سورة مريم
ซูเราะฮ์ที่ 19 · ตอน 4/4 · เล่ม 5 หน้า 256–270
مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة". فقال عمر: إذا نستكثر يا رسول الله، فقال رسول الله [ﷺ: "لله] (١) أكثر وأطيب" (٢).
وقال رسول الله ﷺ: "من قرأ ألف آية في سبيل الله، كُتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، إن شاء الله. ومن حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا بأجرة (٣) سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، قال الله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا) وإن الذكر في سبيل [الله] (٤) يُضْعفُ فوق النفقة بسبعمائة ضعف". وفي رواية: "بسبعمائة ألف ضعف" (٥)
وروى أبو داود، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب [وسعيد بن أبي أيوب] (٦) كلاهما عن زبان (٧)، عن سهل، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ: "إن الصلاة والصيام والذكر تضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف" (٨).
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا) قال: هو الممر عليها (٩)
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا)، قال: ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهريها، وورود المشركين: أن يدخلوها، وقال النبي ﷺ: "الزالون والزالات يومئذ كثير، وقد أحاط بالجسر يومئذ سِمَاطان من الملائكة، دعاؤهم: يا ألله سلم سلم" (١٠).
وقال السدي، عن مرة، عن ابن مسعود في قوله: (كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا) قال: قسمًا واجبًا. وقال مجاهد: [حتمًا] (١١)، قال: قضاء. وكذا قال ابن جريج (١٢)
وقوله: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي: إذا مرّ الخلائق كلهم على النار، وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي، بحسبهم، نجى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم. فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون (١٣)، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم -وهي مواضع السجود-وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجون أولا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، [ثم الذي يليه] (١٤) حتى يخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ثم يخرج الله من النار
(١) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٢) المسند (٣/ ٤٣٧).
(٣) في ت، ف،: "بأجر".
(٤) زيادة من ف، أ.
(٥) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٤٣٧) من حديث معاذ بن أنس ﵁.
(٦) زيادة من ف، أ.
(٧) في أ: "ريان".
(٨) سنن أبي داود برقم (٢٤٩٨).
(٩) تفسير عبد الرزاق (٢/ ١١).
(١٠) تفسير الطبري (١٦/ ٨٣)
(١١) زيادة من ف، أ.
(١٢) في ت: "ابن جرير".
(١٣) في ت: "فيشفع الله الملائكة والنبيين والمؤمنين
(١٤) زيادة من ف، أ.
من قال يومًا من الدهر: "لا إله إلا الله" (١) وإن لم يعمل خيرًا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ؛ ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾.
يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى (٢) عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان: أنهم يصدون عن ذلك، ويعرضون ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم: (خَيْرٌ مَقَامًا وأَحْسَنُ نَدِيًّا) [أي: أحسن منازل وأرفع دورًا وأحسن نديا] (٣)، وهو مجمع الرجال للحديث، أي: ناديهم أعمر وأكثر واردًا وطارقًا، يعنون: فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك [الذين هم] (٤) مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من (٥) الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]. وقال قوم نوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]؛ ولهذا قال تعالى رادًّا عليهم شبهتهم: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) أي: وكم من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم بكفرهم، (هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا) أي: كانوا أحسن من هؤلاء أموالا وأمتعة ومناظر وأشكالا.
[و] (٦) قال الأعمش، عن أبي ظَبْيَان، عن ابن عباس: (خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) قال: المقام: المنزل، والندي: المجلس، والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر.
وقال العوفي، عن ابن عباس: المقام: المسكن، والندي: المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها، وهو كما قال الله لقوم فرعون حين (٧) أهلكهم وقص شأنهم في القرآن: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ (٨) وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٥، ٢٦]، فالمقام: المسكن والنعيم، والندي: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه، وقال [الله] (٩) فيما قص على رسوله من أمر قوم لوط (١٠): ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، والعرب تسمي المجلس: النادي.
وقال قتادة: لما رأوا أصحاب محمد ﷺ في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، تَعَرّض (١١) أهل الشرك بما تسمعون (١٢): (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) وكذا قال مجاهد، والضحاك.
ومنهم من قال في الأثاث: هو المال. ومنهم من قال: المتاع. ومنهم من قال: الثياب، والرئي: المنظر كما قال ابن عباس، ومجاهد وغير واحد.
وقال الحسن البصري: يعني الصور، وكذا قال مالك: (أَثَاثًا وَرِئْيًا): أكثر أموالا وأحسن صورًا. والكل متقارب صحيح.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾.
