سورة لقمان
ซูเราะฮ์ที่ 31 · ตอน 1/2 · เล่ม 6 หน้า 330–344
تفسير سورة لقمان
وهي مكية.
﷽
﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.
تقدم في أول سورة "البقرة" عامة الكلام على ما يتعلق بصدر هذه السورة، وهو أنه تعالى جعل هذا القرآن هدى وشفاء ورحمة للمحسنين، وهم الذين أحسنوا العمل في اتباع الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها، وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، ووصلوا قراباتهم وأرحامهم، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة، فرغبوا إلى الله في ثواب ذلك، لم يراؤوا به ولا أرادوا جزاءً من الناس ولا شكورا، فَمَنْ فعل ذلك كذلك فهو من الذين قال الله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) أي: على بصيرة وبينة ومنهج واضح وجلي، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي: في الدنيا والآخرة.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾.
لما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، كما قال [الله] (١) تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]، عطف بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) قال: هو -والله-الغناء.
قال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري، أنه سمع عبد الله بن مسعود -وهو يسأل عن هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) -فقال عبد الله: الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها (٢) ثلاث مرات (٣).
حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حُمَيْد الخراط، عن عمار، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء: أنه سأل ابن مسعود عن قول الله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) قال: الغناء (١).
وكذا قال ابن عباس، وجابر، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعلي بن بَذيمة.
وقال الحسن البصري: أنزلت هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) في الغناء والمزامير.
وقال قتادة: قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ): والله لعله لا ينفق فيه مالا ولكنْ شراؤه استحبابه، بحسب المرء من الضلالة أن يختارَ حديثَ الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع.
وقيل: عنى بقوله: (يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ): اشتراء المغنيات من الجواري.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحْمَسي: حدثنا وَكِيع، عن خَلاد الصفار، عن عُبَيْد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن (٢) عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن، وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله ﷿ عَلَيّ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ).
وهكذا رواه الترمذي وابن جرير، من حديث عُبَيد الله بن زحر بنحوه (٣)، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب. وضَعُفَ (٤) علي بن يزيد المذكور.
قلت: علي، وشيخه، والراوي عنه، كلهم ضعفاء. والله أعلم.
وقال الضحاك في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) يعني: الشرك. وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ واختار ابن جرير أنه كل كلام يصد عن آيات الله واتباع سبيله.
وقوله: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي: إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله.
وعلى قراءة فتح الياء، تكون اللام لام العاقبة، أو تعليلا للأمر القدري، أي: قُيضوا لذلك ليكونوا كذلك.
وقوله: (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا) قال مجاهد: ويتخذ سبيل الله هزوا، يستهزئ بها.
وقال قتادة: يعني: ويتخذ آيات الله هزوا. وقول مجاهد أولى.
وقوله تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) أي: كما استهانوا بآيات الله وسبيله، أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر.
ثم قال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا) أي: هذا المقبل على اللهو واللعب والطرب، إذا تليت عليه الآيات القرآنية، ولى عنها وأعرض وأدبر وتَصَامّ وما به من صَمَم، كأنه ما يسمعها؛ لأنه يتأذى بسماعها، إذ لا انتفاع له بها، ولا أرَبَ له فيها، (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أي: يوم القيامة يؤلمه، كما تألم بسماع كتاب الله وآياته.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾.
هذا ذكر مآل الأبرار من السعداء في الدار الآخرة، الذين آمنوا بالله وصَدّقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة المتابعة (١) لشريعة الله (لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) أي: يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والمسارّ، من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمراكب والنساء، والنضرة والسماع الذي لم يخطر ببال أحد، وهم في ذلك مقيمون دائما فيها، لا يظعنون، ولا يبغون عنها حولا.
وقوله: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) أي: هذا كائن لا محالة؛ لأنه من وعد الله، والله لا يخلف الميعاد؛ لأنه الكريم المنان، الفعال لما يشاء، القادر على كل شيء، (وَهُوَ الْعَزِيزُ)، الذي قد قهر كل شيء، ودان له كل شيء، (الْحَكِيمُ)، في أقواله وأفعاله، الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)﴾.
