سورة الأنفال

ซูเราะฮ์ที่ 8 · ตอน 3/7 · เล่ม 4 หน้า 35–49

ج4 · ص35

وقال قتادة (لِمَا يُحْيِيكُمْ) قال: هو هذا القرآن، فيه النجاة والتقاة (١) والحياة.

وقال السُّدِّيّ: (لِمَا يُحْيِيكُمْ) ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر.

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُرْوَةَ بن الزبير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) أي: للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم.

وقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان.

رواه الحاكم في مستدركه موقوفا، وقال: صحيح ولم يخرجاه (٢) ورواه ابن مَرْدُوَيه من وجه آخر مرفوعا (٣) ولا يصح لضعف إسناده، والموقوف أصح. وكذا قال مجاهد، وسعيد، وعكرمة، والضحاك، وأبو صالح، وعطية، ومُقَاتِل بن حيَّان، والسُّدِّيّ.

وفي رواية عن مجاهد في قوله: (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) حتى تركه لا يعقل.

وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه.

وقال قتادة هو كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].

وقد وردت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بما يناسب هذه الآية.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، ﵁، قال: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: " يا مُقَلِّب القلوب، ثبت قلبي على دينك". قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال (٤) نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها".

وهكذا رواه الترمذي في "كتاب القدر" من جامعه، عن هناد بن السري، عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، عن الأعمش -واسمه سليمان بن مهران -عن أبي سفيان -واسمه طلحة بن نافع -عن أنس (٥) ثم قال: حسن. وهكذا روي عن غير واحد عن الأعمش، رواه بعضهم عنه، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ، وحديث أبي سفيان عن أنس أصح (٦)

حديث آخر: قال عبد بن حميد (٧) في مسنده: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، ﵁، أن النبي ﷺ كان يدعو: "يا مُقَلِّب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك".

(١) في ك، م: "البقاء".

(٢) المستدرك (٢/ ٣٢٨).

(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٥).

(٤) في أ: "فقال".

(٥) المسند (٣/ ١١٢) وسنن الترمذي برقم (٢١٤٠).

(٦) رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٨٨) من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، ﵁.

(٧) في ك، م، أ: "قال الإمام عبد بن حميد".

ج4 · ص36

هذا حديث جيد الإسناد إلا أن فيه انقطاعا وهو -مع ذلك -على شرط أهل السنن ولم يخرجوه (١)

حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت ابن جابر يقول: حدثني بسر بن عبد الله (٢) الحضرمي: أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت النواس بن سَمْعَان الكلابي، ﵁، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه". وكان يقول: "يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا (٣) على دينك". قال: "والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه".

وهكذا رواه النسائي وابن ماجه، من حديث عبد الرحمن بن يزيد (٤) بن جابر (٥) فذكر مثله.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، عن المعلى بن زياد، عن الحسن؛ أن عائشة قالت: دعوات كان رسول الله ﷺ يدعو بها: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك". قالت: فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر (٦) تدعو بهذا الدعاء. فقال: "إن قلب الآدمي بين إصبعين (٧) من أصابع الله، فإذا شاء أزاغه (٨) وإذا شاء أقامه (٩) (١٠)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا عبد الحميد، حدثني شهر، سمعت أم سلمة تحدث: أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه يقول: "اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك". قالت: فقلت (١١) يا رسول الله، أو إن القلوب لتقلب (١٢)؟ قال: "نعم، ما (١٣) خلق الله من بشر من بني آدم إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله، ﷿، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه. فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب". قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: " بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني" (١٤)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبَلي (١٥) أنه سمع عبد الله بن عمرو؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يُصَرِّف (١٦) كيف شاء (١٧). ثم قال رسول الله ﷺ: "اللهم مُصَرِّف القلوب، صَرِّف قلوبنا إلى طاعتك".

(١) المنتخب برقم (٣٥٩).

(٢) في د، ك، م: "عبيد الله".

(٣) في د، ك، م: "قلبي".

(٤) في أ: "زيد".

(٥) المسند (٤/ ١٨٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (٧٧٣٨) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٩).

(٦) في أ: "تكثر أن".