يقول تعالى: (قُلْ) يا محمد، لهؤلاء المشركين بربهم المدعين، أنهم على الحق وأنكم على الباطل: (مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ) أي: منا ومنكم، (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) أي: فأمهله الرحمن (١) فيما هو فيه، حتى يلقى ربه وينقضي (٢) أجله، (إِمَّا الْعَذَابَ) يصيبه، (وَإِمَّا السَّاعَةَ) بغتة تأتيه، (فَسَيَعْلَمُونَ) حينئذ (مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا) [أي] (٣): في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي.
قال مجاهد في قوله: (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) فليدعه الله في طغيانه. هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، ﵀.
وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه (٤)، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] أي: ادعوا على المبطل منا ومنكم بالموت (٥) إن كنتم تدعون أنكم على الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة "البقرة" مبسوطا، ولله الحمد. وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة "آل عمران" حين (٦) صمموا على الكفر، واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد ذكر الله حُجَجه وبراهينه على عبودية عيسى، وأنه مخلوق كآدم، قال (٧) بعد ذلك: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] فنكلوا أيضًا عن ذلك.
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾.
لما ذكر [الله] (٨) تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هُدى كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].
وقوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) قد تقدم تفسيرها، والكلام عليها، وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة "الكهف".
(خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) أي: جزاء (وَخَيْرٌ مَرَدًّا) أي: عاقبة ومردا على صاحبها.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جلس رسول الله ﷺ ذات يوم، فأخذ عودًا يابسًا فَحَطَّ ورقة ثم قال: "إن قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح (١)، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن (٢) من كنوز الجنة" قال أبو سلمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللنّ الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون (٣)
وهذا ظاهره (٤) أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة، عن أبي الدرداء، والله أعلم. وهكذا وقع في سنن ابن ماجه، من حديث أبي معاوية، عن عُمر (٥) بن راشد، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي الدرداء، فذكر نحوه (٦)
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه. فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد (٧) [فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد ﷺ] (٨) حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد، فأعطيتك، فأنزل الله: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا) إلى قوله: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا).
أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما، من غير وجه، عن الأعمش به (٩)، وفي لفظ البخاري: كنت قينًا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه. فذكر الحديث وقال: (أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) قال: موثقًا.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق قال: قال خَبَّاب
(١) في أ: "كما يحط ورق هذا الشجر الريح".
(٢) في أ: "وهو".
(٣) تفسير عد الرزاق (٢/ ١٢).
(٤) في أ: "وهذا ظاهر".
(٥) في ت: "عمرو".
(٦) سنن ابن ماجه برقم (٣٨١٣) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٩٤): "هذا إسناد ضعيف".
(٧) في ت: "محمد".
(٨) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٩) المسند (٤/ ١١١) وصحيح البخاري برقم (٢٠٩١)، (٤٧٣٤، ٤٧٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩٥).
بن الأرت، كنت قينًا بمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، قال: فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئت لأتقاضاه (١)، فقال لي: لا أقضيك (٢) حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد. قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا) إلى قوله: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا) (٣).
وقال العَوْفِيّ عن ابن عباس: إن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا، ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم (٤) الآخرة، فوالله لأوتين مالا وولدًا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به. فضرب الله مثله في القرآن فقال (٥) (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا) إلى قوله: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا)
وهكذا قال مجاهد، وقتادة، وغيرهم: إنها نزلت في العاص بن وائل.
وقوله: (لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا) قرأ بعضهم بفتح "الواو" من "ولدا" وقرأ آخرون بضمها، وهو بمعناه، قال رؤبة:
الحمْدُ للهِ العزيز فَرْدًا … لَمْ يتخذ مِنْ وُلْد شيء وُلْدا (٦)
وقال الحارث بن حلزة:
وَلَقَد رأيتُ معَاشرًا … قد تمرُوا مالا وَولْدا (٧)
وقال الشاعر:
فَلَيت فُلانًا كانَ في بَطْن أمه … وَليتَ فُلانًا كان وُلْد حِمَار (٨)
وقيل: إن "الوُلْد" بالضم جمع، "والوَلَد" بالفتح مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم.
وقوله: (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ): إنكار على هذا القائل، (لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا) يعني: يوم القيامة، أي: أعلم ما له في الآخرة حتى تَألى (٩) وحلف على ذلك، (أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا): أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك؟ وقد تقدم عند البخاري: أنه الموثق.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) قال: لا إله إلا الله، فيرجو بها (١٠). وقال محمد بن كعب القرظي: (أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) (١١) قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم قرأ: (أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا).