يبين سبحانه بهذا قدرته العظيمة على خلق السماوات والأرض، وما فيهما وما بينهما، فقال: (خَلَقَ السَّماَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ)، قال الحسن وقتادة: ليس لها عَمَد مرئية ولا غير مرئية.
وقال ابن عباس، وَعكْرِمة، ومجاهد: لها عمد لا ترونها. وقد تقدم تقرير هذه المسألة في أول سورة "الرعد" بما أغنى (٢) عن إعادته.
وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ) يعني: الجبال أرست الأرض وثقلتها لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء؛ ولهذا قال: (أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) أي: لئلا تميد بكم.
وقوله: (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) أي: وذرأ فيها من أصناف الحيوانات مما لا يعلم عدد أشكالها
وألوانها إلا الذي خلقها.
ولما قرر أنه الخالق نبه على أنه الرازق بقوله تعالى (وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) أي: من كل زوج من النبات كريم، أي: حسن المنظر.
وقال الشعبي: والناس -أيضًا -من نبات الأرض، فَمَنْ دخل الجنة فهو كريم، ومَنْ دخل النار فهو لئيم.
وقوله: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) أي: هذا الذي ذكره تعالى من خلق السماوات، والأرض وما بينهما، صادر عن فعل الله وخلقه وتقديره، وحده لا شريك له في ذلك؛ ولهذا قال: (فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) أي: مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد، (بَلِ الظَّالِمُونَ) يعني: المشركين بالله العابدين معه غيره (فِي ضَلالٍ) أي: جهل وعمى، (مُبِينٍ) أي: واضح ظاهر لا خفاء به.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾.
اختلف السلف في لقمان، ﵇: هل كان نبيًا، أو عبدًا صالحا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني.
وقال سفيان الثوري، عن الأشعث، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدًا حبشيًا نجارًا.
وقال قتادة، عن عبد الله بن الزبير، قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس من النوبة.
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة.
وقال الأوزاعي: ﵀، حدثني عبد الرحمن بن حَرْمَلة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله، فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهْجَع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم، كان أسود نوبيًا ذا مشافر (١).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبي، عن أبي الأشهب (٢)، عن خالد الرَّبَعِيّ قال: كان لقمان عبدًا حبشيا نجارا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة. فذبحها، فقال: أخْرجْ أطيب مُضغتين فيها. فأخرج اللسان والقلب، فمكث ما شاء الله ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة. فذبحها، فقال: أخرج أخبث مضغتين فيها. فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب
مضغتين فيها فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما. فقال لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خَبُثا (١).
وقال شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: كان لقمان عبدًا صالحًا، ولم يكن نبيا.
وقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين، مشقق القدمين.
وقال حَكَّام بن سَلْم، عن سعيد الزبيدي، عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا غليظ الشفتين، مُصَفح القدمين، قاضيا على بني إسرائيل.
وذكر غيره: أنه كان قاضيا على بني إسرائيل في زمن (٢) داود، ﵇.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حُمَيد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو بن قيس قال: كان لقمان، ﵇، عبدًا أسود غليظ الشفتين، مُصَفَّح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم، فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا، قال: نعم. فقال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني (٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا (٤) عبد الرحمن بن يزيد (٥) عن جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال له: ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال: بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قَدَرُ الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني.
