سورة مريم

ซูเราะฮ์ที่ 19 · ตอน 1/4 · เล่ม 5 หน้า 211–225

ج5 · ص211

تفسير سورة مريم [﵍]

(١)

وهي مكية.

وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة، وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة: أن جعفر بن أبي طالب ﵁، قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه (٢).

﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾.

أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة.

وقوله: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) أي: هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا.

وقرأ يحيى بن يعمر "ذَكَّرَ رحمة ربك عَبْدَهُ زَكَريَّا".

[و] (٣) (زَكَرِيَّا): يمد ويقصر قراءتان مشهورتان. وكان نبيًّا عظيمًا من أنبياء بني إسرائيل. وفي صحيح البخاري: أنه كان نجارًا، أي: كان يأكل من عمل يديه في النجارة.

وقوله: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا): قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه، لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره. حكاه الماوردي.

وقال آخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله. كما قال قتادة في هذه الآية (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا): إن الله يعلم القلب التقي (٤)، ويسمع الصوت الخفي.

وقال بعض السلف: قام من الليل، ﵇، وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب، يا رب، يا رب فقال الله: لبيك، لبيك، لبيك.

(قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) أي: ضعفت (٥) وخارت القوى، (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) أي

(١) زيادة من ت، ف، أ.

(٢) رواه الإمام أحمد من حديث أم سلمة (٥/ ٢٩٠) ومن حديث ابن مسعود (١/ ٤٦١).

(٣) زيادة من ت، ف.

(٤) في ت: "النقي".

(٥) في ت، ف: "ضعف".

ج5 · ص212

اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دُرَيد في مقصورته (١):

إمَّا (٢) تَرَى رأسِي حَاكى لونُهُ … طُرَّةَ صُبْحٍ تَحتَ أذْيَال الدُّجى

واشْتَعَل المُبْيَض في مُسْوَدّه … مِثْلَ اشتِعَال النَّارِ في جمر (٣) الغَضَا

والمراد من هذا: الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة.

وقوله: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة (٤) في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك.

وقوله: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي): قرأ الأكثرون بنصب "الياء" من (الْمَوَالِيَ) على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر:

كَأنَّ أيْديهنّ في القَاع الفَرقْ … أيدي جَوَارٍ يَتَعَاطَينَ الوَرقْ (٥)

وقال الآخر:

فَتَى لو يُبَاري الشَّمسَ ألْقَتْ قِنَاعَها … أو القَمَرَ السَّاري لألْقَى المقَالدَا

ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي:

تَغَاير الشَّعرُ فيه (٦) إذ سَهرت لَهُ … حَتَّى ظَنَنْتُ قوافيه ستَقتتلُ (٧)

وقال مجاهد، وقتادة، والسدي: أراد بالموالي العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة.

وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، أنه كان يقرؤها: "وإني خَفَّت الموالي من ورائي" بتشديد الفاء بمعنى: قلت عصباتي (٨) من بعدي.

وعلى القراءة الأولى، وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا [من] (٩) بعده في الناس تصرفًا سيئًا، فسأل الله ولدا، يكون نبيًّا من بعده، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه. فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده (١٠) أن يأنف (١١) من وراثة عصباته (١٢) له، ويسأل أن يكون له ولد، فيحوز (١٣) ميراثه دونه دونهم. هذا وجه.

الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجارا يأكل من كسب (١٤) يديه، ومثل هذا لا يجمع مالا ولا سيما الأنبياء، ﵈، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.

الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا نُورَث، ما

(١) انظر: شرح مقصورة ابن دريد (ص ٢) أ. هـ. مستفادا من حاشية ط-الشعب.

(٢) في أ: "ما".

(٣) في ت، ف، أ: "جزل".

(٤) في أ: "إجابة".

(٥) الرجز في اللسان مادة (قرق) غير منسوب.

(٦) في ت: "منه".

(٧) البيت في ديوان أبي تمام (٢٢٧) أ. هـ. مستفادا من حاشية ط- الشعب.

(٨) في أ: "عصابتي".

(٩) زيادة من ت، ف.

(١٠) في أ: "حسده".

(١١) في أ: "يأتنف".

(١٢) في أ: "عصابته".

(١٣) في ف، أ: "ليجوز".

(١٤) في أ: "من عمل".

