سورة يس

ซูเราะฮ์ที่ 36 · ตอน 1/3 · เล่ม 6 หน้า 561–575

123
ج6 · ص561

تفسير سورة يس

[وهي] (١) مكية.

قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا قتيبة وسفيان بن وَكِيع، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن هارون أبي محمد، عن مقاتل بن حيان، عن قتادة (٢)، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس. ومَنْ قرأ يس كَتَبَ الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات".

ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حُميد بن عبد الرحمن. وهارون أبو محمد شيخ مجهول. وفي الباب عن أبي بكر الصديق، ﵁، ولا يصح لضعف إسناده، وعن أبي هريرة منظور فيه. (٣)

أما حديث الصديق فرواه الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول. (٤) وأما حديث أبي هريرة فقال (٥) أبو بكر البزار: حدثنا عبد الرحمن بن الفضل، حدثنا زيد -هو ابن الحباب-حدثنا حُميد -هو المكي، مولى آل علقمة-عن عطاء -هو ابن أبي رباح-عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس".

ثم قال: لا نعلم رواه إلا زيد، عن حميد. (٦)

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا حجاج بن محمد، عن هشام بن زياد، عن الحسن قال: سمعت أبا هريرة يقول (٧): قال رسول الله ﷺ: "من قرأ يس في ليلة أصبح مغفورًا له. ومن قرأ: "حم" التي فيها الدخان أصبح مغفورًا له". إسناد (٨) جيد. (٩)

وقال (١٠) ابن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم -مولى ثقيف-حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني، حدثنا أبي، حدثنا زياد بن خَيْثَمة، حدثنا محمد بن جُحَادة،

(١) زيادة من ت، س، أ.

(٢) في ت: " روى أبو عيسى الترمذي بإسناده".

(٣) سنن الترمذي برقم (٢٨٨٧) وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٥٦) بعد ما ذكر الحديث: "قال أبي: مقاتل هذا هو مقاتل بن سليمان رأيت هذا الحديث في أول كتاب وضعه مقاتل وهو حديث باطل لا أصل له. قلت لأبي: مقاتل أدرك قتادة؟ قال: وأكبر من قتادة أبو الزبير".

(٤) نوادر الأصول ص (٣٣٥) ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (٢١٧) والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٦٥) وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٤٧) من طرق عن إسماعيل بن أبي أويس عن محمد بن عبد الرحمن الجدعاني عن سليمان بن مرقاع عن هلال بن الصلت عن أبي بكر، ﵁. وقال ابن الجوزى: "هذا الحديث من جميع طرقه باطل لا أصل له".

(٥) في ت: "وروى".

(٦) مسند البزار برقم (٢٣٠٤) "كشف الأستار".

(٧) في ت: "وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة قال".

(٨) في ت: "إسناده".

(٩) مسند أبي يعلى (١١/ ٩٣) وفي إسناده هشام بن زياد ضعفه الأئمة، وقال ابن حبان: "كان ممن يروى الموضوعات عن الثقات، والمقلوبات عن الأثبات حتى يسبق إلى قلب المستمع أنه كان المعتمد لها، لا يجوز الاحتجاج به". والحسن لم يسمع من أبي هريرة، وانظر التعليق على أبي يعلى عند قوله: "سمعت".

(١٠) في ت، أ: "وروى".

ج6 · ص562

عن الحسن، عن جُنْدَب بن (١) عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله، غفر له". (٢)

وقد قال (٣) الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يَسَار، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "البقرة سِنام القرآن وذِرْوَته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا، واستخرجت ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] من تحت العرش فوصلت بها -أو: فوصلت بسورة البقرة-ويس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة، إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم".

وكذا رواه النسائي في "اليوم والليلة" عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان، به (٤).

ثم قال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا ابن المبارك، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان -وليس بالنهدي-عن أبيه، عن مَعْقِل بن يَسَار قال: قال رسول الله ﷺ: "اقرؤوها على موتاكم" -يعني: يس.