فهذه الآثار منها ما هو مُصرَّح فيه بنفي كونه نبيا، ومنها ما هو مشعر بذلك؛ لأن كونه عبدًا قد مَسَّه الرق ينافي كونه نبيا؛ لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها؛ ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيا، وإنما ينقل كونه نبيا عن عكرمة -إن صح السند إليه، فإنه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث وَكِيع (٦) عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة فقال: كان لقمان نبيًا. وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله (٧) أعلم.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الله بن عياش القتْبَاني، عن عُمَر مولى غُفرَة قال: وقف رجل على لقمان الحكيم فقال: أنت لقمان، أنت عبد بني الحسحاس؟ قال: نعم. قال: أنت راعي الغنم؟ قال: نعم. قال: أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وَطءْ الناس بسَاطك، وغَشْيُهم بابك، ورضاهم بقولك. قال: يا بن أخي (٨) إن صَغَيتَ (٩) إلى ما أقول لك كنت كذلك. قال لقمان: غضي بصري، وكفي لساني، وعفة طعمتي، وحفظي فرجي، وقولي بصدق، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني إلى ما (١٠) ترى.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نُفَيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن عَبْدَةَ بن رَبَاح، عن ربيعة، عن (١) أبي الدرداء، ﵁، أنه قال يومًا -وذُكرَ لقمان الحكيم -فقال: ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال، ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلا صَمْصَامة سكيتا، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهارًا قط، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخَّع، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقًا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد تزوج وولد له أولاد، فماتوا فلم يبك عليهم. وكان يغشى السلطان، ويأتي الحكام، لينظر ويتفكر ويعتبر (٢)، فبذلك أوتي ما أوتي.
وقد ورد أثر غريب عن قتادة، رواه ابن أبي حاتم، فقال:
حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة قال: خَيّر الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة. قال: فأتاه جبريل وهو نائم فَذرَّ عليه الحكمة -أو: رش عليه الحكمة -قال: فأصبح ينطق بها.
قال سعيد: فسمعت عن قتادة يقول: قيل للقمان: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خَيَّرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إليَّ بالنبوة عَزْمَة لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خَيّرني فخفت أن أضعف عن النبوة، فكانت الحكمة أحب إليَّ.
فهذا من رواية سعيد بن بشير، وفيه ضعف قد تكلموا فيه بسببه، فالله أعلم.
والذي رواه سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) أي: الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيًا، ولم يوح إليه.
وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) أي: الفهم والعلم والتعبير، (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) أي: أمرناه أن يشكر الله، ﷿، على ما أتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل، الذي خصَّه (٣) به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه.
ثم قال تعالى: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) أي: إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين (٤) لقوله (٥) تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤].
وقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) أي: غني عن العباد، لا يتضرر بذلك، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعًا، فإنه الغني عمن سواه؛ فلا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه.
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن وصية لقمان لولده -وهو: لقمان بن عنقاء بن سدون. واسم ابنه: ثاران في قول حكاه السهيلي. وقد ذكره [الله] (١) تعالى بأحسن الذكر، فإنه آتاه الحكمة، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف؛ ولهذا أوصاه أولا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا، ثم قال محذرًا له: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) أي: هو أعظم الظلم.
قال البخاري حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة (٢)، عن عبد الله، ﵁، قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: أينا لم يَلْبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله ﷺ: "إنه ليس بذاك، ألا (٣) تسمع إلى قول لقمان: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
ورواه مسلم من حديث الأعمش، به (٤).
ثم قَرَنَ بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين. كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وكثيرا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن.
وقال هاهنا (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ). قال مجاهد: مشقة وَهْن الولد.
وقال قتادة: جهدًا على جهد.
وقال عطاء الخراساني: ضعفا على ضعف.
وقوله: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) أي: تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ومن هاهنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنه قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
وإنما يذكر تعالى تربيةَ الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلا ونهارًا، ليُذكّر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]؛ ولهذا قال: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) أي: فإني سأجزيك (٥) على ذلك أوفر الجزاء.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ومحمود بن غَيْلان قالا حدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق (٦) عن سعيد بن وهب قال: قدم علينا معاذ بن جبل، وكان بعثه النبي ﷺ، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني [رسول] (٧) رسول الله ﷺ إليكم: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تطيعوني لا آلوكم خيرًا، وأن المصير إلى
الله، وإلى الجنة أو إلى النار، إقامة فلا ظعن، وخلود فلا موت.