ج5 · ص213

تركنا فهو صدقة" (١) وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: "نحن معشر الأنبياء لا نورث" (٢) وعلى (٣) هذا فتعين حمل قوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي) على ميراث النبوة؛ ولهذا قال: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦] أي: في النبوة؛ إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته (٤) ما صح في الحديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة".

قال مجاهد في قوله: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) [قال] (٥): كان وراثته علمًا وكان زكريا من ذرية يعقوب.

وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قال: [قد] (٦) يكون نبيًّا كما كانت آباؤه أنبياء.

وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن: يرث نبوته وعلمه.

وقال السُّدِّي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب.

وعن مالك، عن زيد بن أسلم: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قال: نبوتهم.

وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة.

وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا (٧) معمر، عن قتادة: أن رسول الله (٨) ﷺ قال: "يرحم الله زكريا، وما كان عليه من ورثة، ويرحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد" (٩)

وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك -هو (١٠) ابن فضالة -عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: "رحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (١١)

(١) جاء من حديث عائشة، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وطلحة، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام أما حديث عائشة فرواه البخاري: (٦٧٣٠) ومسلم برقم (١٧٥٨). وأما حديث أبو بكر فرواه البخاري برقم (١/ ٣٧) ومسلم برقم (١٧٥٩). وأما حديث عمر بن الخطاب وعثمان وطلحة والزبير، فرواه البخاري برقم (٣٠٩٤، ٦٧٢٨، ٧٣٠٥) ومسلم برقم (١٧٥٧).

(٢) لم أجده في سنن الترمذي المطبوع بهذا اللفظ، وانظر كلام الحافظ ابن حجر عن هذه الرواية والوجوه التي تحمل عليها في الفتح (١٢/ ٨).

(٣) في ف: "فعلى".

(٤) في أ: "ونبينه".

(٥) زيادة من ف.

(٦) زيادة من ف، أ.

(٧) في ت: "حدثنا".

(٨) في ف، أ: "أن النبي".

(٩) تفسير عبد الرزاق (٢/ ٥) وقد وصل طرفه الثاني: "يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد". الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٥٠) من طريق الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة ﵁.

(١٠) في ف: "وهو".

(١١) تفسير الطبري (١٦/ ٣٧).

ج5 · ص214

وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.

وقوله: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) أي مرضيا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.

﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾.

هذا الكلام يتضمن محذوفًا، وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه فقيل [له] (١): (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى)، كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٨، ٣٩]

وقوله: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) قال قتادة، وابن جريج، وابن زيد: أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم، واختاره ابن جرير، ﵀.

وقال مجاهد: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) أي: شبيهًا.

أخذه من معنى قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أي: شبيهًا.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي لم تلد العواقر قبله مثله.

وهذا دليل على أن زكريا ﵇، كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم وسارة، ﵉، فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق على كبرهما (٢) لا لعقرهما (٣)؛ ولهذا قال: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] مع أنه كان قد ولد له قبله (٤) إسماعيل بثلاث عشرة سنة. وقالت امرأته: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢، ٧٣].

﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾.

هذا تعجب من زكريا، ﵇، حين أجيب إلى ما سأل، وبُشِّر بالولد، ففرح فرحًا شديدًا، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته [كانت] (٥) عاقرًا لم تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع أنه قد كبر وعتا، أي عسا عظمه ونحل (٦) ولم يبق فيه لقاح ولا جماع.

تقول العرب للعود إذا يبس: "عَتا يَعْتو عِتيا وعُتُوا، وعَسا يَعْسو عُسوا وعِسيا".

(١) زيادة من ف، أ.

(٢) في أ: "لكبرهما".

(٣) في أ: "لا لعقرها".

(٤) في ت، أ: "أنه قد كان ولد له قبل"، وفي ف: "أنه كان ولد له قبل".

(٥) زيادة من ف، أ.

(٦) في أ: "وقحل".

ج5 · ص215

وقال مجاهد: (عِتِيًّا) بمعنى: نحول (١) العظم.

وقال ابن عباس وغيره: (عِتِيًّا) يعني: الكبر.

والظاهر أنه أخص من الكبر.

وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا حُصَيْن، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟ ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) أو "عسيا".

ورواه الإمام أحمد عن سُرَيْج (٢) بن النعمان، وأبو داود، عن زياد بن أيوب، كلاهما عن هشيم، به.