ورواه أبو داود، والنسائي في "اليوم والليلة" وابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك، به (٥) إلا أن في رواية النسائي: عن أبي عثمان، عن معقل بن يسار.

ولهذا قال بعض العلماء: من خصائص هذه السورة: أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله. وكأن قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة، وليسهل (٦) عليه خروج الروح، والله أعلم.

قال الإمام أحمد، ﵀: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان قال: كان المشيخة يقولون: إذا قرئت -يعني يس-عند الميت خُفِّف عنه بها. (٧)

وقال (٨) البزار: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قال: قال النبي (٩) ﷺ: "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي" -يعني: يس. (١٠)

(١) في أ: "عن".

(٢) صحيح ابن حبان برقم (٦٦٥) "موارد" والحسن لم يسمع من جندب، قاله أبو حاتم.

(٣) في ت: "وروى".

(٤) المسند (٥/ ٢٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٩١٤) وقد أعله ابن القطان كما في التلخيص لابن حجر (٢/ ١٠٤) بثلاث علل: الاضطراب في الإسناد، وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه. ثم نقل عن الدارقطنى قوله: "هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصحح في الباب حديث".

(٥) المسند (٥/ ٢٦) وسنن أبي داود برقم (٣١٢١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٩١٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٤٤٨).

(٦) في ت، س: "ولتسهل".

(٧) المسند (٤/ ١٠٥).

(٨) في ت: "وروي".

(٩) في ت: "رسول الله".

(١٠) مسند البزار برقم (٢٣٠٥) "كشف الأستار".

ج6 · ص563

﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾.

قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول "سورة البقرة"، ورُوي عن ابن عباس وعِكْرِمَة، والضحاك، والحسن وسفيان بن عُيَيْنَة (١) أن "يس" بمعنى: يا إنسان.

وقال سعيد بن جبير: هو كذلك في لغة الحبشة.

وقال مالك، عن زيد بن أسلم: هو اسم من أسماء الله تعالى.

(وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) أي: المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

(إِنَّكَ) يا محمد (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: على منهج ودين قويم، وشرع مستقيم.

(تَنزيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) أي: هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به مُنزل من رب العزة، الرحيم بعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣].

وقوله تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) يعني بهم: العرب؛ فإنه ما أتاهم من نذير من قبله. وذكرهم وحدهم لا ينفي مَنْ عداهم [كما زعمه بعض النصارى] (٢)، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم. وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته، صلوات الله وسلامه عليه، عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].

وقوله: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ): قال ابن جرير: لقد وجب العذاب على أكثرهم بأن [الله قد] (٣) حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون، (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) بالله، ولا يصدقون رسله.

﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾

يقول تعالى: إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جُعل في عنقه غل، فجَمَع يديه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسُه، فصار مقمَحا؛ ولهذا قال: (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) والمقمح: هو الرافع رأسه، كما قالت أم زَرْع في كلامها: "وأشرب فأتقمَّح" أي:

(١) في ت: "وعكرمة وغيرهما".

(٢) زيادة من أ.

(٣) زيادة من ت، س.

ج6 · ص564

أشرب فأروى، وأرفع رأسي تهنيئا وتَرَوّيا. واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين، وإن كانتا مرادتين، كما قال الشاعر (١):

فَمَا أدْري إذَا يَمَّمْتُ أرْضًا … أريد الخَيْرَ أيّهما يَليني

أالْخَيْرُ الذي أنَا أبْتَغيه … أم الشَّرّ الذي لا يَأتَليني

فاكتفى بذكر الخير عن ذكر الشر لَمّا دل السياق والكلام عليه، (٢) وكذا هذا، لما كان الغُلّ إنما يعرف فيما جَمَع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين.

قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) قال: هو كقول الله (٣) تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] يعني بذلك: أن أيديهم موثقة (٤) إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير.

وقال مجاهد: (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) قال: رافعو (٥) رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير.

وقوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا): قال مجاهد: عن الحق، (وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) قال مجاهد: عن الحق، فهم يترددون. وقال قتادة: الضلالات.