وقوله: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) أي: إن حَرَصَا عليك كل الحرص على أن تتابعهما (١) على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعنَّك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفا، أي: محسنًا إليهما، (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) يعني: المؤمنين، (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
قال الطبراني في كتاب العشرة: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند [عن أبي عثمان النهدي] (٢): أن سعد بن مالك قال: أنزلت فيَّ هذه الآية: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) الآية، وقال: كنت رجلا برًا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد، ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لَتَدَعَنّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فَتُعَيَّر بي، فيقال: "يا قاتل أمه". فقلت: لا تفعلي يا أمَه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثتْ يومًا وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت، فمكثتْ يومًا [آخر] (٣) وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحتْ قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه، تعلمين والله لو كانت لكِ مائة نفس فخَرجت نَفْسا نَفْسًا، ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي. فأكلتْ (٤).
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾.
هذه وصايا نافعة قد حكاها الله تعالى عن لقمان الحكيم؛ ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، فقال: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) أي: إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة [من] (٥) خردل. وجوز بعضهم أن يكون الضمير في قوله: (إِنَّهَا) ضمير الشأن والقصة. وجوز على هذا رفع (مِثْقَالَ) والأول أولى.
وقوله: (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) أي: أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]
، ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صَمَّاء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السماوات أو الأرض (١) فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ ولهذا قال: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دَقت ولطفت وتضاءلت (خَبِيرٌ) بدبيب النمل في الليل البهيم.
وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله: (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ) أنها صخرة تحت الأرضين (٢) السبع، ذكره السُّدِّي بإسناده ذلك المطروق عن ابن عباس وابن مسعود وجماعة من الصحابة إن صح ذلك، ويروى هذا عن عطية العوفي، وأبي مالك، والثوري، والمِنهال بن عمرو، وغيرهم. وهذا والله أعلم، كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدق، ولا تكذب، والظاهر -والله أعلم -أن المراد: أن هذه الحبة في حقارتها لو كانت داخل صخرة، فإن الله سيبديها ويظهرها بلطيف علمه، كما قال (٣) الإمام أحمد:
حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا دَراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صَمَّاء، ليس لها باب ولا كوَّة، لخرج عمله للناس كائنًا ما كان" (٤).
ثم قال: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ) أي: بحدودها وفروضها وأوقاتها، (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) أي: بحسب طاقتك وجهدك، (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ)، علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر.
وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ) أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور.
وقوله: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) يقول: لا تُعرِضْ بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك، احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم ولكن ألِنْ جانبك، وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث: "ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه مُنْبَسِط، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المِخيلَة، والمخيلة لا يحبها الله".
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) يقول: لا تتكبر فتحقِرَ (٥) عبادَ الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. وكذا روى العوفي وعكرمة عنه.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ): لا تكَلَّم وأنت معرض. وكذا رُوي عن مجاهد، وعِكْرِمة، ويزيد بن الأصم، وأبي الجوزاء، وسعيد بن جُبَيْر، والضحاك، وابن يزيد، وغيرهم.
وقال إبراهيم النَّخعِي: يعني بذلك: التشديق في الكلام.
والصواب القول الأول.
قال ابن جرير: وأصل الصَّعَر: داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها، حتى تُلفَتَ (١) أعناقُها عن رؤوسها، فشبه به الرجل المتكبر، ومنه قول عمرو بن حُني التَّغْلبي:
وَكُنَّا إذَا الجَبَّارُ صَعّر خَدّه … أقَمْنَا لَه مِنْ مَيْلِه فَتَقَوّمَا (٢)
وقال أبو طالب في شعره:
وَكُنَّا قَديمًا لا نقرُّ ظُلامَة … إذا ما ثَنوا صُعْر الرؤوس نُقِيمها (٣)
وقوله: (وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا) أي: جذلا متكبرًا جبارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يبغضك الله؛ ولهذا قال: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) أي: مختال معجب في نفسه، فخور: أي على غيره، وقال تعالى: (٤) ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧]، وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٥) عن ثابت بن قيس بن شَمَّاس قال: ذكر الكبر عند رسول الله ﷺ فشدد فيه، فقال: "إن الله لا يحب كل مختال فخور". فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها، ويعجبني شِراك نعلي، وعِلاقة سَوْطي، فقال: "ليس ذلك الكبر، إنما الكبر أن تَسْفه الحق وتَغْمِط (٦) الناس" (٧).
