سورة النسَاء

ซูเราะฮ์ที่ 4 · ตอน 13/19 · เล่ม 2 หน้า 385–399

ج2 · ص385

يُسرّ إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفا، وكما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ [تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ] (١) الآية [الأنفال: ٢٦]، وهذا هو مذهب سعيد بن جبير، كما رواه الثوري، عن حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير في قوله: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) تخفون إيمانكم في المشركين.

ورواه عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) تستخفون بإيمانكم، كما استخفى (٢) هذا الراعي بإيمانه.

وهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: وذُكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير قوله: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) [تورعون عن مثل هذا، وقال الثوري عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ)] (٣) لم تكونوا مؤمنين (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [فَتَبَيَّنُوا) وقال السدي: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)] (٤) أي: تاب عليكم، فحلف أسامة لا يقتل (٥) رجلا يقول: "لا إله إلا الله" بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه.

وقوله: (فَتَبَيَّنُوا) تأكيد (٦) لما تقدم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) قال سعيد بن جبير: هذا تهديد ووعيد.

﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾

قال البخاري: حدثنا حفص بن عمر (٧) حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) دعا رسول الله ﷺ زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته فأنزل الله [﷿] (٨) (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)

حدثنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) قال النبي ﷺ: " ادع فلانا " فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف فقال: " اكتب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " وخَلْف النبي ﷺ ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضرير فنزلت مكانها: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) (٩)

وقال البخاري أيضا: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح بن

(١) زيادة من ر، أ.

(٢) في أ: "يستخفى"

(٣) زيادة من أ.

(٤) زيادة من أ.

(٥) في ر: "لا يقاتل".

(٦) في ر: "تأكيدا".

(٧) في أ: "عمرو".

(٨) زيادة من ر، أ.

(٩) صحيح البخاري برقم (٤٥٩٣) ورقم (٤٥٩٤).

ج2 · ص386

كَيْسان، عن ابن شهاب، حدثني سهل بن سعد الساعدي: أنه رأى مَروان بن الحكم في المسجد، قال: فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره: أن رسول الله ﷺ أملى عَلَيّ: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ". فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يمليها عليَّ، قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت -وكان أعمى-فأنزل الله على رسول الله ﷺ، وفَخِذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن تُرَض (١) فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)

انفرد به البخاري (٢) دون مسلم، وقد روي من وجه آخر عن زيد فقال الإمام أحمد:

حدثنا سليمان بن داود، أنبأنا عبد الرحمن بن (٣) أبي الزناد، عن خارجة بن زيد قال: قال زيد بن ثابت: إني قاعد إلى جنب رسول الله (٤) ﷺ، إذ أُوحِي إليه، قال: وغشيته السكينة، قال: فوقع (٥) فخذه على فخذي حين غشيته السكينة. قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئًا قط أثقل من فخذ رسول الله ﷺ، ثم سري عنه فقال: " اكتب يا زيد ". فأخذت كتفا فقال: "اكتب: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ) إلى قوله (٦) (أَجْرًا عَظِيمًا) فكتبت (٧) ذاك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم -وكان رجلا أعمى -فقام حين سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد ممن هو أعمى، وأشباه ذلك؟ قال زيد: فوالله ما مضى (٨) كلامه -أو ما هو إلا أن قضى كلامه -حتى غشيت النبي ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه فقال: " اقرأ ". فقرأت عليه: " لا يستوِي القاعدون من الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ " (٩) فقال النبي ﷺ: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) قال زيد: فألحقتها، فوالله لكأني أنظر إلى مُلْحَقها عند صدع كان في الكتف.

ورواه أبو داود، عن سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، به نحوه (١٠).

وقال عبد الرزاق: أنبأنا (١١) معمر، عن الزهري، عن قَبيصة بن (١٢) ذُؤَيب، عن زيد بن ثابت، قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ فقال: " اكتب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " فجاء (١٣) عبد الله ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن بي من الزمانة ما قد ترى، قد ذهب بصري. قال زيد: فثقلت فَخذ رسول الله ﷺ على فخذي، حتى خشيت أن ترضها (١٤) ثم سُرِّي عنه، ثم قال: " اكتب: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)

(١) في ر: "يرض".

(٢) صحيح البخاري برقم (٤٥٩٢).

(٣) في ر، أ: "عن".

