سورة طه
ซูเราะฮ์ที่ 20 · ตอน 1/4 · เล่ม 5 หน้า 271–285
تفسير سورة طه
هي مكية.
روى إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب " التوحيد "، عن زياد بن أيوب، عن إبراهيم بن المنذر الحِزَامي، حدثنا إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، عن عمر بن حفص بن ذَكْوَان، عن مولى الحُرقة -يعني عبد الرحمن بن يعقوب -عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " إن الله قرأ (طه) و(يس) قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلما سمعت الملائكة قالوا: طوبى لأمة ينزل عليهم هذا (١) وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلم (٢) بهذا " (٣).
هذا حديث غريب، وفيه نكارة، وإبراهيم بن مهاجر وشيخه تُكلِّم فيهما.
﷽
﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾
تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة "البقرة" بما أغنى عن إعادته.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة (٤) الواسطي، حدثنا أبو أحمد -يعني: الزبيري -أنبأنا إسرائيل عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: طه: يا رجل. وهكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، و[عطاء] (٥) ومحمد بن كعب، وأبي مالك، وعطية العوفي، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن أبزى أنهم قالوا: "طه" بمعنى: يا رجل.
وفي رواية عن ابن عباس، وسعيد بن جبير والثوري أنها (٦) كلمة بالنبطية معناها: يا رجل. وقال أبو صالح هي مُعَرّبة.
وأسند القاضي عياض في كتابه "الشفاء" من طريق عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هاشم بن
(١) في ف: "هذا عليهم".
(٢) في أ: "تكلم".
(٣) التوحيد (ص ١٠٩) ورواه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٦٠٧) واللالكائي في شرح السنة برقم (٣٦٨) من طريق إبراهيم بن المنذر به. قال ابن حبان: "هذا متن موضوع"، وقال ابن عدي: "لم أجد لإبراهيم- أي: ابن مهاجر- حديثا أنكر من هذا؛ لأنه لا يرويه غيره".
(٤) في ف: "شيبة".
(٥) زيادة من ف، أ.
(٦) في أ: "أنه".
[القاسم] (١) عن ابن جعفر، عن الربيع بن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى (طه)، يعني: طأ الأرض يا محمد، (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى). ثم قال: ولا خفاء بما في هذا من الإكرام وحسن (٢) المعاملة (٣).
وقوله (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) قال جويبر، عن الضحاك: لما أنزل الله القرآن على رسوله، قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى! فأنزل الله تعالى: (طه * مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى).
فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرًا كثيرًا، كما ثبت في الصحيحين، عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: "من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". (٤).
وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال:
حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا إبراهيم الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن سِمَاك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم (٥) إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم، ولا أبالي" (٦).
إسناده جيد وثعلبة بن الحكم هذا [هو الليثي] (٧) ذكره أبو عمر في استيعابه، وقال: نزل البصرة، ثم تحول إلى الكوفة، وروى عنه سماك بن حرب (٨).
وقال مجاهد في قوله: (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى): هي كقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ﴾ [المزمل: ٢٠] وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة.
وقال قتادة: (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى): لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورًا، ودليلا إلى الجنة.
إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى): إن الله أنزل كتابه، وبعث رسله (٩).
رحمة، رحم بها العباد، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه.
وقوله: (تَنزيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا) (١٠) أي: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد
(١) زيادة من ف، أ، والشفا.
(٢) في ف: "أو حسن"، وفي أ: "وأحسن".
(٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (١/ ٢٦).
(٤) صحيح البخاري برقم (٧١) وصحيح مسلم برقم (١٠٣٧).
(٥) في ف: "علمي فيكم وحكمتي".
(٦) المعجم الكبير (٢/ ٨٤) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٢٦): "رجاله موثقون".
(٧) زيادة من ف، أ.
(٨) الاستيعاب (١/ ٢٠٤).
(٩) في أ: "رسوله".
(١٠) في ف: "تنزيل".
[هو] (١) تنزيل من [ربك] (٢) رب كل شيء ومليكه، القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السموات العلى في ارتفاعها ولطافتها. وقد جاء في الحديث الذي صححه الترمذي وغيره. أن سُمْك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبُعْد ما بينها والتي (٣) تليها [مسيرة] (٤) خمسمائة عام (٥).
