سورة يس

ซูเราะฮ์ที่ 36 · ตอน 2/3 · เล่ม 6 หน้า 576–590

123
ج6 · ص576

بضيائه، وجعلهما يتعاقبان، يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا، كما قال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ ولهذا قال هاهنا: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) أي: نصرمه منه فيذهب، فيقبل الليل؛ ولهذا قال: (فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ) كما جاء في الحديث: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم". (١)

هذا هو الظاهر من الآية، وزعم قتادة أنها كقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] وقد ضعف ابن جرير قولَ قتادة هاهنا، وقال: إنما معنى الإيلاج: الأخذ من هذا في هذا، وليس هذا مرادًا في هذه الآية. وهذا الذي قاله ابن جرير حق.

وقوله: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)، في معنى قوله: (لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) قولان:

أحدهما: أن المراد: مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض في ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش وجميع المخلوقات؛ لأنه سقفها، وليس بكرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، وهو فوق العالم مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون من العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام، وهو وقت نصف الليل، صارت أبعد ما تكون من العرش، فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع، كما جاءت بذلك الأحاديث.

قال البخاري: حدثنا أبو نُعَيْم، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم [التيمي]، (٢) عن أبيه، عن أبي ذر، ﵁، قال: كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غروب الشمس، فقال: "يا أبا ذر، أتدري أين تغربُ الشمس؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) ".

حدثنا عبد الله بن الزبير الحُميديّ، حدثنا وَكِيع عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)، قال: "مستقرها تحت العرش". (٣)

كذا أورده هاهنا. وقد أخرجه في أماكن متعددة (٤)، ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه، من طرق، عن الأعمش، به. (٥)

وقال (٦) الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد حين وجبت الشمس، فقال: "يا أبا ذر، أتدري أين تذهب الشمس؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي

(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (١٩٥٤) ومسلم في صحيحه برقم (١١٠٠) من حديث عمر ﵁.

(٢) زيادة من ت، س، أ.

(٣) صحيح البخاري برقم (٤٨٠٢، ٤٨٠٣).

(٤) صحيح البخاري برقم (٣١٩٩، ٧٤٢٤، ٧٤٣٣).

(٥) صحيح مسلم برقم (١٥٩) وسنن أبي داود برقم (٤٠٠٢) وسنن الترمذي برقم (٣٢٢٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٠).

(٦) في ت: "وروى".

ج6 · ص577

ربها ﷿، فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت. فترجع إلى مطلعها، وذلك مستقرها، ثم قرأ: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) " (١)

وقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: "أتدري أين هذا؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، ويقال لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها، فذلك قوله: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (٢) ".

وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو قال في قوله: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)، قال: إن الشمس تطلع فتردها ذنوب بني آدم، حتى إذا غربت سلَّمت وسجدت واستأذنت فيؤذن لها، حتى إذا كان يوم غربت فسلمت وسجدت، واستأذنت فلا يؤذن لها، فتقول: إن المسير بعيد وإني إلا يؤذن لي لا أبلغ، فتحبس ما شاء الله أن تحبس، ثم يقال لها: "اطلعي من حيث غربت". قال: "فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا". (٣)

وقيل: المراد بقوله: (لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) هو انتهاء سيرها وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف وهو أوجها، ثم غاية انخفاضها في الشتاء وهو الحضيض.

والقول الثاني: أن المراد بمستقرها هو: منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكور، وينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني.

قال قتادة: (لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) أي: لوقتها ولأجل لا تعدوه.

وقيل: المراد: أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مدة لا تزيد عليها، يروى هذا عن عبد الله بن عمرو.

وقرأ ابن مسعود، وابن عباس: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرَّ لَهَا" أي: لا قرار لها ولا سكون، بل هي سائرة ليلا ونهارًا، لا تفتر ولا تقف. كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي: لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة.

(ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ) أي: الذي لا يخالَف ولا يُمانَع، (الْعَلِيم) بجميع الحركات والسكنات، وقد قدر ذلك وقَنَّنَه على منوال لا اختلاف فيه ولا تعاكس، كما قال تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]. وهكذا ختم آية (٤) حم السجدة بقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢]. ثم قال: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ) أي: جعلناه يسير سيرًا آخر يستدل به على مضي الشهور، كما أن

(١) المسند (٥/ ١٥٢).

(٢) في ت: "واسالنا"

(٣) تفسير عبد الرزاق (٢/ ١١٥) ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (٦٢٨) من طريق عبد الرزاق.

(٤) في ت: "ختم آخر آية".

