعون أحد الحواريين، وقالوا: هذا من أصحابه. فجحد وقال: ما أنا بصاحبه فتركوه، ثم أخذه آخرون، فجحد كذلك. ثم سَمعَ صوتَ ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دَلَلْتُكُمْ على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلَّهم عليه، وكان شُبِّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه ويقولون، له: أنت كنت تحيي الموتى، وتنهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شُبِّه لهم فمكث سبعًا.

ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى ﵇، فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شُبِّه لهم فَأمُرَا الحواريين يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقدوا الذي كان باعه ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه فقال: إنه ندم على ما صنع فاختنق، وقتل نفسه فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام كاد يتبعهم، يقال له: يحيى، قال: هو معكم، فانطلقوا، فإنه سيصبح كل إنسان يحدّثُ بلغة قومه، فلينذرهم وليدعهم. سياق غريب جدًّا (١).

ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلا منهم، يقال له: داود، فلما أجمعوا لذلك منه، لم يفْظع عبد من عباد الله بالموت -فيما ذكر لي-فَظَعَه ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع الله في صرفه عنه دعاءه، حتى إنه ليقول -فيما يزعمون-"اللهم إن كنت صارفا هذه الكأس عن أحد من خلقك فاصرفها عني" وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصَّد دما. فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يَدْخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى، ﵇، فلما أيقن أنهم داخلون عليه قال لأصحابه من الحواريين -وكانوا اثني عشر رجلا فطرس (٢) ويعقوب بن زبدي (٣) ويحنس أخو يعقوب، وأنداربيس، وفيلبس، وأبرثلما ومنى وتوماس، ويعقوب بن حلفيا، وتداوسيس، وقثانيا ويودس زكريا يوطا.

قال ابن حميد: قال سلمة، قال ابن إسحاق: وكان [فيهم فيما] (٤) ذكر لي رجل اسمه سرجس، فكانوا ثلاثة عشر رجلا سوى عيسى، ﵇، جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شُبّه لليهود مكان عيسى [﵇] (٥) قال: فلا أدري ما هو؟ من هؤلاء الاثني عشر، أو كان ثالث عشر، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى، وكفروا بما جاء به محمد ﷺ من الخبر عنه. فإن كانوا ثلاثة عشر فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كانوا اثني عشر، فإنهم دخلوا المدخل [حين دخلوا] (٦) وهم ثلاثة عشر.

(١) تفسير الطبري (٩/ ٣٦٨).

(٢) في ر: "فرطوس"، وفي أ: "قطوس".

(٣) في أ: "ويعقونس وندا".

(٤) زيادة من أ.

(٥) زيادة من أ.

(٦) زيادة من أ.

ج2 · ص452

قال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانيا فأسلم: أن عيسى حين جاءه (١) من الله ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قال: يا معشر الحواريين، أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن (٢) يشبه للقوم في صورتي، فيقتلوه في مكاني؟ فقال سرجس: أنا، يا روح الله. قال: فاجلس في مجلسي. فجلس فيه، ورفِع عيسى، ﵇، فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه وشُبّه لهم به، وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة، قد رأوهم وأحصوا عدتهم. فلما دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى، فيما يُرَون وأصحابه، وفقدوا رجلا من العدة، فهو الذي اختلفوا فيه وكانوا لا يعرفون عيسى، حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهما على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه فإني سَأقَبلهُ، وهو الذي أقبل، فخذوه. فلما دخلوا وقد رفع عيسى، ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشكل (٣) أنه عيسى، فأكب عليه فقبله (٤) فأخذوه فصلبوه.

ثم إن يودس زكريا يوطا ندم على ما صنع، فاختنق بحبل حتى قتل نفسه، وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم أن يودس زكريا يوطا هو الذي شبه لهم، فصلبوه وهو يقول: "إني لست بصاحبكم. أنا الذي دللتكم عليه". والله (٥) أعلم أي ذلك كان (٦).

وقال ابن جرير، عن مجاهد: صلبوا رجلا شبهوه بعيسى، ورفع الله، ﷿، عيسى إلى السماء حيا.

واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه.

وقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)

قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) يعني بعيسى (قَبْلَ مَوْتِهِ) يعنى: قبل موت عيسى-يُوَجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم، ﵇.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي حُصَين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال: قبل موت عيسى ابن مريم. وقال العوفي عن ابن عباس مثل ذلك (٧).

وقال أبو مالك في قوله: (إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال: ذلك عند نزول عيسى ابن مريم، ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به.

(١) في ر، أ: "جاءه الوحي".

(٢) في ر: "حتى".

(٣) في أ: "يشكك".

(٤) في أ: "فقتله".

(٥) في ر: "فالله".

(٦) رواه الطبري في تفسيره (٩/ ٣٧١) من طريق سلمة عن ابن إسحاق به.

(٧) تفسير الطبري (٩/ ٣٨٠).

ج2 · ص453

وقال الضحاك، عن ابن عباس: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) يعني: اليهود خاصة. وقال الحسن البصري: يعني النجاشي وأصحابه. ورواهما ابن أبي حاتم.

وقال ابن جرير: وحدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا أبو رجاء، عن الحسن: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال: قبل موت عيسى. والله إنه الآن حي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن عثمان اللاحقي، حدثنا جويرية بن بشر قال: سمعت رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد، قول الله، [﷿] (١) (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال: "قبل موت عيسى. إن الله رفع إليه عيسى [إليه] (٢) وهو باعثه قبل يوم القيامة مقامًا يؤمن به البر والفاجر".

وكذا قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد. وهذا القول هو الحق، كما سنبينه بعد بالدليل القاطع، إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.

قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) قبل موت الكتابي. ذكرَ من كان يُوَجه ذلك إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل؛ لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين (٣) له الحق من الباطل في دينه.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى.

حدثني المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: (إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) كل صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته -قبل موت صاحب الكتاب-وقال ابن عباس: لو ضربت عنقه لم تخرج نَفْسُه حتى يؤمن بعيسى.

حدثنا ابن حُمَيد، حدثنا أبو نُمَيْلة يحيى بن واضح، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، ولو عجل عليه بالسلاح.

حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتَّاب بن بَشِير (٤) عن خُصَيْف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال: هي في قراءة أبي: (قَبْلَ مَوْتِهِمْ) ليس يهودي يموت أبدا حتى يؤمن بعيسى. قيل لابن عباس: أرأيت إن خَرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهُوِيّ. فقيل: أرأيت إن ضربت عنق أحد منهم؟ قال: يُلَجْلج بها لسانه.

وكذا رَوَى سفيان الثوري عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى، ﵇، وإن ضرب بالسيف تكلم

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من أ.

(٣) في د: "يعلم".

(٤) في د: "غياث بن بشير"، وفي ر: "عتاب بن يشكر".

ج2 · ص454

به، قال: وإن هَوَى تكلم [به] (١) وهو يَهْوي.

وكذا روى أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي هارون الغَنَوي (٢) عن عكرمة، عن ابن عباس. فهذه كلها أسانيد صحيحة إلى ابن عباس، وكذا صَحّ عن مجاهد، وعكرمة، ومحمد بن سيرين. وبه يقول الضحاك وجُوَيْبر، والسدي، وحكاه عن ابن عباس، ونَقل قراءة أبيّ بن كعب: "قبل موتهم".

وقال عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن في قوله: (إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال: لا يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت.

وهذا يحتمل أن يكون مراد الحسن ما تقدم عنه، ويحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء (٣)

قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي.

ذكر من قال ذلك:

حدثني ابن المثنى، حدثنا الحجاج بن مِنْهال، حدثنا حماد، عن حميد قال: قال عكرمة: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد ﷺ في قوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)

ثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القولُ الأولُ، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى، ﵇، إلا آمن به قبل موته، أي قبل موت عيسى، ﵇، ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير، رحمه [الله] (٤) هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة -التي سنوردها إن شاء الله قريبا-فيقتل مسيح (٥) الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية -يعني: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف-فأخبرت هذه الآية الكريمة أن (٦) يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم؛ ولهذا قال: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل موت عيسى، الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب.

(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض. فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى: أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد، عليهما [الصلاة و] (٧) والسلام (٨) فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره يَتَجَلي له

(١) زيادة من ر.

