سورة فاطر

ซูเราะฮ์ที่ 35 · ตอน 2/2 · เล่ม 6 หน้า 547–560

12
ج6 · ص547

أمتي". قال ابن عباس: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ. (١)

وهكذا (٢) رُوي عن غير واحد من السلف: أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين، على ما فيه من عوج وتقصير.

وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة، ولا من المصطفين الوارثين الكتاب.

قال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو (٣)، عن ابن عباس، ﵄: (٤) (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) قال: هو الكافر. وكذا رَوَى عنه عكرمة، وبه قال عكرمة أيضا فيما رواه ابن جرير.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) قال: هم أصحاب المشأمة.

وقال مالك عن زيد بن أسلم، والحسن، وقتادة: هو المنافق.

ثم قد قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول سورة "الواقعة" وآخرها.

والصحيح: أن الظالم لنفسه من هذه الأمة وهذا اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ، من طرق يشد بعضها بعضا، ونحن نورد منها ما تيسر:

الحديث الأول: قال (٥) الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار، أنه سمع رجلا من ثقيف يُحَدِّث عن رجل من كنانة، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)، قال: "هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة". هذا (٦) حديث غريب من هذا الوجه وفي إسناده من لم يسمّ، وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث شعبة، به نحوه. (٧)

ومعنى قوله: "بمنزلة واحدة" أي: في أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة.

الحديث الثاني: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أنس بن عياض الليثي أبو ضَمْرة، عن موسى بن عقبة، عن [علي] (٨) بن عبد الله الأزدي، عن أبي الدرداء، (٩) ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)، فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك (١٠) يحاسبون حسابا يسيرا، وأما

(١) المعجم الكبير (١١/ ١٨٩) وابن جرير مدلس وقد عنعن.

(٢) في ت، س: "وكذا".

(٣) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده".

(٤) في ت، س: "عنه".

(٥) في ت: "رواه".

(٦) في ت: "وهذا".

(٧) المسند (٣/ ٧٨) وتفسير الطبري (٢٢/ ٩٠).

(٨) زيادة من س، أ.

(٩) في ت: "رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي الدرداء".

(١٠) في أ: "فأولئك الذين".

ج6 · ص548

الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم (١) برحمته، فهم الذين يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٢).

طريق أخرى: (٣) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا الحسين بن حفص، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) قال: "فأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن، ثم يدخل الجنة".

ورواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد، فجلس إلى جنب أبي الدرداء، فقال: اللهم، آنس وحشتي، وارحم غربتي، ويسر لي جليسا صالحا. قال أبو الدرداء: لئن كنت صادقا لأنا أسعد بك منك، سأحدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ لم أحدث به منذ سمعته منه، ذكر هذه الآية: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)، فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن، وذلك قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (٤).

الحديث الثالث: قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس، حدثنا ابن مسعود، أخبرنا سهل بن عبد ربه (٥) الرازي، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٦)، عن أسامة بن زيد: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) الآية، قال: قال رسول الله ﷺ: "كلهم من هذه الأمة". (٧)

الحديث الرابع: قال (٨) ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عَزيز، حدثنا سلامة، عن عَقِيل، عن ابن شهاب، عن عَوْف (٩) بن مالك، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أمتي ثلاثة أثلات: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، وثلث يُمَحَّصون ويكشفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون: وجدناهم يقولون: "لا إله إلا الله وحده". يقول الله ﷿: صدقوا، لا إله إلا أنا، (١٠) أدخلوهم الجنة بقولهم: "لا إله إلا الله وحده" واحملوا خطاياهم على أهل النار، وهي التي قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ (١١) أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وتصديقها في التي فيها ذكر الملائكة، قال الله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) فجعلهم ثلاثة أنواع (١٢)، وهم أصناف كلهم، فمنهم ظالم

(١) في ت، س، أ: "تلافاهم الله".

(٢) المسند (٥/ ١٩٨).

(٣) في ت: "وروي من طريق أخرى".

(٤) تفسير الطبري (٢٢/ ٩٠) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٦) ومن طريقه البيهقي في البعث برقم (٦٢) من طريق الأعمش، به.