ج6 · ص578

الشمس يعرف بها الليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقال ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ الآية [يونس: ٥]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا﴾ [الإسراء: ١٢]، فجعل الشمس لها ضوء يخصها، والقمر (١) له نور يخصه، وفاوت بين سير هذه وهذا، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفًا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وجعل سلطانها بالنهار، فهي كوكب نهاري. وأما القمر، فقدره منازل، يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورًا في الليلة الثانية، ويرتفع (٢) منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء، وإن كان مقتبسًا من الشمس، حتى يتكامل نوره (٣) في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم.

قال ابن عباس: وهو أصل العِذْق.

وقال مجاهد: العرجون القديم: أي العذق اليابس.

يعني ابن عباس: أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى، وكذا قال غيرهما. ثم بعد هذا يبديه الله جديدًا في أول الشهر الآخر، والعرب تسمي كل ثلاث (٤) ليال من الشهر باسم باعتبار القمر، فيسمون الثلاث الأول "غُرَر" واللواتي بعدها "نفل"، واللواتي بعدها "تُسع"؛ لأن أخراهن التاسعة، واللواتي بعدها "عُشَر"؛ لأن أولاهن العاشرة، واللواتي بعدها "البيض"؛ لأن ضوء القمر فيهن إلى آخرهن، واللواتي بعدهن "دُرَع" جمع دَرْعاء؛ لأن أولهن سُود (٥)؛ لتأخر القمر في أولهن، ومنه الشاة الدرعاء وهي التي رأسها أسود. وبعدهن ثلاث "ظُلم" ثم ثلاث "حَنَادس"، وثلاث "دآدئ" (٦) وثلاث "مَحاق"؛ لانمحاق القمر أواخر الشهر فيهن. وكان أبو عُبيد (٧) ينكر التُّسع والعشَر. كذا قال في كتاب "غريب المصنف".

وقوله: (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ): قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن الحسن في قوله: (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) قال: ذلك ليلة الهلال.

وروى ابن أبي حاتم هاهنا عن عبد الله بن المبارك أنه قال: إن للريح جناحًا، وإن القمر يأوي إلى غلاف من الماء.

وقال الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي (٨) صالح: لا يدرك هذا ضوء هذا، ولا هذا ضوء هذا. (٩)

(١) في س: "وللقمر".

(٢) في ت: "فترتفع".

(٣) في أ: "ضوؤه".

(٤) في ت: "ثلاثه" وهو خطأ.

(٥) في ت، أ: "أسود".

(٦) في أ: "درارى".

(٧) في أ: "أبو عبيدة".

(٨) في ت، س: "أبو".

(٩) في س: "لا يدرك هذا ضر هذا ولا هذا ضر هذا".

ج6 · ص579

وقال عكرمة في قوله (١) (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ): يعني: أن لكل منهما سلطانا، فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل.

وقوله: (وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ): يقول: لا ينبغي إذا كان الليلُ أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار، فسلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل.

وقال الضحاك: لا يذهب الليل من هاهنا حتى يجيء النهار من هاهنا. وأومأ بيده إلى المشرق.

وقال مجاهد: (وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) يطلبان حثيثين، ينسلخ أحدهما من الآخر.

والمعنى في هذا: أنه لا فترة بين الليل والنهار، بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخ؛ لأنهما مسخران دائبين يتطالبان طلبا حثِيثًا.

وقوله: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) يعني: الليل والنهار، والشمس والقمر، كلهم يسبحون، أي: يدورون في فلك السماء. قاله ابن عباس، وعِكْرِمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني. (٢)

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: في فلك بين السماء والأرض. رواه ابن أبي حاتم، وهو غريب جدًّا، بل منكر.

قال ابن عباس وغير واحد من السلف: في فَلْكَةٍ كفَلْكَة المغْزَل.

وقال مجاهد: الفَلَك كحديد الرَّحَى، أو كفلكة المغزل، لا يدور المغزل إلا بها، ولا تدور إلا به.

﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾

يقول تعالى: ودلالة لهم أيضًا على قدرته تعالى: تسخيره البحر ليحمل (٣) السفن، فمن ذلك -بل أوله-سفينة نوح، ﵇، التي أنجاه الله تعالى فيها بمن معه من المؤمنين، الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم غيرهم؛ ولهذا قال: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) أي: آباءهم، (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) أي: في السفينة [الموقرة] (٤) المملوءة من الأمتعة والحيوانات، التي أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين.