(٧) في د: "الإصبعين".

(٨) في أ: "أزاغه أزاغه".

(٩) في أ: "أقامه أقامه".

(١٠) المسند (٦/ ٩١).

(١١) في ك، أ: "قلت".

(١٢) في أ: "وإن القلب ليتقلب".

(١٣) في أ: "ما من".

(١٤) المسند (٦/ ٣٠١) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٥٢٢) من طريق شهر بن حوشب به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن".

(١٥) في أ: "الجبلي".

(١٦) في د: "يصرفها".

(١٧) في د، م: "يشاء".

ج4 · ص37

انفرد بإخراجه مسلم عن البخاري، فرواه مع النسائي من حديث حَيْوَة بن شُرَيْح المصري، به. (١)

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾

يحذر تعالى عباده المؤمنين (فِتْنَةً) أي: اختبارًا ومحنة، يعم بها المسيء وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب، بل يعمهما، حيث لم تدفع وترفع. كما قال الإمام أحمد:

حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شَدَّاد بن سعيد، حدثنا غَيْلان بن جرير، عن مُطَرِّف قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله، ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير، ﵁: إنا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، ﵃: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت (٢)

وقد رواه البزار (٣) من حديث مطرف، عن الزبير، وقال: لا نعرف مطرفا روى عن الزبير غير هذا الحديث (٤)

وقد روى النسائي من حديث جرير بن حازم، عن الحسن، عن الزبير نحو هذا (٥)

وروى ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا مبارك بن فَضَالة، عن الحسن قال: قال الزبير: لقد خوفنا بها، يعني قوله [تعالى] (٦) (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) ونحن مع رسول الله ﷺ، وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة.

وكذا رواه حميد، عن الحسن، عن الزبير، ﵁ (٧)

وقال داود بن أبي هِنْد، عن الحسن في هذه الآية قال: نزلت في علي، وعثمان (٨) وطلحة والزبير، ﵃.

وقال سفيان الثوري عن الصَّلت بن دينار، عن عقبة بن صُهْبان، سمعت الزبير يقول: لقد قرأت هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فإن (٩) نحن المعنيون بها: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)

وقد روي من غير وجه، عن الزبير بن العوام.

وقال السُّدِّيّ: نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل، فاقتتلوا.

(١) المسند (٢/ ١٦٨) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٧٨٦١).

(٢) المسند (٤/ ١٦٥).

(٣) في أ: "الترمذي".

(٤) مسند البزار برقم (٩٧٦).

(٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٠٦).

(٦) زيادة من ك.

(٧) تفسير الطبري (١٣/ ٤٧٤).

(٨) في د، ك، م، أ: "عمار".

(٩) في د، ك، م: "فإذا".

ج4 · ص38

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) يعني: أصحاب النبي ﷺ خاصة

وقال في رواية له، عن ابن عباس، في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين ظهرانيهم إليهم فيعمهم الله بالعذاب.

وهذا تفسير حسن جدًّا؛ ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) هي أيضا لكم، وكذا قال الضحاك، ويزيد بن أبي حبيب، وغير واحد.

وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن. رواه ابن جرير.

والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم -وإن كان الخطاب معهم -هو الصحيح، ويدل على ذلك الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن، ولذلك كتاب مستقل يوضح فيه إن شاء الله تعالى، كما فعله الأئمة وأفردوه بالتصنيف ومن أخص ما يذكر هاهنا ما رواه الإمام أحمد حيث قال:

حدثنا أحمد بن الحجاج، أخبرنا عبد الله -يعني ابن المبارك-أنبأنا سيف بن أبي سليمان، سمعت عَدِيّ بن عَدِيّ الكندي يقول: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي -يعني عَدِيّ بن عميرة -يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ﷿، لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظَهْرَانَيْهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عَذَّب الله الخاصة والعامة" (١)

فيه رجل مبهم، ولم يخرجوه في الكتب الستة، ولا واحد منهم، والله أعلم.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، حدثنا إسماعيل -يعني ابن جعفر -أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهل، عن حُذَيفة بن اليمان؛ أن رسول الله ﷺ قال: " والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عِقابا من عنده، ثم لتَدعُنّه فلا يستجيب لكم" (٢)