ورواه من طريق أخرى بمثله، وفيه قصة طويلة، ومقتل ثابت ووصيته بعد موته (٨).
وقوله: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) أي: امش مشيًا مقتصدا ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلا وسطًا بين بين.
وقوله: (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) أي: لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه؛ ولهذا قال تعالى: (إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير، أي: غاية مَنْ رفع صوته أنه يُشَبه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى. وهذا التشبيه في هذا بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه".
وقال النسائي عند تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، (٩) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ [أنه] (١٠) قال: "إذا سمعتم صياح الديكة
(١) في ت: "تلتفت" وفي أ: "بلغت".
(٢) البيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ١٢٧).
(٣) البيت في السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٦٩).
(٤) في أ: "وقد قال الله تعالى".
(٥) في ت: "وروى الطبراني بإسناده".
(٦) في ت، ف: "تغمص".
(٧) المعجم الكبير (٢/ ٦٩) وفيه انقطاع بين ابن أبي ليلى وثابت.
(٨) المعجم الكبير (٢/ ٧٠) من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن عطاء، عن بنت ثابت بقصة أبيها، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٢٢): "وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(٩) في ت: "وروى النسائي عند تفسير هذه الآية بإسناده".
(١٠) زيادة من أ.
فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير (١) فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا".
وقد أخرجه بقية الجماعة سوى ابن ماجه، من طرق، عن جعفر بن ربيعة به، (٢) وفي بعض الألفاظ: "بالليل"، فالله أعلم.
فهذه وصايا نافعة جدًا، وهي من قَصص القرآن العظيم عن لقمان الحكيم. وقد روي عنه من الحكم والمواعظ أشياء كثيرة، فلنذكر منها أنموذجًا ودستورًا إلى ذلك.
قال الإمام أحمد: حدثنا ابن إسحاق، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، أخبرني نَهْشَل بن مُجَمِّع الضبي عن قزعة، عن ابن عمر (٣) ﵁ (٤) قال: أخبرنا رسول الله ﷺ قال: "إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئا حفظه" (٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم [بن مُخَيْمِرة يحدث عن أبي موسى الأشعري] (٦) أن رسول الله ﷺ قال: " قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني، إياك والتقنع فإنه مخوفة بالليل، مذمة بالنهار" (٧).
وقال: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، عن ضَمْرَة، حدثنا السَّريّ بن يحيى (٨) قال: قال لقمان لابنه: يا بني، إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك.
وقال: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا عبد الرحمن المسعودي (٩)، عن عَوْن بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني، إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام -يعني السلام -ثم اجلس في ناحيتهم، فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله فَأجِلْ سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم.
وحدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ضمرة (١٠)، عن حفص بن عمر، ﵁، قال: وضع لقمان جرابًا من خردل إلى جانبه، وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة، حتى نفذ الخردل، فقال: يا بني، لقد وعظتك موعظة لو وُعِظَها جبل لتفطر. قال: فتفطر ابنه.
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المِصِّيصي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، حدثنا أبين (١١) بن سفيان المقدسي، عن خليفة بن سلام، عن عطاء بن أبي رباح (١٢)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "اتخذوا
(١) في ت: "الحمار".
(٢) النسائي في السنن الكبرى (١١٣٩١) وصحيح البخاري برقم (٣٣٠١) وصحيح مسلم برقم (٢٧٧٩) وسنن أبي داود برقم (٥١٠٢) وسنن الترمذي برقم (٣٤٥٩).
(٣) في ت: "فروى الإمام أحمد بإسناده".
(٤) في ت، ف: "عنهما".
(٥) المسند (٢/ ٨٧).
(٦) زيادة من أ، والمستدرك.