قال ابن عباس: المشحون: المُوقَر. وكذا قال سعيد بن جبير، والشعبي، وقتادة، [والضحاك] (٥) والسدي.

وقال الضحاك، وقتادة، وابن زيد: وهي سفينة نوح، ﵇.

وقوله: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ): قال العَوْفي، عن ابن عباس: يعني بذلك: الإبل، فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبونها. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، وقتادة -في رواية-عبد الله بن شَداد، وغيرهم. (٦)

وقال السدي -في رواية-: هي الأنعام.

(١) زيادة من أ.

(٢) في ت: "قاله ابن عباس وغيره".

(٣) في أ: "ليحمل فيه".

(٤) زيادة من ت، أ.

(٥) زيادة من أ.

(٦) في ت: "عكرمة وغيره".

ج6 · ص580

وقال ابن جرير: حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير (١)، عن ابن عباس قال: تدرون ما (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ)؟ قلنا: لا. قال: هي السفن، جعلت من بعد سفينة نوح على مثلها.

وكذا قال [غير واحد و] (٢) أبو مالك، والضحاك، وقتادة، وأبو صالح، والسدي أيضًا: المراد بقوله: (٣) (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ): أي السفن.

ويُقَوِّي هذا المذهب في المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١، ١٢].

وقوله: (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ) يعني: الذين في السفن، (فَلا صَرِيخَ لَهُمْ) أي: فلا مغيث لهم مما هم فيه، (وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ) أي: مما أصابهم. (إِلا رَحْمَةً مِنَّا) وهذا استثناء منقطع، تقديره: ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر، ونُسَلِّمكم إلى أجل مسمى؛ ولهذا قال: (وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) أي: إلى وقت معلوم عند الله.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾

يقول تعالى مخبرًا عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم، وعدم اكتراثهم بذنوبهم التي أسلفوها، وما هم يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ) قال مجاهد: من الذنوب. وقال غيره بالعكس، (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي: لعل الله باتقائكم ذلك يرحمكم ويؤمنكم من عذابه. وتقدير كلامه: أنهم لا يجيبون إلى ذلك ويعرضون عنه. واكتفى عن ذلك بقوله: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ) أي: على التوحيد وصدق الرسل (إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) أي: لا يتأملونها ولا ينتفعون (٤) بها.

وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) أي: وإذا أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج من المسلمين (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا) أي: عن الذين آمنوا من الفقراء، أي: قالوا لمن أمرهم من المؤمنين بالإنفاق محاجين لهم فيما أمروهم به: (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) أي: وهؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم، لو شاء الله لأغناهم ولأطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئة الله فيهم، (إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: في أمركم لنا بذلك.

قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون من قول الله للكفار حين ناظروا المسلمين (٥) وردوا عليهم، فقال لهم: (إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٦)، وفي هذا نظر.

(١) في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".

(٢) زيادة من ت.

(٣) زيادة من أ.

(٤) في أ: "ولا يشعرون".

(٥) في أ: "المؤمنين".

(٦) تفسير الطبري (٢٣/ ٩).

ج6 · ص581

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾

يخبر تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة في قولهم: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ])؟ (١) ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨]، قال الله تعالى: (مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) أي: ما ينتظرون (٢) إلا صيحة واحدة، وهذه -والله أعلم-نفخة الفزع، ينفخ في الصور نفخة الفزع، والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم، فبينما هم كذلك إذ أمر الله تعالى إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يُطَوِّلُها ويَمُدُّها، فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليتًا، ورفع ليتًا -وهي (٣) صفحة العنق-يتسمع الصوت من قبل السماء. ثم يساق الموجودون من الناس إلى محشر القيامة بالنار، تحيط بهم من جوانبهم؛ ولهذا قال: (فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً) أي: على ما يملكونه، الأمر أهم من ذلك، (وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ).

وقد وردت هاهنا آثار وأحاديث ذكرناها في موضع آخر (٤) ثم يكون (٥) بعد هذا نفخة الصعق، التي تموت بها الأحياء كلهم ما عدا الحي القيوم، ثم بعد ذلك نفخة البعث.

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾

هذه هي النفخة الثالثة (٦)، وهي نفخة البعث والنشور للقيام من الأجداث والقبور؛ ولهذا قال: (فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) والنَّسلان هو: المشي السريع، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣].

(قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)؟ يعنون: [من] (٧) قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها، فلما عاينوا ما كذبوه في محشرهم (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)، وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم؛ لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد.

وقال أُبَيّ بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة: ينامون نومة قبل البعث.

قال قتادة: وذلك بين النفختين.