ورواه عن أبي سعيد، عن إسماعيل بن جعفر، وقال: "أو ليبعثن الله عليكم قوما ثم تدعونه فلا يستجيب لكم " (٣)

وقال أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، قال حدثنا رَزِين بن حبيب الجُهَني، حدثني أبو الرُّقاد قال: خرجت مع مولاي، فدفعت إلى حذيفة وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات؛ لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولَتَحَاضُّن على الخير، أو لَيَسْحَتَنَّكم الله جميعا بعذاب، أو ليؤمرَنّ عليكم

(١) المسند (٤/ ١٩٢).

(٢) المسند (٥/ ٣٨٨).

(٣) في المسند (٥/ ٣٨٨) "أبو سعيد مولى بني هاشم عن سليمان بن بلال" ثم راجعت أطراف المسند للحافظ ابن حجر (٢/ ٢٦٣) فوجدته كما هو في المسند.

ج4 · ص39

شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم (١)

حديث آخر: قال الإمام أحمد أيضا: حدثني يحيى بن سعيد، عن زكريا، حدثنا عامر، قال: سمعت النعمان بن بشير، ﵁، يخطب يقول -وأومأ بإصبعيه (٢) إلى أذنيه -يقول: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها -أو (٣) المُدهن فيها -كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مَرُّوا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو خَرَقْنا في نصيبنا خَرْقا، فاستقينا منه، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هَلَكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا جميعا.

انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، فرواه في "الشركة" و"الشهادات"، والترمذي في الفتن من غير وجه، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن عامر بن شَرَاحيل الشعبي، به (٤)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا خَلَف بن خليفة، عن لَيْث، عن عَلْقَمَة بن مَرْثد، عن المعرور بن سُوَيْد، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمتي، عَمَّهم الله بعذاب من عنده". فقلت: يا رسول الله، أما فيهم أناس صالحون؟ قال: "بلى"، قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: "يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان" (٥)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حَجَّاج بن محمد، أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من قوم يعملون بالمعاصي، وفيهم رجل أعزّ منهم وأمنع لا يغيرون، إلا عمهم الله بعقاب (٦) -أو: أصابهم العقاب".

ورواه أبو داود، عن مُسَدَّد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، به (٧)

وقال أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة سمعت أبا إسحاق يحدث، عن عُبَيد الله بن جرير، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، هم أعَزّ وأكثر ممن يعمله، لم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب" (٨)

ثم رواه أيضًا عن وَكِيع، عن إسرائيل -وعن عبد الرزاق، عن مَعْمَر -وعن أسود، عن شريك ويونس -كلهم عن أبي إسحاق السَّبِيعي، به.

وأخرجه ابن ماجه، عن علي بن محمد، عن وكيع، به (٩)

(١) المسند (٥/ ٣٩٠).

(٢) في د، ك: "بأصبعه".

(٣) في ك، م: "و".

(٤) المسند (٤/ ٢٦٩) وصحيح البخاري برقم (٢٤٩٣)، (٢٦٨٦) وسنن الترمذي برقم (٢١٧٣).

(٥) المسند (٦/ ٣٠٤).

(٦) في د: "بعذاب".

(٧) المسند (٤/ ٣٦١) وسنن أبي داود برقم (٤٣٣٩).

(٨) المسند (٤/ ٣٦٤).

(٩) سنن ابن ماجه برقم (٤٠٠٩).

ج4 · ص40

[حديث آخر] (١) وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا جامع بن أبي راشد، عن مُنْذِر، عن حسن بن محمد، عن امرأته، عن عائشة تبلغ به النبي ﷺ: "إذا ظهر السوء في الأرض، أنزل الله بأهل الأرض بأسه". قالت: وفيهم أهل طاعة الله؟ قال: "نعم، ثم يصيرون إلى رحمة الله" (٢)

﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾

ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثَّرهم، ومستضعفين خائفين فقوَّاهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، واستشكرهم (٣) فأطاعوه، وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا (٤) كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة قليلين مستخفين مضطرين (٥) يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله، من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم (٦) لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة، فآواهم إليها، وقَيَّض لهم أهلها، آووا ونصروا يوم بدر وغيره وآسَوا بأموالهم، وبذلوا مُهَجهم في طاعة الله وطاعة رسوله.