وقد أورد (٦) ابن أبي حاتم هاهنا حديث الأوعال (٧) من رواية العباس عم رسول الله ﷺ ورضي الله عنه.
وقوله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى): تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف، بما أغنى عن إعادته أيضًا، وأن المسلك الأسلم في (٨) ذلك طريقة السلف، إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل.
وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) أي: الجميع ملكه وفي قبضته، وتحت تصريفه ومشيئته وإرادته وحكمه، وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه، لا إله سواه، ولا رب غيره.
وقوله: (وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) قال محمد بن كعب: أي ما تحت الأرض السابعة.
وقال الأوزاعي: إن يحيى بن أبي كثير حدثه أن كعبًا سُئِل فقيل له: ما تحت هذه الأرض؟ فقال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: صخرة. قيل: وما تحت الصخرة؟ قال: ملك. قيل: وما تحت الملك؟ قال: حوت معلق طرفاه بالعرش، قيل: وما تحت الحوت؟ قال: الهواء والظلمة وانقطع العلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن عَيَّاش، حدثنا عبد الله بن سليمان عن دَرَّاج، عن عيسى بن هلال الصَّدَفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت، قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية سجن (٩) الريح، والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، والخامسة فيها حيات جهنم والسادسة فيها عقارب جهنم، والسابعة فيها سَقَر، وفيها إبليس مُصَفّد بالحديد، يد أمامه ويد خلفه،
(١) زيادة من ف، وفي أ: "يا محمد تنزيل من ربك".
(٢) زيادة من ف، وفي أ: "يا محمد تنزيل من ربك".
(٣) في أ: "وبين التي".
(٤) زيادة من ف، أ.
(٥) سنن الترمذي برقم (٣٢٩٨) من حديث أبي هريرة، ﵁، وقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه".
(٦) في ف: "روى".
(٧) سيأتي حديث الأوعال بطوله عند تفسير الآية: ٧ من سورة غافر.
(٨) في أ: "من".
(٩) في أ: "مسجن".
فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه" (١).
هذا حديث غريب جدًا ورفعه فيه نظر.
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الهروي، عن العباس بن الفضل [قال]: (٢) قلت: ابن الفضل الأنصاري؟ قال: نعم، [عن القاسم] (٣) بن عبد الرحمن، عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فأقبلنا راجعين في حر شديد، فنحن متفرقون بين واحد واثنين، منتشرين، قال: وكنت في أول العسكر: إذ عارضنا رجل فَسَلّم ثم قال: أيكم محمد؟ ومضى أصحابي ووقفت معه، فإذا رسول الله ﷺ قد أقبل في وسط العَسْكَر على جمل أحمر، مُقَنَّع بثوبه على رأسه من الشمس، فقلت: أيها السائل، هذا رسول الله قد أتاك. فقال: أيهم هو؟ فقلت: صاحب البَكْر الأحمر. فدنا منه، فأخذ بخطام راحلته، فكف عليه رسول الله ﷺ، فقال (٤): أنت محمد؟ قال: "نعم". قال: إني أريد أن أسألك عن خصال، لا يعلمهن أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان، فقال رسول الله ﷺ: "سل عما شئت". فقال: يا محمد، أينام النبي؟ فقال رسول الله ﷺ: "تنام عيناه ولا ينام قلبه". قال: صدقت. ثم قال: يا محمد، مِنْ أين يشبه الولد أباه وأمه؟ "قال (٥) ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيّ الماءين غلب على الآخر نزع الولد". فقال (٦) صدقت. فقال: ما للرجل من الولد وما للمرأة منه؟ فقال: "للرجل العظام والعروق والعصب، وللمرأة اللحم والدم والشعر" (٧) قال: صدقت. ثم قال: يا محمد، ما تحت هذه، يعني الأرض؟ فقال رسول الله ﷺ: "خلق". فقال: فما تحتهم؟ قال: "أرض". قال: فما تحت الأرض؟ قال "الماء" قال: فما تحت الماء؟ قال: "ظلمة". قال: فما تحت الظلمة؟ قال: "الهواء". قال: فما تحت الهواء؟ قال: "الثرى". قال: فما تحت الثرى؟ ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء، وقال: "انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق، أيها السائل، ما المسئول عنها بأعلم من السائل". قال: فقال: صدقت، أشهد أنك رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: "أيها الناس، هل تدرون من هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا جبريل ﷺ" (٨) (٩).
