سورة مريم
ซูเราะฮ์ที่ 19 · ตอน 2/4 · เล่ม 5 หน้า 226–240
وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد.
وقال أبو إسحاق، عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف ألا يكلم الناس اليوم. فقال عبد الله بن مسعود: كلِّم الناس وسلم عليهم، فإنما تلك امرأة علمت أن أحدًا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج. يعني بذلك مريم، ﵍؛ ليكون عذرًا لها إذا سئلت. ورواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، رحمهما الله.
وقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى لمريم: ﴿أَلا تَحْزَنِي﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي؟! لا ذاتُ زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًّا، قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه. وكذا قال وهب.
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وألا تكلم أحدًا من البشر فإنها (١) ستكفى أمرها ويقام بحجتها (٢) فسلمت لأمر الله، ﷿، واستسلمت لقضائه، وأخذت ولدها (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ) فلما رأوها كذلك، أعظموا أمرها واستنكروه جدًّا، وقالوا: (يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) أي: أمرًا عظيمًا. قاله مجاهد، وقتادة والسدي، وغير واحد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سَيَّار (٣) حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجَوْني، عن نوف البِكَاليّ قال: وخرج قومها في طلبها، وكانت من أهل بيت نبوة وشرف. فلم يحسوا (٤) منها شيئًا، فرأوا (٥) راعي بقر فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نَعْتُها؟ قال: لا ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها (٦) سُجَّدا نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن أبي زياد: وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نورًا ساطعًا. فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتى قاموا عليها، (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) أمرًا عظيمًا. (يَا أُخْتَ هَارُونَ) أي: يا شبيهة هارون في العبادة (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح
والعبادة والزهادة (١)، فكيف صدر هذا منك؟
قال علي بن أبي طلحة (٢)، والسدي: قيل لها: (يَا أُخْتَ هَارُونَ) أي: أخي موسى، وكانت من نسله (٣) كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر.
وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس (٤) به في العبادة، والزهادة.
وحكى ابن جرير عن بعضهم: أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم. يقال له: هارون. ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.
وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم.
حدثنا علي بن الحسين الهِسِنْجَاني (٥) حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل بن فَضَالة، حدثنا أبو صخر، عن القُرَظي في قول الله ﷿: (يَا أُخْتَ هَارُونَ) قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قَصَّت أثر موسى، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١].
وهذا القول خطأ محض، فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفَّى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثًا وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليه (٦)؛ ولهذا ثبت في الصحيح عند البخاري، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي (٧) ﷺ أنه قال: "أنا أولى الناس بابن مريم؛ إلا أنه (٨) ليس بيني وبينه نبي" ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخرًا عن الرسل سوى محمد. ولكان قبل سليمان و(٩) داود؛ فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى، ﵉ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] فذكر القصة إلى أن قال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ الآية [البقرة: ٢٥١]، والذي جرأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين، تضرب بالدف هي والنساء معها يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى. وهي (١٠) هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء (١١) أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره (١٢) عن سِمَاك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرءون: (يَا أُخْتَ هَارُونَ)
، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يَتَسَمّون (١) بالأنبياء والصالحين قبلهم؟ ".
انفرد بإخراجه مسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن سماك، به (٢)، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين قال نُبِّئت أن كعبًا قال: إن قوله: (يَا أُخْتَ هَارُونَ): ليس بهارون أخي موسى. قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال (٣) يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله، فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة. قال: فسكتت (٤) وفي هذا التاريخ نظر.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، [ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد] (٥) ويتوالدون به. وكان هارون مصلحًا محببًا، في عشيرته، وليس بهارون أخي (٦) موسى، ولكنه هارون آخر، قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلهم يسمون هارون، من بني إسرائيل.
وقوله: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) أي: إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها (٧)، وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرْية، وقد كانت يومها ذلك صائمة، صامتة فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)؟
قال ميمون بن مِهْران: (فَأَشَارَتْ [إِلَيْهِ]) (٨)، قالت: كلموه. فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبيا!
وقال السدي: لما أشارت إليه غضبوا، وقالوا: لَسُخْريَتُها (٩) بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها.
(قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) أي: من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ قال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى (١٠) وبرأ الله عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه.
وقوله: (آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا): تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة.
(١) في ف، أ: "يسمون".
(٢) المسند (٤/ ٢٥٢) وصحيح مسلم برقم (٢١٣٥) وسنن الترمذي برقم (٣١٥٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣١٥).