(٢) في د: "العوفي".

(٣) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٠).

(٤) زيادة من ر، أ.

(٥) في أ: "مسيخ".

(٦) في د، ر، أ: "أنه".

(٧) زيادة من أ.

(٨) في د: "ﷺ".

ج2 · ص455

ما كان جاهلا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في [أول] (١) هذه السورة: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ]﴾ (٢) الآية [النساء: ١٨] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] (^٣» الآيتين (٤) [غافر: ٨٤، ٨٥] وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد (٥) هذا القول، حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كل من آمن بمحمد أو بالمسيح، ممن كفر بهما -يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه؛ لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته. فهذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عباس: ولو تردى من شاهق أو ضُرب بسيف أو افترسه سَبُع، فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى" فالإيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه، والله أعلم.

ومن تأهل هذا جيدًا وأمعن النظر، اتضح له أن هذا، وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المرادُ بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه من تقرير وجود عيسى، ﵇، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه وتضادّت وتعاكست وتناقضت، وخلت عن الحق، ففرّط هؤلاء اليهود وأفرط هؤلاء النصارى: تَنَقَّصه اليهود بما رموه به وأمه من العظائم، وأطراه النصارى بحيث ادعوا فيه بما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى الله عن قول هؤلاء وهؤلاء علوًّا كبيرًا، وتنزه وتَقَدّس لا إله إلا هو.

ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قبل يوم القيامة، وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له:

قال البخاري، ﵀، في كتاب ذكر الأنبياء، من صحيحه المتلقى بالقبول: (نزول عيسى ابن مريم-﵇: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لَيُوشكَنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حَكَمًا عدلا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيرا (٦) من الدنيا وما فيها". ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)

وكذا رواه مسلم عن الحسن (٧) الحُلْواني وعبد بن حميد كلاهما، عن يعقوب، به (٨) وأخرجه البخاري ومسلم، أيضًا، من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، به (٩) وأخرجاه من طريق الليث عن الزهري به (١٠) ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يوشك أن يكون فيكم ابنُ مريم حكمًا عدلا

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من أ.

(٣) زيادة من أ.

(٤) في أ: "الآية".

(٥) في د: "رده".

(٦) في أ: "خير".

(٧) في ر: "حسن".

(٨) صحيح البخاري برقم (٣٤٤٨) وصحيح مسلم برقم (١٥٥).

(٩) صحيح البخاري برقم (٢٤٧٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٥).

(١٠) صحيح البخاري برقم (٢٢٢٢) وصحيح مسلم برقم (١٥٥).

ج2 · ص456

يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين". قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ) موت عيسى ابن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات (١).

طريق أخرى عن أبي هريرة: قال الإمام أحمد: حدثنا رَوْحٌ، حدثنا محمد بن أبي حَفْصَة، عن الزُّهْري، عن حنظلة (٢) بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لَيُهِلَّن عيسى ابن مريم بفَجِّ الرَّوْحَاء بالحج أو العمرة أو ليثنيهما جميعًا".

وكذا رواه مسلم منفردًا به من حديث سفيان بن عيينة، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد، ثلاثتهم عن الزهري به (٣).

وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان -هو ابن حسين-عن الزهري، عن حنظلة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطي المال حتى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما" قال: وتلا أبو هريرة: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا]) (٤) فزعم حنظلة (٥) أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كله حديث النبي ﷺ أو شيء قاله أبو هريرة.

وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين عن الزهري، به (٦).

طريق أخرى: قال البخاري: حدثنا ابن بُكَير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري؛ أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنتم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم، وإمامكم منكم؟ " تابعه عقيل والأوزاعي.

وهكذا رواه الإمام أحمد، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، وعن عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب، كلاهما عن الزهري، به. وأخرجه مسلم من رواية يونس والأوزاعي وابن أبي ذئب، به (٧).

طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همَّام، أنبأنا قتادة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "الأنبياء إخوة لِعَلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان مُمَصّرَان، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بَلَل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام،

(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٧٣٥).

(٢) في أ: "أبي حنظلة".

(٣) المسند (٢/ ٥١٣) وصحيح مسلم برقم (١٢٥٢).