هذا حديث غريب جدًا، وسياق عجيب، تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا، وقد قال فيه يحيى بن معين: "ليس يساوي شيئًا" وضعفه أبو حاتم الرازي، وقال ابن عدي: لا يعرف.
(١) ورواه ابن منده في كتاب التوحيد برقم (٦٣) من طريق حرملة بن يحيى عن عبد الله بن وهب بنحوه. ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٩٤) من طريق بحر بن نصر عن عبد الله بن وهب عن عبد الله بن عياش عن عبد الله بن سليمان، عن دراج عن أبي الهيثم عن عيسى بن هلال عن عبد الله بن عمرو بمثله، فزاد أبو الهيثم في إسناده. وقال: "صحيح ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي. قلت: "بلى منكر فيه عبد الله بن عياش ضعفه أبو داود وعند مسلم أنه: ثقة، ودراج وهو كثير المناكير".
(٢) في ف، أ: "ابن عباس".
(٣) زيادة من ف.
(٤) في ف: "قال".
(٥) في أ:: فقال".
(٦) في ف، أ: "قال".
(٧) في ف، أ: "والكبد"
(٨) في ف: "﵇".
(٩) ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٥/ ٥٥٢) من حديث جابر ﵁.
قلت: وقد خلط في هذا الحديث، ودخل عليه شيء في شيء، وحديث في حديث. وقد يُحْتَمل أنه تَعَمَّد ذلك، أو أدخل عليه فيه، فالله أعلم.
وقوله: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) أي: أنزل هذا القرآن الذي خلق [الأرض والسموات العلى، الذي يعلم السر وأخفى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي] (١) السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦].
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) قال: السر ما أسرّ ابن آدم في نفسه، (وَأَخْفَى): ما أخفى على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه فالله يعلم ذلك كله، فَعلْمه فيما مضى من ذلك وما بقي عِلْم واحد، وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة، وهو قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
وقال الضحاك: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) قال: السر: ما تحدث به نفسك، وأخفى: ما لم تحدث به نفسك بعد.
وقال سعيد بن جبير: أنت تعلم ما تسر اليوم، ولا تعلم ما تسر غدًا، والله يعلم ما تسر اليوم، وما تسر غدًا.
وقال مجاهد: (وَأَخْفَى) يعني: الوسوسة.
وقال أيضًا هو وسعيد بن جبير: (وَأَخْفَى) أي: ما هو عامله مما لم يحدث به نفسه.
وقوله: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى) [أي: الذي أنزل القرآن عليك هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى] (٢) والصفات العلى.
وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة "الأعراف" ولله الحمد والمنة.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾
من هاهنا شَرَعَ، ﵎، في ذكر قصة موسى [﵇] (٣) وكيف كان ابتداء الوحي إليه وتكليمه إياه، وذلك بعد ما قضى موسى الأجَل الذي كان بينه وبين صهْره في رعاية الغنم وسار بأهله قيل: قاصدًا بلاد مصر بعدما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته، فأضل الطريق، وكانت ليلة شاتية، ونزل منزلا بين شعاب وجبال، في برد وشتاء، وسحاب وظلام
وضباب، وجعل يقدح بزند معه (١) ليُوريَ نارًا، كما جرت له العادة به، فجعل لا يقدح شيئًا، ولا يخرج منه شرر ولا شيء. فبينا هو كذلك، إذ آنس من جانب الطور نارًا، أي: ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يبشرهم: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ) أي: شهاب (٢) من نار. وفي الآية الأخرى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [القصص: ٢٩] وهي الجمر: الذي معه لهب، ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩] دلّ على وجود البرد، وقوله: (بِقَبَسٍ) دلّ على وجود الظلام.
وقوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) أي: من يهديني الطريق، دلّ على أنه قد تاه عن الطريق، كما قال الثوري، عن أبي سعد الأعور، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) قال: من يهديني إلى الطريق. وكانوا شاتين وضلوا الطريق، فلما رأى النار قال: إن لم أجد أحدًا يهديني إلى الطريق آتكم (٣) بنار توقدون بها.
