سورة طه
ซูเราะฮ์ที่ 20 · ตอน 4/4 · เล่ม 5 หน้า 316–330
أي: في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلا عشرة أيام أو نحوها.
قال الله تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ) أي: في حال تناجيهم بينهم (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً) أي: العاقل الكامل فيهم، (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا) أي لقصر مدة الدنيا في أنفسهم [يوم المعاد؛ لأن الدنيا كُلَّها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها] (١) وساعاتها كأنها يوم واحد؛ ولهذا تستقصر مدة (٢) الحياة الدنيا يوم القيامة: وكان غرضهم في ذلك [درء] (٣) قيام الحجة عليهم، لقصر المدة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٥، ٥٦]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤] أي: إنما كان لُبثكم فيها قليلا لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قَدَّمتُم الحاضر الفاني على الدائم الباقي.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا (١٠٨)﴾
يقول تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ) أي: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ (فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) أي: يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرًا.
(فَيَذَرُهَا) أي: الأرض (قَاعًا صَفْصَفًا) أي: بساطًا واحدًا.
والقاع: هو المستوي من الأرض. والصفصف تأكيد لمعنى ذلك، وقيل: الذي لا نبات فيه. والأول أولى، وإن كان الآخر مرادًا أيضًا باللازم؛ ولهذا قال: (لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا) أي: لا ترى في الأرض يومئذ واديًا ولا رابية، ولا مكانًا منخفضًا ولا مرتفعًا، كذلك (٤) قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك، وقتادة، وغير واحد من السلف.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال، يستجيبون مسارعين إلى الداعي، حيثما أمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم، ولكن حيث (٥) لا ينفعهم، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨]، وقال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨].
قال محمد بن كعب القُرَظِي: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، وتطوي (٦) السماء،
وتتناثر (١) النجوم، وتذهب (٢) الشمس والقمر، وينادي مناد، فيتبع الناس الصوت [فيأتونه] (٣) فذلك قوله: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ).
وقال قتادة: (لا عِوَجَ لَهُ) لا يميلون عنه.
وقال أبو صالح: (لا عِوَجَ لَهُ) لا عوج عنه.
وقوله: (وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ): قال ابن عباس: سكنت: وكذا قال السدي.
(فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا) قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يعني: وطء الأقدام. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، والربيع بن أنس، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا): الصوت الخفي. وهو رواية عن عكرمة، والضحاك.
وقال سعيد بن جبير: (فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا): الحديث، وسره، ووطء الأقدام. فقد جمع سعيد كلا القولين وهو محتمل، أما وطء الأقدام فالمراد سعي الناس إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع. وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥].
﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (١١٢)﴾.
يقول تعالى: (يَوْمَئِذٍ) أي: يوم القيامة (لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ) أي: عنده (إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا) كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨].
وفي الصحيحين، من غير وجه، عن رسول الله ﷺ وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق على الله ﷿ أنه قال: "آتي تحت العرش، وأخر (٤) لله ساجدًا، ويَفْتَح عليّ بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني (٥) ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع (٦) واشفع تشفع". قال: "فيحد لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود"، فذكر أربع مرات، صلوات الله وسلامه عليه
وعلى سائر الأنبياء.
وفي الحديث [أيضًا] (١) "يقول تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فَيُخْرِجُون خلقا كثيرا، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرّة، من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرّة من إيمان" الحديث. (٢)
وقوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) أي: يحيط علما بالخلائق كلهم، (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) كقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقوله: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) قال ابن عباس، وغير واحد: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم: الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه، لا قوام له إلا به.
وقوله: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) أي: يوم القيامة، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء.
وفي الحديث: "يقول الله تعالى: وعزتي وجلالي، لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم" (٣).