(قَالَ) أي الملك مجيبًا لزكريا عما استعجب منه: (كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي: إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها (هَيِّنٌ) أي: يسير سهل على الله.

ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه، فقال: (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]

﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾.

يقول تعالى مخبرًا عن زكريا، ﵇، أنه (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) أي: علامة ودليلا على وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني كما قال إبراهيم، ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠]. (قَالَ آيَتُكَ) أي: علامتك (أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) أي: أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة (٣)

قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، ووهب [بن منبه] (٤)، والسدي وقتادة وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة.

وقال العوفي، عن ابن عباس: (ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) أي: متتابعات.

والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح (٥) كما قال تعالى في [أول] (٦) آل عمران: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]

(١) في أ: "يعني قحول".

(٢) في ف، أ: "شريح".

(٣) في أ: "وعلامة".

(٤) زيادة من ت، ف، أ.

(٥) في ف، أ: "واضح".

(٦) زيادة من أ.

ج5 · ص216

وقال مالك، عن زيد بن أسلم: (ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) من غير خرس.

وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها ﴿إِلا رَمْزًا﴾ أي: إشارة؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ) أي: الذي بشر فيه بالولد، (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ) أي: أشار إشارة خفية سريعة: (أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) أي: موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله، وشكرًا لله على ما أولاه.

قال مجاهد: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ) أي: أشار. وبه قال وهب، وقتادة.

وقال مجاهد في رواية عنه: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ) أي: كتب لهم في الأرض، كذا قال السدي.

﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾.

وهذا أيضا تضمن (١) محذوفًا، تقديره: أنه وجد هذا الغلام المبشر به، وهو يحيى، ﵇، وأن الله علمه الكتاب، وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار. وقد كان سنه إذ ذاك صغيرًا، فلهذا نوه بذكره، وبما أنعم به عليه وعلى والديه، فقال: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) أي: تعلم الكتاب (بِقُوَّةٍ) أي: بجد وحرص واجتهاد (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) أي: الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حدث [السن] (٢).

قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب. قال: ما للعب خلقت (٣)، قال: فلهذا أنزل الله: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا).

وقوله: (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا) يقول: ورحمة من عندنا، وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك وزاد: لا يقدر عليها غيرنا. وزاد قتادة: رُحِم بها زكريا.

وقال مجاهد: (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا) وتعطفًا من ربه عليه.

وقال عكرمة: (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا) [قال: محبة عليه. وقال ابن زيد: أما الحنان فالمحبة. وقال عطاء بن أبي رباح: (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا)] (٤)، قال: تعظيمًا من لدنا (٥).

(١) في أ: "يضمن".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ف، أ: "خلقنا".

(٤) زيادة من ف، أ.

(٥) في أ: "الدنيا".

ج5 · ص217

وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة عن ابن عباس قال: لا والله ما أدري (١) ما حنانًا.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور: سألت سعيد بن جبير عن قوله: (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا)، فقال: سألت عنها عباس، فلم يحر (٢) فيها شيئًا.

والظاهر من هذا السياق أن: (وَحَنَانًا [مِنْ لَدُنَّا]) (٣) معطوف على قوله: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) أي: وآتيناه الحكم وحنانا، (وَزَكَاةً) أي: وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل كما تقول العرب: حنّت الناقة على ولدها، وحنت المرأة على زوجها. ومنه سميت المرأة "حَنَّة" من الحَنَّة، وحن الرجل إلى وطنه، ومنه التعطف والرحمة، كما قال الشاعر (٤)

تَحنَّنْ (٥) عَلَي هَدَاكَ المليكُ … فإنَّ لكُل مَقامٍ مَقَالا

وفي المسند للإمام أحمد، عن أنس، ﵁، أن (٦) رسول الله صلى الله عليه قال: "يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان" (٧)

وقد يُثنَّى (٨) ومنهم من يجعل ما ورد من (٩) ذلك لغة بذاتها، كما قال طرفة:

أَنَا مُنْذر أفنيتَ فاسْتبق بَعْضَنَا … حَنَانَيْك بَعْض الشَّر أهْونُ مِنْ بَعْض (١٠)

وقوله: (وَزَكَاةً) معطوف على (وَحَنَانًا) فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب.

وقال قتادة: الزكاة (١١) العمل الصالح.

وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي.

وقال العوفي عن ابن عباس: (وَزَكَاةً) [قال: بركة] (١٢) (وَكَانَ تَقِيًّا) طهر، فلم يعمل بذنب.

وقوله: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته (١٣) عقوقهما، قولا وفعلا [وأمرًا] (١٤) ونهيًا؛ ولهذا قال: (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال.

وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه، فقال (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)

(١) في ت، أ: "لا أدري".

(٢) في ف، أ: "يخبر".

(٣) زيادة من ف، أ.

(٤) هو الحطيئة، والبيت في اللسان، مادة "حنن".

(٥) في أ: "تعطف"

(٦) في ت، ف، أ: "عن".

(٧) المسند (٣/ ٢٣٠).

(٨) في أ: "يعني".

(٩) في أ: "في".

(١٠) البيت في ديوانه (ص ٢٠٨) أ. هـ مستفادا من حاشية ط - الشعب.

(١١) في ت: "والزكاة".

(١٢) زيادة من ف، أ.

(١٣) في ف: ""ومجانبة".

(١٤) زيادة من أ.

ج5 · ص218

رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور المروزي عن صدقة بن الفضل عنه.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (جَبَّارًا عَصِيًّا)، قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال النبي ﷺ: "ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا". قال قتادة: ما أذنب ولا همّ بامرأة، مرسل (١)

وقال محمد بن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ قال (٢): "كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا" (٣) ابن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ، أو همَّ بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" (٤)

وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة، والله أعلم.

وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة: أن حسن قال: إن يحيى وعيسى، ﵉، التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي فأنت (٥) خير مني. فقال له عيسى: أنت خير مني، سَلَّمتُ على نفسي، وسلم الله عليك، فَعرُف والله فضلهما.

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾.

لما ذكر تعالى قصة زكريا، ﵇، وأنه أوجد منه، في حال كبره وعقم زوجته، ولدًا زكيًّا طاهرًا مباركًا -عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى، عليهما (٦) السلام، منها من غير أب، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة (٧)؛ ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا وفي سورة الأنبياء، يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه على ما يشاء

(١) تفسير عبد الرزاق (٢/ ٧).

(٢) في ت: "أنه قال".

(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٤٤) والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٧٣) من طريق محمد بن إسحاق به، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووفقه الذهبي، ورجح أبو حاتم وقفه، وقال لابنه: "لا يرفعون هذا الحديث".

(٤) المسند (١/ ٢٥٤).

(٥) في أ: "أنت".

(٦) في ف، أ: "عليه".

(٧) في أ: "ومتشابهة".

ج5 · ص219

قادر (١)، فقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) وهي مريم بنت عمران، من سلالة داود، ﵇، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمّها لها في "آل عمران"، وأنها نذرتها محررة، أي: تخدم (٢) مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك، ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت (٣) إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة (٤) والتبتل والدءوب، وكانت في كفالة زوج أختها -وقيل: خالتها-زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم، الذي يرجعون إليه في دينهم. ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] فذكر أنه كان يجد عندها ثمر (٥) الشتاء في الصيف وثمر (٦) الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه في "آل عمران". فلما أراد الله تعالى -وله الحكمة والحجة البالغة-أن يُوجد منها عبده ورسوله عيسى ﵇، أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام، (انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس.

قال السدي: لحيض أصابها. وقيل لغير ذلك. قال أبو كُدَيْنَة، عن قابوس بن أبي ظِبْيان، عن أبيه عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: (انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) قال: خرجت مريم مكانًا شرقيًّا، فصلوا قبل مطلع الشمس. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير.

وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى (٧) (انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) واتخذوا (٨) ميلاد عيسى قبلة (٩)

وقال قتادة: (مَكَانًا شَرْقِيًّا) شاسعًا متنحيًّا.

وقال محمد بن إسحاق: ذهبت بقلتها تستقي [من] (١٠) الماء.

وقال نَوْف البِكَالي: اتخذت لها منزلا تتعبد فيه. فالله (١١) أعلم.

وقوله: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا) أي: استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل ﵇ (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) أي: على صورة إنسان تام كامل.

قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن جُرَيْج (١٢) ووهب بن مُنَبِّه، والسُّدِّي، في قوله: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) يعني: جبريل، ﵇.