(٤) في أ: "النبي".

(٥) في أ: "فرفع".

(٦) في ر، أ: "الآية كلها إلى قوله".

(٧) في أ: "فكتب".

(٨) في ر، أ: "قضى".

(٩) في ر: "والمجاهدين".

(١٠) المسند (٥/ ١٩١) وسنن أبي داود برقم (٢٥٠٧).

(١١) في أ: "أخبرنا".

(١٢) في ر: "عن".

(١٣) في أ: "فجاءه".

(١٤) في أ: "يرضها".

ج2 · ص387

ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير (١) وقال عبد الرزاق: أخبرني ابن جُرَيْج، أخبرني عبد الكريم -هو ابن مالك الجَزري (٢) -أن مِقْسما مولى عبد الله بن الحارث -أخبره أن ابن عباس أخبره: لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجون إلى بدر.

انفرد به البخاري (٣) دون مسلم. وقد رواه الترمذي من طريق حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عبد الكريم، عن مِقْسم، عن ابن عباس قال: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضر عن بدر، والخارجون إلى بدر، لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.

هذا لفظ الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. (٤)

فقوله [تعالى] (٥) (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) كان مطلقا، فلما نزل بوحي سريع: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) صار (٦) ذلك مخرجا لذوي الأعذار (٧) المبيحة لترك الجهاد -من الْعَمَى والعَرَج والمرض-عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.

ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين، قال ابن عباس: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) وكذا ينبغي أن يكون لما ثبت في الصحيح عند البخاري من طريق زهير بن معاوية، عن حُمَيْد، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ قال: " إن بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم من مَسِير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه " قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: " نعم حبسهم العذر ".

وهكذا رواه الإمام أحمد عن محمد بن أبي عَدِيّ عن حُمَيد، عن أنس، به (٨) وعلقه البخاري مجزوما. ورواه أبو داود عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: " لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه ". قالوا: يا رسول الله، وكيف (٩) يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: " حبسهم العذر ".

لفظ أبي داود (١٠) وفي هذا المعنى قال الشاعر:

يا راحلين إلى البَيت العتيق لَقَدْ … سرْتُم جُسُوما وسرْنا نحنُ أرواحا

إنَّا أقَمنا على عُذْرٍ وعَنْ قَدَرٍ … ومَنْ أقامَ على عذْرٍ فقد راحا

(١) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٦٤) وتفسير الطبري (٩/ ٩١).

(٢) في أ: "الجهزي".

(٣) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٦٥) وصحيح البخاري برقم (٤٥٩٥).

(٤) سنن الترمذي برقم (٣٠٣٢).

(٥) زيادة من ر، أ.

(٦) في أ: "كان".

(٧) في أ: "الأضرار".

(٨) صحيح البخاري برقم (٢٨٣٨) والمسند (٣/ ١٠٣).

(٩) في ر: "قالوا: وكيف يا رسول الله".

(١٠) صحيح البخاري برقم (٢٨٣٩) وسنن أبي داود برقم (٢٥٠٨).

ج2 · ص388

وقوله: (وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض على الكفاية.

ثم قال تعالى: (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) ثم أخبر تعالى بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجِنَان (١) العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات، إحسانا منه وتكريما؛ ولهذا قال تعالى: (دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)

وقد ثبت في الصحيحين (٢) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: " إن (٣) في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض".

وقال الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: " من بلغ بسهم فله أجره درجة " فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: " أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام " (٤).

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حَيْوَة وغيره قالا حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال: قطع على (٥) أهل المدينة بعْثٌ، فاكتتبت فيه، فلقيتُ عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ يأتي السهم فَيُرمى (٦) به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله [﷿] (٧) (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) رواه الليث عن أبي الأسود (٨).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرَّمَادِي، حدثنا أبو أحمد -يعني الزبيري-حدثنا

(١) في أ: "الجنات".

(٢) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٨٨٤)، وهو عند البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ لا من حديث أبي سعيد الخدري برقم (٢٧٩٠).

(٣) في أ: "إنه".

(٤) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه كما في الدر المنثور (٢/ ٦٤٥).

(٥) في أ: "من".

(٦) في د، ر أ: "يرمى".

(٧) زيادة من ر.

(٨) صحيح البخاري برقم (٤٥٩٦).

