سورة الأنفال

ซูเราะฮ์ที่ 8 · ตอน 4/7 · เล่ม 4 หน้า 50–64

ج4 · ص50

قال: "إن الشيطان قال: وعزتك يا رب، لا أبرح أغْوِي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب: وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني".

ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (١)

وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا رِشْدِين -هو ابن سعد -حدثني معاوية بن سعد التُّجيبي، عمن حدثه، عن فَضَالة بن عُبَيد، عن النبي ﷺ أنه قال: "العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله، ﷿" (٢)

﴿وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾

يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام رسول الله ﷺ بين أظهرهم؛ ولهذا لما خرج من بين أظهرهم، أوقع الله بهم بأسه يوم بدر، فقُتل صناديدهم وأسرت سُراتهم. وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب، التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد.

قال قتادة والسُّدِّي وغيرهما: لم يكن القوم يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون ما عذبوا.

واختاره ابن جرير، فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين، لأوقع بهم البأس الذي لا يرد، ولكن دفع عنهم بسبب أولئك، كما قال تعالى في يوم الحديبية: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥].

قال ابن جرير: حدثنا ابن حُمَيد، حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى قال: كان النبي ﷺ بمكة، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ قال: فخرج النبي ﷺ إلى المدينة، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال: وكان أولئك البقية من المؤمنين (٣) الذين بقوا فيها يستغفرون -يعني بمكة-فلما خرجوا، أنزل الله: (وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ) قال: فأذن الله في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم.

ورُوي عن ابن عباس، وأبي مالك والضحاك، وغير واحد نحو هذا.

وقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ على أن يكون المراد صدور الاستغفار منهم أنفسهم.

(١) المسند (٣/ ٢٩) والمستدرك (٤/ ٢٦١) وهذا سياق الحاكم. وأما سياق أحمد في المسند من طريق ابن لهيعة عن دراج به.

(٢) المسند (٦/ ٢٠).

(٣) في د، ك، م: "المسلمين".

ج4 · ص51

قال ابن جرير: حدثنا ابن حُمَيد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا قال في "الأنفال": (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فنسختها الآية التي تليها: (وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) إلى قوله: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) فقُوتلوا بمكة، فأصابهم فيها الجوع والضر.

وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي (١) تُمَيْلة يحيى بن واضح (٢)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جُرَيْج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ثم استثنى أهل الشرك فقال [تعالى] (٣) وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)

وقوله: (وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أي: وكيف لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام أي الذي ببكة، يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة عنده والطواف به؛ ولهذا قال: (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ) أي: هم ليسوا أهل المسجد الحرام، وإنما أهله النبي ﷺ وأصحابه، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧، ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ]﴾ (٤) الآية [البقرة: ٢١٧]. .

وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه في تفسير هذه الآية: حدثنا سليمان بن أحمد -هو الطبراني-حدثنا جعفر بن إلياس بن صدقة المصري، حدثنا نُعَيْم بن حماد، حدثنا نوح بن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك، ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ من آلك؟ قال (٥) "كل تقي"، وتلا رسول الله ﷺ: (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ) (٦)

وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم (٧) عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده قال: جمع رسول الله ﷺ قريشا فقال: "هل فيكم من غيركم؟ " قالوا: فينا ابن أختنا (٨) وفينا حليفنا، وفينا مولانا. فقال: "حليفنا منا، وابن أختنا منا، ومولانا منا، إن أوليائي منكم المتقون".

ثم قال: هذا [حديث] (٩) صحيح، ولم يخرجاه (١٠)

(١) في أ: "ابن".

(٢) في ك: "وضاح".

(٣) زيادة من أ.

(٤) زيادة من أ.

(٥) في أ: "فقال".

(٦) رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٥٠٠٢) "مجمع البحرين" وقال: "لم يروه عن يحيى إلا نوح تفرد به نعيم". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٦٩): "فيه نوح بن أبي مريم وهو ضعيف".

(٧) في أ: "خيثم".

(٨) في د، ك، م: "أخينا".

(٩) زيادة من أ.

(١٠) المستدرك (٢/ ٣٢٨).

ج4 · ص52

وقال عُرْوَة، والسُّدِّي، ومحمد بن إسحاق في قوله تعالى: (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ) قال: هم محمد ﷺ وأصحابه، ﵃.

وقال مجاهد: هم المجاهدون، من كانوا، وحيث كانوا.

ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام، وما كانوا يعاملونه به، فقال: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) قال عبد الله (١) بن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَيْر، وأبو رجاء العطاردي، ومحمد بن كعب القرظي، وحُجْر بن عَنْبَس، ونُبَيْط بن شُرَيْط، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الصفير -وزاد مجاهد: وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم.

وقال السدي: المُكَاء: الصفير على نحو طير أبيض يقال له: "المُكَاء"، ويكون بأرض الحجاز.

والتصدية: التصفيق.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو خَلاد سليمان بن خلاد، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا يعقوب -يعني ابن عبد الله الأشعري -حدثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) قال: كانت قريش تطوف بالكعبة (٢) عراة تصفر وتصفق. والمكاء: الصفير، وإنما شبهوا بصفير الطير وتصدية التصفيق.

وهكذا روى علي بن أبي طلحة والعَوْفي، عن ابن عباس. وكذا روى عن ابن عمر، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك، وقتادة، وعطية العوفي، وحُجْر بن عَنْبَس، وابن أبزَى نحو هذا.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عمر، حدثنا قُرَّة، عن عطية، عن ابن عمر في قوله: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) قال: المكاء: الصفير. والتصدية: التصفيق. قال قرة: وحَكَى لنا عطية فعل ابن عمر، فصفر ابن عمر، وأمال خده، وصفق بيديه.

وعن ابن عمر أيضًا أنه قال: كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويُصَفِّقُون ويُصَفِّرُون. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عنه.

وقال عكرمة: كانوا يطوفون بالبيت على الشمال.

قال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبي ﷺ صلاته.

وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين.

وعن سعيد بن جُبَيْر وعبد الرحمن بن زيد: (وَتَصْدِيَة) قال: صدُّهم الناس عن سبيل الله، ﷿.

(١) في أ: "عبد الرزاق".

(٢) في ك: "البيت".

ج4 · ص53

قوله: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) قال الضحاك، وابن جُرَيْج، ومحمد بن إسحاق: هو ما أصابهم يوم بَدْر من القتل والسَّبْي. واختاره ابن جرير، ولم يحك غيره.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد قال: عذاب أهل الإقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾

قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري، ومحمد بن يحيى بن حِبَّان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحُصَيْن بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعيد بن معاذ، قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فَلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بِعِيرِه، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، في رجال من قريش أصيب آباؤهم، وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك (١) العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدا قد وَتَرَكم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منا! ففعلوا. قال: ففيهم -كما ذكر عن ابن عباس -أنزل الله، ﷿: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ [لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ]) (٢) إلى قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) (٣)

وهكذا روي عن مجاهد، وسعيد بن جُبَيْر، والحَكَم بن عتيبة، وقتادة، والسُّدِّي، وابن أبزَى: أنها نزلت (٤) في أبي سفيان ونفقته الأموال في أُحُد لقتال رسول الله ﷺ.

وقال الضحاك: نزلت في أهل بدر.

وعلى كل تقدير، فهي عامة. وإن كان سبب نزولها خاصا، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم، (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً) أي: ندامة؛ حيث لم تُجْدِ شيئًا؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومُعْلِن كلمته، ومظهر دينه على كل دين. فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم، رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قُتِل منهم أو مات، فإلى الخِزْي الأبدي والعذاب السَّرْمَدِيّ؛ ولهذا قال: (فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)

(١) في م، أ: "ذلك".

(٢) زيادة من م.

(٣) ورواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٣٢).

(٤) في م: "أنزلت".

ج4 · ص54

وقوله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) فيميز أهل السعادة من أهل الشقاء (١) وقال السُّدِّي: يميز المؤمن من الكافر. وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨]، وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩].

ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون "اللام" معللة لما جعل الله للكفار من مال ينفقون في الصد عن سبيل الله، أي: إنما أقدرناهم على ذلك؛ (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٦، ١٦٧]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] ونظيرتها في براءة أيضا.

فمعنى الآية على هذا: إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم، وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك؛ ليتميز (٢) الخبيث من الطيب، فيجعل الخبيث بعضه على بعض، (فَيَرْكُمَهُ) أي: يجمعه كله، وهو جمع الشيء بعضه على بعض، كما قال تعالى في السحاب: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ [النور: ٤٣] أي: متراكما متراكبا، (فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) أي: هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾

يقول تعالى لنبيه ﷺ: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا) أي: عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد ويدخلوا في الإسلام والطاعة والإنابة، يغفر لهم ما قد سَلَف، أي: من كفرهم، وذنوبهم وخطاياهم، كما جاء في الصحيح، من حديث أبي وائل عن ابن مسعود؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من أحْسَن في الإسلام، لم يُؤاخَذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أخذ بالأول والآخر" (٣)

(١) في أ: "الشقاوة"

(٢) في د، م: "ليميز الله".