فلذلك يقولون: (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)، فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون -قاله غير واحد من

(١) زيادة من أ.

(٢) في أ: "ما ينظرون".

(٣) في أ: "وهو".

(٤) عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.

(٥) في ت، س، أ: "ثم يكون".

(٦) في ت: "الثانية".

(٧) زيادة من ت.

ج6 · ص582

السلف-: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ). وقال الحسن: إنما يجيبهم بذلك الملائكة.

ولا منافاة إذ الجمع ممكن، والله أعلم.

وقال عبد الرحمن بن زيد: الجميع من قول الكفار: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ).

نقله ابن جرير، واختار الأول، وهو أصح، (١) وذلك كقوله تعالى في الصافات: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢٠، ٢١]، وقال [الله] (٢) تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٥، ٥٦].

وقوله: (إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ)، كقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]، (٣) وقال: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢].

أي: إنما نأمرهم أمرًا واحدًا، فإذا الجميع محضرون، (فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) أي: من عملها، (وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)

﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾

يخبر تعالى عن أهل الجنة: أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العَرَصات فنزلوا في روضات الجنات: أنهم (فِي شُغُلٍ [فَاكِهُونَ) أي: في شغل] (٤) عن غيرهم، بما هم فيه من النعيم المقيم، والفوز العظيم.

قال الحسن البصري: وإسماعيل بن أبي خالد: (فِي شُغُلٍ) عما فيه أهل النار من العذاب.

وقال مجاهد: (فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) أي: في نعيم معجبون، أي: به. وكذا قال قتادة.

وقال ابن عباس: (فَاكِهُونَ) أي فرحون.

وقال عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المُسَيّب، وعِكْرِمَة، والحسن، وقتادة، والأعمش، وسليمان التيمي، والأوزاعي في قوله: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار.

(١) في أ: "وهو صحيح".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ت: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر أو هو أقرب" وهو خطأ.

(٤) زيادة من ت، أ.

ج6 · ص583

وقال ابن عباس -في رواية عنه (١) -: (فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) أي بسماع الأوتار.

وقال أبو حاتم: لعله غلط من المستمع، وإنما هو افتضاض الأبكار.

وقوله: (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ) قال مجاهد: وحلائلهم (فِي ظِلالٍ) أي: في ظلال الأشجار (عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ).

قال ابن عباس، ومجاهد وعكرمة، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، والسُّدِّيّ، وخُصَيْف (٢): (الأرَائِكِ) هي السرر تحت الحجال.

قلت: نظيره في الدنيا هذه التخوت (٣) تحت البشاخين، والله أعلم.

وقوله: (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ) أي: من جميع أنواعها، (وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ) أي: مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا محمد بن مهاجر، عن الضحاك المَعَافري، عن سليمان (٤) بن موسى، حدثني كُرَيْب؛ أنه سمع أسامة بن زيد يقول (٥) قال رسول الله ﷺ: "ألا هل مُشَمِّر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خَطر لها هي -ورب الكعبة-نور كلها يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مَشيد، ونهر مُطَّرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد، في دار سلامة، وفاكهة خضرة وحَبْرَة ونعمة، ومحلة عالية بَهيَّة". قالوا: نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها. قال: "قولوا: إن شاء الله". قال القوم: إن شاء الله.

وكذا رواه ابن ماجه في "كتاب الزهد" من سننه، من حديث الوليد بن مسلم، عن محمد بن مُهَاجر، به. (٦)

وقوله: (سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) قال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله: (سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) فإن الله نفسه سلام على أهل الجنة.

وهذا الذي قاله ابن عباس كقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]

وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا، وفي إسناده نظر، فإنه قال: حدثنا موسى بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو عاصم العَبَّاداني، حدثنا الفضل الرَّقاشيّ، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة. فذلك قوله: (سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) ". قال: "فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم".

(١) في ت: "وفي رواية عن ابن عباس".

(٢) في ت: "ومحمد بن كعب وغيرهم".

(٣) في أ: "النحوت".

(٤) في أ: "سليم".

(٥) في ت: "روى ابن أبي حاتم عن أسامة بن زيد قال".

(٦) سنن ابن ماجه برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٣٢٥): "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: مجهول وسليمان الأموى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".

ج6 · ص584

ورواه ابن ماجه في "كتاب السنة" من سننه (١)، عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، (٢) به.