ج2 · ص389

محمد بن شَرِيك المكي، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض (١) قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين (٢) وأكرهوا، فاستَغْفَروا لهم، فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) إلى آخر] (٣) الآية، قال: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم. قال: فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه (٤) الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية (٥) [البقرة: ٨].

وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في شباب من قريش، كانوا تكلموا بالإسلام بمكة، منهم: علي بن أمية بن خَلَف، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن منبه (٦) بن الحجاج، والحارث بن زَمْعة.

وقال الضحاك: نزلت في ناس (٧) من المنافقين، تخلفوا عن رسول الله ﷺ بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر، فأصيبوا فيمن أصيب فنزلت هذه (٨) الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع، وبنص هذه الآية حيث يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي: بترك الهجرة (قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟ (قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ) أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض (قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا]) (٩).

وقال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب (١٠) بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب: أما بعد، قال رسول الله ﷺ: " من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله " (١١).

وقال السدي: لما أسر العباس وَعقِيل ونَوْفَل، قال رسول الله ﷺ للعباس: " افد نفسك وابن أخيك " قال: يا رسول الله، ألم نصل قبلتك، ونشهد شهادتك؟ قال: " يا عباس، إنكم خاصمتم فخُصمتم". ثم تلا عليه هذه الآية: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا]) (١٢) رواه ابن أبي حاتم.

وقوله: (إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ [مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا]) (١٣)

(١) في ر، أ: "بنبل".

(٢) في ر: "مسلمون".

(٣) زيادة من ر، أ.

(٤) في أ: "فيهم".

(٥) ورواه الطبري في تفسيره (٩/ ١٠٢) حدثنا أحمد بن منصور الرمادي به.

(٦) في د: "ابن منصور".

(٧) في د، ر: "أناس".

(٨) في أ: "فهذه".

(٩) زيادة من د، ر، أ، وفي هـ: "الآية".

(١٠) في ر، أ: "حبيب".

(١١) سنن أبي داود برقم (٢٧٨٧).

(١٢) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".

(١٣) زيادة من د، ر، أ، وفي هـ: "إلى آخر الآية".

ج2 · ص390

هذا عذر من الله تعالى لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: (لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا) قال مجاهد وعكرمة، والسدي: يعني طريقا.

وقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) أي: يتجاوز عنهم بترك (١) الهجرة، وعسى من الله موجبة (وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) (٢).

قال البخاري: حدثنا أبو نُعَيْم، حدثنا شَيْبَان، عن يَحْيَى، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة قال: بينا النبي ﷺ يصلي العشاء إذ قال: " سمع الله لمن حمده " ثم قال قبل أن يسجد " اللهم نَج (٣) عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج (٤) سلمة بن هشام، اللهم نج (٥) الوليد بن الوليد، اللهم نَج (٦) المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها سنين كسِنِيِّ يوسف". (٧)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المقري (٨) حدثنا عبد الوارث، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسَّيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ رفع يده بعدما سلم، وهو مستقبل القبلة فقال: " اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسَلَمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من أيدي الكفار" (٩).

وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن علي بن زيد عن عبد الله (١٠) -أو إبراهيم بن عبد الله القرشي-عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ كان يدعو في دُبُرِ صلاة الظهر: " اللهم خَلِّص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ".

ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم (١١).

وقال عبد الرزاق: أنبأنا (١٢) ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان (١٣)

وقال البخاري: أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن ابن عباس: (إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ) قال: كانت أمي ممن عَذَر الله ﷿ (١٤).

وقوله: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) هذا تحريض على

(١) في د، أ: "بتركهم".

(٢) في ر: "عفوا غفورا" وهو خطأ.

(٣) في ر، أ: "أنج".

(٤) في ر، أ: "أنج".

(٥) في ر، أ: "أنج".

(٦) في ر، أ: "أنج".

(٧) صحيح البخاري برقم (٤٥٩٨).

(٨) في ر: "المنقري".

(٩) وفي إسناده علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة ضعيف لا يحتج به، وقد اختلف عليه فيه، كما سيأتي في رواية الطبري.

(١٠) في ر، أ: "عبيد الله".

(١١) تفسير الطبري (٩/ ١١٠) وإسناده ضعيف.

(١٢) في أ: "أخبرنا".

(١٣) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٦٦).