(٥) في أ: "عبد الله".

(٦) في ت: "رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني بإسناده".

(٧) المعجم الكبير (١/ ١٦٧) وقد وقع في إسناده سقط، ورواه البيهقي في البعث برقم (٦٤) من طريق محمد بن سعيد، عن عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه، عن أسامة بن زيد، به، ورواه أيضا برقم (٦٣) من طريق حصين بن نمير عن ابن أبي ليلى، عن أخيه، عن أبيه، عن أسامة بن زيد، بنحوه.

(٨) في ت: "رواه".

(٩) في أ: "أنس".

(١٠) في س: "إلا الله".

(١١) في س: "ولتحملن".

(١٢) في ت، س: "أفواج".

ج6 · ص549

لنفسه، فهذا الذي يكشف ويمحص". غريب جدا. (١)

أثر عن ابن مسعود: قال ابن جرير: حدثني ابن حميد، حدثنا الحكيم بن بشير، عن عمرو بن قيس، عن عبد الله بن عيسى، عن يزيد بن الحارث، عن شَقِيق أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول: ما هؤلاء؟ -وهو أعلم ﵎-فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام، إلا أنهم لم يشركوا بك فيقول الرب ﷿: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي: وتلا عبد الله هذه الآية: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ]) (٢) الآية.

أثر آخر: قال أبو داود الطيالسي، عن الصلت بن دينار أبو شُعيب (٣)، عن عقبة بن صُهْبَان الهُنَائي قال: سألت عائشة، ﵂، عن قول الله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) الآية، فقالت لي: يا بني، هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ،، شهد له رسول الله ﷺ بالحياة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم. قال: فجعلت نفسها معنا. (٤)

وهذا منها، ﵂، من باب الهَضْم والتواضع، وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات؛ لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.

وقال عبد الله بن المبارك، ﵀: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁: في قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) قال: هي لأهل بدونا، ومقتصدنا أهل حضرنا، وسابقنا أهل الجهاد. رواه ابن أبي حاتم.

وقال عَوْف الأعرابي: حدثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: حدثنا كعب الأحبار قال: إن الظالم لنفسه من هذه الأمة، والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة، ألم تر أن الله تعالى قال: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ قال: فهؤلاء أهل النار.

[و] (٥) رواه ابن جرير من طرق، عن عوف، به. ثم قال:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، أخبرنا حميد، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه أن ابن عباس سأل كعبا (٦) عن قوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) إلى قوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) قال: تماسَّت مناكبهم ورَب كعب (٧)، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم.

(١) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٨٠) من طريق محمد بن عزيز، به، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٦): "فيه سلامة بن روح وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في هـ، س: "دينار بن الأشعث"، وفي أ: "عن الأشعث"، والمثبت من مسند الطيالسي.

(٤) مسند الطيالسي برقم (١٤٨٩).

(٥) زيادة من ت.

(٦) في ت: "ثم روى عن ابن عباس أنه سأل كعبا".

(٧) في أ: "الكعبة".

ج6 · ص550

ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير، حدثنا عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق السَّبِيعي في هذه الآية: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) الآية، قال أبو إسحاق: أما ما سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناج.

ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو، عن (١) محمد بن الحنفية قال: إنها أمة مرحومة، الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنان عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله.

ورواه الثوري، عن إسماعيل بن سَمِيع، عن رجل، عن محمد بن الحنفية، بنحوه.

وقال أبو الجارود: سألت محمد بن علي -يعني: الباقر-عن قوله: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) فقال: هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا.

فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام. وإذا تقرر هذا فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة من هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة، فإنهم كما قال الإمام أحمد، ﵀:

حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا عاصم بن رجاء بن حَيْوَة (٢)، عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء -وهو بدمشق-فقال: ما أقدمك أيْ أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله ﷺ. قال أما قدمت لتجارة؟ قال: لا. قال: أما قدمت لحاجة؟ قال: لا؟ قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سلك طريقا يطلب فيه (٣) علمًا، سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، (٤) وإنه ليستغفر للعالم مَنْ في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر".