وفي الصحيح: "إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" (٤). والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو مشرك به؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]
وقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) لما ذكر الظالمين ووعيدهم، ثنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يُظْلَمُون ولا يُهضَمون، أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم (٥). قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغير واحد. فالظلم: الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم: النقص.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾
يقول: ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقعا لا محالة، أنزلنا القرآن بشيرًا ونذيرًا، بلسان
عربي مبين فصيح (١) لا لبس فيه ولا عيّ، (وَصَرَّفْنَا (٢) فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي: يتركون المآثم والمحارم والفواحش، (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات.
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾
(فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) أي: تنزه وتقدس (٣) الملك الحق، الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق، ورسله حق، والجنة حق، والنار حق، وكل شيء منه حق. وعدله تعالى ألا يعذب أحدًا قبل الإنذار وبعثة الرسل والإعذار إلى خلقه؛ لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.
وقوله: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) كقوله تعالى في سورة ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩]، وثبت في الصحيح عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ كان يعالج من الوحي شدّة، فكان مما يحرّك لسانه، فأنزل (٤) الله هذه الآية (٥) يعني: أنه، ﵇، كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية قالها معه، من شدّة حرصه على حفظ (٦) القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه؛ لئلا يشق عليه. فقال: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي: أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئًا، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وقال في هذه الآية: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) أي: بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده، (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) أي: زدني منك علمًا.
قال ابن عُيَيْنَة، ﵀: ولم يزل ﷺ في زيادة [من العلم] (٧) حتى توفاه الله ﷿.
ولهذا جاء في الحديث: "إن الله تابع الوحي على رسوله، حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم تُوُفِّيَ رسول الله ﷺ" (٨) وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم انفعني بما علَّمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، والحمد لله على كل حال" (٩).
وأخرجه الترمذي، عن أبي كُرَيْب، عن عبد الله بن نُمَيْر، به. وقال: غريب من هذا الوجه. ورواه البزار عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي عاصم، عن موسى بن عبيدة، به. وزاد في آخره: "وأعوذ بالله من حال أهل النار".
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي. وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عنه.
وقال مجاهد والحسن: تَرَكَ.
وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ) يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه، وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلا.
وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "الحجر" و"الكهف" (١) وسيأتي في آخر سورة "ص" (٢) [إن شاء الله تعالى]. (٣) يذكر فيها تعالى خَلْقَ آدم وأَمْرَه الملائكة بالسجود له تشريفًا وتكريمًا، ويبين (٤) عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديمًا؛ ولهذا قال تعالى: (فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى) أي: امتنع واستكبر. (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) يعني: حواء، ﵉ (فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) أي: إياك أن يسعى (٥) في إخراجك منها، فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء، لا (٦) كلفة ولا مشقة.
(إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى) إنما قرن بين الجوع والعُرْي؛ لأن الجوع ذُلّ الباطن، والعري ذُلّ الظاهر.
(وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى) وهذان أيضًا متقابلان، فالظمأ: حر الباطن، وهو العطش. والضحى: حر الظاهر.
وقوله: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) قد تقدم أنه (٧) ﴿فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]؛ ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]. وقد
تقدم أن الله تعالى أوحى إلى آدم وزوجته أن يأكلا من كل الثمار، ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة. فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها، وكانت شجرةَ الخلد -يعني: التي من أكل منها خلد ودام مكثه. وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي الضحاك (١) سمعت أبا هريرة يحدث، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، ما يقطعها وهي شجرة الخلد". ورواه الإمام أحمد. (٢).
وقوله: (فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا) قال ابن أبي حاتم:
حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر (٣) الرأس، كأنه نخلة سَحُوق. فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته. فلما نظر إلى عورته جعل يَشْتَد في الجنة، فأخذتْ شعرَه شجرة، فنازعها، فنادى الرحمن: يا آدم، منِّي تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب، لا ولكن استحياء (٤) أرأيت إن تبت ورجعت، أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (٥)
وهذا منقطع بين الحسن وأُبيّ بن كعب، فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضًا.
وقوله: (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) قال مجاهد: يرقعان كهيئة الثوب. وكذا قال قتادة، والسدي.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر، عن (٦) عون، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المِنْهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) قال: ينزعان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما.