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾
يقول تعالى: (فَلَمَّا أَتَاهَا) أي: النار واقترب (٤) منها، (نُودِيَ يَا مُوسَى) وفي الآية الأخرى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠] وقال هاهنا (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) أي: الذي يكلمك ويخاطبك، (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) قال علي بن أبي طالب، وأبو ذر، وأبو أيوب، وغير واحد من السلف: كانتا من جلد حمار غير ذكيّ.
وقيل: إنما أمره بخلع نعليه تعظيمًا للبقعة.
قال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل (٥) الكعبة.
وقيل: ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيًا غير منتعل. وقيل: غير ذلك، والله أعلم.
وقوله: (طُوًى) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو اسم للوادي.
وكذا قال غير واحد، فعلى هذا يكون عطف بيان.
وقيل: عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه.
وقيل: لأنه قُدّس مرتين، وطوى له البركة وكررت: والأول أصح، كقوله (١) ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦].
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾
وقوله: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) كقوله ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أي: على جميع الناس من الموجودين في زمانه.
و[قد] (٢) قيل: إن الله تعالى قال: يا موسى، أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس؟ [قال: لا. قال:] (٣) لأني لم يتواضع لي أحد تواضعك.
وقوله: (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) أي: اسمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك:
(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا) هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.
وقوله: (فَاعْبُدْنِي) أي: وحدّني وَقُم بعبادتي من غير شريك، (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) قيل: معناه: صَلِّ لتذكرني. وقيل: معناه: وأقم الصلاة عند ذكرك لي.
ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "إذا رَقَد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى قال: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (٤).
وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" (٥).
وقوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) أي: قائمة لا محالة، وكائنة لا بد منها.
وقوله: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) قال الضحاك، عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها: "أكاد أخفيها من نفسي"، يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبدًا.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: من نفسه. وكذا قال مجاهد، وأبو صالح، ويحيى بن رافع.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) يقول: لا أطلع عليها أحدًا غيري.
وقال السدي: ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا قد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: "إني أكاد أخفيها من نفسي"، يقول: كتمتها عن الخلائق، حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت.
وقال قتادة: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) وهي في بعض القراءة أخفيها من نفسي، ولعمري لقد أخفاها الله من
الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين.
قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة حدثنا مِنْجَاب، حدثنا أبو نُمَيْلة، حدثني محمد بن سهل الأسدي، عن وِقَاء قال: أقرأنيها سعيد بن جبير (أكاد أَخْفيها)، يعني: بنصب (١) الألف وخفض الفاء، يقول: أظهرها، ثم [قال] (٢) أما سمعت قول الشاعر (٣).
دَأبَ شَهْرَين، ثم شهرًا دَمِيكًا … بأريكَين يَخْفيان غَميرًا
وقال الأسدي: الغمير: نبت رطب، ينبت في خلال يبس. والأريكين: موضع، والدميك: الشهر التام. وهذا الشعر لكعب بن زهير.
وقوله ﷾: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) أي: أقيمها لا محالة، لأجزي كل عامل بعمله، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] و﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦].
وقوله: (فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين، أي: لا تتبعوا [سبيل] (٤) من كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في دنياه، وعصى مولاه، واتبع هواه، فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر (فَتَرْدَى) أي: تهلك وتعطب (٥) قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١].
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى (٢١)﴾.
هذا برهان من الله تعالى لموسى، ﵇، ومعجزة عظيمة، وخرق للعادة باهر، دال (٦) على أنه لا يقدر على مثل هذا إلا الله ﷿، وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل، وقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) قال بعض المفسرين: إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له. وقيل: إنما قال له
ذلك على وجه التقرير، أي: أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها، فسترى ما نصنع بها الآن، (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) استفهام تقرير.
(قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا) أي: أعتمد عليها في حال المشي (وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي) أي: أهز بها الشجرة ليسقط ورقها، لترعاه غنمي.
قال عبد الرحمن بن القاسم: عن الإمام مالك: والهش: أن يضع الرجل المحْجَن في الغصن، ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثَمَره، ولا يكسر العود، فهذا الهش، ولا يخبط. وكذا قال ميمون بن مهران أيضًا.