وأخرجه (٥) أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث كثير بن قيس -ومنهم من يقول: قيس بن كثير-عن أبي الدرداء (٦). وقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواة فيه في شرح "كتاب العلم" من "صحيح البخاري"، ولله الحمد والمنة.

وقد تقدم في أول "سورة طه" حديث ثعلبة بن الحكم، عن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء: إني لم أضع علمي وحكمي فيكم إلا وأنا أريد [أن] (٧) أغفر لكم، على ما كان منكم، ولا أبالي". (٨)

(١) في ت: "وعن".

(٢) في ت: "كما روى الإمام أحمد ﵀ بإسناده".

(٣) في س: "فيها".

(٤) في أ: "العلم رضا بما يصنع".

(٥) في ت: "رواه".

(٦) المسند (٥/ ١٩٦) وسنن أبي داود برقم (٣٦٤١) وسنن الترمذي برقم (٢٦٨٢) وسنن ابن ماجه برقم (٢٢٣).

(٧) زيادة من ت، س، أ.

(٨) تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية (٢) من سورة طه.

ج6 · ص551

﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾.

يخبر تعالى أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده، الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة (جَنَّاتُ عَدْنٍ) أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على ربهم، ﷿، (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا)، كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "تبلغ الحلية (١) من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". (٢)

(وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) ولهذا كان محظورا عليهم في الدنيا، فأباحه الله لهم في الدار الآخرة، وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة". وقال: " [لا تشربوا في آنية الذهب والفضة] (٣) هي لهم في الدنيا ولكم (٤) في الآخرة".

وقال (٥) ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن سواد السَّرْحي، أخبرنا ابن وهب، عن ابن لَهِيعَة، عن عقيل بن خالد، عن الحسن، عن أبي هريرة، ﵁؛ أن أبا أمامة حدث: أن رسول الله ﷺ حدثهم، وذكر حلي أهل الجنة فقال: "مسورون بالذهب والفضة، مُكَلَّلة بالدّر، وعليهم أكاليل من دُرّ وياقوت متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك، شباب جُرْدٌ مُردٌ مكحَّلُون". (٦)

(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) وهو الخوف من المحذور، أزاحه عنا، وأراحنا مما كنا نتخوفه، ونحذره من هموم الدنيا والآخرة.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "ليس على أهل "لا إله إلا الله" وحشة في قبورهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل "لا إله إلا الله" ينفضون التراب عن رؤوسهم، ويقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) رواه ابن أبي حاتم من حديثه. (٧)

وقال (٨) الطبراني: حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا يحيى بن موسى (٩) المروزي، حدثنا سليمان بن عبد الله بن وهب الكوفي، عن عبد العزيز بن حكيم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس على أهل "لا إله إلا الله" وحشة في الموت ولا في قبورهم ولا في النشور. (١٠) وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب، يقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) (١١)

(١) في ت: "الحليلة"، وفي أ: "الحلة".

(٢) صحيح مسلم برقم (٢٤٦).

(٣) زيادة من ت، أ.

(٤) في س: "ولنا".

(٥) في ت: "وروى".

(٦) ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٦٧) من طريق علي بن الحسن عن عمرو بن سواد، به. والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة.

(٧) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٥٣١) "مجمع البحرين" وابن عدي في الكامل (٤/ ٢٧١) من طريق يحيى الحماني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، به. وقال ابن عدي في ترجمة عبد الرحمن بن زيد: "أحاديثه غير محفوظة". وقال المنذري في الترغيب (٢/ ٤١٦): "في متنه نكارة".

(٨) في ت: وروى.

(٩) في هـ، ت، س، أ: "موسى بن يحيى" والصواب ما أثبتناه من الإكمال وتخريج الكشاف للزيلعي.

(١٠) في س: "منشرهم".

(١١) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٣٣): "رواه الطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم". ورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٦٥) والبيهقي في البعث برقم (٨٨) من طريق الحسن عن بهلول بن عبيد عن سلمة بن كهيل عن ابن عمر بنحوه، وقال البيهقي: "هذا مرسل عن سلمة بن كهيل وابن عمر، وبهلول تفرد به وليس بالقوي".