وقوله: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) قال البخاري:
حدثنا قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "حاجّ موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني -أو: قدره الله عليّ قبل أن يخلقني -" قال رسول الله ﷺ: "فحج آدم موسى". (٧)
وهذا الحديث له طرق في الصحيحين، وغيرهما من المسانيد (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أنس بن عياض، عن الحارث بن أبي ذُبَابَ، عن يزيد بن هرمز قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "حَجَّ آدمُ وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك؟ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نَجِيًّا، فبكم وجدتَ الله كتب التوراة [قبل أن أخلق] (٢) قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدتَ فيها (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملتُ عملا كتب الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة". قال رسول الله ﷺ: "فحج آدم موسى".
قال الحارث: وحدثني عبد الرحمن بن هُرْمزُ بذلك، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ. (٣).
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾
يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس: اهبطوا منها جميعًا، أي: من الجنة كلكم. وقد بسطنا ذلك في سورة البقرة ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته.
وقوله: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) قال أبو العالية: الأنبياء والرسل والبيان.
(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) قال ابن عباس: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره [ضيق] (٤) حَرَج لضلاله، وإن تَنَعَّم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه
ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد. فهذا من ضنك المعيشة.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) قال: الشقاء.
وقال العوفي، عن ابن عباس: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) قال: كل مال (١) أعطيته عبدًا من عبادي، قل أو كثر، لا يتقيني فيه، فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة. ويقال: إن قومًا ضُلالا أعرضوا عن الحق، وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكا؛ [و] (٢) ذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفًا لهم معايشهم، من سوء ظنّهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله، ويسيء الظن به والثقة به اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك.
وقال الضحاك: هو العمل السيئ، والرزق الخبيث، وكذا قال عكرمة، ومالك بن دينار.
وقال سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد في قوله: (مَعِيشَةً ضَنْكًا) قال: يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه فيه. قال أبو حاتم الرازي: النعمان بن أبي عياش (٣) يكنى أبا سلمة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله ﷿: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) قال: "ضمة القبر" الموقوف أصح. (٤)
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح، عن ابن حُجَيْرة -اسمه عبد الرحمن -عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويرحب له في قبره سبعون ذراعا، وينور له قبره كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيم أنزلت هذه الآية: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تِنِّينًا، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس، ينفخون في جسمه، ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون". (٥).
رفعه منكر جدًا.
وقال البزار: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا محمد بن عمرو (٦) حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، [عن أبي حُجَيْرة] (٧) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قول الله ﷿: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) قال: "المعيشة الضنك الذي قال الله تعالى: أنه يسلط عليه تسعة وتسعون
حية، ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة" (١).
وقال أيضًا: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) قال: "عذاب القبر". إسناد جيد (٢).
وقوله: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) قال مجاهد، وأبو صالح، والسدي: لا حجة له.
وقال عكرمة: عُمِّي عليه كل شيء إلا جهنم.
ويحتمل أن يكون المراد: أنه يُحشَر أو يبعث (٣) إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضًا، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. ولهذا يقول: (رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا) أي: في الدنيا.
﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾.
(قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) أي: لما أعرضت عن آيات الله، وعامَلْتها معاملة من لم يذكرها، بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك نعاملك [اليوم] (٤) معاملة من ينساك (٥) ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١] فإن الجزاء من جنس العمل، فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان مُتَوَعدًا عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، قال الإمام أحمد:
حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من رجل قرأ القرآن فنسيه، إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم" (٦).
ثم رواه الإمام أحمد من حديث يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ، فذكر مثله سواء (٧).
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾
يقول تعالى: وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] ولهذا قال: (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) أي: أشد ألمًا من عذاب الدنيا، وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: "إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة".
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾.
يقول تعالى: (أَفَلَمْ يَهْدِ) لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به: يا محمد، كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها، يمشون فيها، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى) أي: العقول الصحيحة والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال في سورة "الم السجدة": ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦].