(٤) زيادة من: ر، أ، وفي هـ: "الآية".

(٥) في أ: "أبو حنظلة".

(٦) المسند (٢/ ٢٩٠).

(٧) صحيح البخاري برقم (٣٤٤٩) والمسند (٢/ ٢٧٢) من رواية عبد الرزاق و(٢/ ٣٣٦) من رواية عثمان بن عمر، وصحيح مسلم برقم (١٥٥).

ج2 · ص457

ويهلك الله في زمانه المسيح (١) الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنّمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يُتَوَفى ويصلي عليه المسلمون".

وكذا رواه أبو داود، عن هُدْبَة بن خالد، عن همام بن يحيى. رواه ابن جرير -ولم يورد (٢) عند هذه الآية سواه-عن بِشْر (٣) بن معاذ، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عَروبة -كلاهما عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم-وهو مولى أمّ بُرْثُن -صاحب السقاية، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذكر نحوه، وقال: فيقاتل الناس على الإسلام (٤).

وقد روى البخاري، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، والأنبياء أولاد علات، ليس بيني وبينه نبي" (٥).

ثم روى عن محمد بن سِنَان: عن فُلَيْح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرَة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد" وقال إبراهيم بن طَهْمَان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ. (٦).

حديث آخر: قال مسلم في صحيحه: حدثني زُهَير بن حرب، حدثنا مُعَلى بن منصور، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق -أو بدابق-فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافّوا قال الروم: خلوا بيننا وبين الذين سَبَوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويُقْتَلُ ثلثه أفضل الشهداء عند الله [﷿] (٧) ويفتح الثلث لا يفتنون أبدا فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم قد عَلَّقوا سيوفهم بالزيتون، إذْ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم. فيخرجون، وذلك باطل. فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يُعدّون للقتال: يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم فأمَّهم (٨) فإذا رآه عدوّ الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حَرْبته" (٩).

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا هُشَيْم، عن العَوَّام بن حَوْشَب، عن جَبَلة بن (١٠) سُحَيْم، عن مُؤثر بن عَفَازَة، عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى

(١) في أ: "المسيخ".

(٢) في أ: "يروه".

(٣) في أ: "بشير".

(٤) المسند (٢/ ٤٠٦) وسنن أبي داود برقم (٤٣٢٤) وتفسير الطبري (٩/ ٣٨٨).

(٥) صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣).

(٦) صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣).

(٧) زيادة من ر، أ.

(٨) في ر:: إمامهم".

(٩) صحيح مسلم برقم (٢٨٩٧).

(١٠) في ر: "عن".

ج2 · ص458

وعيسى، عليه (١) السلام، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي ﷿-أن الدجال خارج قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص (٢) قال: فيهلكه الله إذا رآني حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافرًا فتعالَ فاقتله: قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حَدَب ينسلون، فيطؤون بلادهم، فلا (٣) يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إليّ يشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تَجْوَى الأرضُ من نَتْن ريحهم، وينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم حتى نقذفهم في البحر، ففيما عهد إلي ربي ﷿-أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتِمّ، لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادها (٤) ليلا أو نهارا.

رواه ابن ماجه، عن محمد بن بشَّار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حَوْشَب، به نحوه (٥).

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نَضرة قال: أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعة؛ لنعرض عليه مصحفًا لنا على مصحفه، فلما حضرت الجمعة أمرنا فاغتسلنا، ثم أتينا (٦) بطيب فتطيبنا، ثم جئنا المسجد فجلسنا إلى رجل، فحدثنا عن الدجال، ثم جاء عثمان بن أبي العاص فقمنا إليه، فجلسنا فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام. فيفزع (٧) الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهلهم ثلاث فرق: فرقة تُقيم تقول: نُشَامه ننظر ما هو؟ وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم. ومع الدجال سبعون ألفًا عليهم السيجان وأكثر من معه اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليه، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه وننظر ما هو؟ وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغرب الشام وينحاز المسلمون إلى عقبة أَفِيق فيبعثون سَرْحًا لهم، فيصاب سَرْحهم، فيشتد ذلك عليهم وتصيبهم (٨) مجاعة شديدة وجهد شديد، حتى إن أحدهم ليحرقُ وتَرَ قَوْسه (٩) فيأكله، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من السَّحَر: "يا أيها الناس، أتاكم الغوث ثلاثا" فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لَصَوْت (١٠) رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم، ﵇، عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: رُوح الله، تَقَدَّمْ صَلِّ. فيقول: هذه الأمة أمراء، بعضهم على بعض. فيتقدم أميرهم فيصلي، فإذا قضى صلاته أخذ عيسى حَرْبَته، فيذهب نحو الدَّجال، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حَرْبته بين

(١) في د، ر، أ: "عليهم".