ج6 · ص552

قال ابن عباس، وغيره: غَفَر لهم الكثير (١) من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات.

(الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ): يقولون: الذي أعطانا هذه المنزلة، وهذا المقام من فضله وَمَنِّه (٢) ورحمته، لم تكن أعمالنا تساوي ذلك. كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يَتَغَمَّدَنِي الله برحمة منه وفضل". (٣)

(لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء.

والنصَب واللغوب: كل منهما يستعمل في التعب، وكأن المراد ينفي هذا وهذا عنهم أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم (٤)، والله أعلم. فمن ذلك أنهم كانوا يُدْئبُون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة، قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤].

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾.

لما ذكر تعالى حال السعداء، شرع في بيان مآل الأشقياء، فقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا)، كما قال تعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه: ٧٤]. وثبت في صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ قال: "أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون". (٥) قال [الله] (٦) تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم، ولكن لا سبيل إلى ذلك، قال الله تعالى: (لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤، ٧٥]، وقال ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠].

ثم قال: (كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) أي: هذا جزاء كل من كفر بربه وكذب بالحق.

وقوله: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا) أي: ينادون فيها، يجأرون إلى الله، ﷿ بأصواتهم: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) أي: يسألون الرجعة إلى الدنيا، ليعملوا غير عملهم

(١) في أ: "الكبير".

(٢) في س: "ومنته".

(٣) صحيح البخاري برقم (٥٦٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٦).

(٤) في ت، أ: "ولا على أرواحهم".

(٥) صحيح مسلم برقم (١٨٥).

(٦) زيادة من ت، س.

ج6 · ص553

الأول، وقد علم الرب، ﷻ، أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون. فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم، كما قال تعالى مخبرا عنهم في قولهم: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ (١) مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١١، ١٢]، أي: لا يجيبكم إلى ذلك لأنكم كنتم كذلك، ولو رددتم لعدّتم إلى ما نهيتم عنه؛ ولهذا قال هاهنا: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) أي: أوما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟

وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد هاهنا فروي عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال: مقدار سبع عشرة سنة.

وقال قتادة: اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نُعَيَّر (٢) بطول العمر، قد نزلت هذه الآية: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ)، وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة، وكذا قال أبو غالب الشيباني.

وقال عبد الله بن المبارك، عن مَعْمَر، عن رجل، عن وهب بن مُنَبِّه في قوله: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) قال: عشرين (٣) سنة.

وقال هشيم، عن منصور، عن زاذان، عن الحسن في قوله: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) قال: أربعين سنة.

وقال هُشَيْم [أيضا] (٤)، عن مجاهد، عن الشعبي، عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة، فليأخذ حذره من الله ﷿.

وهذه رواية عن ابن عباس فيما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) أربعون سنة.

هكذا رواه من هذا الوجه، عن ابن عباس. وهذا القول هو اختيار ابن جرير. ثم رواه من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم (٥)، عن مجاهد (٦)، عن ابن عباس قال: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) ستون سنة.

فهذه الرواية أصح عن ابن عباس، وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضًا، لما ثبت في ذلك من الحديث -كما سنورده-لا كما زعمه ابن جرير، من أن الحديث لم يصح؛ لأن في إسناده مَنْ يجب التثبت في أمره.

وقد روى (٧) أصبغ بن نُباتة، عن علي، ﵁، أنه قال: العمر الذي عَيَّرهم الله به في قوله تعالى: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) ستون سنة.

(١) في ت، س: " مرد " وهو خطأ.

(٢) في أ: "نغتر".

(٣) في ت، س، أ: "عشرون".

(٤) زيادة من س.

(٥) في أ: "خيثم".

(٦) في ت: "وفي رواية أخرى".

(٧) في ت: "فروى".