ثم قال تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) أي: لولا الكلمة السابقة من الله وهو أنه (١) لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدة معينة لجاءهم العذاب بغتة؛ ولهذا قال لنبيه مسليًا له: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) أي: من تكذيبهم لك، (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) يعني: صلاة الفجر، (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) يعني: صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البَجَليّ ﵁ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا" ثم قرأ هذه الآية (٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عمارة بن رُوَيْبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لن يَلجَ النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ".
رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، به (٣).
وفي المسند والسنن، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لَمَنْ ينظر إلى الله ﷿ في اليوم مرتين " (٤).
وقوله: (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ) أي: من ساعاته فتهجد به. وحمله بعضهم على المغرب والعشاء، (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) في مقابلة آناء الليل، (لَعَلَّكَ تَرْضَى) كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥].
وفي الصحيح: " يقول الله: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا " (١).
وفي الحديث [الآخر] (٢) يقال: " يا أهل الجنة، إن لكم (٣) عند الله موعدا يريد أن يُنْجزكُمُوه. فيقولون: وما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا (٤) الجنة؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم خيرًا من النظر إليه، وهي (٥) الزيادة " (٦).
﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾
يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين (٧) وأشباههم ونظرائهم، وما فيه من النعم (٨) فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور.
وقال مجاهد: (أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) يعني: الأغنياء فقد آتاك [الله] (٩) خيرًا مما آتاهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٧، ٨٨]، وكذلك (١٠) ما ادخره تعالى لرسوله في الدار الآخرة أمر عظيم لا يُحَدّ ولا يوصف، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] ولهذا قال: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى).
وفي الصحيح: أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله ﷺ في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه، حين آلى منهم فرآه متوسدًا مضطجعًا على رمال حصير وليس في البيت إلا صُبْرَة من قَرَظ، وأهَب (١١) معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال رسول الله: " ما يبكيك (١٢)؟ ".
(١) صحيح البخاري برقم (٦٥٤٩) من حديث أبي سعيد ﵁.
(٢) زيادة من ف، أ.
(٣) في ف: "بكم".
(٤) في ف: "تبيض وجوهنا وتثقل موازيننا وتزحزحنا عن النار وتدخلنا".
(٥) في أ: "وهو".
(٦) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٨١) من حديث صهيب ﵁.
(٧) من أ: "إلى ما متعنا به هؤلاء المسرفين".
(٨) في ف، أ: "النعيم".
(٩) زيادة من ف، أ.
(١٠) في ف: "ولذلك".
(١١) في أ: "واهية".
(١٢) في ف: "ما يبكيك يا عمر؟ ".
فقال: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه؟ فقال: "أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عُجِّلت طيباتهم في حياتهم الدنيا ". (١)
فكان صلوات الله وسلامه عليه (٢) أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا، في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئًا لغد.
قال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس، أخبرني ابن وهب، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي سعيد؛ أن رسول الله ﷺ قال: " إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله (٣) من زهرة (٤) الدنيا ". قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: " بركات الأرض " (٥).
وقال قتادة والسدي: زهرة الحياة الدنيا، يعني: زينة الحياة الدنيا.
وقال قتادة (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) لنبتليهم.
وقوله: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) أي: استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصطبر أنت على فعلها كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كان يبيت عنده أنا ويرفأ، وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم (٦) فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا [استيقظ أقام] (٧) -يعني أهله -وقال: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (٨).
وقوله: (لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ) يعني (٩) إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨] ولهذا قال: (لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ) وقال الثوري: (لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا) أي: لا نكلفك الطلب. وقال ابن أبي حاتم [أيضًا] (١٠) حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه؛ أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفًا فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار
(١) صحيح البخاري برقم (٤٩١٣).
(٢) في ف، أ: "عليه وسلامه".
(٣) في أ: "يفتح الله لكم".
(٤) في أ: "زهرة الحياة الدنيا".