وقوله: (فَأَغْشَيْنَاهُمْ) أي: أغشينا أبصارهم عن الحق، (فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) أي: لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه.

قال ابن جرير: وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "فأعشيناهم" بالعين المهملة، من العشا وهو داء في العين.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧] ثم قال: من منعه الله لا يستطيع.

وقال عكرمة: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمدًا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا) إلى قوله: ([فَهُمْ] لا يُبْصِرُونَ) (٦)، قال: وكانوا يقولون: هذا محمد. فيقول: أين هو أين هو؟ لا يبصره. رواه ابن جرير.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه (٧) كنتم ملوكا، فإذا متم (٨) بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جِنَانٌ خير من جنان الأرْدُن وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تُعَذَّبون بها. وخرج [عليهم] (٩) رسول الله ﷺ عند ذلك، وفي يده حفنة من تراب، وقد أخذ الله على أعينهم دونه، فجعل يَذُرّها على رؤوسهم، ويقرأ: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ

(١) البيت في تفسير الطبري (٢٢/ ٩٨).

(٢) في ت: "لما دل عليه السياق".

(٣) في ت: "كقوله".

(٤) في ت: "موثوقة".

(٥) في ت، س: "رافعى".

(٦) زيادة من ت، أ.

(٧) في ت: " بايعتموه".

(٨) في ت: "أنتم".

(٩) زيادة من أ.

ج6 · ص565

﴾ حتى انتهى إلى قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)، وانطلق رسول الله ﷺ لحاجته، وباتوا رُصَدَاء على بابه، حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار، فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدًا. قال قد خرج عليكم، فما بقي منكم من رجل إلا [قد] (١) وضع على رأسه ترابا، ثم ذهب لحاجته. فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب. قال: وقد بلغ النبيّ ﷺ قول أبي (٢) جهل فقال: "وأنا أقول ذلك: إن لهم مني لذبحا، وإنه أحدهم".

وقوله: (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) أي: قد ختم الله عليهم بالضلالة، فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثرون به.

وقد تقدم نظيرها في أول سورة البقرة، (٣) وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].

(إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) أي: إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون الذكر، وهو القرآن العظيم، (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ) أي: حيث لا يراه أحد إلا الله، يعلم أن الله مطلع عليه، وعالم بما يفعله، (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ) أي: لذنوبه، (وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) أي: كبير واسع حسن جميل، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢].

ثم قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) أي: يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب مَنْ يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧].

وقوله: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) أي: من الأعمال.

وفي قوله: (وَآثَارَهُمْ) قولان:

أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، كقوله ﷺ: "مَنْ سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل (٤) بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومَنْ سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزرُ مَنْ عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا".

رواه مسلم، من رواية شعبة، عن عون بن أبي جُحَيْفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه جرير بن عبد الله البجلي، ﵁، وفيه قصة مُجْتَابِي النَّمَّار المُضريَّين. (٥) ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن يحيى بن سليمان الجعفي، عن أبي المحياة يحيى بن يَعْلَى، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير بن عبد الله، فذكر الحديث بطوله، ثم تلا هذه الآية: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).

وقد رواه مسلم من رواية أبي عَوَانة، عن عبد الملك بن عمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، فذكره. (٦)

(١) زيادة من أ.

(٢) في ت: "قول أبا" وهو خطأ.

(٣) عند تفسير الآية السادسة.

(٤) في أ: "يعمل".

(٥) صحيح مسلم برقم (١٠١٧).

(٦) صحيح مسلم برقم (١٠١٧).

ج6 · ص566

وهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده". (١)

وقال سفيان الثوري، عن أبي سعيد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (٢) (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) قال: ما أورثوا من الضلالة.

وقال ابن لَهِيعَة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) يعني: ما أثروا. يقول: ما سنوا من سنة، فعمل (٣) بها قوم من بعد موتهم، فإن كان خيرًا فله مثل أجورهم، لا ينقص من أجر مَنْ عمله شيئا، وإن كانت شرًّا فعليه مثل أوزارهم، ولا ينقص من أوزار من عمله شيئًا. ذكرهما ابن أبي حاتم.