وقال (٣) ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثنا حَرْمَلة، عن سليمان بن حُمَيد قال: سمعت محمد بن كعب القُرَظِي يحدّث عن عمر بن عبد العزيز قال: إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار، أقبل في ظُلَل من الغمام والملائكة، قال: فيسلم على أهل الجنة، فيردون عليه¬ السلام -قال القرظي: وهذا في كتاب الله (سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) -فيقول: سلوني. فيقولون: ماذا نسألك أيْ ربّ؟ قال: بلى سلوني. قالوا: نسألك -أيْ رب-رضاك. قال: رضائي أحلكم دار كرامتي. قالوا: يا رب، فما الذي نسألك، فوعزتك وجلالك وارتفاع مكانك، لو قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم ولأسقيناهم ولألبسناهم ولأخدمناهم، لا ينقصنا ذلك شيئًا. قال: إن لديَّ مزيدًا. قال فيفعل ذلك بهم في درجهم، حتى يستوي في مجلسه. قال: ثم تأتيهم التحف من الله، ﷿، تحملها إليهم الملائكة. ثم ذكر نحوه.

وهذا أثر غريب، أورده ابن جرير من طرق. (٤)

﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾.

يقول تعالى مخبرًا عمّا يؤول إليه حال الكفار يوم القيامة من أمره لهم أن يمتازوا، بمعنى: (٥) يتميزون عن المؤمنين في موقفهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]، ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أي: يصيرون صدْعَين فرقتين، ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢، ٢٣].

وقوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ): هذا تقريع من الله للكفرة من بني آدم، الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين، وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ورزقهم؛ ولهذا قال: (وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) أي: قد أمرتكم في دار الدنيا بعصيان الشيطان، وأمرتكم بعبادتي، وهذا هو الصراط المستقيم، فسلكتم غير ذلك واتبعتم الشيطان فيما أمركم به؛ ولهذا قال: (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا)، يقال: "جِبِلا" بكسر الجيم، وتشديد اللام. ويقال: "جُبُلا" بضم الجيم والباء، وتخفيف اللام. ومنهم من يسكن الباء. والمراد

(١) في ت: "رواه ابن ماجه في سننه".

(٢) سنن ابن ماجه برقم (١٨٤) وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٨٦): "هذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن عيسى بن أبان القرشي".

(٣) في ت: "وروى".

(٤) تفسير الطبري (٢٣/ ١٥).

(٥) في ت: "يعنى".

ج6 · ص585

بذلك الخلق الكثير، قاله مجاهد، والسُّدِّيّ، وقتادة، وسفيان بن عيينة.

وقوله: (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ)؟ أي: أفما (١) كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من عبادته (٢) وحده لا شريك له، وعُدُولُكم إلى اتباع الشيطان؟!

قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع، عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي، (٣) عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة أمر الله جهنم فيخرج منها عُنق ساطع مظلم، يقول: (٤) (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) امتازوا اليوم أيها المجرمون. فيتميز الناس ويجثون، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥) [الجاثية: ٢٨].

﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾

يقال للكفرة من بني آدم يوم القيامة، وقد برزَت الجحيم لهم تقريعًا وتوبيخًا: (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) أي: هذه التي حذرتكم الرسل فكذبتموهم، (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٥].

وقوله تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ): هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة، حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا مِنْجَاب بن الحارث التميمي، حدثنا أبو عامر الأسدي، حدثنا سفيان، عن عبيد المُكتب، عن الفُضَيْل بن عمرو، عن الشعبي، (٦) عن أنس بن مالك قال: كنا عند النبي ﷺ، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: " أتدرون مم أضحك؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: رب (٧) ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: لا أجيز علي إلا شاهدًا من نفسي.

(١) في ت، س: "أما".

(٢) في ت، س: "عبادة الله".

(٣) في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".

(٤) في ت، س، أ: "ثم يقول".

(٥) تفسير الطبري (٢٣/ ١٦).

(٦) في ت: "روى النسائي ومسلم".

(٧) في ت، س: "يارب".

ج6 · ص586

فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حَسيبًا، وبالكرام الكاتبين (١) شهودا. فيختم على فيه، ويُقال لأركانه: انطقي. فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعدًا لَكُنَّ وسُحقًا، فعنكنَّ كنتُ أناضل".

وقد رواه مسلم والنسائي، كلاهما عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبي النضر، عن عُبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن سفيان -هو الثوري-به. (٢) ثم قال النسائي: [لا أعلم (٣) أحدًا روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي، وهو حديث غريب، والله تعالى أعلم.