(٣) في ف، أ: "فقال".
(٤) تفسير الطبري (١٦/ ٥٨).
(٥) زيادة من ف، أ، والطبري.
(٦) في أ: "وليس أخي بهارون".
(٧) في ف، أ: "قصتها".
(٨) زيادة من ف، أ.
(٩) في أ: "لسخرتها".
(١٠) في ف، أ: "﷿".
قال نوف البكالي: لما قالوا لأمه ما قالوا، كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر، وقال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) إلى قوله: (مَا دُمْتُ حَيًّا)
وقال حماد بن سلمة، عن ثابت البُنَاني: رفع إصبعه السبابة فوق منكبه، وهو يقول: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) الآية.
وقال عكرمة: (آتَانِيَ الْكِتَابَ) أي: قضى أنه (١) يؤتيني الكتاب فيما قضى.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد (٢) عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك، ﵁، قال: كان عيسى ابن مريم قد درس الإنجيل وأحكمه (٣) في بطن أمه فذلك قوله: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا).
يحيى بن سعيد العطار الحمصي: متروك.
وقوله: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ) قال مجاهد، وعمرو بن قيس، والثوري: وجعلني معلمًا للخير. وفي رواية عن مجاهد: نَفَّاعًا.
وقال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد (٤) بن خُنَيْس المخزومي، سمعت وُهَيْب بن الورد مولى بني مخزوم قال: لقي عالم عالمًا هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ)، وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أينما كان.
وقوله: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) كقوله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
وقال عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس في قوله: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت (٥)، ما أثبتها لأهل القدر.
وقوله: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي) أي: وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه؛ لأن الله تعالى كثيرًا ما يقرن (٦) بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقال ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].
وقوله: (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) أي: ولم يجعلني جبارًا مستكبرًا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك.
قال سفيان الثوري: الجبار الشقي: الذي يقبل (٧) على الغضب.
وقال بعض السلف: لا تجد أحدًا عاقًّا لوالديه إلا وجدته جبارًا شقيًّا، ثم قرأ: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)، قال: ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورًا، ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]
وقال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، في آيات سلطه الله عليهن، وأذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك وللثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى، ﵇، يجيبها: طوبى لمن تلا كلام (١) الله، فاتبع ما فيه ولم يكن جبارًا شقيًّا.
وقوله: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا): إثبات منه لعبوديته لله ﷿، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا (٢) ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد، [صلوات الله وسلامه عليه] (٣)
﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾.
يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: عليه ذلك الذي قصصنا (٤) عليك من خبر عيسى، (قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) أي: يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به؛ ولهذا قرأ الأكثرون: "قول الحق" برفع قول. وقرأ عاصم، وعبد الله بن عامر: (قَوْلَ الْحَقِّ).
وعن ابن مسعود أنه قرأ: "ذلك عيسى ابن مريم قَالُ الحق"، والرفع أظهر إعرابًا، ويشهد له قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠].
ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبدًا نبيًّا، نزه نفسه المقدسة فقال: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ) أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علوًّا كبيرًا، (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أي: إذا أراد شيئًا فإنما يأمر به، فيصير (٥) كما يشاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩، ٦٠].
وقوله: (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) أي: ومما (٦) أمر عيسى به (٧) قومه وهو في مهده، أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربهم وربه (٨)، وأمرهم بعبادته، فقال: (فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)
أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم، من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى.
وقوله: (فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) أي: اختلفت (١) أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده (٢) ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصَمَّمَت طائفة -وهم جمهور اليهود، عليهم لعائن الله -على أنه ولد زنْيَة، وقالوا: كلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم (٣) الله. وقال آخرون: هو ابن الله، وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله. وهذا هو قول الحق، الذي أرشد الله إليه (٤) المؤمنين. وقد روي [نحو هذا] (٥) عن عمرو بن ميمون، وابن جريج، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف.