وهذا القول هو اختيار البَغَوِيّ. (٤)

والقول الثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية.

قال ابن أبي نَجِيح وغيره، عن مجاهد: (مَا قَدَّمُوا): أعمالهم. (وَآثَارَهُمْ) قال: خطاهم بأرجلهم. وكذا قال الحسن وقتادة: (وَآثَارَهُمْ) يعني: خطاهم. قال قتادة: لو كان الله تعالى (٥) مُغفلا شيئًا من شأنك يا بن آدم، أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله، فليفعل.

وقد وَرَدَت في هذا المعنى أحاديث:

الحديث الأول: قال (٦) الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجُرَيْري، عن أبي نَضْرَة، عن جابر بن عبد الله قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال لهم: "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد". قالوا: نعم، يا رسول الله، قد أردنا ذلك. فقال: "يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم".

وهكذا رواه مسلم، من حديث سعيد الجريري وكَهْمس بن الحسن، كلاهما عن أبي نضرة -واسمه: المنذر بن مالك بن قطْعَة العَبْدِي-عن جابر. (٧)

الحديث الثاني: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي، حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان الثوري، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سلَمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)

(١) صحيح مسلم برقم (١٦٣١).

(٢) في ت: "وعن مجاهد في قوله".

(٣) في أ: "يعمل".

(٤) معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٩).

(٥) في ت، س، أ: "﷿".

(٦) في ت: "رواه".

(٧) المسند (٣/ ٣٣٢) وصحيح مسلم برقم (٦٦٥).

ج6 · ص567

فقال لهم النبي ﷺ: "إن آثاركم تُكْتبُ". فلم ينتقلوا.

انفرد بإخراجه الترمذي (١) عند تفسير هذه الآية الكريمة، عن محمد بن الوزير، به. (٢) ثم قال: "حسن غريب من حديث الثوري". (٣)

ورواه ابن جرير، عن سليمان بن عمر بن خالد الرقي، عن ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن طريف -وهو ابن شهاب أبو سفيان السعدي-عن أبي نضرة، به. (٤)

وقد رُوِيَ من غير طريق الثوري، فقال الحافظ أبو بكر البزار:

حدثنا عباد بن زياد الساجي، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: إن بني سَلَمة شَكوا إلى رسول الله ﷺ بعد منازلهم من المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، فأقاموا في مكانهم.

وحدثنا ابن المثنى (٥)، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، بنحوه.

وفيه غرابة من حيث ذكْرُ نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، فالله أعلم.

الحديث الثالث: قال ابن جرير:

حدثنا نصر بن علي الجَهْضَمِي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن سِمَاك، عن عِكْرِمَة، عن (٦) ابن عباس قال: كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فقالوا: نثبت مكاننا. هكذا رواه وليس فيه شيء مرفوع. (٧)

ورواه الطبراني عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل، عن سِمَاك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فثبتوا في منازلهم. (٨)

الحديث الرابع: قال (٩) الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثني حُيَيّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو قال: توفي رجل بالمدينة، فصلى عليه النبي ﷺ وقال: "يا ليته مات في غير مولده". فقال رجل من الناس ولم يا رسول الله؟ فقال رسول الله (١٠) ﷺ: "إن الرجل إذا توفي في غير مولده، قِيس له من مولده إلى منقطع أثره

(١) في أ: "مسلم".

(٢) سنن الترمذي برقم (٣٢٢٦).

(٣) في ت: "أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب".

(٤) تفسير الطبري (٢٢/ ١٠٠).

(٥) في س، أ: "وحدثناه محمد بن المثني".

(٦) في ت: "رواه ابن جرير بإسناده إلى".

(٧) تفسير الطبري (٢٢/ ١٠٠).

(٨) المعجم الكبير (١٢/ ٨) وشيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ضعيف.

(٩) في ت: "رواه".

(١٠) في ت، س: "النبي".