(١٤) صحيح البخاري برقم (٤٥٩٧).

ج2 · ص391

الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه، و"المراغم" مصدر، تقول العرب: راغم فلان قومه مراغما ومراغمة، قال نابغة (١) بني جعدة (٢).

كَطَوْدٍ يُلاذُ بأرْكَانِه … عَزيز المُرَاغَم وَالْمَهْربِ

وقال ابن عباس: "المراغَم": التحول من أرض إلى أرض. وكذا رُوي عن الضحاك والربيع بن أنس، الثوري، وقال مجاهد: (مُرَاغَمًا كَثِيرًا) يعني: متزحزحا عما يكره. وقال سفيان بن عيينة: (مُرَاغَمًا كَثِيرًا) يعني: بروجا.

والظاهر -والله أعلم-أنه (٣) التمنّع الذي يُتَحصَّن به، ويراغم به الأعداء.

قوله: (وَسَعَةً) يعني: الرزق. قاله غير واحد، منهم: قتادة، حيث قال في قوله: (يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) إي، والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى.

وقوله: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) أي: ومن خرج من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق، فقد حصل له من (٤) الله ثواب من هاجر، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري (٥) عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وَقّاص الليثي، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٦).

وهذا عام في الهجرة وفي كل الأعمال. ومنه الحديث الثابت في الصحيحين (٧) في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نَفْسًا. ثم أكمل بذلك العابد المائة، ثم سأل عالما: هل له من توبة؟ فقال: ومن يَحُول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر يعبد الله فيه، فلما ارتحل من بلده مهاجرا إلى البلد الآخر، أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبا. وقال هؤلاء: إنه لم يَصِلْ بَعْدُ. فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما (٨) كان أقرب كان (٩) منها، فأمر الله هذه أن يُقرب (١٠) من هذه، وهذه أن تبعد (١١) فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بِشِبْر، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي رواية: أنه لما جاءه

(١) في أ: "نابغة في بني جعدة.

(٢) البيت في تفسير الطبري (١٠/ ١١٢) واللسان مادة (رغم).

(٣) في أ: "أن المراغم هو".

(٤) في أ: "عند".

(٥) في أ: "القطان".

(٦) صحيح البخاري برقم (١، ٥٤) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٧) وسنن أبي داود برقم (٢٢٠١) وسن الترمذي برقم (١٦٤٧)، وسنن النسائي (١/ ٥٩) وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٢٧) ومسند أحمد (١/ ٢٥) ومسند الحميدي (١/ ١٦) ومسند الطيالسي (٢/ ٢٧) "منحة المعبود".

(٧) صحيح البخاري برقم (٣٤٧٠) وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٦).

(٨) في د، ر: "أيها"، وفي أ: "أيهما".

(٩) في د، ر: "فهو".

(١٠) في د: "تقترب"، وفي ر: "تقرب".

(١١) في د: "تبتعد".

ج2 · ص392

الموت ناء بصدره إلى الأرض (١) التي هاجر إليها.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن عَتِيك، عن أبيه عبد الله بن عَتِيك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من خرج من بيته مهاجرا (٢) في سبيل الله-ثم قال بأصابعه هؤلاء الثلاث: الوسطى والسبابة والإبهام، فجمعهن وقال: وأين المجاهدون-؟ فخرَّ عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله أو مات حَتْف أنفه، فقد وقع أجره على الله -والله! إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله ﷺ-ومن قتل قَعْصًا (٣) فقد استوجب المآب (٤).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزامي (٥) حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي (٦) عن المنذر بن عبد الله، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه؛ أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حِزَام (٧) إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) قال الزبير: فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغني؛ لأنه قَلّ أحد ممن هاجر من قريش إلا معه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره.

وهذا الأثر غريب جدا (٨) فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدنية، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا سليمان بن داود مولى عبد الله بن جعفر، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الرحمن (٩) بن سليمان، عن الأشعث (١٠) -هو ابن سَوَّار-عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرج ضَمْرَةُ بن جُنْدُب إلى رسول الله ﷺ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله ﷺ فنزلت: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا]) (١١) (١٢).

وحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رَجَاء، أنبأنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة بن العيص الزُّرَقِي، الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة فلما نزلت: (إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) فقلت: إني لغني، وإني لذو حيلة، [قال] (١٣) فتجهز يريد النبي ﷺ فأدركه الموت بالتَّنْعِيم، فنزلت هذه الآية: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ [فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا]) (١٤)

(١) في د: "البلد".