قال قتادة بن دِعَامة السَّدوسي، ﵀، في قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ) قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذُلا وأشقاه عَيْشًا، وأجوعه بطونًا، وأعراه جلودا، وأبينه ضلالا مكعومين على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات منهم رُدِّيَ في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قَبِيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم، حتى جاء الله بالإسلام فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم مُنْعِم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله [تعالى] (٧) (٨)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾

قال عبد الله بن أبي قتادة والزهري: أنزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قُرَيْظة لينزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك -وأشار بيده إلى حلقه -أي: إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقا حتى يموت أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه، فمكث

(١) زيادة من م.

(٢) المسند (٦/ ٤١).

(٣) في أ: "واستكثرهم".

(٤) في د: "وهكذا".

(٥) في د، ك، م، أ: "مضطهدين".

(٦) في م: "أعدائهم".

(٧) زيادة من أ.

(٨) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٧٨) وهذا كلام عظيم من إمام جليل يبين أن لا عز إلا بالإسلام وقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمتى ابتغينا بغير الإسلام أذلنا الله".

ج4 · ص41

كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر مغشيا عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله. فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله صلى الله عليه [وسلم] (١) بيده، فحله، فقال: يا رسول الله، إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة، فقال (٢) يجزيك الثلث أن تصدق به" (٣)

وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي، حدثنا محمد بن عبيد الله أبو عون الثقفي، عن المغيرة بن شعبة قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان، ﵁: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) الآية.

وقال ابن جرير أيضا: حدثنا القاسم بن بِشْر بن معروف، حدثنا شَبَابة بن سَوَّار، حدثنا محمد بن المحرم قال: لقيت عطاء بن أبي رباح فحدثني قال: حدثني جابر بن عبد الله؛ أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: إن أبا سفيان في كذا وكذا. فقال النبي (٤) ﷺ لأصحابه: "إن أبا سفيان في موضع (٥) كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا" فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمدًا يريدكم، فخذوا حذركم، فأنزل الله [﷿] (٦) (لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) الآية (٧)

هذا حديث غريب جدًّا، وفي سنده وسياقه نظر.

وفي الصحيحين قصة "حاطب بن أبي بَلْتَعَة" أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله ﷺ إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسوله على ذلك، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه، واستحضر حاطبا فأقر بما صنع، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ فقال: " دعه، فإنه قد شهد بدرا، ما (٨) يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (٩)

قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) الأمانة الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد -يعني الفريضة يقول: لا تخونوا: لا تنقضوها.

وقال في رواية: (لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) يقول: بترك سنته وارتكاب معصيته.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في هذه الآية،

(١) زيادة من د، ك، م، أ.

(٢) في أ: "فقال له".

(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٨١).

(٤) في أ: "رسول الله".

(٥) في أ: "بمكان".

(٦) زيادة من د، ك، م.

(٧) تفسير الطبري (١٣/ ٤٨٠).

(٨) في ك، م: "وما".

(٩) انظر: تخريجه عند تفسير الآية: ٩ من هذه السورة.

ج4 · ص42

أي: لا تظهروا لله (١) من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السر إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم.

وقال السُّدِّيّ: إذا خانوا الله والرسول، فقد خانوا أماناتهم.

وقال أيضا: كانوا يسمعون من النبي ﷺ الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين. وقال عبد الرحمن بن زيد [بن أسلم] (٢) نهاكم أن تخونوا الله والرسول، كما صنع المنافقون.

وقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) أي: اختبار وامتحان منه لكم؛ إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه (٣) فيها، أو تشتغلون بها عنه، وتعتاضون بها منه؟ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية [التغابن: ١٤].

وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) أي: ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئا، والله، سبحانه، هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة، ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة.

وفي الأثر يقول [الله] (٤) تعالى: "ابن آدم، اطلبني تَجدني، فإن وَجَدْتَنِي وجَدْتَ كل شيء، وإن فُتُّكَ فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء".

وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ [أنه قال] (٥) ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ (٦) أنقذه الله منه" (٧)

بل حب رسوله مقدم على الأولاد والأموال والنفوس، كما ثبت في الصحيح أنه، ﵇، قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين" (٨)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾

قال ابن عباس، والسُّدِّيّ، ومُجاهِد، وعِكْرِمة، والضحاك، وقَتَادة، ومُقَاتِل بن حَيَّان: (فُرْقَانًا)

(١) في د، ك، م: "لا تظهروا له".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في د، ك، م: "أتشكروه عليها وتطيعوه".

(٤) زيادة من د، ك، م، أ.

(٥) زيادة من أ.

(٦) في د، ك، م، أ: "أن".

(٧) رواه مسلم في صحيحه برقم (٤٣) من حديث أنس بن مالك، ﵁.

(٨) صحيح البخاري برقم (١٤).

ج4 · ص43

مخرجا. زاد مجاهد: في الدنيا والآخرة.

وفي رواية عن ابن عباس: (فُرْقَانًا) نجاة. وفي رواية عنه: نصرا.

وقال محمد بن إسحاق: (فُرْقَانًا) أي: فصلا بين الحق والباطل.

وهذا التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم وقد يستلزم ذلك كله؛ فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره (١) ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة، وتكفير ذنوبه -وهو محوها -وغفرها: سترها عن الناس -سببًا لنيل ثواب الله الجزيل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨].

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾

قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: (لِيُثْبِتُوكَ) [أي]: (٢) ليقيدوك.

وقال عطاء، وابن زيد: ليحبسوك.

وقال السُّدِّيّ: "الإثبات". هو الحبس والوثاق.

وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء، وهو مجمع الأقوال (٣) وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء.

وقال سُنَيْد، عن حجاج، عن ابن جُرَيْج، قال عطاء: سمعت عُبَيْد بن عُمَيْر يقول: لما ائتمروا بالنبي ﷺ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: "يريدون أن يسحروني (٤) أو يقتلوني أو يخرجوني"، فقال: من أخبرك (٥) بهذا؟ قال: "ربي"، قال: نعم الرب ربك، استوص به خيرا فقال: "أنا أستوصي به؟! بل هو يستوصي بي" (٦)

وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني محمد بن إسماعيل البصري، المعروف بالوساوسي، أخبرنا عبد الحميد بن أبي رَوَّاد (٧) عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن المطلب بن أبي وَدَاعةِ، أن أبا طالب قال لرسول الله ﷺ: ما يأتمر بك قومك؟ قال: "يريدون أن يسحروني (٨) أو يقتلوني أو يخرجوني". فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: "ربي"، قال: نعم الرب ربك، فاستوص به خيرا، "قال: أنا أستوصي به؟! بل هو يستوصي بي". قال: فنزلت: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) الآية (٩)

(١) في أ: "نصرته".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في د: "وهذا يجمع الأقوال"، وفي ك، م: "وهو تجمع الأقوال".

(٤) في د: "يسجنونني"، وفي أ: "يسخروني".

(٥) في ك، م، أ: "خبرك".

(٦) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٩٣).

(٧) في د، م: "داود".

(٨) في د: "يسجنونني"، وفي أ: "يسخروني".

(٩) تفسير الطبري (١٣/ ٤٩٢).

ج4 · ص44

وذِكر أبي طالب في هذا، غريب جدا، بل منكر؛ لأن هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل، إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين لما تمكنوا منه واجترءوا عليه بعد موت عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه. والدليل على صحة ما قلنا: ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يَسَار صاحب "المغازي" عن عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: وحدثني الكلبي، عن باذان مولى أم هانئ، عن ابن عباس؛ أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم (١) إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم رأيي ونصحي. قالوا: أجل، ادخل فدخل معهم فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره. قال: فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي فقال: والله ما هذا لكم برأي، والله ليخرجنه ربه من محبسه (٢) إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم، فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم. قال: فانظروا في غير هذا.