(١) في ف، أ: "أتقاضاه".
(٢) في أ: "فقال لي أقضيك".
(٣) تفسير عبد الرزاق "٢/ ١٣".
(٤) في ت: "قال فموعدكم".
(٥) في ت: "فقالوا".
(٦) الرجز في تفسير الطبري (١٦/ ٩٢).
(٧) البيت في تفسير الطبري (١٦/ ٩٢).
(٨) البيت في تفسير الطبري (١٦/ ٩٢) واللسان مادة "ولد" غير منسوب.
(٩) في أ: "حتى مالأ".
(١٠) في أ: "فيرجونها".
(١١) في ف: "أم اتخذ"، وفي هـ: "إلا من اتخذ"، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
وقوله: (كَلا): هي حرف رَدْع لما قبلها وتأكيد لما بعدها، (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) أي: من طلبه ذلك وحُكْمه لنفسه بما تمناه، وكفره بالله العظيم (وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا) أي: في الدار الآخرة، على قوله ذلك، وكفره [بالله] (١) في الدنيا.
(وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) أي: من مال وولد، نسلبه منه، عكس ما قال: إنه يُؤْتى في الدار الآخرة مالا وولدا، زيادة على الذي له في الدنيا؛ بل في الآخرة يُسلَب من الذي كان له في الدنيا، ولهذا قال: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا) أي: من المال والولد.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ)، [قال: نرثه] (٢)
وقال مجاهد: (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ): ماله وولده، وذلك الذي قال العاص بن وائل.
وقال عبد الرزاق، عن مُعْمَر، عن قتادة: (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) قال: ما عنده، وهو قوله: (لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا) وفي حرف ابن مسعود: "ونرثه ما عنده".
وقال قتادة: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا): لا مال له، ولا ولد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) قال: ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها، قال: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا) قال: فردًا من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾.
يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم: أنهم اتخذوا من دونه آلهة، لتكون تلك الآلهة (عِزًّا) يعتزون بها ويستنصرونها.
ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا، فقال: (كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) أي: يوم القيامة (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) أي: بخلاف ما ظنوا فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٣)﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]
وقرأ أبو نَهِيك: "كلّ سيكفرون بعبادتهم".
وقال السدي (٤): (كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) أي: بعبادة الأوثان. وقوله: (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) أي: بخلاف ما رَجَوا منهم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) قال: أعوانًا.
قال مجاهد: عونًا عليهم، تُخَاصِمُهم وتُكَذّبهم.
وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) قال: قرناء.
وقال قتادة: قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضًا، ويكفر بعضهم ببعض.
وقال السدي: (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) قال: الخصماء الأشداء في الخصومة.
وقال الضحاك: (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) قال: أعداء.
وقال ابن زيد: الضد: البلاء.
وقال عكرمة: الضد: الحسرة.
وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: تغويهم إغواء.
وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه.
وقال مجاهد: تُشليهم إشلاء (١).
وقال قتادة: تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله.
وقال سفيان الثوري: تغريهم إغراء وتستعجلهم استعجالا.
وقال السدي: تطغيهم طغيانا.
وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
وقوله: (فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم، (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) أي: إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]، ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠].
قال السدي: (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) السنين، والشهور، والأيام، والساعات.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) قال: نعد أنفاسهم في الدنيا.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾.
(١) في ف: "تمليهم إملاء".
يخبر تعالى عن أوليائه المتقين، الذين خافوه في الدار الدنيا (١) واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما عنه زجروهم: أنه (٢) يحشرهم يوم القيامة وفدًا إليه. والوفد: هم القادمون ركبانًا، ومنه الوفود وركوبهم على نجائب من نور، من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه. وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفا إلى النار، (وِرْدًا) عطاشًا، قاله [عطاء] (٣)، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد. وهاهنا يقال: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد (٤)، عن عمرو بن قيس الملائي، عن ابن مرزوق: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها، وأطيبها ريحًا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك. فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا، حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني، فيركبه. فذلك قوله: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا).
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) قال: ركبانًا.
وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة (٥)، عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) قال: على الإبل.
وقال ابن جُريج: على النجائب.
وقال الثوري: على الإبل النوق.
وقال قتادة: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) قال: إلى الجنة.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سُوَيْد بن سعيد، أخبرنا علي بن مُسْهِر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعد قال: كنا جلوسًا عند عليّ، ﵁، فقرأ هذه الآية: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) قال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير (٦) الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة (٧).
وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني، به. وزاد: "عليها رحائل الذهب، وأزمتها الزبرجد" والباقي مثله.
وروى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبًا جدًّا مرفوعًا، عن علي فقال:
حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا مسلمة بن جعفر البَجَلي،
سمعت أبا معاذ البصري قال: إن عليا كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ فقرأ هذه الآية: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) فقال: ما أظن الوفد إلا الركب (١) يا رسول الله. فقال رسول الله (٢) ﷺ: "والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون -أو: يؤتون-بنوق بيض لها أجنحة، وعليها رحال الذهب، شُرُك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما، فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون أو: فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة (٣) فيسمع (٤) لها طنين يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خرّ له -قال مسلمة (٥) أراه قال: ساجدًا-فيقول: ارفع رأسك، فإنما أنا قيمك، وكلت بأمرك. فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت -حِبّي، وأنا حبّك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن. فيدخل بيتًا من أسّه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها. وفي البيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه. الأنهار من تحتهم تطرد، أنهار من ماء غير آسن -قال: صاف لا كَدَر فيه (٦) -وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، لم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاربين، لم يعتصرها (٧) الرجال بأقدامهم (٨) وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي (٩) الثمار، فإن شاء أكل قائمًا، وإن شاء قاعدًا، وإن شاء متكئًا، ثم تلا ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الإنسان: ١٤]، فيشتهي الطعام، فيأتيه طير أبيض، وربما قال: أخضر (١٠) فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ولو أن شعرة من شعر الحوراء (١١) وقعت لأهل الأرض، لأضاءت الشمس معها سواد في نور" (١٢).
هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي، ﵁، بنحوه، وهو أشبه بالصحة، والله أعلم.
وقوله: (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) أي: عطاشا.
(لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ) أي: ليس لهم من يشفع لهم، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١]
(١) في أ: "الركوب".
(٢) في أ: "النبي".
(٣) في ف: "الصفحة".
(٤) في أ: "فلو تسمع".
(٥) في ف، أ: "سلمة".
(٦) في ف: "فيها".
(٧) في ف، أ: "يعصرها".
(٨) في أ: "بأقدامها".
(٩) في ف، أ: "فيستميل".
(١٠) في ف، أ: "خضر".
(١١) في ف: "الحور العين"، وفي أ: "من شعر الحور".
(١٢) ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٧) من طريق الضحاك بن مزاحم، عن الحارث، عن علي أنه سأل النبي ﷺ عن هذه الآية: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) فذكر نحوه.
وقوله: (إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا): هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) قال: العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله، ﷿.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عثمان بن خالد الواسطي، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاخِتَةَ، عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله -يعني ابن مسعود-هذه الآية: (إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) ثم قال: اتخذوا عند الله عهدًا، فإن الله يقول يوم القيامة: "من كان له عند الله عهد فليقم" قالوا: يا أبا عبد الرحمن، فَعلمنا. قال: قولوا: اللهم، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى عمل تقربني من الشر وتباعدني (١) من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل (٢) لي عندك عهدًا تُؤدّيه إلي يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.
قال المسعودي: فحدثني زكريا، عن القاسم بن عبد الرحمن، أخبرنا ابن مسعود: وكان يُلْحِقُ بهن: خائفًا مستجيرًا مستغفرًا، راهبًا راغبًا إليك (٣).
ثم رواه من وجه آخر، عن المسعودي، بنحوه.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾.
لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى، ﵇، وذكر خلقه من مريم بلا أب، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدا -تعالى وتقدّس وتنزه عن ذلك علوًّا كبيرًا-فقال: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ) أي: في قولكم هذا، (شَيْئًا إِدًّا) (٤) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومالك: أي عظيمًا.
ويقال: (إِدًّا) بكسر الهمزة وفتحها، ومع مدها أيضا، ثلاث لغات، أشهرها الأولى.
وقوله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا) أي: يكاد يكون ذلك عند سماعهن (١) هذه المقالة من فجرة بني آدم، إعظامًا للرب وإجلالا؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد:
وفي كُلّ شَيءٍ له آيةٌ … تَدُل على أنه واحِدُ
قال ابن جرير: حدثني علي، حدثنا عبد الله، حدثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا) قال: إن الشرك (٢) فزعت منه السماوات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، فكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله ﷺ: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة". قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: "تلك أوجب وأوجب". ثم قال: "والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرضين (٣) وما فيهن، وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن" (٤)
هكذا رواه ابن جرير، ويشهد له حديث البطاقة، والله أعلم.