ج6 · ص554

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا دُحَيْم، حدثنا ابن أبي فُدَيْك، حدثني إبراهيم بن الفضل المخزومي، عن ابن أبي حُسَين المكي؛ أنه حدثه عن عَطاء -هو ابن أبي رباح-عن (١) ابن عباس ﵄ (٢)، أن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة قيل: أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله فيه: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِير).

وكذا رواه ابن جرير، عن علي بن شعيب، عن محمد بن إسماعيل (٣) بن أبي فُدَيك، به. وكذا رواه الطبراني من طريق ابن أبي فديك، به (٤). وهذا الحديث فيه نظر؛ لحال إبراهيم بن الفضل، والله أعلم.

حديث آخر: قال (٥) الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن رَجُل من بني غفَار، عن سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "لقد أعذر الله إلى عبد أحياه حتى بلغ ستين أو سبعين سنة، لقد أعذر الله إليه، لقد أعذر الله إليه". (٦)

وهكذا رواه الإمام البخاري في "كتاب الرقاق" من صحيحه: حدثنا عبد السلام بن مُطَهَّر، عن عُمَر بن علي، عن مَعْن بن محمد الغفَاري، عن سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "أعذر الله ﷿ إلى امرئ أخَّر عمره حتى بَلَّغَه ستين سنة". ثم قال البخاري: تابعه أبو حازم وابن عَجْلان، عن سعيد المَقْبُرِيّ. (٧)

فأما أبو حازم فقال ابن جرير: حدثنا أبو صالح الفَزَاريّ، حدثنا محمد بن سَوَّار، أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد القاريّ الإسكندريّ، حدثنا أبو حازم، عن سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " [من عَمَّرَه] (٨) الله ستين سنة، فقد أعذر إليه في العمر".

وقد رواه الإمام أحمد والنسائي في الرقاق جميعا عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن به. (٩)

ورواه البزار قال: حدثنا هشام بن يونس، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة". يعني: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) (١٠).

وأما متابعة "ابن عجلان" فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو السفر يحيى بن محمد بن عبد الملك بن قرعة بسامراء، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني محمد بن

(١) في ت: "فقال ابن أبي حاتم بإسناده إلى".

(٢) في ت، س: "عنه".

(٣) في جميع النسخ: "عن إسماعيل، والمثبت من الطبري".

(٤) تفسير الطبري (٢٢/ ٩٣) والمعجم الكبير للطبراني (١١/ ١٧٧) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٧): "وفيه إبراهيم بن الفضل المخزومي وهو ضعيف".

(٥) في ت: "وروى".

(٦) المسند (٢/ ٢٧٥).

(٧) صحيح البخاري برقم (٦٤١٩).

(٨) زيادة من ت، والطبري.

(٩) تفسير الطبري (٢٢/ ٩٣) والمسند (٢/ ٤١٧) والنسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف للمزي (٩/ ٤٧٢).

(١٠) ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في تخريج الكشاف للزيلعي (٣/ ١٥٥) من طريق سليمان بن حرب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، وربما لم يقل: عن سهل، فذكر نحوه دون الآية، والمحفوظ عن أبي هريرة، ﵁.

ج6 · ص555

عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله، ﷿، إليه في العمر". وكذا رواه الإمام أحمد عن أبي عبد الرحمن هو المقرئ (١)، به. (٢) ورواه أحمد أيضًا عن خلف عن أبي مَعْشَر، عن سعيد المَقْبُرِيّ.

طريق أخرى عن أبي هريرة: قال ابن جرير: حدثني أحمد بن الفرج أبو عُتْبَة (٣) الحِمْصِي، حدثنا بَقِيَّة بن الوليد، حدثنا المطرف بن مازن الكناني، حدثني مَعْمَر بن راشد قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفَاري يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "لقد أعذر الله ﷿، إلى صاحب الستين سنة والسبعين". (٤)

فقد صح هذا الحديث من هذه الطرق، فلو لم يكن (٥) إلا الطريق التي ارتضاها أبو عبد الله البخاري شيخ هذه الصناعة لكفت. وقول ابن جرير: "إن في رجاله بعض من يجب التثبت في أمره"، لا يلتفت إليه مع تصحيح البخاري، والله أعلم.