ج6 · ص568

في الجنة".

ورواه النسائي عن يونس بن عبد الأعلى، وابن ماجه عن حرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن حيي بن (١) عبد الله، به. (٢)

وقال (٣) ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو تُمَيْلَةَ، حدثنا الحسين، عن ثابت قال: مشيت مع أنس فأسرعت المشي، فأخذ بيدي فمشينا رويدًا، فلما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي، فقال: يا أنس، أما شَعَرْتَ أن الآثار تكتب؟ أما شَعَرْتَ أن الآثار تكتب؟ (٤).

وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك (٥) بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تُكتَب، فلأن تُكْتَبَ تلك التي فيها قُدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى، والله أعلم.

وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هاهنا هو أم الكتاب. قاله مجاهد، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكذا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾.

يقول تعالى: واضرب -يا محمد-لقومك الذين كذبوك (مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ).

قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه-: إنها مدينة أنطاكية، وكان بها ملك يقال له: أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس، وكان يعبد الأصنام، فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل، وهم: صادق وصدوق وشلوم، (٦) فكذبهم.

(١) في أ: "عن".

(٢) المسند (٢/ ١٧٧) وسنن النسائي (٤/ ٧) وسنن ابن ماجه برقم (١٦١٤).

(٣) في ت: "وروى".

(٤) تفسير الطبري (٢٢/ ١٠٠).

(٥) في أ: "ذاك".

(٦) في ت: "وشكوم".

ج6 · ص569

وهكذا رُوي عن بُرَيدة بن الحُصَيب، وعِكْرِمَة، وقتادة، والزهري: أنها أنطاكية.

وقد استشكل بعض الأئمة كونَها أنطاكية، بما سنذكره بعد تمام القصة، إن شاء الله تعالى.

وقوله: (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا) أي: بادروهما بالتكذيب، (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) أي: قويناهما (١) وشددنا أزرهما برسول ثالث.

قال ابن جُرَيْج، عن وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي قال: كان اسم الرسولين الأولين شمعون ويوحنا، واسم الثالث بولص، والقرية أنطاكية.

(فَقَالُوا) أي: لأهل تلك القرية: (إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) أي: من ربكم الذي خلقكم، نأمركم بعبادته وحده لا شريك له. قاله أبو العالية.

وزعم قتادة بن دعامة: أنهم كانوا رسل المسيح، ﵇، إلى أهل أنطاكية. (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا) أي: فكيف أوحيَ إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لا أوحيَ إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلا لكنتم ملائكة. وهذه شبه (٢) كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]، فاستعجبوا (٣) من ذلك وأنكروه. وقوله: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠]. وقوله حكاية عنهم في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤]، ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾؟ [الإسراء: ٩٤]. ولهذا قال هؤلاء: (مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) أي: أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين: الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كَذَبة عليه لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢]. (٤)

(وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) يقولون إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإذا أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم تجيبوا فستعلمون غِبَّ ذلك، والله أعلم.

﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾

فعند ذلك قال لهم أهل القرية: (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ) أي: لم نرَ على وجوهكم خيرًا في عيشنا.

وقال قتادة: يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم.

وقال مجاهد: يقولون: لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عذب أهلها.

(لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ): قال قتادة: بالحجارة. وقال مجاهد: بالشتم.

(١) في ت: "قويناهما بثالث".

(٢) في ت، س: "شبهة".

(٣) في ت، س: "أي استعجبوا".

(٤) في ت، س، أ، هـ: "يعلم ما في السموات وما في الأرض" والصواب ما أثبتناه.

ج6 · ص570

(وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: عقوبة شديدة. فقالت لهم رسلهم: (طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ) أي: مردود عليكم، كقوله تعالى في قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وقال قوم صالح: (١) ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧]. وقال قتادة، ووهب بن منبه: أي أعمالكم معكم. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨].

وقوله: (أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) أي: من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام، وتوعدتمونا وتهددتمونا؟ بل أنتم قوم مسرفون.

وقال قتادة: أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا، بل أنتم قوم مسرفون.

﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾.

قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه-: إن أهل القرية هَمّوا بقتل رسلهم فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى، أي: لينصرهم من قومه -قالوا: وهو حبيب، وكان يعمل الجرير -وهو (٢) الحبال-وكان رجلا سقيما (٣) قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة، يتصدق بنصف كسبه، مستقيم النظرة. (٤)

وقال ابن إسحاق عن رجل سماه، عن الحكم، عن مِقْسَم -أو: عن مجاهد-عن ابن عباس قال: [كان] (٥) اسم صاحب يس حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه.

وقال الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجْلَز: كان اسمه حبيب بن مري.

وقال شبيب بن بشر، (٦) عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس [أيضا] (٧) قال: اسم صاحب يس حبيب النجار، فقتله قومه.

وقال السدي: كان قَصَّارا. وقال عمر بن الحكم: كان إسكافا. وقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك.

(قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ): يحض قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم، (اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا) أي: على إبلاغ الرسالة، (وَهُمْ مُهْتَدُونَ) فيما يدعونكم إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له.

(١) في ت، س: "لوط" وفي أ: "شعيب".

(٢) في ت، س، أ: "يعنى".

(٣) في أ: "مستقيما".

(٤) في أ: "الفطرة".

(٥) زيادة من ت، س.

(٦) في أ: "بشير".

(٧) زيادة من ت.

ج6 · ص571

(وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) أي: وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أي: يوم المعاد، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

(أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً)؟ استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ) أي: هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه لا يملكون من الأمر شيئا. فإن الله لو أرادني بسوء، ﴿فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ﴾ [يونس: ١٠٧] وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه، (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: إن اتخذتها آلهة من دون الله.

وقوله: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ): قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب-يقول لقومه: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) الذي كفرتم به، (فَاسْمَعُونِ) أي: فاسمعوا قولي.

ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) أي: الذي أرسلكم، (فَاسْمَعُونِ) أي: فاشهدوا لي بذلك عنده. وقد حكاه ابن جرير فقال: وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي، لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، إني [قد] (١) آمنت بربكم واتبعتكم. (٢)

وهذا [القول] (٣) الذي حكاه هؤلاء أظهر في المعنى، والله أعلم.

قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب-: فلما قال ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه.

وقال قتادة: جعلوا يرجمونه بالحجارة، وهو يقول: "اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون". فلم يزالوا به حتى أقعصوه وهو يقول كذلك، فقتلوه، ﵀.

﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾

قال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود: إنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبُه من دبره وقال الله له: (ادْخُلِ الْجَنَّةَ)، فدخلها فهو يرزق منها، قد أذهب الله عنه سُقْم الدنيا وحزنها ونَصَبها.

وقال مجاهد: قيل لحبيب النجار: ادخل الجنة. وذلك أنه قُتل فوجبت له (٤)، فلما رأى الثواب (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ).

قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا، لا تلقاه غاشا؛ لَمَّا عاين [ما عاين] (٥) من كرامة الله

(١) زيادة من ت.

(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ١٠٤).

(٣) زيادة من ت.

(٤) في ت، س، أ: "له الجنة".

(٥) زيادة من ت، أ.

ج6 · ص572

(قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ). تمنى على الله أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله [له]، (١) وما هجم عليه.

وقال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠]، وبعد مماته في قوله: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) رواه ابن أبي حاتم.

وقال سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مِجْلَز: (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) بإيماني بربي وتصديقي المرسلين.

ومقصوده أنهم لو اطلعوا على ما حصل من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه.