(١) في ت، أ: "قدير".

(٢) في أ: "لخدمة".

(٣) في ت: "وكانت".

(٤) في ت: "والعظمة".

(٥) في أ: "ثمرة".

(٦) في أ: "ثمرة".

(٧) في ت: "لقول الله ﷿"، وفي ف: "لقوله".

(٨) في أ: "فاتخذوا".

(٩) تفسير الطبري (١٦/ ٤٥).

(١٠) زيادة من ت، ف، أ.

(١١) في ت: "والله".

(١٢) في ت: "وابن جرير".

ج5 · ص220

وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى: ﴿نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤].

وقال أبو جعفر الرازي (١)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: إن روح عيسى، ﵇، من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم، وهو الذي تمثل لها بشرا سويًّا، أي: روح عيسى، فحملت الذي خاطبها وحل في فيها.

وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي.

(قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) أي: لما تَبَدى لها الملك في صورة بشر، وهي (٢) في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب، خافته وظنت أنه يريدها على نفسها، فقالت: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) أي: إن كنت تخاف الله. تذكير (٣) له بالله، وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولا بالله، ﷿.

قال ابن جرير: حدثني أبو كُرَيْب، حدثنا أبو بكر، عن عاصم قال: قال أبو وائل -وذكر قصة مريم-فقال: قد علمت أن التقي ذو نُهْيَة حين قالت: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) أي: فقال لها الملك مجيبًا لها ومزيلا ما (٤) حصل عندها من الخوف على نفسها: لست مما تظنين، ولكني رسول ربك، أي: بعثني إليك، ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقا (٥) وعاد إلى هيئته وقال: "إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلامًا زكيا".

[هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء. وقرأ الآخرون: (لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا)] (٦) وكلا القراءتين له وجه حسن، ومعنى صحيح، وكل تستلزم (٧) الأخرى.

(قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيًّا) أي: فتعجبت مريم من هذا وقالت: كيف يكون لي غلام؟ أي: على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور؛ ولهذا قالت: (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) والبغي: هي الزانية؛ ولهذا جاء في الحديث نهي عن مهر البغي.

(قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي: فقال لها الملك مجيبًا لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلامًا، وإن لم يكن لك بعل ولا توجد (٨) منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر (٩)؛ ولهذا قال: (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) أي: دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوع (١٠) في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه.

وقوله: (وَرَحْمَةً مِنَّا) أي ونجعل (١١) هذا الغلام رحمة من الله نبيًّا من الأنبياء يدعو إلى عبادة

(١) في أ: "وقال أبو جعفر الرازي عن أبيه".

(٢) في ت، ف، أ: "وهو".

(٣) في أ: "تذكر".

(٤) في أ: "لما".

(٥) في ف، أ: "فزعا".

(٦) زيادة من ف، أ.

(٧) في أ: "يستلزم".

(٨) في ت، ف، أ: "ولا يوجد".

(٩) في أ: "قدير".

(١٠) في ت، ف، أ: "تنوع".

(١١) في ت، ف، أ: "ويجعل".

ج5 · ص221

الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥، ٤٦] أي: يدعو إلى عبادة الله ربه في مهده (١) وكهولته.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن إبراهيم -دُحَيْم-حدثنا مروان، حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي، عن مجاهد قال: قالت مريم، ﵍: كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر.

وقوله: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) يحتمل أن هذا من تمام كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته. ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد ﷺ وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] وقال ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١]

قال محمد بن إسحاق: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) أي: أن الله قد عزم على هذا، فليس منه بد، واختار هذا أيضًا ابن جرير في تفسيره، ولم يحك غيره، والله أعلم.

﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾

يقول تعالى مخبرًا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال، أنها استسلمت لقضاء الله تعالى (٢) فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك -وهو جبريل ﵇-عند ذلك نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله تعالى. فلما حملت به ضاقت ذرعًا به (٣) ولم تدر ماذا تقول (٤) للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا. وذلك أن زكريا ﵇، كان قد سأل الله الولد، فأجيب إلى ذلك، فحملت امرأته، فدخلت عليها مريم فقامت إليها فاعتنقتها، وقالت: أشعرت يا مريم أني حبلى؟ فقالت لها مريم: وهل علمت أيضًا أني حبلى؟ وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت (٥) مريم تجد الذي في جوفها (٦) يسجد للذي في بطن مريم، أي: يعظمه ويخضع له، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعًا، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن تسجد (٧) لآدم، ﵇، ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلا لتعظيم جلال الرب تعالى.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك ﵀: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن

(١) في ت، أ: "المهد".