(٥) أصله في صحيح البخاري برقم (٢٨٤٢) وصحيح مسلم برقم (١٠٥٢) من طريق عطاء عن أبي سعيد الخدري ولفظه: "إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا".
(٦) في ف، أ: "لم ينم".
(٧) زيادة من ف، أ.
(٨) ورواه مالك في الموطأ (١/ ١١٩) عن زيد بن أسلم عن أبيه بنحوه.
(٩) في ف: "أي".
(١٠) زيادة من ف، أ.
قرأ: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) إلى قوله: (نَحْنُ نَرْزُقُكَ) ثم يقول: الصلاة الصلاة، رحمكم الله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد القَطَوَاني، حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر، عن ثابت قال: كان النبي ﷺ إذا أصابه خصاصة نادى أهله: " يا أهلاه، صلوا، صلوا ". قال ثابت: وكانت (١) الأنبياء إذا نزل بهم (٢) أمر فزعوا إلى الصلاة. (٣)
وقد روى الترمذي وابن ماجه، من حديث عمران بن زائدة، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " يقول الله تعالى: يا ابن آدم تَفَرَّغ لعبادتي أمْلأ صدرك غنى، وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأتُ صدرك شغلا ولم أسدّ فقرك " (٤).
وروى ابن ماجه من حديث الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود: سمعت نبيكم ﷺ يقول: " من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله هَمّ دنياه. ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك " (٥).
وروي أيضًا من حديث شعبة، عن عُمَر بن سليمان (٦) عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من كانت الدنيا هَمَّه فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له. ومن كانت الآخرة نيَّته، جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة " (٧).
(وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وهي الجنة، لمن اتقى الله.
وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: " رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأنا أتينا برطب [من رطب] (٨) ابن طاب، فأولت ذلك أن العاقبة لنا في (٩) الدنيا والرفعة وأن ديننا قد طاب " (١٠).
(١) في ف: "وكان".
(٢) في أ: "بها".
(٣) ورواه الإمام أحمد في الزهد برقم (٤٨) عن سيار به، دون قول ثابت.
(٤) سنن الترمذي برقم (٢٤٦٦) وسنن ابن ماجه برقم (٤١٠٧) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
(٥) سنن ابن ماجه برقم (٤١٠٦).
(٦) في ف: "عمرو بن سليم".
(٧) سنن ابن ماجه برقم (٤١٠٥). وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٢٧١): "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات".
(٨) زيادة من ف، أ، ومسلم.
(٩) في ف: "في الدار الدنيا".
(١٠) صحيح مسلم برقم (٢٢٧٠) من حديث أنس بن مالك ﵁.
﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن الكفار في قولهم: (لَوْلا) أي: هلا (يَأْتِينَا) محمد (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ) أي: بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟ قال الله تعالى: (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى) يعني: القرآن العظيم الذي أنزله عليه الله (١) وهو أمي، لا يحسن الكتابة، ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين، بما كان منهم (٢) في سالف الدهور، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها؛ فإن القرآن مهيمن عليها، يصدق الصحيح، ويُبَيّن خطأ المكذوب فيها وعليها. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة "العنكبوت": ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ (٣) عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ (٤) إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠، ٥١] وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة " (٥).
وإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها، ﵇، وهو القرآن، وله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر، كما هو مودع في كتبه، ومقرر في مواضعه.
ثم قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا) أي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل (٦) إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم لكانوا قالوا: (رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا) قبل أن تهلكنا، حتى نؤمن به ونتبعه؟ كما قال: (فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)، يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٧]، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧] وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩، ١١٠].
ثم قال تعالى (قُلْ) أي: يا محمد لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده (كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ) أي: منا ومنكم (فَتَرَبَّصُوا) أي: فانتظروا، (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ) أي: الطريق المستقيم، (وَمَنِ اهْتَدَى) إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله (١) تعالى ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٤٢]، ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦].
آخر تفسير سورة طه، ولله الحمد والمنة.
(١) في هـ: "قوله" والمثبت من ف، أ.