قال (٢) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا ابن جابر -وهو محمد-عن (٣) عبد الملك -يعني: ابن عمير-قال: قال عروة بن مسعود الثقفي للنبي ﷺ: ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: "إني أخاف أن يقتلوك". فقال: لو وجدوني نائما ما أيقظوني. فقال له رسول الله ﷺ: "انطلق". فانطلق فمر على اللات والعزى، فقال: لأصبحَنَّك غدًا بما يسوءك. فغضبت ثقيف، فقال: يا معشر ثقيف، إن اللات لا لات، وإن العُزى لا عُزى، أسلموا تسلموا. يا معشر الأحلاف، إن العزى لا عزى، وإن اللات لا لات، أسلموا تسلموا. قال ذلك ثلاث مرات، فرماه رجل فأصاب أكْحَله فقتله، فبلغ رسولَ الله ﷺ فقال: "هذا مثله كمثل صاحب يس، (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (٤)

وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعْمَر بن حَزْم: أنه حدث عن كعب الأحبار: أنه ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم -أخو بني مازن بن النجار-الذي كان مسيلمة الكذاب قَطَّعه باليمامة، حين جعل يسأله عن رسول الله ﷺ، فجعل يقول: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم. ثم يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فيقول له مسيلمة: أتسمع هذا ولا تسمع ذاك؟ فيقول: نعم. فجعل يُقَطِّعه عضوا عضوا، كلما سأله لم يزده على ذلك حتى مات في يديه. فقال كعب حين قيل له: اسمه حبيب، وكان والله صاحب يس اسمه حبيب. (٥)

﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾.

وقوله: (وَمَا أَنزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزلِينَ): يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه، غضبًا منه تعالى عليهم؛ لأنهم كذبوا رسله، وقتلوا وليه. ويذكر تعالى: أنه ما أنزل عليهم، وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم، بل الأمر كان أيسر من ذلك. قاله ابن مسعود، فيما رواه ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عنه أنه قال في قوله: (وَمَا أَنزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزلِينَ) أي: ما كاثرناهم بالجموع الأمر

(١) زيادة من أ.

(٢) في ت: "روى".

(٣) في أ: "بن".

(٤) ورواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٦١٥) والطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ١٤٨) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، بنحوه. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ١٤٨) من طريق موسى بن عقبة، عن الزهري، بنحوه. وقال الهيثمى في المجمع (٩/ ٣٨٦): "وكلاهما مرسل، وإسنادهما حسن".

(٥) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٠٣).

ج6 · ص573

كان أيسر علينا من ذلك، (إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) قال: فأهلك الله ذلك الملك، وأهلك أهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض، فلم يبق (١) منهم باقية.

وقيل: (وَمَا كُنَّا مُنزلِينَ) أي: وما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم، بل نبعث عليهم عذابًا يدمرهم.

وقيل: المعنى في قوله: (وَمَا أَنزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ) أي: من رسالة أخرى إليهم. قاله مجاهد وقتادة. قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله، (إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ).

قال ابن جرير: والأول أصح؛ لأن الرسالة لا تسمى جندًا.

قال المفسرون: بعث الله إليهم جبريل، ﵇، فأخذ بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون عن آخرهم، لم يبق فيهم روح تتردد في جسد.

وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عند المسيح، ﵇، كما نص عليه قتادة وغيره، وهو الذي لم يذكر عن (٢) واحد من متأخري المفسرين غيره، وفي ذلك نظر من وجوه:

أحدها: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله، ﷿، لا من جهة المسيح، كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ إلى أن قالوا: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس: ١٤ - ١٧]. ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح، ﵇، والله أعلم. ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥].

الثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح؛ ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتَاركة، وهن القدس لأنها بلد المسيح، وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والإسكندرية لأن فيها (٣) اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة (٤) والشمامسة والرهابين. ثم رومية لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأطَّدَه. ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها، كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين، فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت، فأهل هذه القرية قد ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله (٥)، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم (٦)، فالله أعلم.

الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السلف: أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين، ذكروه عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى﴾ [القصص: ٤٣]. فعلى هذا يتعين أن هذه القرية

(١) في س: "تبق".

(٢) في أ: "غير"

(٣) في ت، س: "منها".

(٤) في ت، س: "القساقسة".

(٥) في ت: "رسلهم".

(٦) في ت، س: "أخذتهم".

ج6 · ص574

المذكورة في القرآن [العظيم] (١) قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا. أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله، ﷾، أعلم.

فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التُّسْتري، حدثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني، حدثنا حُسَين الأشقر، حدثنا ابن عُيَيْنة، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن (٢) ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "السُّبَّق ثلاثة: فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب"، (٣) فإنه حديث منكر، لا يعرف إلا من طريق (٤) حسين الأشقر، وهو شيعي متروك، [والله أعلم]. (٥)

﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) أي: يا ويل العباد.

وقال قتادة: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ): أي يا حسرة العباد على أنفسها، على ما ضيعت من أمر الله، فرطت في جنب الله. قال: وفي بعض القراءة: "يا حسرة (٦) العباد على أنفسها".

ومعنى هذا: يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله، وخالفوا أمر الله، فإنهم كانوا في الدار الدنيا المكذبون منهم.

(مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي: يكذبونه ويستهزئون به، ويجحدون ما أرسل به من الحق.

ثم قال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ) أي: ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، كيف لم تكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة، ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفَجَرتهم من (٧) قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [المؤمنون: ٣٧]، وهم القائلون بالدور من الدهرية، وهم الذين يعتقدون جهلا منهم أنهم يعودون إلى الدنيا كما كانوا فيها، فرد الله تعالى عليهم باطلهم، فقال: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ).

وقوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) أي: وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر

(١) زيادة من ت.

(٢) في ت: "رواه الحافظ الطبراني بإسناده إلى".

(٣) المعجم الكبير (١١/ ٩٣) ورواه ابن مردويه في تفسيره، والعقيلي في الضعفاء كما في تخريج الكشاف للزيلعي (٣/ ١٦٢) من طريق حسين الأشقر، به، وأعله العقيلي بحسين الأشعري كما ذكر الحافظ ابن كثير هنا وقال: "إنه شيعي متروك ولا يعرف هذا إلا من جهته، وهو حديث منكر".

(٤) في أ: "حديث".

(٥) زيادة من ت، س.

(٦) في ت، س، أ: "حسرة على".

(٧) في أ: "مثل".

ج6 · ص575

للحساب يوم القيام بين يدي الله، ﷿، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها، ومعنى هذه كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١].

وقد اختلف القراء في أداء هذا الحرف؛ فمنهم مَنْ قرأ: "وَإن كل لَمَا" بالتخفيف، فعنده أن "إن" للإثبات، ومنهم مَنْ شدد "لَمَّا"، وجعل "إن" نافية، و"لمَّا" بمعنى "إلا" تقديره: وما كل إلا جميع لدينا محضرون، ومعنى القراءتين واحد، والله أعلم.

﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾.

يقول تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ) أي: دلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه الموتى (الأرْضُ الْمَيْتَةُ) أي: إذا كانت ميتة هامدة لا شيء فيها من النبات، فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ ولهذا قال: (أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) أي: جعلناه رزقا لهم ولأنعامهم، (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ) أي: جعلنا فيها أنهارًا سارحة في أمكنة، يحتاجون إليها ليأكلوا من ثمره. لما امتن على خلقه بإيجاد الزروع لهم عَطَف بذكر الثمار وتنوعها وأصنافها.

وقوله: (وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) أي: وما ذاك كله إلا من رحمة الله بهم، لا بسعيهم ولا كدهم، ولا بحولهم وقوتهم. قاله ابن عباس وقتادة؛ ولهذا قال: (أَفَلا يَشْكُرُونَ)؟ أي: فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى؟ واختار ابن جرير -بل جزم به، ولم يحك غيره إلا احتمالا-أن "ما" في قوله: (وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) بمعنى: "الذي"، تقديره: ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم، أي: غرسوه ونصبوه، قال: وهي كذلك في قراءة ابن مسعود (لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ).

ثم قال: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ) أي: من زروع وثمار ونبات. (وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ) فجعلهم ذكرًا وأنثى، (وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) أي: من مخلوقات شتى لا يعرفونها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩].

﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾

يقول تعالى: ومن الدلالة لهم على قدرته تعالى العظيمة خلق الليل والنهار، هذا بظلامه وهذا