قال عبد الرزاق: أخبرنا (٦) مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)، قال: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا (٧) في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء -وهم اليعقوبية. فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل (٨) أنت فيه، قال: هو ابن الله -وهم النسطورية. فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. قال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله -وهم الإسرائيلية ملوك (٩) النصارى، عليهم لعائن الله. قال الرابع: كذبت، بل هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته، وهم المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا فظُهِرَ على المسلمين، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] وقال (١٠) قتادة: وهم الذين قال الله: (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا (١١)
وقد روى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، وعن عروة بن الزبير، وعن بعض أهل العلم، قريبًا من ذلك. وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم: أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة الأساقفة (١٢) منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفًا، فاختلفوا في عيسى ابن مريم، ﵇، اختلافًا متباينًا، فقالت كل شرذمة فيه قولا فمائة تقول فيه قولا (١٣) وسبعون تقول (١٤) فيه قولا آخر، وخمسون تقول (١٥) فيه شيئًا آخر، ومائة وستون تقول شيئًا، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم، اتفقوا على قول وصَمَّموا عليه (١٦) ومال (١٧) إليهم الملك، وكان فيلسوفًا، فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين، وشرَّعوا له أشياء (١٨)
(١) في أ: "اختلف".
(٢) في ت: "عبد الله".
(٣) في ف، أ: "يكلم".
(٤) في ت: "فيه".
(٥) زيادة من أ.
(٦) في ت: "حدثنا".
(٧) في أ: "فامتتروا".
(٨) في أ: "قلت".
(٩) في ت: "ملك".
(١٠) في ت، ف، أ: "قال".
(١١) تفسير عبد الرزاق (٢/ ٩).
(١٢) في ت: "الأساومة".
(١٣) في أ: "شيئا".
(١٤) في ف، أ: "يقولون".
(١٥) في ف، أ: "يقولون".
(١٦) في ت: "عليهم".
(١٧) في ف، أ: "فمال".
(١٨) في أ: "شيئا".
وابتدعوا بدعًا كثيرة، وحَرَّفوا دين المسيح، وغيروه، فابتنى حينئذ لهم (١) الكنائس الكبار في مملكته كلها: بلاد الشام، والجزيرة، والروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشرة (٢) ألف كنيسة، وبنت أمه هيلانة قُمَامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب (٣) الذي تزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا، بل رفعه الله إلى السماء.
وقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله، وافترى، وزعم أن له ولدا. ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة وأجلهم حلمًا وثقة بقدرته عليهم؛ فإنه الذي لا يعجل على من عصاه، كما جاء في الصحيحين: "إن الله ليملي (٤) للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] وفي الصحيحين أيضًا عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه (٥) من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم" (٦). وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨] وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ولهذا قال هاهنا: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أي: يوم القيامة، وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته، عن عبادة بن الصامت، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله [ورسوله] (٧) وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" (٨)
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الكفار [يوم القيامة] (٩) أنهم أسْمَعُ شيء وأبْصَرُه كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] أي: يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي (١٠) عنهم شيئًا، ولو كان هذا قبل معاينة العذاب، لكان نافعًا لهم ومنقذًا من عذاب الله؛ لهذا قال: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) (١١) أي: ما أسمعهم وأبصرهم (يَوْمَ يَأْتُونَنَا) يعني: يوم القيامة (لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ) أي: في الدنيا (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك.
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾.
(١) في ت، ف، أ: "فابتنى لهم حينئذ".
(٢) في أ: "اثنى عشر"، وهو خطأ والصواب ما بالأصل.
(٣) في ت: "المصلون".
(٤) في ت: "إنه ليملي".
(٥) في ت: "يسمعه".
(٦) صحيح البخاري برقم (٦٠٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٤).
(٧) زيادة من ف، أ، والبخاري ومسلم.
(٨) صحيح البخاري برقم (٣٤٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٩).
(٩) زيادة من ف، أ.
(١٠) في ت: "يجزي".
(١١) في أ: "به".
ثم قال تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة، (إِذْ قُضِيَ الأمْرُ) أي: فصل بين أهل الجنة وأهل النار، ودَخل كل إلى ما صار إليه مخلدًا فيه، (وَهُمْ) أي: اليوم (فِي غَفْلَةٍ) عما أنذروا به (وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) أي: لا يُصَدقون به.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد [الخدري] (١) قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ " قال: "فيشرئبون [فينظرون] (٢) ويقولون: نعم هذا الموت". قال: "فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ " قال: فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت" قال: "فيؤمر به (٣) فيذبح" قال: "ويقال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت" قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) وأشار بيده (٤) قال: "أهل الدنيا في غفلة الدنيا".