(٧) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤١١) وقال: "هذا متن شاهده إسناد صحيح" وأقره الذهبي.
(٨) في ت: "وروى أيضا بإسناده عن السري بن يحيى".
(٩) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن القاسم بن مخيمرة".
(١٠) في ت: "وروى أيضا".
(١١) في ت، أ، ف، هـ: "أنس" والتصويب من المعجم الكبير وكتب الرجال.
(١٢) في ت: "وروى الطبراني بسنده".
السودان فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن" (١).
قال أبو القاسم الطبراني: أراد الحبش.
فصل في الخمول والتواضع: وذلك متعلق بوصية لقمان، ﵇، لابنه، وقد جمع في ذلك الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتابًا مفردًا [و] (٢) نحن، نذكر منه مقاصده، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد الله بن موسى المدني، عن أسامة بن زيد، عن حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رُبَّ أشعثَ ذي طِمْرَين يُصْفَح عن أبواب الناس، إذا (٣) أقسم على الله لأبره" (٤).
ثم رواه من حديث جعفر بن سليمان، عن ثابت وعلي بن زيد، عن أنس، عن النبي ﷺ فذكره، وزاد، منهم البراء بن مالك (٥).
[وروي أيضا عن أنس، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "طوبى للأتقياء الأثرياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، أولئك مصابيح مجردون من كل فتنة غبراء مشينة"] (٦). وقال أبو بكر بن سهل التميمي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، عن عياش بن عباس، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، ﵁، أنه دخل المسجد فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله ﷺ، فقال له: ما يبكيك يا معاذ؟ قال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ، سمعته يقول: "إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الأثرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة" (٧).
حدثنا الوليد بن شجاع، حدثنا عَثَّام بن علي، عن حميد بن عطاء الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "رُبَّ ذي طمرين لا يُؤبَه له، لو أقسم على الله لأبره، لو قال: اللهم إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئا" (٨).
وقال أيضا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من أمتي مَنْ لو أتى باب أحدكم يسأله دينارًا أو درهما أو
(١) المعجم الكبير (١١/ ١٩٨) وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٣٥): "فيه أبين بن سفيان وهو ضعيف".
(٢) زيادة من ت، ف.
(٣) في ت، ف: "لو".
(٤) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٥٠٥٤) "مجمع البحرين" قال: "حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا إبراهيم بن المنذر، فذكر مثله - ثم قال - لم يروه عن حفص إلا أسامة"، وله شاهد في صحيح مسلم برقم (٢٦٢٢) من حديث أبي هريرة ﵁. تنبيه: سقط هذا الحديث من مخطوطة التواضع والخمول لابن أبي الدنيا، وكذا الرواية بعده.
(٥) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٨٥٤) من طريق سيار عن جعفر بن سليمان به، وقال: "هذا حديث حسن صحيح من هذا الوجه".
(٦) زيادة من ت، أ.
(٧) التواضع والخمول لابن أبي الدنيا برقم (٨).
(٨) سقط الحديث من مخطوطة التواضع والخمول، ورواه الديلمي في مسند الفردوس برقم (٣٢٤٦) من طريق ابن أبي الدنيا.
فلسًا لم يعطه، ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها، ولو سأله (١) الدنيا لم يعطه إياها، ولم يمنعها إياه لهوانه عليه، ذو طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره" (٢).
وهذا مرسل من هذا الوجه.
وقال أيضا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا عَوْف قال: قال أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من ملوك الجنة كُل (٣) أشعث أغبر ذو طمرين لا يُؤبَه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم يُنصَت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم" (٤). قال: وأنشدني عمر بن شَبَّةَ، عن ابن عائشة قال: قال عبد الله بن المبارك:
ألا رُبّ ذي طمْرَين في مَنزل غَدًا … زَرَابِيه مَبْثُوثةً ونَمَارقُه
قَد اطَّرَدَتْ أنهاره حَْوَل قَصْره … وَأشرَقَ والتفَّتْ عَلَيه حَدَائقُه (٥)
وروي -أيضا -من حديث عُبَيد الله بن زَحْر، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا: "قال الله: من أغبط أوليائي عندي: مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس، لا يشار إليه بالأصابع. إن صبر على ذلك". قال: ثم نَقَد رسول الله بيده وقال: "عُجّلت منيته، وقل تراثه، وقلت بواكيه" (٦).