كذا قال، وقد تقدم من رواية أبي عامر عبد الملك بن عمرو الأسدي -وهو العَقَدِيّ-عن سفيان.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن بَهز (٤) بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "إنكم تُدْعَون مُفَدَّمة (٥) أفواهكم بالفِدَام، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفه". رواه النسائي] (٦) عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، به. (٧)

وقال سفيان بن عيينة، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁، عن رسول الله ﷺ في حديث القيامة الطويل، قال فيه: "ثم يلقى (٨) الثالث فيقول: ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك، آمنت بك وبنبيك وبكتابك، وصمت وصليت وتصدقت -ويثني بخير ما استطاع-قال: فيقال له: ألا نبعث عليك شاهدنا (٩)؟ قال: فيفكر في نفسه، من الذي يشهد عليه، فيُختَم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي. فتنطق (١٠) فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، وذلك المنافق، وذلك ليعذر من نفسه. وذلك الذي سخط الله عليه".

ورواه مسلم وأبو داود، من حديث سفيان بن عيينة، به بطوله. (١١)

ثم قال ابن أبي حاتم، ﵀: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضَمْضَم بن زُرْعَة عن شُرَيْح بن عبيد، (١٢) عن عقبة بن عامر؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يُختَم على الأفواه، فَخذُه من الرِّجل اليسرى". (١٣).

ورواه ابن جرير عن محمد بن عوف، عن عبد الله بن المبارك، عن إسماعيل بن عياش، به مثله. (١٤)

وقد جَوَّد إسناده الإمام أحمد، ﵀، فقال: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضَمْضَم بن زُرْعَة، عن شُرَيْح بن عُبَيد الحضرمي، عمن حَدَّثه عن عقبة بن عامر؛ أنه

(١) في ت: "الكاتبين عليك".

(٢) صحيح مسلم برقم (٢٩٦٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٦٥٣).

(٣) في س: "ما أعلم".

(٤) في ت، س: "يزيد"، وفي أ: "زيد".

(٥) في س: "مفدما".

(٦) زيادة من ت، س، والسنن الكبرى.

(٧) النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٦٩).

(٨) في ت: "يأتي".

(٩) في ت، أ: "شاهدا".

(١٠) في ت، س: "قال فتنطق".

(١١) صحيح مسلم برقم (٢٩٦٨) وسنن أبي داود برقم (٤٧٣٠).

(١٢) في ت: "وروى الإمام أحمد".

(١٣) في ت: "الشمال".

(١٤) تفسير الطبري (٢٣/ ١٧).

ج6 · ص587

سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يُختَم على الأفواه، فَخذه من الرجل الشمال". (١)

وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا يونس بن عُبَيد، عن حُمَيد بن هلال قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى (٢) هو الأشعري، ﵁: يُدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فَيَعْرضُ عليه (٣) رَبُّه عملَه فيما بينه وبينه، فيعترف (٤) فيقول: نعم أيْ رب، عملتُ عملتُ عملت. قال: فيغفر الله له ذنوبه، ويستره منها. قال: فما على الأرض خَليقة ترى (٥) من تلك الذنوب شيئًا، وتبدو حسناته، فَوَدَّ أن الناس كلهم يرونها، ويُدعى الكافر والمنافق للحساب، فَيَعرضُ رَبُّه عليه عمله، فيجحد فيقول: أي رب، وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل. فيقول له الملك: أما عملت كذا، في يوم كذا، في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك أيْ رب ما عملتُه. فإذا فعل ذلك خُتِم على فيه. قال أبو موسى الأشعري: فإني أحسب أول ما ينطق منه الفخذ (٦) اليمنى، ثم تلا (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (٧).

وقوله: (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسيرها: يقول: ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى، فكيف يهتدون؟ وقال مرة (٨): أعميناهم.

وقال الحسن البصري: لو شاء الله لطمس على أعينهم، فجعلهم عُميًا يترددون.

وقال السدي: لو شِئْنا أعمينا أبصارهم.

وقال مجاهد، وأبو صالح، وقتادة، والسدي: (فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ) يعني: الطريق.

وقال ابن زيد: يعني بالصراط هاهنا: الحق، (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) وقد طمسنا على أعينهم؟

وقال العوفي، عن ابن عباس: (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ)] يقول] (٩): لا يبصرون الحق.

وقوله: (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِم) قال العوفي عن ابن عباس: أهلكناهم.

وقال السدي: يعني: لَغَيَّرْنَا خَلْقَهم.

وقال أبو صالح: لجعلناهم حجارة.

وقال الحسن البصري، وقتادة: لأقعدهم على أرجلهم.