هكذا رواه الإمام أحمد وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث الأعمش، به (٥). ولفظهما قريب من ذلك. وقد روى هذا الحديث الحسن بن عرفة: حدثني أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا، مثله. وفي سنن ابن ماجه وغيره، من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه (٦) وهو في الصحيحين عن ابن عمر (٧). ورواه ابن جُرَيْج قال: قال ابن عباس: فذكر من قبله نحوه (٨). ورواه أيضًا عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة، فيذبح والناس ينظرون (٩) وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كُهَيل، حدثنا أبو الزعراء، عن عبد الله -هو ابن مسعود-في قصة ذكرها، قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، وهو يوم الحسرة. [فيرى أهل النار البيت الذي كان قد أعده الله لهم لو آمنوا، فيقال لهم: لو آمنتم وعملتم صالحا، كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة، فتأخذهم الحسرة] (١٠) قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن مَنَّ الله عليكم … (١١)
وقال السدي، عن زياد، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن ابن مسعود في قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ) قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، أتي بالموت في صورة كبش أملح، حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة، هذا الموت الذي كان يُميتُ الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادى: يا أهل
(١) زيادة من ف.
(٢) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٣) في ت: "فيؤتى بهم".
(٤) المسند (٣/ ٩).
(٥) صحيح البخاري برقم (٤٧٣٠) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٩).
(٦) سنن ابن ماجه برقم (٤٣٢٧).
(٧) صحيح البخاري برقم (٦٥٤٨) وصحيح مسلم برقم (٢٨٥٠).
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ٦٦).
(٩) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ٦٧).
(١٠) زيادة من ف، أ، والطبري.
(١١) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٦٦).
النار، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم، إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى: يا أهل الجنة، هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار، هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتًا من فرح ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتًا من شهقة ماتوا فذلك قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ) يقول: إذا ذبح الموت. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذره عباده.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) قال: يوم القيامة، وقرأ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].
وقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو، تعالى وتقدس ولا أحد يَدّعي مُلْكا ولا تصرفًا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئًا ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة.
قال ابن أبي حاتم: ذكر هدبة بن خالد القيسي: حدثنا حزم بن أبي حزم القُطَعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة: أما بعد، فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على خلقه: أنه يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾.
يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ (١): واذكر في الكتاب إبراهيم واتلُه على قومك، هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن الذين (٢) هم من ذريته، ويدعون أنهم على ملته، وهو (٣) كان صديقًا نبيًّا -مع أبيه-كيف نهاه عن عبادة الأصنام فقال، (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررًا.
(يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ): يقول: فإن كنت من صلبك وترى أني أصغر منك، لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك بعد، (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) أي: طريقًا مستقيمًا موصلا إلى نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب.
(يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ) أي: لا تطعه (١) في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك، والراضي به، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] وقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧].
وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا) أي: مخالفًا مستكبرًا عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تصر مثله.
(يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) أي: على شركك وعصيانك لما آمرك به، (فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) (٢) يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصرًا ولا مغيثًا إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣].
﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم [لولده إبراهيم] (٣) فيما دعاه إليه أنه قال: (أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ) يعني: [إن كنت لا] (٤) تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصتُ منك وشتمتك وسببتك، وهو (٥) قوله: (لأرْجُمَنَّكَ)، قاله ابن عباس، والسدي، وابن جريج، والضحاك، وغيرهم.
وقوله: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا): قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق: يعني دهرًا.
وقال الحسن البصري: زمانًا طويلا. وقال السدي: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) قال: أبدًا.
وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) قال: سويًّا سالمًا، قبل أن تصيبك مني عقوبة. وكذا قال الضحاك، وقتادة وعطية الجَدَلي و[أبو] (٦) مالك، وغيرهم، واختاره ابن جرير.
فعندها قال إبراهيم لأبيه: (سَلامٌ عَلَيْكَ) كما قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥].
ومعنى قول إبراهيم لأبيه: (سَلامٌ عَلَيْكَ) يعني: أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة، (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) أي: ولكن سأسأل الله تعالى فيك أن يهديك ويغفر ذنبك، (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) قال ابن عباس وغيره: لطيفًا، أي: في أن هداني لعبادته والإخلاص له. وقال مجاهد وقتادة، وغيرهما: (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) قال (١): [و] (٢) عَوّدَه الإجابة.
وقال السدي: "الحفي": الذي يَهْتَم بأمره.
وقد استغفر إبراهيم لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق، ﵉، في قوله: ﴿رَبَّنَا (٣) اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الممتحنة: ٤]، يعني إلا في هذا القول، فلا (٤) تتأسوا به. ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك، ورجع عنه، فقال (٥) تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤].