قال: فقال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم، فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة [قوله] (٣) وطلاوة لسانه، وأخذ القلوب ما تسمع (٤) من حديثه؟ والله لئن فعلتم، ثم استعرض العرب، ليجتمعن عليكم (٥) ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله، فانظروا بابا غير هذا.

قال: فقال أبو جهل، لعنه الله: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم تصرمونه (٦) بعد، ما أرى غيره. قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلاما شابا وسيطا نهدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل [كلها] (٧) فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها. فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، واسترحنا وقطعنا عنا أذاه.

قال: فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي. القول ما قال الفتى لا رأي غيره، قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له (٨)

فأتى جبريل النبي ﷺ، فأمره ألا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم.

(١) في د: "واعترضهم".

(٢) في أ: "من حبسه".

(٣) زيادة من أ.

(٤) في أ: "ما نشبع".

(٥) في د، ك، م: "عليه".

(٦) في أ: "بصرتموه"

(٧) زيادة من د، ك، م، أ.

(٨) زيادة من د، ك، م.

ج4 · ص45

فلم يبت رسول الله ﷺ في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة "الأنفال" يذكر نعمه (١) عليه وبلاءه عنده: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) وأنزل [الله] (٢) في قولهم: "تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء"، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وكان ذلك اليوم يسمى "يوم الزحمة" (٣) للذي اجتمعوا عليه من الرأي (٤)

وعن السُّدِّيّ نحو هذا السياق، وأنزل الله في إرادتهم إخراجه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٦].

وكذا روى العَوْفي، عن ابن عباس. وروي عن مجاهد، وعُرْوة بن الزبير، وموسى بن عُقْبَة، وقتادة، ومِقْسَم، وغير واحد، نحو ذلك.

وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ ينتظر أمر الله، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به، وأرادوا به ما أرادوا، أتاه جبريل، ﵇، فأمره ألا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه (٥) فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فأمره أن يبيت على فراشه وأن يتسجى ببُرد له أخضر، ففعل. ثم خرج رسول الله ﷺ على القوم وهم على بابه، وخَرَج معه بحفنة من تراب، فجعل يذرها على رؤوسهم، وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه محمد ﷺ وهو يقرأ: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ١ - ٩].

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: وروي عن عكرمة ما يؤكد هذا (٦)

وقد روى [أبو حاتم] (٧) ابن حِبَّان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: دخلت فاطمةُ على رسول الله ﷺ وهي تبكي، فقال: "ما يبكيك يا بُنَيَّة؟ " قالت: يا أبت، [و] (٨) ما لي لا أبكي، وهؤلاء الملأ من قريش في الحجْر يتعاقدون باللات والعُزَّى ومناة الثالثة الأخرى، لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلوك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك. فقال: "يا بنية، ائتني بوَضُوء". فتوضأ رسول الله ﷺ، ثم خرج إلى المسجد. فلما رأوه قالوا: إنما هو ذا (٩) فطأطؤوا رؤوسهم، وسقطت أذقانهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم. فتناول رسول الله ﷺ قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال: "شاهت الوجوه". فما أصاب رجلا منهم حَصَاة من حصياته إلا قُتل يوم بدر كافرا.

ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ولا أعرف له علة (١٠)

(١) في ك، م: "نعمته".

(٢) زيادة من د، ك، أ.

(٣) في د، ك، م، أ: "الرحمة".

(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٩٤) من طريق ابن إسحاق به.

(٥) في د، ك، م: "به".

(٦) دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٦٩، ٤٧٠).

(٧) زيادة من ك، م.

(٨) زيادة من د.

(٩) في د، ك، م: "ها هو ذا".

(١٠) صحيح ابن حبان برقم (١٦٩١) "موارد" والمستدرك (٣/ ١٥٧).

ج4 · ص46

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، أخبرني عثمان الجَزَري، عن مِقْسَم مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ) قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق -يريدون النبي ﷺ -وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات علي ﵁ على فراش رسول الله ﷺ، وخرج رسول الله ﷺ (١) حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبونه النبي ﷺ، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًّا رَدَّ الله تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري. فاقتصا (٢) أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال (٣)

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُرْوَة بن الزبير في قوله: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) أي: فمكرت بهم بكيدي المتين، حتى خلصتك منهم.

﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾

يخبر تعالى عن كفر قريش وعُتُوِّهم وتمرُّدهم وعنادهم، ودعواهم الباطل عند سماع آياته حين تتلى عليهم أنهم يقولون: (قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) وهذا منهم قول لا فعل، وإلا فقد تحدوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله فلا يجدون إلى ذلك سبيلا. وإنما هذا قول منهم يَغُرّون به أنفسهم ومن اتبعهم على باطلهم.

وقد قيل: إن القائل لذلك هو النضر بن الحارث -لعنه الله -كما قد نص على ذلك سعيد بن جُبَيْر، والسُّدِّيّ، وابن جُرَيج وغيرهم؛ فإنه -لعنه الله -كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وتعلم من أخبار ملوكهم رُسْتم واسفنديار، ولما قدم وجد رسول الله ﷺ قد بعثه الله، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان إذا قام ﷺ (٤) من مجلس، جلس فيه النضر فيحدثهم من أخبار أولئك، ثم يقول: بالله أيهما أحسن قصصا؟ أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله تعالى منه يوم بدر ووقع في الأسارى، أمر رسول الله ﷺ أن تضرب رقبته صبرا بين يديه، ففُعل ذلك، ولله الحمد. وكان الذي أسره المقداد بن

(١) في ك، م: "النبي".

(٢) في د، ك، م: "فاقتصوا".

(٣) المسند (١/ ٣٤٨) قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٧): "فيه عثمان بن عمرو الجزري وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح".

(٤) في ك، د: "﵇".

ج4 · ص47

الأسود، ﵁، كما قال ابن جرير:

حدثنا محمد بن بشَّار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعْبَة، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جُبَيْر قال: قَتَل النبي ﷺ يوم بدر صبرا عُقْبَةَ بن أبي مُعَيْط وطُعَيْمة بن عَدِي، والنضر بن الحارث. وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله، قال المقداد: يا رسول الله، أسيري. فقال رسول الله ﷺ: " إنه كان يقول في كتاب الله، ﷿، ما يقول". فأمر رسول الله (١) ﷺ بقتله، فقال المقداد: يا رسول الله، أسيري. فقال رسول الله ﷺ: "اللهم اغن المقداد من فضلك". فقال المقداد: هذا الذي أردت. قال: وفيه أنزلت هذه الآية: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) (٢)

وكذا رواه هُشَيْم، عن أبي بشر جعفر بن أبي وَحْشِيّة، عن سعيد بن جُبَيْر؛ أنه قال: "المطعم بن عدي"بدل طعيمة" (٣) وهو غلط؛ لأن المطعم بن عدي لم يكن حيا يوم بدر؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ يومئذ: "لو كان المطعم (٤) حيا، ثم سألني (٥) في هؤلاء النَّتْنَى (٦) لوهبتهم له" (٧) -يعني: الأسارى -لأنه كان قد أجار رسول الله ﷺ يوم رجع من الطائف.

ومعنى: (أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) وهو جمع أسطورة، أي: كتبهم اقتبسها، فهو يتعلم منها ويتلوها على الناس. وهذا هو الكذب البحت، كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٥، ٦]. أي: لمن تاب إليه وأناب؛ فإنه يتقبل منه ويصفح عنه.

وقوله: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) هذا من كثرة جهلهم وعُتُوِّهم وعنادهم وشدة تكذيبهم، وهذا مما عِيبُوا به، وكان الأولى لهم أن يقولوا: "اللهم، إن كان هذا هو الحق من عندك، فاهدنا له، ووفقنا لاتباعه". ولكن استفتحوا على أنفسهم، واستعجلوا العذاب، وتقديم العقوبة كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣]، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦]، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ١ - ٣]، وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة، كما قال قوم شعيب له: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧]، وقال هؤلاء: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)

(١) في د، ك، م، أ: "النبي".

(٢) تفسير الطبري (١٣/ ٥٠٤).

(٣) تفسير الطبري (١٣/ ٥٠٤).

(٤) في د، ك، م، أ: "المطعم بن عدي".

(٥) في ك: "وسألني".