وقوله: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) أي: مصالح ومنافع وحاجات أخر غير ذلك. وقد تكلف (١) بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت، فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة.
والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى صيرورتها ثعبانًا، فما كان يفر منها هاربًا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية (٢) وكذا قول بعضهم: إنها كانت لآدم، ﵇. وقول الآخر: إنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة. وروي عن ابن عباس أنه قال: كان اسمها ماشا. والله أعلم بالصواب.
وقوله تعالى: ([قَالَ] (٣) أَلْقِهَا يَا مُوسَى) أي: هذه العصا التي في يدك يا موسى، ألقها (فَأَلْقَاهَا (٤) فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) أي: صارت في الحال حَيَّة عظيمة، ثعبانًا طويلا يتحرك حركة سريعة، فإذا هي تهتز كأنها جان، وهو (٥) أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر، وفي غاية سرعة الحركة، (تَسْعَى) أي: تمشي وتضطرب.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عَبْدَة، حدثنا حفص بن جُمَيْع، حدثنا سِمَاك، عن عكرمة، عن [ابن عباس] (٦) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها، فولى مدبرًا، فنودي أن: يا موسى، خذها. فلم يأخذها، ثم نودي الثانية أن: خذها ولا تخف. فقيل له في الثالثة: إنك من الآمنين. فأخذها.
وقال وهب بن مُنَبّه في قوله: (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) قال: فألقاها على وجه الأرض، ثم حانت نظرة فإذا أعظم (٧) ثعبان نظر إليه الناظرون، فَدَبّ يلتمس كأنه يبتغي شيئًا يريد أخْذَه، يمر بالصخرة مثل الخَلِفَة من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه توقدان نارا، وقد عاد المحْجَن منها عُرفًا. قيل: شعر مثل النيازك، وعاد الشعبتان منها مثل القليب الواسع، فيه أضراس وأنياب، لها صريف، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرًا ولم يُعَقِّب،
فذهب حتى أمعن، ورأى أنه قد أعجَز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي: يا موسى أنْ: ارجع حيث كنت. فرجع موسى وهو شديد الخوف. فقال: (خُذْهَا) بيمينك (وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولَى) وعلى موسى حينئذ مِدْرَعة من صوف، فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها أدلى طرف المدرعة على يده، فقال له ملك (١) أرأيت يا موسى، لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئًا؟ قال: لا ولكني ضعيف، ومن ضَعْف خلقت. فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية، حتى سمع حسّ الأضراس والأنياب، ثم قَبض فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين؛ ولهذا قال تعالى: (سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولَى) أي: إلى حالها (٢) التي تعرف قبل ذلك.
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾.
وهذا بُرهان ثان لموسى، ﵇، وهو أن الله أمره أن يدخل يده في جيبه، كما صرح به في الآية الأخرى، وهاهنا عبر عن ذلك بقوله: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ) وقال في مكان آخر: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص: ٣٢].
وقال مجاهد: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ) كفه تحت عضده.
وذلك أن موسى، ﵇، كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر.
وقوله: (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي: من غير بَرَص ولا أذى، ومن غير شين. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، وغيرهم.
وقال الحسن البصري: أخرجها -والله-كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه ﷿؛ ولهذا قال تعالى: (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى).
وقال وهب: قال له ربه: ادْنُهْ: فلم يزل يدنيه حتى شدّ ظهره بجذع الشجرة، فاستقر وذهبت عنه الرعدة، وجمع يده في العصا، وخضع برأسه وعنقه.
وقوله (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) أي: اذهب إلى فرعون ملك مصر، الذي خَرَجت فارًا منه
وهاربًا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فَلْيُحْسِن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبَغَى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى.