وذكر بعضهم أن العمر الطبيعي عند الأطباء مائة وعشرون سنة، فالإنسان لا يزال في ازدياد إلى كمال الستين، ثم يشرع بعد هذا في النقص والهرم، كما قال الشاعر:

إذَا بَلَغَ الفتَى ستينَ عَاما … فقد ذَهَبَ المَسَرَّةُ والفَتَاءُ (٦)

ولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله إلى عباده به، ويزيح به عنهم العلل، كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة، كما ورد بذلك الحديث، قال الحسن بن عرفة، ﵀:

حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم مَن يجوز ذلك".

وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعا في كتاب الزهد، عن الحسن بن عرفة، به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٧).

وهذا عَجَب من الترمذي، فإنه قد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا من وجه آخر وطريق أخرى، عن أبي هريرة حيث قال:

حدثنا سليمان (٨) بن عمر، عن محمد بن ربيعة، عن كامل أبي العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك".

وقد رواه الترمذي في "كتاب الزهد" أيضا، عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن محمد بن ربيعة، به. (٩) ثم قال: هذا حديث حسن غريب، من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وقد

(١) في أ: "المقبري".

(٢) المسند (٢/ ٣٢٠).

(٣) في أ: "أبو عيينة".

(٤) تفسير الطبري (٢٢/ ٩٣).

(٥) في س: "لم تكن".

(٦) البيت نسبه أبو عبيدة للربيع بن ضبع الفزاري مستفادا من حاشية طبعة الشعب.

(٧) سنن الترمذي برقم (٣٥٥٠) وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٣٦).

(٨) في أ: "سليم".

(٩) سنن الترمذي برقم (٢٣٣١).

ج6 · ص556

روي من غير وجه عنه. هذا نصه بحروفه في الموضعين، والله أعلم.

وقال (١) الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى الأنصاري، حدثنا ابن أبي فُدَيْك، حدثني إبراهيم بن الفضل -مولى بني مخزوم-عن المَقْبُريّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "مُعْتَرك المنايا ما بين الستين إلى السبعين".

وبه قال: قال رسول الله ﷺ: "أقل أمتي أبناء سبعين". إسناده ضعيف. (٢)

حديث آخر في معنى ذلك: قال (٣) الحافظ أبو بكر البزار في مسنده:

حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا عثمان بن مطر، عن أبي مالك، عن رِبْعِي عن حذيفة أنه قال: يا رسول الله، أنبئنا بأعمار أمتك. قال: "ما بين الخمسين إلى الستين" قالوا: يا رسول الله، فأبناء السبعين؟ قال: "قَلّ مَنْ يبلغها من أمتي، رحم الله أبناء السبعين، ورحم الله أبناء الثمانين".

ثم قال البزار: لا يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، وعثمان بن مطر من أهل البصرة ليس بقوي. (٤)

وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ عاش ثلاثا وستين سنة. وقيل: ستين. وقيل: خمسًا وستين سنة. والمشهور الأول، والله أعلم.

وقوله: (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ): روي عن ابن عباس، وعِكْرِمَة، وأبي جعفر الباقر، وقتادة، وسفيان بن عُيَيْنَة أنهم قالوا: يعني: الشيب.

وقال السُّدِّيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني به الرسول ﷺ وقرأ ابن زيد: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى﴾ [النجم: ٥٦]. وهذا هو الصحيح عن قتادة، فيما رواه شيبان، عنه أنه قال: احتج عليهم بالعمر والرسل.

وهذا اختيار ابن جرير، وهو الأظهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧، ٧٨]، أي: لقد بينا لكم الحق على ألسنة الرسل، فأبيتم وخالفتم، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال ﵎: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨، ٩].

وقوله: (فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) أي: فذوقوا عذابَ النار جزاء على مخالفتكم للأنبياء في مدة أعماركم، فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال والأغلال.

(١) في ت: "وروى".

(٢) مسند أبي يعلى (١١/ ٤٢٢، ٤٢٣) وفيه إبراهيم بن الفضل وهو متروك.

(٣) في ت: "وروى".

