سورة إبراهيم

ซูเราะฮ์ที่ 14 · ตอน 3/4 · เล่ม 4 หน้า 506–520

ج4 · ص506

أربعين ذراعا، ومن عند رجليه أربعين ذراعا". قال: "فيوسعان له مائتي ذراع".

قال البرساني: فأحسبه: وأربعين ذراعا تحاط به (١).

قال: "ثم يقولان له: انظر فوقك، فإذا باب مفتوح إلى الجنة". قال: "فيقولان له: وليَّ الله، هذا منزلك إذ أطعت الله". فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفس محمد بيده (٢) إنه يصل إلى قلبه عند ذلك فرحة، ولا ترتد أبدًا، ثم يقال له: انظر تحتك". قال: "فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار" قال: "فيقولان: ولي الله نجوت آخر ما عليك". قال: فقال رسول الله ﷺ: "إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدا". قال: فقالت عائشة: يفتح له سبعة وسبعون بابا إلى الجنة، يأتيه ريحها وبردها، حتى يبعثه الله، ﷿.

وبالإسناد المتقدم إلى النبي ﷺ قال: "ويقول الله تعالى لملك (٣) الموت: انطلق إلى عدوي فأتني به، فإني قد بسطت له رزقي، ويَسّرت له نعمتي، فأبى إلا معصيتي، فأتني به لأنتقم منه".

قال: "فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة ما رآها أحد من الناس قَطّ، له اثنتا عشرة (٤) عينا، ومعه سَفُود من النار كثير الشوك، ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم نحاس وجمر من جمر جهنم، ومعهم سياط من نار، لينها لين السياط وهي نار تأجج". قال: "فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة يغيبُ كل أصل شوكة من ذلك السفّود في أصل كل شعرة وعرق وظفر". قال: "ثم يلويه ليا شديدا". قال: "فينزع روحه من أظفار قدميه". قال: "فيلقيها في عقبيه (٥) ثم يسكر (٦) عند ذلك عدو الله (٧) سكرة، فيرفه ملك الموت عنه". قال: "وتضرب (٨) الملائكة وجهه ودُبُره بتلك السياط". [قال: "فيشده ملك الموت شدة، فينزع روحه من عقبيه، فيلقيها في ركبتيه، ثم يسكر عدو الله عند ذلك سكرة، فيرفه ملك الموت عنه". قال: "فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط"] (٩) قال: "ثم ينتره (١٠) ملك الموت نَتَرة، فينزع روحه من ركبتيه فيلقيها في حقويه". قال: "فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة، فيرفّه ملك الموت عنه". قال: "وتضرب الملائكة (١١) وجهه ودُبُره بتلك السياط". قال: "كذلك إلى صدره، ثم كذلك إلى حلقه". قال: "ثم تبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه". قال: "ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح اللعينة الملعونة إلى سَمُوم وحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم".

قال: "فإذا قبض ملك الموت روحه قال الروح للجسد: جزاك الله عني شرا، فقد كنت سريعا بي

(١) في أ: "محاط".

(٢) في أ: "والذي نفسي بيده".

(٣) في أ: "إلى ملك".

(٤) في أ: "اثني عشر".

(٥) في هـ: "ركبتيه" والمثبت من ت، أ.

(٦) في أ: "قال: فيسكر".

(٧) في ت: "قال فيسكر عدو الله عند ذلك".

(٨) في ت: "ويضرب".

(٩) زيادة من ت، أ.

(١٠) في ت، أ: "فينتره".

(١١) في ت: "فيضرب"، وفي أ: "فتضرب".

ج4 · ص507

إلى معصية الله، بطيئا بي عن طاعة الله، فقد هلكت وأهلكت" قال: "ويقول الجسد للروح مثل ذلك، وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله عليها، وتنطلق جنود إبليس إليه فيبشرونه بأنهم قد أوردوا عبدا من ولد آدم النار".

قال: "فإذا وضع في قبره ضُيق عليه قبره حتى تختلف (١) أضلاعه، حتى تدخل اليمنى في اليسرى، واليسرى في اليمنى" قال: "ويبعث الله إليه أفاعي دُهمًا كأعناق الإبل يأخذن (٢) بأرنبته وإبهامي قدميه فيقرضنه حتى يلتقين في وسطه".

قال: "ويبعث الله ملكين أبصارهما (٣) كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصياصي، وأنفاسهما كاللهب (٤) يطآن في أشعارهما، بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة يقال لهما: منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها" قال: "فيقولان له: اجلس". قال: "فيستوي جالسا" قال: "وتقع أكفانه في حقويه" قال: "فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: لا دريت ولا تَليّت". [قال] (٥) "فيضربانه ضربة يتطاير شررها في قبره، ثم يعودان". قال: "فيقولان: انظر فوقك. فينظر، فإذا باب مفتوح من الجنة، فيقولان: هذا -عدو الله (٦) -منزلك لو أطعت الله".

قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبدًا".