قال وهب بن مُنَبِّه: قال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي، وإني (١) معك أيدي ونَصْري، وإني قد ألبستك جُنَّةً من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جندي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا عني، حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وزعم أنه لا يعرفني، فإني أقسم بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، يغضب لغضبه السموات والأرض، والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان عليّ، وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بما عندي، وحقي إني أنا الغنيّ لا غنيّ غيري، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، وذكره أيامي (٢) وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولا لينًا لعله يتذكر أو يخشى، وخَبّره (٣) أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني، وقل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة، وقد أمهلك أربعمائة سنة، في كلها أنت مبارزه بالمحاربة، تسبه وتتمثل به وتصدّ عباده عن سبيله وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، [و] (٤) لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر [ولم تغلب] (٥) ولو شاء الله أن يعَجِّل لك العقوبة لفعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم. وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما تحتسبان بجهاده (٦) فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة -ولا قليل مني-تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا تعجبنكما (٧) زينته، ولا ما مَتّع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما، فإنها زهر (٨) الحياة الدنيا، وزينة المترفين. ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة، ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما، فعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك، وأزويه عنكما. وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما جرت عادتي في ذلك. فإني لأذودُهم عن نعيمها ورخائها، كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة، وما ذاك لهوانهم عليّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرًا لم تكْلَمْه الدنيا.
واعلم أنه لا يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ مما (٩) عندي من الزهد في الدنيا، فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يُعْرَفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًا حقًا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل قلبك ولسانك، واعلم أنه من أهان لي
وليًا أو أخافه، فقد بارزني بالمحاربة، وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي، أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني، أم (١) يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني. وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أَكِلُ مضطرهم (٢) إلى غيري.
رواه ابن أبي حاتم.
(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) هذا سؤال من موسى، ﵇، لربه ﷿، أن يشرح له صدره فيما بعثه به، فإنه قد أمره بأمر عظيم، وخطب جسيم، بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك، وأجبرهم، وأشدهم كفرًا، وأكثرهم جنودًا، وأعمرهم ملكًا، وأطغاهم وأبلغهم تمردًا، بلغ من أمره أن ادعى أنه لا يعرف الله، ولا يعلم لرعاياه إلهًا غيره.
هذا وقد مكث موسى في داره مدة وليدًا عندهم، في حجر فرعون، على فراشه، ثم قتل منهم نفسا فخافهم أن يقتلوه، فهرب منهم هذه المدة بكمالها. ثم بعد هذا بعثه ربه ﷿ إليهم نذيرًا يدعوهم إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له؛ ولهذا قال: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) أي: إن لم تكن أنت عوني ونصيري، وعضدي وظهيري، وإلا فلا طاقة لي بذلك.
(وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي) وذلك لما كان أصابه من اللثغ، حين عرض عليه التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، كما سيأتي بيانه، وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل بحيث (٣) يزول العي، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة. ولو سأل الجميع لزال، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة، ولهذا بقيت بقية، قال الله تعالى إخبارًا عن فرعون أنه قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢] أي: يفصح بالكلام.
وقال الحسن البصري: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي) قال: حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك أعطى.
وقال ابن عباس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءًا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه سؤله، فحل عقدة من لسانه.
وقال ابن أبي حاتم: ذُكِرَ عن عَمْرو بن عثمان، حدثنا بَقِيّة، عن أرطاة بن المنذر، حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب، عنه قال: أتاه ذو قرابة له. فقال له: ما بك بأس لولا أنك تلحن في كلامك، ولست تعرب في قراءتك؟ فقال القرظي: يا ابن أخي، ألست أفهمك إذا حدثتك (٤)؟. قال:
نعم. قال: فإن موسى، ﵇، إنما سأل ربه أن يحل (١) عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل كلامه، ولم يزد عليها. هذا لفظه.
وقوله: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي): وهذا أيضًا سؤال من موسى في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة أخيه هارون له.
قال الثوري، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: فَنُبّئ هارون ساعتئذ حين نبئ موسى، ﵉.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن نُمَير، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة (٢) عن أبيه، عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلا يقول: أيّ أخ كان في الدنيا (٣) أنفع لأخيه؟ قالوا: ما ندري. قال: والله أنا أدري (٤) قالت: فقلت في نفسي: في حلفه لا يستثنى، إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه. قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة. فقلت: صدق والله. قلت: وفي (٥) هذا قال الله تعالى في الثناء على موسى، ﵇: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].
وقوله: (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) قال مجاهد: ظهري.
(وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) أي: في مشاورتي.
(كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا، حتى يذكر الله قائما وقاعدًا ومضطجعًا.
وقوله: (إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) أي: في اصطفائك لنا، وإعطائك إيانا النبوة، وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون، فلك الحمد على ذلك.
﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾
هذه (٦) إجابة من الله لرسوله موسى، ﵇، فيما سأل من ربه ﷿، وتذكير (٧) له بنعمه السالفة عليه،
﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا (٤٠)﴾
فيما كان ألهم أمه حين كانت ترضعه، وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه؛ لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان. فاتخذت له تابوتا، فكانت (٨) ترضعه ثم تضعه فيه، وترسله في البحر -وهو النيل-وتمسكه إلى منزلها بحبل فذهبت مرة لتربطه (٩) فانفلت منها
وذهب به البحر، فحصل لها من الغم والهم ما ذكره الله عنها في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠] فذهب به البحر إلى دار فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أي قدرًا مقدورًا (١) من الله، حيث كانوا هم يقتلون الغلمان (٢) من بني إسرائيل، حذرًا من وجود موسى، فحكم الله -وله السلطان العظيم، والقدرة التامة-ألا يربى إلا على فراش فرعون، ويغذى بطعامه وشرابه، مع محبته وزوجته له؛ ولهذا قال: (يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) [أي: عند عدوك، جعلته يحبك. قال سلمة بن كُهَيْل: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)] (٣) قال: حببتك إلى عبادي.
(وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) قال أبو عمران الجوني: تربى بعين الله.
وقال قتادة: تغذى على عيني.
وقال معمر بن المثنى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) بحيث أرى.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف، غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة.
وقوله: (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا) وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون، عرضوا عليه المراضع، فأباها، قال الله ﷿: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ فجات أخته وقالت (٤) ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]. تعني (٥) هل أدلكم على من ترضعه (٦) لكم بالأجرة؟ فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثديها، فقبله، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، واستأجروها على إرضاعه فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الآخرة (٧) أغنم وأجزل؛ ولهذا جاء في الحديث: "مثل الصانع الذي يحتسب (٨) في صنعته الخير، كمثل أم موسى، ترضع ولدها وتأخذ أجرها" (٩).
وقال تعالى هاهنا: (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ) أي: عليك، (وَقَتَلْتَ نَفْسًا) يعني: القبطي، (فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ) وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله (١٠) ففر منهم هاربًا، حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥].
وقوله: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، ﵀، في كتاب التفسير من سننه، قوله: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا):
(١) في أ: "أي قدرا مقدرا".
(٢) في أ: "العلماء"
(٣) زيادة من أ.
(٤) في ف، أ: "فقالت".
(٥) في ف، أ: "يعني".
(٦) في ف: "يرضعه".
(٧) في أ: "الأخرى".
(٨) في ف، أ: "يحسب".
(٩) روى أبو داود في المراسيل برقم (٣٣٢) من طريق جبير بن نفير نحوه ولفظه "مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل ويتقوون على عدوهم به مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها".
(١٠) في ف: "آل فرعون ليقتلوه" وفي أ: "ليقتله".
حديث الفتون
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير، قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله، ﷿، لموسى، ﵇: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) فسألته عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثًا طويلا. فلما أصبحت غدوت إلى (١) ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم، ﵇ (٢) أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكًا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك، ما (٣) يشكون فيه وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم، فقال فرعون: فكيف ترون؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه. ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا: يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي (٤) كانوا يكفونكم، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، فيقل أبناؤهم (٥) ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار؛ فإنهم لن يكثروا (٦) بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة. فلما كان من قابل حملت بموسى، ﵇، فوقع في قلبها الهَمّ والحزن، وذلك من الفتون -يا بن جبير-ما دخل عليه في بطن أمه، مما يراد به، فأوحى الله [جل ذكره] (٧) إليها أن ﴿وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه (٨) في اليم. فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنُها أتاها الشيطان، فقالت في نفسها: ما فعلت با بني، لو ذبح عندي فواريته وكفنته، كان أحب إليّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه.
فانتهى الماء به حتى أوفى به عند فُرْضَة مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهن (٩) إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدناه فيه، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئًا حتى رفعنه (١٠) إليها. فلما فتحته رأت فيه غلامًا، فألقى عليه منها (١١) محبة لم يلق منها على أحد قط. وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا من ذكر كل شيء، إلا من ذكر موسى.
فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا بن