وقال الضحاك: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) أي: يتشققن فَرَقًا (٥) من عظمة الله.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَتَنْشَقُّ الأرْضُ) أي: غضبًا لله، ﷿.
(وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا) قال ابن عباس: هدمًا.
وقال سعيد بن جبير: (هَدًّا) ينكسر بعضها على بعض متتابعات.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن سُوَيْد المقبري، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مسعر، عن عون بن (٦) عبد الله قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكرُ الله ﷿ (٧)؟ فيقول: نعم، ويستبشر. قال عون: لهي (٨) للخير أسمع، أفيسمعن (٩) الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن (١٠) غيره، ثم قرأ: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا) (١١)
(١) في ف، أ: "سماعهم".
(٢) في أ: "الشريك".
(٣) في أ: "والأرض".
(٤) تفسير الطبري (١٦/ ٩٨).
(٥) في ف: "فرعا"، وفي أ: "أي ينشق فزعا".
(٦) في ف: "ابن".
(٧) في ف، أ: "ذاكر الله تعالى".
(٨) في أ: "فهي".
(٩) في ف، أ: "أفيستمعن".
(١٠) في ف، أ: "يستمعن".
(١١) ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (١١٧٦) من طريق ابن أبي عمر، عن سفيان، عن مسعر به، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٠٧) من طريق سعيد بن منصور، عن سفيان، عن مسعر، عن عون، عن ابن مسعود، بنحوه. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٧٩): "رجاله رجال الصحيح".
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا هَوْذَة، حدثنا عوف، عن غالب بن عَجْرَد، حدثني رجل من أهل الشام في مسجد مِنَى قال: بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر، لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة -أو قال: كان لهم فيها منفعة-ولم تزل الأرض والشجر بذلك، حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة، قولهم: (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا) فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض، وشكاك الشجر.
وقال كعب الأحبار: غضبت الملائكة، واستعرت النار (١)، حين قالوا ما قالوا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: " ما أحد (٢) أصبر على أذى يسمعه (٣) من الله، إنه يشرك به، ويجعل له ولدًا، وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم".
أخرجاه في الصحيحين (٤) وفي لفظ: "إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزُقُهم ويعافيهم".
وقوله: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) أي: لا يصلح له، ولا يليق به لجلاله وعظمته؛ لأنه لا كفء له من خلقه (٥)؛ لأن جميع الخلائق عبيد له؛ ولهذا قال: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) أي: قد علم عَدَدَهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ذَكَرهم وأنثاهم وصغيرهم وكبيرهم،
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) أي: لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذَرّة، ولا يظلم أحدا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾.
يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي ترضي الله، ﷿، لمتابعتها الشريعة المحمدية -يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين مودة، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد (٦) عنه. وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ من غير وجه.
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عَوَانة، حدثنا سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه. قال: فيحبه جبريل". قال: "ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا". قال: "فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبدًا دعا جبريل فقال: يا جبريل، إني أبغضُ فلانًا
فأبغضه". قال: "فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه". قال: "فيُبْغضُه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض".
ورواه مسلم من حديث سُهَيْل (١). ورواه أحمد والبخاري، من حديث ابن جُرَيْج، عن موسى بن عتبة (٢) عن نافع مولى ابن عمر، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي، ﷺ بنحوه (٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر (٤)، حدثنا ميمون أبو محمد المرئي، حدثنا محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان، ﵁، عن النبي ﷺ قال: (٥) إن العبد ليلتمس مرضات (٦) الله، فلا يزال كذلك (٧) فيقول الله، ﷿، لجبريل: إن فلانًا عبدي يلتمس أن يرضيني؛ ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل: "رحمة الله على فلان، ويقولها (٨) حملة العرش، ويقولها من حولهم، حتى يقولها أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض" (٩)
غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شَرِيك، عن محمد بن سعد الواسطي، عن أبي ظَبْيَة، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن المقة من الله" -قال شريك: هي المحبة-والصيت من السماء، "فإذا أحب الله عبدًا قال لجبريل، ﵇: إني أحب فلانًا، فينادي جبريل: إن ربكم يمق (١٠) -يعني: يحب-فلانا، فأحبوه" -وأرى شريكًا قد قال: "فتنزل له المحبة في الأرض-وإذا أبغض عبدًا قال لجبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضه"، قال: "فينادي جبريل: إن ربكم يبغض فلانا فأبغضوه". قال: أرى شريكًا قد قال: "فيجري له البغض في الأرض" (١١). غريب ولم يخرجوه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو داود الحَفَريّ، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد، وهو الدَّرَاوَرْدي-عن سهيل بن (١٢) أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانًا، فأحبه، فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله، ﷿: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)
(١) المسند (٢/ ٤١٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٣٧).