وقوله: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي) أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها [من دون الله] (٦)، (وَأَدْعُو رَبِّي) أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له، (عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) و"عسى" هذه موجبة لا محالة، فإنه ﵇، سيد الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه سلم.
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾.
يقول: فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، ووهب له إسحاق ويعقوب، يعني ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، وقال: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب، وهو نص القرآن في سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. ولهذا إنما ذكر هاهنا إسحاق ويعقوب، أي: جعلنا له نسلا وعقبا أنبياء، أقر الله بهم
عينه في حياته؛ ولهذا قال: (وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا)، فلو لم يكن يعقوب قد نُبئ في حياة إبراهيم، لما اقتصر عليه، ولذكر ولده يوسف، فإنه نبي أيضًا كما قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته، حين سئل عن خير الناس، فقال: "يوسف نبي الله، ابن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله" (١) وفي اللفظ الآخر: "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسفُ بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" (٢)
وقوله: (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني الثناء الحسن. وكذا قال السدي، ومالك بن أنس.
وقال ابن جرير: إنما قال: (عَلِيًّا)؛ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا (٥١)﴾
لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر الكليم، فقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا) قرأ بعضهم بكسر اللام، من الإخلاص في العبادة.
قال الثوري (٣)، عن عبد العزيز بن رُفَيع (٤)، عن أبي لبابة (٥) قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن المخلص لله. قال: الذي يعمل لله، لا يحب أن يحمده الناس.
وقرأ الآخرون (٦) بفتحها، بمعنى أنه كان مصطفى، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤].
(وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا)، جُمِع له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي (٧) العزم الخمسة، وهم: نوح وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر الأنبياء أجمعين.
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾.
وقوله: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ) أي: الجبل (الأيْمَنِ) أي: من جانبه الأيمن من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة، رآها تلوح فقصدها، فوجدها في جانب الطور الأيمن منه (٨)، عند شاطئ الوادي. فكلمه الله تعالى، ناداه وقربه وناجاه (٩). قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار (١٠)، حدثنا يحيى -هو القطان-حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب (١١)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) قال: أدني حتى سمع (١٢) صريف القلم.
(١) صحيح البخاري برقم (٣٣٧٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٧٨).
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٦٨٨).
(٣) في أ: "قال العوفي".
(٤) في ت: "نفيع".
(٥) في ت: "تمامة".
(٦) في أ: "قرأ آخرون".
(٧) في ت: "وأولي".
(٨) في ت، ف، أ: "منه غربية".
(٩) في ت: "ناداه أو قربه فناجاه".
(١٠) في ت: "ابن يسار".
(١١) في ت: "ابن يساري"، وفي أ: "ابن يسار".
(١٢) في ت: "يسمع".
وهكذا قال مجاهد، وأبو العالية، وغيرهم. يعنون صريف القلم بكتابة التوراة.
وقال السدي: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) قال: أدخل في السماء فكلم، وعن مجاهد نحوه.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) قال: نجا بصدقه (١)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الجبار بن عاصم، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، عن أبي الوصل، عن شهر بن حَوْشَب، عن عمرو بن معد يكرب قال: لما قرب الله موسى نجيًا بطور سيناء، قال: يا موسى، إذا خلقت لك قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن عنك من الخير شيئًا، ومن أخزن عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئًا.
وقوله: (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا) أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبيًّا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤]، وقال (٢): ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦]، وقال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ)﴾ [الشعراء: ١٣، ١٤]؛ ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًّا، قال الله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا).
قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن داود، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قوله: (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا)، قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد: وهب له نبوته.
وقد ذكره ابن أبي حاتم معلقًا، عن يعقوب وهو ابن إبراهيم الدورقي، به.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾.
هذا (٣) ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ﵉، وهو والد عرب الحجاز كلهم بأنه (كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ)
قال (٤) ابن جريج: لم يَعدْ ربه عدة إلا أنجزها، يعني: ما التزم قط عبادة (٥) بنذر إلا قام بها، ووفاها حقها.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن سهل بن عقيل حدثه، أن إسماعيل النبي، ﵇، وعد رجلا مكانًا أن يأتيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من هاهنا؟ قال: لا. قال: إني نسيت. قال: لم أكن لأبرح حتى تأتيني. فلذلك (كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ).
وقال سفيان الثوري: بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولا حتى جاءه.
وقال ابن (١) شَوْذَب: بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع سكنًا.