(٢) في أ: "مجاهدا".

(٣) في د: "نفسا"، وفي ر: "بعضا"، وفي أ: "بعض".

(٤) المسند (٤/ ٣٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٦٠: "فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات".

(٥) في أ: "الخزامي".

(٦) في أ: "الخزامي".

(٧) في أ: "ابن حرام".

(٨) ووجه غرابته أيضا كما قال ابن حجر: أن الذي نزلت فيه هذه الآية جندب بن ضمرة، وسيأتي حديثه عقب هذا.

(٩) في ر: "عبد الرحيم".

(١٠) في ر: "أشعث".

(١١) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".

(١٢) ورواه أبو يعلى في مسنده (٥/ ٨١) والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٧٢) من طريق أشعث بن سوار به. قال الهيثمي بعد أن عزاه لأبي يعلى وحده: "رجاله ثقات، لكن في إسناده أشعث بن سوار وهو ضعيف".

(١٣) زيادة من ر.

(١٤) تفسير ابن أبي حاتم (ق ١٧٦) وقد روي هذا الأثر من طرق أخرى مرسلة، فرواه سعيد بن منصور في سننه برقم (٦٨٥) قال: أخبرنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير به مرسلا، ورواه الطبري في تفسيره (٩/ ١١٨) من طريق قيس بن الربيع عن سالم عن سعيد بن جبير به مرسلا.

ج2 · ص393

قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن زياد سَبَلانُ، حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن إسحاق، عن حميد بن أبي حميد، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من خرج حاجا فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي (١) إلى يوم القيامة".

وهذا حديث غريب من هذا الوجه (٢).

﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾

يقول تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ) أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] (٣) الآية [المزمل: ٢٠].

وقوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) أي: تخَفّفوا فيها، إما من كميتها بأن تجعل (٤) الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلّوا بها على قصر الصلاة في السفر، على اختلافهم في ذلك: فمن قائل لا بد أن يكون سفر طاعة، من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة، وغير ذلك، كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء، ويحكى عن مالك في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)

ومن قائل (٥) لا يشترط سفر القربة، بل لا بد أن يكون مباحا، لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ [فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] (٦) [المائدة: ٣] أباح له تناول الميتة مع اضطراره إلا بشرط ألا يكون عاصيا بسفره. وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة.

وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وَكِيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل تاجر، أختلف إلى البحرين "فأمره أن يصلي ركعتين" وهذا مرسل (٧).

ومن قائل: يكفي مطلق السفر، سواء كان مباحا أو محظورا، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل، تَرَخَّص، لوجود مطلق السفر. وهذا قول أبي حنيفة، ﵀، والثوري وداود،

(١) في ر: "المغازي".

(٢) مسند أبي يعلى (١/ ٢٣٨) وفي إسناده جميل بن أبي ميمونة لم يوثقه سوى ابن حبان، وابن إسحاق مدلس وقد عنعن.

(٣) زيادة من ر، أ.

(٤) في ر: "ترجع".

(٥) في ر: "ومن قال".

(٦) زيادة من ر، أ.

(٧) المصنف (٢/ ٤٤٨).

ج2 · ص394

لعموم الآية وخالفهم الجمهور. وأما قوله: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فقد يكون هذا خُرِّج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سرية خاصة، وسائر الأحيان حرب الإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله (١)﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، وكقوله: (٢) ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ الآية [النساء: ٢٣].

وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن إدريس، حدثنا ابن جُرَيْج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابَيْه، عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب قلت: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقد أمَّن الله الناس (٣)؟ فقال لي عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته".

وهكذا رواه مسلم وأهل السنن، من حديث ابن جريج، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال علي بن المديني: هذا حديث صحيح من حديث عمر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه، ورجاله معروفون (٤) وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مِغْول، عن أبي حنظلة الحذَّاء قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان. فقلت: أين قوله تعالى: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ونحن آمنون؟ فقال: سنة رسول الله ﷺ (٥).