(٢) في ف، أ: "ابن عيينة".
(٣) المسند (٢/ ٤/٥) وصحيح البخاري برقم (٦٠٤٠).
(٤) في ف، أ: "ابن بكير".
(٥) في ف، أ: "أنه قال".
(٦) في أ: "فرحات".
(٧) في أ: "بذلك".
(٨) في ت: "ويقول".
(٩) المسند (٥/ ٢٧٩).
(١٠) في أ: "يمقه".
(١١) المسند (٥/ ٢٦٣).
(١٢) في ف: "عن".
رواه مسلم والترمذي كلاهما عن قتيبة، عن الدراوردي، به (١). وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) قال: حبًّا.
وقال مجاهد، عنه: (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) قال: محبة في الناس في الدنيا.
وقال سعيد بن جبير، عنه: يحبهم ويُحببهم، يعني: إلى خلقه المؤمنين. كما قال مجاهد أيضًا، والضحاك وغيرهم.
وقال العوفي، عن ابن عباس أيضًا: الود من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن، واللسان الصادق.
وقال قتادة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) إي والله، في قلوب أهل الإيمان، ذكر (٢) لنا أن هَرِم بن حَيَّان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم.
وقال قتادة: وكان عثمان بن عفان، ﵁، يقول: ما من عبد يعمل خيرًا، أو شرًّا، إلا كساه الله، ﷿، رداء عمله.
وقال ابن أبي حاتم، ﵀: حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، عن الربيع بن صَبِيح، عن الحسن البصري، ﵀ قال: قال رجل: والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها، فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائما يصلي، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، فكان لا يعظم، فمكث بذلك سبعة أشهر، وكان لا يمر على قوم إلا قالوا: "انظروا إلى هذا المرائي" فأقبل على نفسه فقال: لا أراني أذكر إلا بِشَرّ، لأجعلن عملي كله لله، ﷿، فلم يزد على أن (٣) قلب نيته، ولم يزد على العمل الذي كان يعمله، فكان يمر بعد بالقوم، فيقولون: رحم الله فلانا الآن، وتلا الحسن: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)
وقد روى ابن جرير أثرًا أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف. وهو خطأ، فإن هذه السورة بتمامها (٤) مكية لم ينزل منها شيء بعد الهجرة، ولم يصح سند ذلك، والله أعلم.
وقوله: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ) يعني: القرآن، (بِلِسَانِكَ) أي: يا محمد، وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل، (لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ) أي: المستجيبين لله المصدقين لرسوله، (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) أي: عوجًا عن الحق مائلين إلى الباطل.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (قَوْمًا لُدًّا) لا يستقيمون.
وقال الثوري، عن إسماعيل -وهو السُّدِّي-عن أبي صالح: (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) عوجًا عن الحق.
[وقال الضحاك: هو الخصم، وقال القرظي: الألد: الكذاب] (١)
وقال الحسن البصري: (قَوْمًا لُدًّا) صمًّا.
وقال غيره صم آذان القلوب (٢)
وقال قتادة: (قَوْمًا لُدًّا) يعني قريشًا.
وقال العوفي، عن ابن عباس: (قَوْمًا لُدًّا) فجارًا، وكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد.
وقال ابن زيد: الألد: الظلوم، وقرأ قول الله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤].
وقوله: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) أي: من أمة كفروا بآيات الله وكذبوا رسله، (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) أي: هل ترى منهم أحدًا، أو تسمع لهم ركزًا.
قال ابن عباس، وأبو العالية، وعكرمة، والحسن البصري، وسعيد بن جُبَير، والضحاك، وابن زيد: يعني: صوتًا.
وقال الحسن، وقتادة: هل ترى عينًا، أو تسمع صوتًا.
والركز في أصل اللغة: هو الصوت الخفي، قال الشاعر (٣):
فَتَوجست (٤) رِكْز الأنيس فَرَاعَها … عَنْ ظَهْر غَيب والأنيسُ سَقَامُها
آخر تفسير "سورة مريم" ولله الحمد والمنة. ويتلوه إن شاء الله تعالى تفسير "سورة طه" والحمد لله.