(٦) في أ: "السبى".

(٧) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣١٣٩) من حديث جبير بن مطعم، ﵁.

ج4 · ص48

قال شُعْبَة، عن عبد الحميد، صاحب الزيّادي، عن أنس بن مالك قال: هو أبو جهل بن هشام قال: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فنزلت (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) الآية.

رواه البخاري عن أحمد ومحمد بن النضر، كلاهما عن عُبَيد الله بن مُعَاذ، عن أبيه، عن شعبة، به (١)

وأحمد هذا هو: أحمد بن النضر بن عبد الوهاب. قاله الحاكم أبو أحمد، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، والله أعلم.

وقال الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة، قال: فأنزل الله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ١ - ٢] وكذا قال مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والسدي: إنه النضر بن الحارث -زاد عطاء: فقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] وقال ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقال ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ﴾ [المعارج: ١، ٢]، قال عطاء: ولقد أنزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله، ﷿.

وقال ابن مُرْدُوَيْه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا أبو غسان حدثنا أبو تُمَيْلة، حدثنا الحسين، عن ابن بُرَيْدة، عن أبيه قال: رأيت عمرو بن العاص واقفا يوم أُحُد على فرس، وهو يقول: اللهم، إن كان ما يقول محمد حقا، فاخسف بي وبفرسي".

وقال قتادة في قوله: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) الآية، قال: قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها (٢) فعاد الله بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها.

وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، حدثنا عِكْرِمة بن عمار، عن أبي زُمَيْل سِمَاك الحنفي، عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك (٣) فيقول النبي ﷺ: "قَدْ قد"! ويقولون: لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. ويقولون: غفرانك، غفرانك، فأنزل الله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: النبي ﷺ، والاستغفار، فذهب النبي ﷺ وبقي الاستغفار (٤)

(١) صحيح البخاري برقم (٤٦٤٨، ٤٦٤٩).

(٢) في ك: "وجهلها".

(٣) في أ: "لك لبيك".

(٤) ورواه الطبري في تفسير (١٣/ ٥١١) من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود به.

ج4 · ص49

وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو مَعْشَر، عن يزيد بن رُومَان ومحمد بن قيس قالا قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فلما أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهم! فأنزل الله، ﷿: (وَمَا كَانَ اللَّهُ [لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ] مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (١) إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الإنفال: ٣٤].

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) يقول: ما كان الله ليعذب قوما وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم، ثم قال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) يقول: وفيهم من قد سبق له من الله الدخولُ في الإيمان، وهو الاستغفار -يستغفرون، يعني: يصلون -يعني بهذا أهل مكة.

وروي عن مُجاهد، وعِكْرِمَة، وعطية العَوْفي، وسعيد بن جُبَيْر، والسُّدِّيّ نحو ذلك.

وقال الضحاك وأبو مالك: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) يعني: المؤمنين الذين كانوا بمكة.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الغفار بن داود، حدثنا النضر بن عَرَبي [قال] (٢) قال ابن عباس: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين مجارين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم: فأمان قبضه الله إليه، وأمان بقي فيكم، قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)

قال (٣) أبو صالح عبد الغفار: حدثني بعض أصحابنا، أن النضر بن عربي حدثه هذا الحديث، عن مجاهد، عن ابن عباس.

وروى ابن مَرْدُوَيه وابن جرير، عن أبي موسى الأشعري نحوًا من هذا (٤) وكذا رُوي عن قتادة وأبي العلاء النحوي المقرئ.

وقال الترمذي: حدثنا سفيان بن وَكِيع، حدثنا ابن نُمَيْر، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عباد بن يوسف، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "أنزل الله عليَّ أمانين لأمتي: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فإذا مضيت، تركتُ فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة" (٥)

ويشهد لهذا (٦) ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن دَرَاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ

(١) زيادة من م.

(٢) زيادة من د، ك، م، أ.

(٣) في ك: "وقال".

(٤) تفسير الطبري (١٣/ ٥١٣).

(٥) سنن الترمذي برقم (٣٠٨٢) وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، وإسماعيل بن مهاجر يضعف في الحديث.

(٦) في أ: "لصحة هذا".