(٤) مسند البزار برقم (٣٥٨٦) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٠٦): "وفيه عثمان بن مطر وهو ضعيف".

ج6 · ص557

﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾

يخبر تعالى بعلمه غيب السموات والأرض، وأنه يعلم ما تكنه السرائر وتنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بعمله.

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا (٣٩)﴾.

ثم قال: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ) أي: يخلف قوم لآخرين قبلهم، وجيل لجيل قبلهم، كما قال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] (فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) أي: فإنما يعود وبال ذلك (١) على نفسه (٢) دون غيره، (وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا) أي: كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، بخلاف المؤمنين فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحَسُن عمله، ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة، وزاد أجره وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين، [فسبحان المقدر المدبر رب العالمين]. (٣)

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾.

يقول تعالى لرسوله ﷺ أن يقول للمشركين: (أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: من الأصنام والأنداد، (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) أي: ليس لهم شيء من ذلك، ما يملكون من قطمير.

وقوله: (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ) أي: أم أنزلنا عليهم كتابا بما يقولون من الشرك والكفر؟ ليس الأمر كذلك، (بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا) أي: بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي غرور وباطل وزور.

ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره، وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما، فقال: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا) أي: أن تضطربا عن أماكنهما، كما قال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] (وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) أي: لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو، وهو مع ذلك حليم غفور، أي: يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم (٤) فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يَعْجَل، ويستر آخرين ويغفر؛ ولهذا قال: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا).

(١) في ت، س، أ: "وبال كفره ذلك".

(٢) في ت: "وعليه".

(٣) زيادة من أ.

(٤) في ت، أ: "يحلم عنهم".

ج6 · ص558

وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا بل منكرًا، فقال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عِكْرِمَة، عن (١) أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى، ﵇ (٢) على المنبر قال: "وقع في نفس موسى ﵇: هل ينام الله ﷿ فأرسل الله إليه ملكا، فأرقه ثلاثا (٣)، وأعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن (٤) يحتفظ بهما. قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما (٥) عن الأخرى، حتى نام نومه، فاصطفقت يداه فَتَكَسَّرت القارورتان. قال: ضرب الله له مثلا إن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض". (٦)

والظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع، بل من الإسرائيليات المنكرة فإن موسى ﵇ أجَلّ من أن يُجَوّز على الله ﷾ النوم، وقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز بأنه: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسْطَ ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه". (٧)

وقد قال أبو جعفر بن جرير (٨): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله -هو ابن مسعود-فقال: من أين جئت؟ قال: من الشام. قال: مَنْ لقيت؟ قال: لقيت كعبًا. قال: ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السموات تدور على مِنْكَب مَلَك. قال: أفصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته. قال: لوددت أنك افتديت مَن رحلتك إليه براحلتك ورَحْلِها، كَذَب كعب. إن الله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) (٩).

وهذا إسناد صحيح إلى كعب وإلى ابن مسعود. ثم رواه ابن جرير عن ابن حميد، عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: ذهب جُنْدب البَجَلي إلى كعب بالشام، فذكر نحوه. (١٠) وقد رأيت في مصنف الفقيه (١١) يحيى بن إبراهيم بن مُزَين الطليطلي، سماه "سير الفقهاء"، أورد هذا الأثر عن محمد بن عيسى بن الطَّبَّاع، عن وَكِيع، عن الأعمش، به. ثم قال: وأخبرنا زونان -يعني: عبد الملك بن الحسن-عن ابن وهب، عن مالك أنه قال: السماء لا تدور. واحتج بهذه الآية، وبحديث: "إن بالمغرب بابا للتوبة لا يزال مفتوحا حتى تطلع الشمس منه".

(١) في ت: "بسنده إلى أبي هريرة".

(٢) في ت: "ﷺ".

(٣) في ت: "ثلثا".

(٤) في ت: "بأن".

(٥) في س: "أحدهما".

(٦) ورواه أبو يعلى في مسنده (١٢/ ٢١) من طريق إسحاق بن إبراهيم، به، وسبق أيضا تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ٢٥٥ من سورة البقرة.