وقال ابن مَرْدُويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى، حدثنا علي بن محمد بن سعيد، حدثنا مِنْجَاب، حدثنا شُرَيْك، عن قيس بن وهب، عن أبي الودَّاك: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر؟ فقال: هي رخصة، نزلت من السماء، فإن شئتم فردوها.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا ابن عَوْن، عن ابن سِيرِين، عن ابن عباس قال: صلينا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، ونحن آمنون، لا نخاف بينهما، ركعتين ركعتين.

وكذا رواه النسائي، عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الحذَّاء (٦) عن عبد الله بن عون، به (٧) قال أبو عمر بن عبد البر: وهكذا رواه أيوب، وهشام، ويزيد بن إبراهيم التُّسْتَرِي، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس، ﵄، عن النبي ﷺ، مثله.

قلت: وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن هُشَيم، عن منصور بن زَاذَان، عن

(١) في ر: "لقوله".

(٢) في ر: "لقوله".

(٣) في أ: "البأس".

(٤) المسند (١/ ٢٥) وصحيح مسلم برقم (٦٨٦) وسنن أبي داود برقم (١١٩٩) وسنن النسائي (٣/ ١١٦) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٦٥).

(٥) المصنف (٢/ ٤٤٧) ورواه أحمد في مسنده (٢/ ٣١) عن طريق يزيد بن إسماعيل عن أبي حنظلة عن ابن عمر ﵁.

(٦) في أ: "ابن الحارث".

(٧) المصنف (٢/ ٤٤٨) وسنن النسائي (٣/ ١١٧).

ج2 · ص395

محمد بن سيرين، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة إلى مكة، لا يخاف إلا ربَّ العالمين، فصلى ركعتين، ثم قال الترمذي: صحيح (١).

وقال البخاري: حدثنا أبو مَعْمَر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنسا يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عَشْرًا.

وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، به (٢).

وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا سُفْيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن وهب الخُزَاعي قال: صليت مع النبي ﷺ الظهر والعصر بمنى -أكثر ما كان الناس وآمنه -ركعتين.

ورواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق، عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عنه، به (٣) ولفظ البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت حارثة بن وهب قال: صلى بنا رسول الله ﷺ آمن ما كان بمنى ركعتين.

وقال البخاري: حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، حدثنا عبيد الله، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر قال: صليت مع النبي ﷺ ركعتين، وأبي بكر وعمر، ومع عثمان صدرا من إمارته، ثم أتمها.

وكذا رواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان [الأنصاري] (٤) به (٥).

وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد، عن الأعمش، حدثنا إبراهيم، سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان، ﵁، بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي مع (٦) أربع ركعات ركعتان متقبلتان.

ورواه البخاري أيضا من حديث الثوري، عن الأعمش، به. وأخرجه مسلم من طرق، عنه. منها عن قتيبة كما تقدم (٧).

فهذه الأحاديث دالة صريحا على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف؛ ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر هاهنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية. وهو قول مجاهد، والضحاك، والسدي كما سيأتي بيانه، واعتضدوا أيضا بما رواه الإمام مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن

(١) سنن الترمذي برقم (٥٤٧) وسنن النسائي (٣/ ١١٧).

(٢) صحيح البخاري برقم (١٠٨١) وصحيح مسلم برقم (٦٩٣) وسنن أبي داود برقم (١٢٣٣) وسنن الترمذي برقم (٥٤٨) وسنن النسائي (٣/ ١١٨) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٧٧).

(٣) المسند (٤/ ٣٠٦) وصحيح البخاري برقم (١٠٨٣) وصحيح مسلم برقم (٦٩٦) وسنن أبي داود برقم (١٩٦٥) وسنن الترمذي برقم (٨٨٢) وسنن النسائي (٣/ ١٢٠).

(٤) زيادة من أ.

(٥) صحيح البخاري برقم (١٠٨٢) وصحيح مسلم برقم (٦٩٤) وسنن النسائي (٣/ ١٢١).

(٦) في ر، أ: "من".

(٧) صحيح البخاري برقم (١٠٨٤) و(١٦٥٧) وصحيح مسلم برقم (٦٩٥).

ج2 · ص396

الزبير، عن عائشة، ﵂، أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فَأقرَّت صلاة السفر؛ وَزِيد في صلاة الحضر.

وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنَّيسي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القَعْنَبي، والنَّسائي عن قتيبةَ، أربعتهم عن مالك، به (١).

قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد بالقصر هاهنا قصر الكمية؛ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)؟

وأصرح من ذلك دلالة على هذا، ما رواه الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان -وعبد الرحمن حدثنا سفيان -عن زُبَيْد اليامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر، ﵁، قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى (٢) ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان محمد ﷺ.

وهكذا رواه النسائي وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، من طرق عن زُبَيْد اليامي (٣) به (٤).

وهذا إسناد على شرط مسلم. وقد حَكَم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى، عن عمر. وقد جاء مصرحا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب إن شاء الله. وإن كان يحيى بن مَعين، وأبو حاتم، والنسائي قد قالوا: إنه لم يسمع منه. وعلى هذا أيضا، فقد وقع في بعض طرق أبي يَعْلى الموصِلي، من طريق الثوري، عن زُبَيد، عن عبد الرحمن [بن أبي ليلى] (٥) عن الثقة، عن عمر فذكره، وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد، عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عُجْرَة، عن عمر، به.، فالله أعلم (٦).

وقد روى مسلم في صحيحه، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث أبي عَوَانة الوضاح بن عبد الله اليَشْكُري -زاد مسلم والنسائي: وأيوب بن عائد -كلاهما عن بُكَير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة، [هكذا رواه وكيع وروح بن عبادة عن أسامة بن زيد الليثي: حدثني الحسن بن مسلم بن يَسَاف عن طاوس عن ابن عباس قال: فرض الله ورسوله ﷺ الصلاة في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين] (٧) فكما يصلى في الحضر قبلها وبعدها، فكذلك يصلى في السفر (٨).

ورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيد، عن طاوس نفسه (٩).

(١) الموطأ في قصر الصلاة في السفر برقم (٨)، (١/ ١٤٦) وصحيح البخاري برقم (٣٥٠) وصحيح مسلم برقم (٦٨٥) وسنن أبي داود برقم (١١٩٨) وسنن النسائي (١/ ٢٢٥).

(٢) في أ: "الضحى".

(٣) في ر: "الأيامى".

(٤) المسند (١/ ٣٧) وسنن النسائي (٣/ ١١١) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٦٣) وصحيح ابن حبان (٤/ ١٩٧).

(٥) زيادة من أ.

(٦) انظر صحيح مسلم المقدمة (١/ ٣٤) والمراسيل لابن أبي حاتم (١٢٥) وتاريخ الدروي عن يحيى بن معين (٢/ ٣٥٦). والصحيح أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر، بل قال ابن معين في رواية ابن أبي شيبة عنه: لم يسمع من عمر ولا عثمان وسمع من علي. وانظر: تهذيب الكمال للمزي (١٧/ ٣٧٦) وحاشية الدكتور بشار عواد عليه.

(٧) زيادة من أ.

(٨) صحيح مسلم برقم (٦٨٧) وسنن أبي داود برقم (١٢٤٧) وسنن النسائي (٣/ ١٦٩) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٦٨).

(٩) سنن ابن ماجه برقم (١٠٧٢).

ج2 · ص397

فهذا ثابت عن ابن عباس، ﵄ (١) ولا ينافي ما تقدم عن عائشة لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقر ذلك صح أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس، والله أعلم. لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث عمر، ﵁، وإذا كان كذلك، فيكون المراد بقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) قصر الكيفية كما في صلاة الخوف؛ ولهذا قال: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا]) (٢).

ولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ] (٣) الآية (٤) فبين المقصود من القصر هاهنا وذكر صفته وكيفيته؛ ولهذا لما اعتضد (٥) البخاري

"كتاب (٦) صلاة الخوف" صدره بقوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾

وهكذا قال جُوَيبر، عن الضحاك في قوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) قال: ذاك عند القتال، يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه.

وقال أسباط، عن السدي في قوله: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ) الآية: إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام، التقصير لا يحل، إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة، فالتقصير ركعة.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) يوم كان النبي ﷺ وأصحابه بعُسفان والمشركون (٧) بضجْنان، فتوافقوا، فصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات، بركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعا، فَهَمَّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم.

روى ذلك ابن أبي حاتم. ورواه ابن جرير، عن مجاهد والسدي، وعن جابر وابن عمر، واختار ذلك أيضا، فإنه قال بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن أبي فُدَيْك، حدثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر؟ فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا ﷺ يعمل عملا عملنا به.