(٣) صحيح البخاري برقم (٦٩٢١) وصحيح مسلم برقم (١٢٠).

ج4 · ص55

وفي الصحيح أيضًا: أن رسول الله ﷺ قال: " الإسلام يَجُبُّ ما قبله (١) والتوبة تجب ما كان قبلها".

وقوله: (وَإِنْ يَعُودُوا) أي: يستمروا على ما هم فيه، (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ) أي: فقد مضت سنتنا في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم، أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة.

وقوله: (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ) أي: في قريش يوم بدر وغيرها من الأمم. وقال السدي ومحمد بن إسحاق: أي: يوم بدر.

وقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) قال البخاري: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن يحيى، حدثنا حَيْوَة بن شُرَيْح، عن بكر بن عمرو، عن بُكَيْر، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رجلا جاءه فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية [الحجرات: ٩]، فما يمنعك ألا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي، أُعَيَّر بهذه الآية ولا أقاتل، أحب إلي من أن أُعَيَّر بالآية التي يقول الله، ﷿:: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إلى آخر (٢) الآية [النساء: ٩٣]، قال: فإن الله تعالى يقول: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)؟ قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد النبي ﷺ إذ كان الإسلام قليلا وكان الرجل يُفتن في دينه: إما أن يقتلوه، وإما أن يوثقوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، فلما رأى أنه لا يوافقه فيما يريد، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال ابن عمر: ما قولي في علي وعثمان؟ أما عثمان فكان الله قد عفا عنه، وكرهتم أن يعفو عنه، وأما علي فابن عم رسول الله ﷺ وخَتَنُه -وأشار بيده -وهذه ابنته أو: بنته -حيث ترون.

وحدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زُهَيْر، حدثنا بَيَان أن وَبَرة حدثه قال: حدثني سعيد بن جُبَيْر قال: خرج علينا -أو: إلينا -ابن عمر، ﵄، فقال رجل: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك.

هذا كله سياق البخاري، ﵀ (٣)

وقال عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا إن الناس قد صنعوا ما ترى، وأنت ابن عمر بن الخطاب، وأنت صاحب رسول الله ﷺ، فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم عليَّ دم أخي المسلم. قالوا: أو لم يقل الله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)؟

(١) في ك، م: "ما كان قبله".

(٢) في ك، م: "آخرها".

(٣) صحيح البخاري برقم (٤٦٥٠، ٤٦٥١).

ج4 · ص56

قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله.

وكذا رواه حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أيوب بن عبد الله اللخمي قال: كنت عند عبد الله بن عمر (١) ﵄، فأتاه رجل فقال: إن الله يقول: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) فقال (٢) ابن عمر: قاتلت أنا وأصحابي حتى كان الدين كله لله، وذهب الشرك ولم تكن فتنة، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله. رواهما ابن مَرْدُوَيه.

وقال أبو عَوَانة، عن الأعمش، عن إبراهيم التَّيْمِي، عن أبيه قال: قال ذو البطين -يعني أسامة بن زيد -لا أقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله أبدا. قال: فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله أبدا. فقال رجل: ألم يقل الله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)؟ فقالا قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين كله لله. رواه ابن مردويه.

وقال الضحاك، عن ابن عباس: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) يعني: [حتى] (٣) لا يكون شرك، وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع عن أنس، والسدي، ومُقاتِل بن حَيَّان، وزيد بن أسلم.

وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري، عن عُرْوَة بن الزبير وغيره من علمائنا: (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) حتى لا يفتن مسلم عن دينه.

وقوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) قال الضحاك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يخلص التوحيد لله.

وقال الحسن وقتادة، وابن جُرَيْج: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) أن يقال: لا إله إلا الله.

وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصا لله، ليس فيه شرك، ويخلع ما دونه من الأنداد. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) لا يكون مع دينكم كفر.

ويشهد له (٤) ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، ﷿" (٥) وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سُئِل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حَمِيَّة، ويقاتل رِيَاءً، أيُّ ذلك في سبيل الله، ﷿؟ فقال: "من قاتل لتكون

(١) في أ: "عمرو".