(٢) في ت: "الله ﷿".

(٣) في أ: "بهما".

(٤) في ت: "يقول".

(٥) في أ: "وجهت".

(٦) في ف: "بطنها".

(٧) في ف، أ: "يسجدوا".

ج5 · ص222

زكريا ابنا خالة، وكان حملهما جميعا معا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى ﵇؛ لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص.

ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى ﵇ فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. وقال عكرمة: ثمانية أشهر -قال: ولهذا لا يعيش ولد لثمانية أشهر.

وقال ابن جُرَيْج: أخبرني المغيرة بن عثمان (١) بن عبد الله الثقفي، سمع ابن عباس وسئل عن حَبَل مريم، قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت (٢).

وهذا غريب، وكأنه أخذه من ظاهر قوله تعالى: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا) (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) فالفاء وإن كانت للتعقيب، ولكن تعقيب (٣) كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها. وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل صفتين أربعين يومًا (٤) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] فالمشهور الظاهر -والله على كل شيء قدير-أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن؛ ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل عليها وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس، يقال له: يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره، أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما (٥) يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمّل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس في فكره، لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرض لها في القول، فقال: يا مريم، إني سائلك عن أمر فلا تعجلي عليّ. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر (٦) من غير حبّ؟ وهل يكون زرع من غير بذر؟ وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم -فهمت (٧) ما أشار إليه-أما قولك: "هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر؟ " فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب، ولا بذر "وهل خلق يكون من غير أب؟ " (٨) فإن الله قد خلق آدم من غير أب ولا أم. فصدقها، وسلَّم لها حالها.

ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة، انتبذت منهم مكانًا قصيًّا، أي: قاصيًا منهم بعيدًا عنهم؛ لئلا تراهم ولا يروها.

قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به وملأت قلتها (٩) ورجعت، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والترحم وتغير اللون، حتى فَطَرَ لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: "إنما صاحبها يوسف"، ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس، واتخذت من دونهم حجابًا، فلا (١٠) يراها أحد ولا

(١) في أ: "بن عتبة".

(٢) في ت، أ: "وضعت".

(٣) في أ: "تعقب".

(٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وسيأتي عند تفسير الآية: ٥ من سورة الحج.

(٥) في ف: "لما".

(٦) في ف: "شجر قط".

(٧) في أ: "وفهمت".

(٨) في أ: "وهل يكون ولد من غير أب".

(٩) في أ: "قلبها".

(١٠) في ف، أ: "فلم".

ج5 · ص223

تراه.

وقوله: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) [أي: فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة] (١) وهي نخلة في المكان الذي تنحت إليه.

وقد اختلفوا فيه، فقال السدي: كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس.

وقال وهب بن مُنَبِّه: ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر، ضربها الطلق. وفي رواية عن وهب: كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس، في قرية هناك يقال لها: "بيت لحم".

قلت: وقد تقدم في حديث (٢) الإسراء، من رواية النسائي عن أنس، ﵁، والبيهقي عن شدَّاد بن أوس، ﵁: أن ذلك ببيت لحم، فالله أعلم، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا تشك فيه النصارى أنه ببيت لحم، وقد تلقاه الناس. وقد ورد به الحديث إن صح.

وقوله تعالى إخبارًا عنها: (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا) أي قبل هذا الحال، (وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) أي لم أخلق ولم أك شيئًا. قاله ابن عباس.

وقال السدي: قالت وهي تطلق من الحبل -استحياء من الناس: يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بَعْل (وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) نُسِيَ فتُرِك طلبه، كخِرَق الحيض إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر. وكذلك كل شيء نُسِيَ وترك فهو نَسِيّ.

وقال قتادة: (وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) أي: شيئًا لا يعرف، ولا يذكر، ولا يدرى من أنا.

وقال الربيع بن أنس: (وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) وهو (٣) السقط.

وقال ابن زيد: لم أكن شيئًا قط.

وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة، عند قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]

﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾

(١) زيادة من ف، أ.