(٢) في ر: "الرضاب".

(٣) في د: "ولا".

(٤) في أ: "بولادتها".

(٥) المسند (١/ ٣٧٥) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٨١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٢٦٠): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".

(٦) في ر: "أتانا".

(٧) في د: "فزع".

(٨) في د: "ويصيبهم".

(٩) في ر: "ليحترق وتر قوته".

(١٠) في ر: "الصوت".

ج2 · ص459

ثَنْدوَته (١) فيقتله وينهزم (٢) أصحابه، فليس يومئذ شيء يواري أحدًا، حتى إن الشجرة لتقول: يا مؤمن، هذا كافر. ويقول الحجر: يا مؤمن، هذا كافر". تفرد به أحمد من هذا الوجه (٣).

حديث آخر: قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه المشهورة: حدثنا علي بن محمد، حدثنا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن رافع أبي رافع، عن أبي زُرْعَة الشيباني يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أُمَامة الباهلي قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثرُ خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال، وحذرناه، فكان من قوله أن قال:

"لم تكن فتنة في الأرض، منذ ذرأ الله ذُرِّية آدم، ﵇، أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيًا إلا حَذَّر أُمَّته الدجال. وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظَهْرَانيكم، فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يَخْرُجُ من بعدي فكل [امرئ] (٤) حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم وإنه يخرج من خَلّة بين الشام والعراق، فيعيث يمينًا ويعيث شمالا".

"[ألا] (٥) يا عباد الله، أيها الناس، فاثبتوا. وإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي: إنه يبدأ فيقول (٦) أنا نبي" فلا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: "أنا ربكم"، ولا ترون ربكم حتى تموتوا. وإنه أعور وإن ربكم، ﷿، ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كلّ مؤمن، كاتب وغير (٧) كاتب. وإن من فتنته أن معه جنة ونارا، فناره جنة وجنته نار. فمن ابتلي بناره فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردًا وسلاما، كما كانت النار (٨) على إبراهيم [﵇] (٩) وإن من فتنته أن يقول لأعرابيّ: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني، اتبعه، فإنه ربك. وإن من فتنته أن يُسَلّط على نفس واحدة فيقتلها وينشرها بالمنشار، حتى يُلْقَى شقين ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا، فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربًّا غيري. فيبعثه الله، فيقول له الخبيث: من ربك، فيقول: ربي الله. وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله ما كنتُ بعدُ أشدّ بصيرة بك مني اليوم". قال أبو حسن الطَّنَافِسيّ: فحدثنا المحاربي، حدثنا عبيد الله (١٠) بن الوليد الوصّافي، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "ذلك الرجل (١١) أرفع أمتي درجة في الجنة".

قال: قال أبو (١٢) سعيد: والله ما كنا نُرَى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب، حتى مضى لسبيله (١٣).

قال (١٤) المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تُمْطر، فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت، فتنبت، [وإن من فتنته أن يَمُر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة

(١) في أ: "ثندوتيه".

(٢) في ر: "ويهزم".

(٣) المسند (٤/ ٢١٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٥١) من طريق حماد بن سلمة به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٤٢): "فيه علي بن زيد، وفيه ضعف وقد وثق وبقية رجالهما رجال الصحيح

(٤) زيادة من أ.

(٥) زيادة من د.

(٦) في د: "يقول".

(٧) في د: "أو غير".

(٨) في أ: "النار بردا".

(٩) زيادة من أ.

(١٠) في ر: "عبد الله".

(١١) في أ: "وذلك الرجال".

(١٢) في ر: "أبي".

(١٣) في د: "سبيله".

(١٤) في ر: "ثم قال".