فقد سمى صلاة الخوف مقصورة، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع لا بنص القرآن.

وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضا: حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سِمَاك الحنفي: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان تمام غير

(١) في ر: "عنه".

(٢) زيادة من ر، أ.

(٣) زيادة من ر، أ.

(٤) في ر، أ: "إلى آخرها".

(٥) في أ: "عقد".

(٦) في ر: "في كتاب".

(٧) في ر: "والمسلمون".

ج2 · ص398

قصر، إنما القصر صلاة المخافة. فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة (١).

﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾

صلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صَوْبها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة ثلاثية كالمغرب، وتارة ثنائية، كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ورجالا وركبانا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة.

ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة؛ لحديث ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد بن حنبل. قال المنذري في الحواشي: وبه قال عطاء، وجابر، والحسن، ومجاهد، والحكم، وقتادة، وحماد. وإليه ذهب طاوس والضحاك.

وقد حكى أبو عاصم العَبَّادي (٢) عن محمد بن نصر المروزي؛ أنه يرى رَدَّ الصبح إلى ركعة في الخوف وإليه ذهب ابن حزم أيضًا.

وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة، تومئ بها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة؛ لأنها ذكر الله.

وقال آخرون: تكفي تكبيرة واحدة. فلعله أراد ركعة واحدة، كما قاله أحمد بن حنبل وأصحابه، ولكن الذين حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة، كما هو مذهب إسحاق بن راهويه، وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بُخْت المكي، حتى قال: فإن لم يقدر على التكبيرة (٣) فلا يتركها في نفسه، يعني بالنية، رواه سعيد بن منصور في سننه عن إسماعيل بن عَيَّاش، عن شعيب بن دينار، عنه، فالله أعلم.

ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النبي ﷺ يوم الأحزاب صلاة العصر، قيل: والظهر، فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء. وكما قال

(١) تفسير الطبري (٩/ ١٣٤).

(٢) في ر: "العادي".

(٣) في أ: "التكبير".

ج2 · ص399

بعدها -يوم بني قريظة، حين جهز إليهم الجيش -: "لا يصلينّ أحدٌ منكم العصر إلا في بني قريظة"، فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله ﷺ إلا تعجيلَ المسير، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق. وأخَّر آخرون منهم العصر، فصلوها في بني قريظة بعد الغروب، ولم يُعَنِّف رسول الله ﷺ أحدا من الفريقين (١) وقد تكلمنا على هذا في كتاب السيرة، وبَيَّنا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر، وإن كان الآخرون معذورين أيضًا، والحجة هاهنا في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد (٢) من الطائفة الملعونة اليهود. وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا بين في حديث أبي سعيد الخدري، الذي رواه الشافعي وأهل السنن، ولكن يشكل على هذا (٣) ما حكاه البخاري ﵀، في صحيحه، حيث قال:

"باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو": قال الأوزاعي: إن كان تَهَيَّأ الفتحُ ولم يقدروا على الصلاة، صَلُّوا إيماء، كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخَّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين. فإن لم يقدروا صَلُّوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير، ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة (٤) حصن تُسْتر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نُصَلِّ إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، فَفُتح لنا، قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. (٥)

انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، وكأنه كالمختار لذلك، والله أعلم.

ولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج (٦) بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر فإنه يشتهر (٧) غالبا، ولكن كان ذلك في إمارة عمر بن الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم، ولا أحد من الصحابة، والله أعلم.

[و] (٨) قال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق؛ لأن ذات الرِّقَاع كانت قبل الخندق في قول جمهور علماء السير والمغازي. وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق، وموسى بن عقبة، والواقدي، ومحمد بن سعد كاتبه، وخليفة بن خَيَّاط وغيرهم (٩) وقال البخاري وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق، لحديث أبي موسى وما قَدم إلا في خيبر، والله أعلم. والعجب -كل العجب -

(١) صحيح البخاري برقم (٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٧٧٠) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.

(٢) في ر: "للعهود".

(٣) في د: "يشكل عليه".

(٤) في د: "مناهزة".

(٥) ذكره البخاري تعليقا (٢/ ٤٣٤).

(٦) في أ: "أن يقول".

(٧) في أ: "شهر".

(٨) زيادة من د.

(٩) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٢٠٣) والمغازي للواقدي (١/ ٣٣٥) والطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٦١).