ولهذا قال تعالى: (فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا) أي: إلى أمام، (وَلا يَرْجِعُونَ) أي: إلى وراء، بل يلزمون حالا واحدًا، لا يتقدمون ولا يتأخرون.

(١) المسند (٤/ ١٥١) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٥١): "إسناده جبد".

(٢) في ت: "وروى ابن جرير بإسناده عن أبي موسى.

(٣) في ت، أ: "على".

(٤) في ت: "فيعرف".

(٥) في ت: "يرى".

(٦) في ت، س: "لفخده".

(٧) تفسير الطبرى (٢٣/ ١٧).

(٨) في أ: "غيره".

(٩) زيادة من أ.

ج6 · ص588

﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾

يخبر تعالى عن ابن (١) آدم أنه كلما طال عمره ردّ إلى الضعف بعد القوة والعجز بعد النشاط، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]. وقال: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥].

والمراد من هذا -والله أعلم-الإخبارُ عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال، لا دار دوام واستقرار؛ ولهذا قال: (أَفَلا يَعْقِلُونَ) أي: يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم ثم صيرورتهم إلى [نفس] (٢) الشَّبيبَة، ثم إلى الشيخوخة؛ ليعلموا أنهم خُلقوا لدار أخرى، لا زوال لها ولا انتقال منها، ولا محيد عنها، وهي الدار الآخرة.

وقوله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ): يقول تعالى مخبرًا عن نبيه محمد ﷺ (٣): أنه ما علمه الشعر، (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أي: وما هو في طبعه، فلا يحسنه ولا يحبه، ولا تقتضيه جِبِلَّته؛ ولهذا وَرَدَ أنه، ﵊، كان لا يحفظ بيتًا على وزنٍ منتظم، بل إن أنشده زَحَّفه أو لم يتمه.

وقال أبو زُرْعة الرازي: حُدِّثت عن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي أنه قال: ما وَلَد عبد المطلب ذكرًا ولا أنثى إلا يقول الشِّعر، إلا رسول الله ﷺ. ذكره ابن عساكر في ترجمة "عتبة بن أبي لهب" الذي أكله السَّبُع بالزرقاء. (٤)

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن (٥) -هو البصري-قال: إن رسول الله ﷺ كان يتمثل بهذا البيت:

كَفَى بالإسْلام والشيْب للمرْء نَاهيًا

فقال أبو بكر: يا رسول الله:

كَفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا

قال أبو بكر، أو عمر: أشهد أنك رسول الله، يقول الله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) (٦).

وهكذا روى البيهقي في الدلائل: أن رسول الله ﷺ قال: للعباس بن مرداس السلمي: "أنت القائل:

أتجعل نَهبي ونَهْب العُبَيد بين الأقرع وعيينة".

فقال: إنما هو: "بين عيينة والأقرع" فقال: "الكل سواء". (٧)

(١) في أ: "بنى".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في أ: "صلوات الله وسلامه عليه.

(٤) لم أجد ترجمته فيما بين يدي من تاريخ دمشق، ولا في المختصر لابن منظور.

(٥) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن الحسن".

(٦) ورواه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٨٢) من طريق عارم عن حماد بن زيد عن على بن زيد عن الحسن به مرسلًا.

(٧) دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ١٨١).

ج6 · ص589

يعني: في المعنى، صلوات الله وسلامه عليه.

وقد ذكر السهيلي في "الروض الأنف" لهذا التقديم والتأخير الذي وقع في كلامه، ﵇، في هذا البيت مناسبة أغرب فيها، حاصلها شَرَفُ الأقرع بن حابس على عُيَيْنَة بن بدر الفزاري؛ لأنه ارتد أيام الصديق، بخلاف ذاك، والله أعلم.

وهكذا روى الأموي في مغازيه: أن رسول الله ﷺ جعل يمشي بين القتلى يوم بدر، وهو يقول: "نُفلق هَامًا .................................. ".

فيقول الصديق، ﵁، متمما للبيت:

.. مِنْ رجَال أعزَّةٍ … عَلَيْنَا وَهُم كَانُوا أعَقَّ وَأظلما

وهذا لبعض شعراء العرب في قصيدة له، وهي في الحماسة. (١)

وقال الإمام أحمد: حدثنا هُشَيْم، حدثنا مغيرة، عن (٢) الشعبي، عن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استراث الخبر، تمثل فيه ببيت طَرَفَة:

ويَأْتِيكَ بالأخْبار مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ

وهكذا رواه النسائي في "اليوم والليلة" من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن الشعبي، (٣) عنها. ورواه الترمذي والنسائي أيضًا من حديث المقدام بن شُرَيْح بن هانئ، عن أبيه، عن عائشة، ﵂، كذلك. ثم قال (٤) الترمذي. هذا حديث حسن صحيح. (٥)