(٢) في أ: "قال".

(٣) زيادة من م.

(٤) في أ: "لهذا"

(٥) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٥) ومسلم في صحيحه برقم (٢٢) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵄.

ج4 · ص57

كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله، ﷿" (١)

وقوله: (فَإِنِ انْتَهَوْا) أي: بقتالكم عما هم فيه من الكفر، فكفوا عنه (٢) وإن لم تعلموا (٣) بواطنهم، (فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (٤) كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].

وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لأسامة -لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال: "لا إله إلا الله"، فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله -فقال لأسامة: "أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ " قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذا. قال: "هلا شَقَقْتَ عن قلبه؟ "، وجعل يقول ويكرر عليه: "من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ " قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا ذلك اليوم (٥) (٦)

وقوله: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) أي: وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم، (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ) سيدكم وناصركم على أعدائكم، فنعم المولى ونعم النصير.

وقال محمد بن جرير: حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أبان العطار، حدثنا هشام بن عروة، عن عُرْوَة: أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنك كتبت إلي تسألني عن مخرج رسول الله ﷺ من مكة، وسأخبرك (٧) به، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كان من شأن مخرج رسول الله ﷺ من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فَنِعْم النَّبِيُّ، ونعم السيد، ونعم العشيرة، فجزاه الله خيرًا، وعرّفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته، وأماتنا عليها، وبعثنا عليه وإنه لما دعا قومه لما بعثه الله له من الهدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه، وكادوا يسمعون منه، حتى ذكر طواغيتهم، وقدم ناس من الطائف من قريش، لهم أموال، أنكر ذلك عليه الناس واشتدوا عليه وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل. فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم، وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتُتِن من افتتن، وعصم الله من شاء منهم، فلما فُعِل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى أرض الحبشة. وكان

(١) صحيح البخاري برقم (٢٨١٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٤).

(٢) في ك، م: "عنهم".

(٣) في ك، م: "إن كنتم لا تعلمون".

(٤) في ك، م: "تعملون".

(٥) في ك، م: "يومئذ".

(٦) صحيح البخاري برقم (٤٢٦٩) وصحيح مسلم برقم (٩٦).

(٧) في م: "وسأحدثك".

ج4 · ص58

بالحبشة ملك صالح يقال له: "النجاشي"، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يُثْنَى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش، يتجرون فيها، وكانت مَسْكَنًا لتجارهم، يجدون فيها رفاغا من الرزق وأمنا ومتجرا حسنا، فأمرهم بها النبي ﷺ، فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف (١) عليهم الفتن. ومكث هو فلم يبرح. فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم. ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم. فلما رأوا ذلك. استرخوا استرخاءة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ قِبل أرض الحبشة مخافتها، وفرارا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال، فلما استرخى عنهم ودخل في الإسلام من دخل منهم، تحدث باسترخائهم عنهم، فبلغ ذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ: أنه: قد استرخي عمن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون، فرجعوا إلى مكة، وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون. وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا بالمدينة الإسلام، وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله ﷺ بمكة، فلما رأت قريش ذلك، تآمرت على أن يفتنوهم ويشتدوا، فأخذوهم، فحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، فكانت (٢) الفتنة الأخيرة، فكانت فتنتان: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم النبي ﷺ بها، وأذن لهم في الخروج إليها -وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة. ثم إنه جاء رسول الله ﷺ من المدينة سبعون نقيبًا، رؤوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج، فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم على أنا منك وأنت منا، وعلى أن (٣) من جاء من أصحابك أو جئتنا، فإنا (٤) نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فأمر ﷺ أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله ﷺ أصحابه، وخرج هو، وهي التي أنزل الله، ﷿، فيها: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (٥)

ثم رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير: أنه كتب إلى الوليد -يعني ابن عبد الملك بن مروان -بهذا، فذكر مثله (٦) وهذا صحيح إلى عروة، ﵀.

(١) في أ: "وخافوا".

(٢) في م، أ: "وكانت".

(٣) في ك، م: "أنه".

(٤) في أ: "فإنما".

(٥) تفسير الطبري (١٣/ ٥٣٩).

(٦) تفسير الطبري (١٣/ ٥٤٢).

ج4 · ص59

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾

يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصا لهذه الأمة الشريفة، من بين سائر الأمم المتقدمة، من إحلال المغانم. و"الغنيمة": هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب. و"الفيء": ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك. هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف (١) والخلف.

ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق (٢) عليه الغنيمة، والغنيمة على الفيء أيضا؛ ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية "الحشر": ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [الحشر: ٧]، قال: فنسخت آية "الأنفال" تلك، وجعلت الغنائم: أربعة أخماسها (٣) للمجاهدين، وخمسًا منها لهؤلاء المذكورين. وهذا الذي قاله بعيد؛ لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بَدْر، وتلك نزلت في بني النَّضِير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر، هذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة يقول: تلك نزلت في أموال الفيء وهذه في المغانم. ومن يجعل أمر المغانم والفيء راجعا (٤) إلى رأي الإمام يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم.

وقوله (٥) تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) توكيدا لتخميس كل قليل وكثير حتى الخيط (٦) والمخيط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١].

وقوله: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) اختلف المفسرون هاهنا، فقال بعضهم: لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة.

قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية الرِّيَاحي قال: كان رسول الله ﷺ يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة (٧) وهو سهم الله. ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل (٨)

وقال آخرون: ذكر الله هاهنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم (٩) لرسوله ﵇ (١٠)

(١) في أ: "علماء من السلف".

(٢) في م: "ما يطلق".

(٣) في د: "الأربعة الأخماس"، وفي ك: "أربعة أخماس".

(٤) في ك: "راجع".

(٥) في ك: "ويقول"، وفي م: "فقوله".

(٦) في ك، م: "الخياط".

(٧) في د: "في الكعبة".

(٨) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٥٠).

(٩) في م: "وسهمه".

(١٠) في أ: "ﷺ".

ج4 · ص60

قال الضحاك، عن ابن عباس، ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا بعث سَرِيَّة فغنموا، خَمَّس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة. ثم قرأ: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) قال: وقوله] (١) (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) مفتاح كلام، لله ما في السموات وما في الأرض، فجعل سهم الله وسهم الرسول واحدًا.

وهكذا قال إبراهيم النَّخَعي، والحسن بن محمد ابن الحنفية. والحسن البصري، والشعبي، وعَطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة (٢) وقتادة، ومغيرة، وغير واحد: أن سهم الله ورسوله واحد.

ويؤيد هذا ما رواه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بوادي القُرى، وهو يعرض فرسًا، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة؟ فقال: "لله خمسها، وأربعة أخماس للجيش". قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: " لا ولا السهم تستخرجه من جنبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم" (٣)

وقال ابن جرير: حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أبان، عن الحسن قال: أوصى أبو بكر بالخمس (٤) من ماله، وقال: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه (٥)

ثم اختلف قائلو هذا القول، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كانت الغنيمة تقسم (٦) على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة (٧) فربع لله وللرسول ولذي القربى -يعني: قرابة النبي ﷺ. فما كان لله وللرسول فهو لقرابة رسول الله ﷺ، ولم يأخذ النبي ﷺ من الخمس شيئًا، [والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل]. (٨)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو مَعْمَر المِنْقَرِي، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بُرَيْدَة في قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) قال: الذي لله فلنبيه، والذي للرسول لأزواجه.

وقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح قال: خمس الله والرسول (٩) واحد، يحمل منه ويصنع فيه ما شاء -يعني: النبي ﷺ.

(١) زيادة من تفسير الطبري.

(٢) في ك، م، أ: "عبد الله بن أبي بريدة".

(٣) السنن الكبرى (٦/ ٣٢٤).

(٤) في جميع النسخ: "أوصى الحسن بالخمس" والمثبت من الطبري.

(٥) تفسير الطبري (١٣/ ٥٥٠).

(٦) في د: "تخمس".

(٧) في د، ك، م، أ: "أربعة أخماس".

(٨) ما بين المعقوفين عن تفسير الطبري.

(٩) في د: "خمس الله وخمس الرسول".