وعن عبد الله بن عمرو قال: أحب عباد الله (٧) إلى الله الغرباء. قيل: ومَنْ الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم، يجمعون يوم القيامة إلى عيسى بن مريم (٨).
وقال الفضيل بن عياض: بلغني أن الله تعالى (٩) يقول للعبد يوم القيامة: ألم أنعم عليك؟ ألم أعطك؟ ألم أسترك؟ ألم ..؟ ألم ..؟ ألم أخمل ذكرك؟ ثم قال الفضيل: إن استطعت ألا تُعرَف فافعل، وما عليك ألا يُثنى عليك، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس محمودًا عند الله.
وكان ابن مُحَيْرِيز يقول: اللهم إني أسألك ذكرا خاملا.
وكان الخليل بن أحمد يقول: اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك، واجعلني في نفسي من أوضع خلقك، وعند الناس من أوسط خلقك.
ثم قال (١٠):
باب ما جاء في الشهرة
حدثنا أحمد بن عيسى المصري، حدثنا ابن وهب، عن عمر بن الحارث وابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سِنَان بن سعد، عن أنس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "حسب امرئ من
(١) في ت: "ولو سأل الله".
(٢) التواضع والخمول لابن أبي الدنيا برقم (١)، وهو مرسل.
(٣) في ت، أ: "من هو".
(٤) ورواه ابن أبي الدنيا في الأولياء برقم (٩) عن الحسن مرسلا بنحوه، وقد سقط هذا الحديث من مخطوطة التواضع والخمول.
(٥) التواضع والخمول لابن أبي الدنيا برقم (٥).
(٦) التواضع والخمول برقم (١٣) وقد قال ابن حبان: "إذا روى عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم فهو مما عملته أيديهم".
(٧) في أ: "أحب العباد".
(٨) التواضع والخمول برقم (١٦).
(٩) في ت، أ: "﷿".
(١٠) أي ابن أبي الدنيا.
الشر -إلا من عصم الله -أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه، وإن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم" (١).
وروي مثله عن إسحاق بن البهلول، عن ابن أبي فُدَيْك، عن محمد بن عبد الواحد الأخْنَسِيّ، عن عبد الواحد بن أبي كثير، عن جابر بن عبد الله مرفوعا، مثله (٢).
وروي عن الحسن مرسلا نحوه (٣)، فقيل للحسن: فإنه يشار إليك بالأصابع؟ فقال: إنما المراد من يشار إليه في دينه بالبدعة وفي دنياه بالفسق (٤).
وعن علي، ﵁، قال: لا تبدأ لأن تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلم واكتم،
واصمت تسلم، تَسُر الأبرار، وتغيظ الفجار.
وقال إبراهيم بن أدهم، ﵀: ما صدق الله من أحب الشهرة.
وقال أيوب: ما صدق الله عبده إلا سره ألا يشعر بمكانه.
وقال محمد بن العلاء: من أحب الله أحب ألا يعرفه الناس.
وقال سِمَاك بن سلمة: إياك وكثرة الأخلاء.
وقال أبَان بن عثمان: إن أحببت أن يسلم لك دينك فأقل من المعارف؛ كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة نهض وتركهم.
وقال: حدثنا علي بن الجَعْد، أخبرنا شعبة، عن عَوْف، عن أبي رَجَاء قال: رأى طلحة قوما يمشون معه، فقال: ذباب طمع، وفراش النار.
وقال ابن إدريس، عن هارون بن عنترة (٥)، عن سليم بن حنظلة قال: بينا نحن حول أبي إذ علاه عمر بن الخطاب بالدرة وقال: إنها مذلة للتابع، وفتنة للمتبوع.