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أسامة، عن زائدة، عن سِمَاك، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يتمثل من الأشعار:

وَيَأتيكَ بالأخْبَار مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ

ثم قال: رواه (٦) غير زائدة، عن سِمَاك، عن عِكرمة، عن عائشة. (٧)

وهذا في شعر طرفة بن العبد، في معلقته المشهورة، وهذا المذكور [هو عجز بيت] (٨) منها، أوله:

سَتُبْدي لكَ الأيامُ مَا كُنْتَ جَاهلا … وَيَأتيك بالأخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ

وَيَأتيكَ بالأخْبَار مَنْ لَمْ تَبِع لهُ … بَتَاتا ولم تَضرب له وَقْتَ مَوْعِدِ (٩)

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الحافظ، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن

(١) الحماسة لأبي تمام (١/ ١٠٧).

(٢) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده إلى".

(٣) المسند (٦/ ٣١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٨٣٤).

(٤) في ت: "وقال".

(٥) سنن الترمذي برقم (٢٨٤٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٨٣٥) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".

(٦) في س: "ورواه".

(٧) رواه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٨٣) من طريق الوليد بن أبي ثور عن سماك عن عكرمة قال: سئلت عائشة فذكره نحوه.

(٨) زيادة من أ.

(٩) انظر ديوان طَرَفَةَ بن العبد ص (٦٦).

ج6 · ص590

نعيم -وكيل المتقي ببغداد-حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدثنا علي بن عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة (١)، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، ﵂، قالت: ما جمع رسول الله ﷺ بيت شعر قط، إلا بيتا واحدًا. (٢)

تَفَاءلْ بما تَهْوَى يَكُنْ فَلَقَلَّمَا … يُقَالُ لِشَيْءٍ كَانَ إلا تَحَقَّقَا (٣)

سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزّي عن هذا الحديث، فقال: هو منكر. ولم يعرف شيخ الحاكم، ولا الضرير.

وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة: قيل لعائشة: هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغضَ الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوله آخره، وآخره أوله. فقال أبو بكر ليس هكذا. فقال رسول الله ﷺ: "إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي". رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وهذا لفظه. (٤)

وقال معمر عن قتادة: بلغنى أن عائشة سُئلت: هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: لا إلا بيت طَرَفَة:

سَتُبْدي لكَ الأيامُ مَا كُنْتَ جَاهلا … وَيَأْتيك بالأخبارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ

فجعل يقول: "مَن لم تُزَوّد بالأخبار". فقال أبو بكر: ليس هذا هكذا. فقال: "إني لست بشاعر، ولا ينبغي لي" (٥)

وثبت في الصحيحين أنه، ﵊، تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة، ولكن تبعًا لقول أصحابه، فإنهم كانوا يرتجزون وهم يحفرون، فيقولون:

لاهُمَّ لوْلا أنت (٦) مَا اهْتَدَيْنَا مَا اهْتَدَيْنَا … وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا

فَأَنزلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّت الأقْدَامَ إنْ لاقَيْنَا

إنّ الألى قَدْ بَغَوا عَليْنَا … إذَا أرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

ويرفع صوته بقوله: "أبينا" ويمدها (٧). وقد روي هذا بزحاف في الصحيح أيضًا. وكذلك ثبت أنه قال يوم حنين وهو راكب البغلة، يُقدم بها في نحور العدو:

أنا النَّبِيّ لا كَذِبْ … أنَا ابْنُ عُبْد المُطَّلِبْ (٨)

لكن قالوا: هذا وقع اتفاقًا من غير قصد لوزن شعر، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه.

وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جُنْدَب بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غار

(١) في س: "حاشية بخط جمال الدين المزي هذا موضوع على ابن عيينة".

(٢) في أ: "واحدا فقال".

(٣) السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٤٣) وقال: "لم أكتبه إلا بهذا الإسناد، وفيهم مَنْ يجهل حاله".

(٤) تفسير الطبرى (٢٣/ ١٩).

(٥) رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١١٧) عن معمر عن قتادة، به.

(٦) في ت: "لولا الله".

(٧) صحيح البخاري برقم (٧٢٣٦) وصحيح مسلم برقم (١٨٠٣) من حديث البراء بن عازب، ﵁.

(٨) صحيح البخاري برقم (٢٨٦٤) وصحيح مسلم برقم (١٧٧٦).