(٧) صحيح مسلم برقم (١٧٩) وليس في صحيح البخاري، فإن الحافظ ذكره عند تفسير الآية: ٢٥٥ من سورة البقرة فقال: "وفي الصحيح هكذا بالإفراد".

(٨) في ت: "وروى ابن جرير".

(٩) تفسير الطبري (٢٢/ ٩٤).

(١٠) تفسير الطبري (٢٢/ ٩٥).

(١١) في س، أ: "للفقيه".

ج6 · ص559

قلت: وهذا الحديث في الصحيح، (١) والله أعلم.

﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا (٤٣)﴾.

يخبر تعالى عن قريش والعرب أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، قبل إرسال الرسول إليهم: (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ) أي: من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل. قاله الضحاك وغيره، كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٦، ١٥٧]، (٢) وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧ - ١٧٠].

قال الله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ) -وهو: محمد ﷺ-بما أنزل معه من الكتاب العظيم، وهو القرآن المبين، (مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا)، أي: ما ازدادوا (٣) إلا كفرًا إلى كفرهم، ثم بين ذلك بقوله: (اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ) أي: استكبروا عن اتباع آيات الله، (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) أي: ومكروا بالناس في صدِّهم إياهم عن سبيل الله، (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ) [أي: وما يعود وبال ذلك إلا عليهم (٤) أنفسهم دون غيرهم.

قال (٥) ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: "إياك ومكر السيئ، فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله] (٦)، ولهم من الله طالب"، (٧)، وقد قال محمد بن كعب القُرَظِي: ثلاث من فعلهن لم ينجُ حتى ينزل به من مكر أو بغي أو نكث، وتصديقها في كتاب الله: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ). ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠].

وقوله: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ) يعني: عقوبة الله لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره (٨)، (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا) أي (٩) لا تغير ولا تبدل، بل هي جارية كذلك في كل

(١) لم أعثر على الحديث في الصحيحين، وهو في سنن الترمذي برقم (٣٥٣٦) وصحيح ابن خزيمة برقم (١٩٣) والمسند للإمام أحمد (٤/ ٢٤٠) ما يوافق ذلك من حديث صفوان بن عسال، ﵁، ولفظه عند ابن خزيمة: "إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرته سبعون سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها" نحوه.

(٢) في ت: "أو يقولوا".

(٣) في ت: "ما زادوهم".

(٤) في ت: "على".

(٥) في ت: "روى".

(٦) زيادة من ت، س، أ.

(٧) وهذا مرسل ولم أجد مَنْ أخرجه غير ابن أبي حاتم، وقد روى ابن المبارك في الزهد برقم (٧٢٥) عن الزهري مرسلا نحوه.

(٨) في ت: "على تكذيبهم أمره ومخالفتهم رسله".

(٩) في ت: "يعني".

ج6 · ص560

مكذب، (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا) أي: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١]، ولا يكشف ذلك عنهم، ويحوله عنهم أحد.

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾.

يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة: سيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل؟ كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، فَخُلِيَتْ منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من النَّعَم بعد كمال القوة، وكثرة العدد والعُدَد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئا، ولا دفع (١) عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك لأنه تعالى لا يعجزه شيء، إذا أراد كونه في السموات والأرض؟ (إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) أي: عليم بجميع الكائنات، قدير على مجموعها.

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾.

ثم قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) أي: لو آخذهم (٢) بجميع ذنوبهم، لأهلك جميع أهل الأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق.

قال (٣) ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنان، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: كاد الجَعْلُ أن يعذب في جُحْره بذنب ابن آدم، ثم قرأ: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ).

وقال سعيد بن جُبَيْر، والسُّدِّيّ في قوله: (مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) أي: لما سقاهم المطر، فماتت جميع الدواب.

(وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: ولكن يُنْظرهُم إلى يوم القيامة، فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهلَ الطاعة، وبالعقاب أهل المعصية؛ ولهذا قال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا).

آخر تفسير سورة "فاطر" ولله الحمد والمنة.

(١) في ت، س: "ولا يدفع".

(٢) في ت، أ: "يؤاخذهم".

(٣) في ت: "روى".