وقال ابن عون، عن الحسن: خرج ابن مسعود فاتبعه أناس، فقال: والله لو تعلمون ما أغلِقُ عليه بابي، ما اتبعني منكم رجلان.
وقال حماد بن زيد: كنا إذا مررنا على المجلس، ومعنا أيوب، فسلم، ردوا ردا شديدا، فكان ذلك يَغُمه.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر: كان أيوب يطيل قميصه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طول القميص، واليوم في تشميره. واصطنع مرة نعلين على حذو نعلي النبي ﷺ، فلبسهما أياما ثم خلعهما، وقال: لم أر الناس يلبسونهما.
وقال إبراهيم النَّخَعي: لا تلبس من الثياب ما يُشهر في الفقهاء، ولا ما يزدريك السفهاء.
وقال الثوري: كانوا يكرهون من الثياب الجياد، التي يُشتَهر بها، ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم. والثياب الرديئة التي يحتقر فيها، ويستذل دينه.
وحدثنا خالد بن خِدَاش: حدثنا حماد، عن أبي حسنة -صاحب الزيادي -قال: كنا عند أبي قِلابة إذ دخل عليه رجل عليه أكسية، فقال: إياكم وهذا الحمار النهاق.
وقال الحسن، ﵀: إن قوما جعلوا الكبر في قلوبهم، والتواضع في ثيابهم، فصاحب الكساء بكسائه أعظم من صاحب المطرف بمطرفه (١)، ما لهم تفاقدوا.
وفي بعض الأخبار أن موسى، ﵇، قال لبني إسرائيل: ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب، البسوا ثياب الملوك، وألينوا قلوبكم بالخشية.
فصل في حسن الخلق
قال أبو التياح: عن أنس، ﵁: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقا (٢).
وعن عطاء، عن ابن عمر: قيل: يا رسول الله، أيّ المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خلقا" (٣).
وعن نوح بن عباد، عن ثابت، عن أنس مرفوعا: "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الآخرة وشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة. وإنه ليبلغ بسوء خلقه دَرَك جهنم وهو عابد" (٤). وعن سِنَان بن هارون، عن حميد، عن أنس مرفوعا: "ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة" (٥). وعن عائشة مرفوعا: "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار" (٦).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، حدثنا عبد الله بن إدريس، أخبرني أبي وعمي، عن جدي، عن أبي هريرة، ﵁: سُئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يُدخلُ الناسَ الجنة، فقال: "تقوى الله وحسن الخلق". وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: "الأجوفان: الفم والفرج" (٧).
وقال أسامة بن شَرِيك: كنت عند رسول الله ﷺ، فجاءته الأعراب من كل مكان، فقالوا: يا رسول الله، ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: "حسن الخلق" (٨).
وقال يعلى بن مملك (٩): عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء -يبلغ به -قال: "ما [من] (١٠) شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق" (١١)، وكذا رواه عطاء، عن أم الدرداء، به (١٢).
وعن مسروق، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: "إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا" (١٣).
حدثنا عبد الله بن أبي بدر، حدثنا محمد بن عبيد (١٤)، عن محمد بن أبي سارة، عن الحسن
(١) في ت، أ: "المطرق بمطرقه".
(٢) التواضع والخمول برقم (١٦٣).
(٣) التواضع والخمول برقم (١٦٤).
(٤) التواضع والخمول برقم (١٦٨).
(٥) التواضع والخمول برقم (١٦٩).
(٦) التواضع والخمول برقم (١٦٦).
(٧) التواضع والخمول برقم (١٧٠).
(٨) التواضع والخمول برقم (١٧١).
(٩) في ت، أ، ف، هـ: "سماك" والصواب ما أثبتناه من كتب الرجال.
(١٠) زيادة من أ.
(١١) التواضع والخمول برقم (١٧٢).
(١٢) التواضع والخمول برقم (١٧٣).
(١٣) التواضع والخمول برقم (١٧٤).
(١٤) في ت، ف: "عنين" وفي أ: "عيسى" والصواب ما أثبتناه من التواضع والخمول لابن أبي الدنيا، وكتب الرجال.