(٢) في ت، ف: "أحاديث"

(٣) في ف، أ: "أي".

ج5 · ص224

قرأ بعضهم (مَنْ تَحْتَهَا) بمعنى (١) الذي تحتها. وقرأ آخرون: (مِنْ تَحْتِهَا) على أنه حرف جر.

واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره، عن ابن عباس: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وعمرو بن ميمون، والسدي، وقتادة: إنه الملك جبريل ﵊، أي: ناداها من أسفل الوادي.

وقال مجاهد: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) قال: عيسى ابن مريم، وكذا قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها. وهو إحدى (٢) الروايتين عن سعيد بن جبير: أنه ابنها، قال: أولم (٣) تسمع الله يقول: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]؟ واختاره ابن زيد، وابن جرير في تفسيره (٤)

وقوله: (أَلا تَحْزَنِي) أي: ناداها قائلا لا تحزني، (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال: الجدول. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السريّ: النهر. وبه قال عمرو بن ميمون: نهر تشرب منه.

وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية.

وقال سعيد بن جُبَيْر: السري: النهر الصغير بالنبطية.

وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية.

وقال إبراهيم النَّخَعِي: هو النهر الصغير.

وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز.

وقال وهب بن مُنَبِّه: السري: هو ربيع الماء.

وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني:

حدثنا أبو شعيب الحَرَّاني: حدثنا يحيى بن عبد الله البَابلُتِّي (٥) حدثنا أيوب بن نَهِيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن السري الذي قال الله لمريم: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) نهر أخرجه الله لتشرب منه" (٦) وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي (٧) قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زُرْعَة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث.

(١) في أ: "أي".

(٢) في ت: "أحد".

(٣) في ت، أ: "ولم".

(٤) تفسير الطبري (١٦/ ٥٢).

(٥) في أ: "يحيى بن عبد النابلتي".

(٦) المعجم الكبير (١٢/ ٣٤٦).

(٧) في أ: "الحلبي".

ج5 · ص225

وقال آخرون: المراد بالسري: عيسى، ﵇، وبه قال الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عَبَّاد بن جعفر. وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والقول الأول أظهر؛ ولهذا قال بعده: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) أي: وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة، قاله ابن عباس. وقيل: مثمرة. قال مجاهد: كانت عجوة. وقال الثوري، عن أبي داود (١) نُفَيْع الأعمى: كانت صَرَفَانة (٢)

والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه؛ ولهذا امتن عليها بذلك، أن جعل عندها طعامًا وشرابًا، فقال: (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) أي: طيبي نفسًا؛ ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شَيْبَان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي (٣) حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عُروة بن رُوَيْم، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، وليس من الشجر شيء (٤) يُلَقَّح غيرها". وقال رسول الله ﷺ: "أطعموا نساءكم الولدَ الرطَبَ، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجرة شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران".

هذا حديث منكر جدًّا، ورواه أبو يعلى، عن شيبان، به (٥)

وقرأ بعضهم قوله: "تساقط" بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها، وقرأ أبو نَهِيك: (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) وروى أبو إسحاق عن البراء: أنه قرأها: "تساقط" (٦) أي: الجذع. والكل متقارب.

وقوله: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا) أي: مهما رأيت من أحد، (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) المراد بهذا القول: الإشارة إليه بذلك. لا أن (٧) المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا).

قال أنس بن مالك في قوله: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي: صمتًا (٨) وكذا قال ابن عباس، والضحاك. وفي رواية عن أنس: "صومًا وصمتًا"، وكذا قال قتادة وغيرهما.

والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي،

(١) في ت: "عن أبي الأسود".

(٢) في ف، أ: "صوفانة".

(٣) في ت: "التيمي".

(٤) في ف: "وليس شيء من الشجر".

(٥) مسند أبي يعلى (١/ ٣٥٣) ورواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٣) وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٣١) من طريق مسرور بن سعد التميمي به، وقد ذكر له ابن عدي ثلاث علل: ١ - تفرد به مسرور عن الأوزاعي فهو منكر. ٢ - أنه منقطع بين عروة بن رويم وعلي بن أبي طالب. ٣ - أن مسور بن سعيد غير معروف. قلت: وضعفه ابن حبان والعقيلي.

(٦) في أ: "يساقط".

(٧) في ت: "لأن".

(٨) في أ: "صوتا".