وقد روى أبو داود في سننه، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه "مكارم الأخلاق" من طريق إبراهيم بن طَهْمَان، عن عبد الله (٢) بن مَيْسَرة، عن عبد الكريم -يعني: ابن عبد الله بن شَقيق-عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله ﷺ قبل أن يبعث فبقيت له عليّ بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك، قال: فنسيت (٣) يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: "يا فتى، لقد شققت (٤) علي، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك" لفظ الخرائطي (٥)، وساق آثارًا حسنة في ذلك.
ورواه ابن مَنْده أبو عبد الله في كتاب "معرفة الصحابة"، بإسناده (٦) عن إبراهيم بن طَهْمَان، عن بُدَيْل بن ميسرة، عن عبد الكريم، به (٧).
وقال بعضهم: إنما قيل له: (صَادِقَ الْوَعْدِ)؛ لأنه قال لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، فصدق في ذلك.
فصدق الوعد من الصفات الحميدة، كما أن خُلْفَه من الصفات الذميمة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] وقال رسول الله ﷺ: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (٨)
ولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله ﷺ صادق الوعد أيضًا، لا يعد أحدًا شيئًا إلا وفّى له به، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب، فقال: "حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي" (٩). ولما توفي النبي ﷺ قال الخليفة أبو بكر الصديق: من كان له عند رسول الله ﷺ عدَةٌ أو دَيْن فليأتني أنجز له، فجاءه (١٠) جابر بن عبد الله، فقال: إن رسول الله ﷺ كان قال: "لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا"، يعني: ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرًا، فغرف بيديه من المال، ثم أمره بِعَدّه، فإذا هو خمسمائة درهم، فأعطاه مثليها معها (١١)
وقوله: (وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا) في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما
(١) في ت: "أبو".
(٢) في سنن أبي داود: "بديل".
(٣) في ت: "نسيت".
(٤) في ت: "لو أشفقت".
(٥) سنن أبي داود برقم (٤٩٩٦) ومكارم الأخلاق برقم (١٧٧).
(٦) في ت، أ: "إنه بإسناده".
(٧) ورواه ابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ١١٣) بإسناده إلى إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة مثله.
(٨) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣) ومسلم في صحيحه برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٩) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٧٢٩) ومسلم في صحيحه برقم (٢٤٤٩) من حديث المسور بن مخرمة ﵁.
(١٠) في أ: "فجاء".
(١١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٦٨٣) ومسلم في صحيحه برقم (٢٣١٤).
وصف (١) بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف (٢) بالنبوة والرسالة. وقد ثبت في صحيح مسلم (٣) أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل … " وذكر تمام الحديث، فدل على صحة ما قلناه.
وقوله: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا): هذا أيضًا من الثناء الجميل، والصفة الحميدة، والخلة السديدة (٤)، حيث كان مثابرًا على طاعة ربه آمرًا بها لأهله (٥)، كما قال تعالى لرسوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ الآية [التحريم: ٦] أي: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملا فتأكلهم النار يوم القيامة، وقد جاء في الحديث، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته، فإن أبت نَضَح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت (٦) في وجهه الماء" أخرجه أبو داود، وابن ماجه (٧).
وعن أبي سعيد، وأبي هريرة، ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته، فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات". رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، واللفظ له (٨).
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾.
وهذا (٩) ذكر إدريس، ﵇، بالثناء عليه، بأنه (١٠) كان صديقًا نبيًّا، وأن الله رفعه مكانًا عليًّا. وقد تقدم في الصحيح: أن رسول الله ﷺ مر به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة.
وقد روى ابن جرير هاهنا أثرًا غريبًا عجيبًا، فقال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شَمِر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبًا، وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله ﷿-لإدريس: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملا (١١) فأتاه خليل له من الملائكة فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي (١٢) ملك الموت، فَلْيؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه، حتى صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم مَلَك الموت منحدرًا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري. قال ملك الموت: فالعجب! بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس
(١) في ف: "وصفه".
(٢) في ف: "وصفه".
(٣) لفظه عند مسلم في صحيحه برقم (٢٢٧٦): "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا"، والله أعلم.
(٤) في ت: "الشديدة".
(٥) في ف: "أهله".
(٦) في ت: "فنضحت".
(٧) سنن أبي داود برقم (١٤٥٠) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٣٦).
(٨) سنن أبي داود برقم (١٤٥١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٤٠٦) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٣٥).
(٩) في ت: "وهكذا".
(١٠) في أ: "فإنه".
(١١) في ف، أ: "تزداد علما".
(١٢) في ت: "له".