ج4 · ص61

وهذا أعم وأشمل، وهو أن الرسول (١)(٢) يتصرف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء -ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد حيث قال:

حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام الأعرج، عن المقدام بن معد يكرب الكندي: أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي، ﵃، فتذاكروا حديث رسول الله ﷺ، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة، كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة: إن رسول الله ﷺ صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام (٣) رسول الله ﷺ فتناول وَبَرة بين أنملتيه فقال: "إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر (٤) من ذلك وأصغر، ولا تغلوا، فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله (٥) القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في [سبيل] (٦) الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة [عظيم] (٧) ينجي به الله من الهم والغم" (٨)

هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه. ولكن روى الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود، والنسائي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن عبد الله بن عمرو، عن (٩) رسول الله ﷺ نحوه في قصة الخمس والنهي عن الغلول (١٠)

وعن عمرو بن عَبَسة أن رسول الله ﷺ صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة (١١) من ذلك البعير ثم قال: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه، إلا الخمس، والخمس مردود فيكم". رواه أبو داود والنسائي (١٢)

وقد كان للنبي ﷺ من المغانم (١٣) شيء يصطفيه لنفسه عبدًا أو أمة أو فرسًا أو سيفًا أو نحو ذلك، كما نص على ذلك محمد بن سيرين وعامر الشعبي، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء.

وروى الإمام أحمد، والترمذي -وحسنه -عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ تنفل سيفه ذا (١٤)

(١) في د: "وهو أنه".

(٢) في أ: "صلوات الله وسلامه عليه".

(٣) في أ: "قال".

(٤) في أ: "وأكثر".

(٥) في م: "في سبيل الله".

(٦) زيادة من ك، م، أ، ومسند أحمد.

(٧) زيادة من ك، م، أ، ومسند أحمد.

(٨) المسند (٥/ ٣١٦).

(٩) في أ: "أن".

(١٠) المسند (٢/ ١٨٤) وسنن أبي داود برقم (٢٦٩٤).

(١١) في د: "أخذ منه وبرة".

(١٢) سنن أبي داود برقم (٢٧٥٥).

(١٣) في د، ك، م: "الغنيمة".

(١٤) في أ: "ذو".

ج4 · ص62

الفَقَار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد (١)

وعن عائشة، ﵂، قالت: كانت صفية من الصّفي. رواه أبو داود في سننه (٢)

وروى أيضًا بإسناده، والنسائي أيضًا عن يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمِرْبَد إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها فإذا فيها: "من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش، إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي وسهم الصّفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله". فقلنا: من كتب لك هذا؟ فقال: رسول الله ﷺ (٣)

فهذه أحاديث جيدة تدل على تقرر هذا وثبوته؛ ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه.

وقال آخرون: إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء.

وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية، ﵀: وهذا قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال.

فإذا ثبت هذا وعلم، فقد اختلف أيضا في الذي كان يناله ﵇ (٤) من الخمس، ماذا يُصنع به من بعده؟ فقال قائلون: يكون لمن يلي الأمر من بعده. روى هذا عن أبي بكر وعلي وقتادة جماعة، وجاء فيه حديث مرفوع (٥)

وقال آخرون: يصرف في مصالح المسلمين.

وقال آخرون: بل هو مردود على بقية الأصناف: ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، اختاره ابن جرير.

وقال آخرون: بل سهم النبي ﷺ وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل.

قال ابن جرير: وذلك قول جماعة من أهل العراق.

وقيل: إن الخمس جميعه لذوي القربى كما رواه ابن جرير.

(١) المسند (١/ ٢٧١) وسنن الترمذي برقم (١٥٦١).

(٢) سنن أبي داود برقم (٢٩٩٤).

(٣) سنن أبي داود برقم (٢٩٩٤).

(٤) في أ: "ﷺ".

(٥) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٣٠٣) من طريق الوليد بن جميع عن أبي الطفيل: لما سألت فاطمة أبا بكر عن الخمس فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أطعم الله نبيا طعمة ثم قبضه كانت للذي يلي بعده" فلما وليت رأيت أن أرده على المسلمين.

ج4 · ص63

حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا عبد الغفار، حدثنا المِنْهَال بن عمرو، وسألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين، عن الخمس فقالا هو لنا. فقلت لعلي: فإن الله يقول: (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) قالا يتامانا ومساكيننا.

وقال سفيان الثوري، وأبو نُعَيْم، وأبو أسامة، عن قيس بن مسلم: سألت الحسن بن محمد ابن الحنفية، رحمه الله تعالى، عن قول الله (١) تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) قال (٢) هذا مفتاح كلام، لله (٣) الدنيا والآخرة. ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله ﷺ، فقال قائلون: سهم النبي ﷺ تسليما للخليفة من بعده. وقال قائلون: لقرابة النبي ﷺ. وقال قائلون: سهم القرابة لقرابة الخليفة. فاجتمع قولهم (٤) على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعُدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر، ﵄ (٥)

قال (٦) الأعمش، عن إبراهيم (٧) كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي ﷺ في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان علي يقول فيه؟ قال: كان [علي] (٨) أشدهم فيه.

وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء، ﵏.

وأما سهم ذوي القربى فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب؛ لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية [وفي أول الإسلام] (٩) ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول الله ﷺ وحماية له: مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حَمِيَّة للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله. وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل -وإن كانوا أبناء عمهم -فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم، ومالئوا بطون قريش على حرب الرسول؛ ولهذا كان ذَمُّ أبي طالب لهم في قصيدته اللامية أشد من غيرهم، لشدة قربهم. ولهذا يقول في أثناء قصيدته (١٠)

جَزَى الله عَنَّا عبدَ شمس ونَوفلا … عُقُوبة شرٍّ عاجل غير آجلِ

بميزان قسْط لا يَخيس شَعِيرة … لهُ شَاهدٌ مِنْ نَفْسه غير عائلِ

لقد سَفُهت أحلامُ قوم تَبَدَّلوا … بني خَلَف قَيْضا بنا والغَيَاطِلِ

ونحنُ الصَّميم من ذؤابة هاشم … وآل قُصَى في الخُطُوب الأوائلِ (١١)

(١) في د: "عن قوله".

(٢) في د: "فقال".

(٣) في ك: "كلام الله".

(٤) في ك، م: "رأيهم".

(٥) في ك: "﵄ وأرضاهما".

(٦) في م: "وقال".

(٧) في م: "إبراهيم قال".

(٨) زيادة من الطبري.

(٩) زيادة من د، ك، م.

(١٠) في ك: "قصيدته اللامية".

(١١) الأبيات في السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٧٧).

ج4 · ص64

وقال جبير بن مطعم بن عدي [بن نوفل] (١) مشيت أنا وعثمان بن عفان -يعني ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس -إلى رسول الله ﷺ، فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وَهُم منك بمنزلة واحدة، فقال: "إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد".

رواه مسلم (٢) وفي بعض روايات هذا الحديث: "إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" (٣)

وهذا قول جمهور العلماء أنهم بنو هاشم وبنو المطلب.

قال ابن جرير: وقال آخرون: هم بنو هاشم. ثم روى عن خُصَيْف، عن مجاهد قال: علم الله أن في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة.

وفي رواية عنه قال: هم قرابة رسول الله ﷺ الذين لا تحل لهم الصدقة.

ثم روى عن علي بن الحسين نحو ذلك.

قال ابن جرير: وقال آخرون: بل هم قريش كلها.

حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثني عبد الله بن نافع، عن أبي مَعْشَر، عن سعيد المقْبُرِي قال: كتب نَجْدَة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن "ذي القربى"، فكتب إليه ابن عباس: كنا نقول: إنا هم فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى (٤) (٥)

وهذا الحديث في صحيح مسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي من حديث سعيد المقبري عن يزيد بن هرمُز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن ذوي القربى فذكره إلى قوله: "فأبى ذلك علينا قومنا" (٦) والزيادة من أفراد أبي معشر نَجِيح بن عبد الرحمن المدني، وفيه ضعف.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حَنَش، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "رغبت لكم عن غُسَالة الأيدي؛ لأن لكم من خُمْس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم".

هذا حديث حسن الإسناد، وإبراهيم بن مهدي هذا وَثَّقه أبو حاتم، وقال يحيى بن معين (٧)

(١) زيادة من د، ك، م.

(٢) لم أجده في صحيح مسلم ولا عزاه المزي له في تحفة الأشراف، ولم أجزم بوهم الحافظ هنا؛ لأن الزيلعي عزاه للصحيحين في تخريج الكشاف (٢/ ٣٠)، ورواه البخاري في صحيحه برقم (٣١٤٠) من طريق سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم، ﵁، بنحوه.

(٣) الرواية في سنن النسائي (٧/ ١٣٠).

(٤) في أ: "قرابة".

(٥) تفسير الطبري (١٣/ ٥٥٥).

(٦) صحيح مسلم برقم (١٨١٢) وسنن أبي داود برقم (٢٩٨٢) وسنن الترمذي برقم (١٥٥٦) وسنن النسائي (٧/ ١٢٨)، وهو عند أبي داود والنسائي من حديث الزهري عن يزيد.

(٧) في د: "سعيد".