قال: "ويقولان له: انظر تحتك فينظر تحته، فإذا باب مفتوح إلى النار، فيقولان: عدو الله، هذا منزلك إذ عصيت الله".

قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبدا".

قال: وقالت عائشة: ويفتح له سبعة وسبعون بابًا إلى النار، يأتيه [من] (٧) حرها وسمومها حتى يبعثه الله إليها (٨).

هذا حديث غريب جدًا، وسياق عجيب، ويزيد الرقاشي -راويه عن أنس -له غرائب ومنكرات، وهو ضعيف الرواية عند الأئمة، والله أعلم.

ولهذا قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، حدثنا هشام -هو ابن يوسف -عن عبد الله بن بَحير، عن هانئ مولى عثمان، عن عثمان، ﵁، قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له بالتثبيت، فإنه الآن يسأل"، انفرد به أبو

(١) في ت: "يختلف".

(٢) في أ: "يأخذونه".

(٣) في أ: "أيضا وهما".

(٤) في ت: "كاللهيب".

(٥) زيادة من ت، أ.

(٦) في ت، أ: "عدو الله هذا".

(٧) زيادة من أ.

(٨) أورده ابن حجر في المطالب العالية (٤/ ٣٨٢) وعزاه لأبي يعلى قال: "هذا حديث عجيب السياق، وهو شاهد لكثير مما ثبت في حديث البراء الطويل المشهور، ولكن إسناده غريب وفيه ضعف".

ج4 · ص508

داود (١).

وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مَردُويه عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الأنعام: ٩٣] حديثا مطولا جدا، من طريق غريب، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعا، وفيه غرائب أيضا (٢).

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ (٣) قال البخاري: قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) ألم تعلم؟ كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ [إبراهيم: ٢٤] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] البوار: الهلاك، بار يبور بَورًا، و﴿قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨، الفتح: ١٢] هالكين.

حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء سمع ابن عباس: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) قال: هم كفار أهل مكة (٤).

وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: هو جبلة بن الأيهم، والذين اتبعوه من العرب، فلحقوا بالروم. والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار؛ فإن الله تعالى بعث محمدا ﷺ رحمة للعالمين، ونعمة للناس، فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار.

وقد روي عن علي نحو قول ابن عباس الأول، قال ابن أبي حاتم:

حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل: أن ابن الكواء سأل عليا عن (الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) قال: كفار قريش يوم بدر.

حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا بسام -هو الصيرفي (٥) -عن أبي الطفيل قال: جاء رجل إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، من الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار

(١) سنن أبي داود برقم (٣٢٢١).

(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٣١٨) وقال: "أخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس فذكره".

(٣) تنبيه: من هذه الآية يبتدئ الاعتماد في تخريج الأحاديث والآثار في تفسير الطبري على الطبعة المصورة عن الطبعة الأميرية بعد أن كان الاعتماد على الطبعة التي حققها الفاضلان الشيخ أحمد شاكر والأستاذ محمود شاكر في ستة عشر مجلدا وطبعت في دار المعارف، والله أسأل أن يقيض لهذا الكتاب من يكمل تحقيقه فهو من أعظم كتب التفسير وأجلها، والله المستعان.

(٤) صحيح البخاري برقم (٤٧٠٠).

(٥) في ت: "الصرفي".

ج4 · ص509

البوار؟ قال: منافقو قريش.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل قال: قرأت على مَعْقِل، عن ابن أبي حسين (١) قال: قام علي بن أبي طالب، ﵁، فقال: ألا أحد يسألني عن القرآن، فوالله لو أعلم اليوم أحدا أعلم مني به (٢) وإن كان من وراء البحار لأتيته. فقام عبد الله بن الكواء (٣) فقال: من الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار؟ فقال: مشركو قريش، أتتهم نعمة (٤) الله: الإيمان، فبدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار.

وقال العدوي في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) الآية، ذكر مسلم المستوفي (٥) عن علي أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو أمية، وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة فأحلوا قومهم دار البوار يوم بدر، وأما بنو أمية فأحلوا قومهم دار البوار يوم أحد. وكان أبو جهل يوم بدر، وأبو سفيان يوم أحد. وأما دار البوار فهي جهنم.

وقال ابن أبي حاتم، ﵀: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحارث بن منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عليا قرأ هذه الآية: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) قال: هم الأفجران من قريش: بنو أمية وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة فأهلكوا يوم بدر، وأما بنو أمية فمتِّعوا إلى حين.

ورواه أبو إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن علي، نحوه، وروي من غير وجه عنه.

وقال سفيان الثوري، عن علي بن زيد، عن يوسف بن سعد، عن عمر بن الخطاب، في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكُفيتمُوهُم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين.

وكذا رواه حمزة الزيات، عن عمرو بن مرة قال: قال ابن عباس لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، هذه الآية: (الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) قال: هم الأفجران من قريش: أخوالي وأعمامك فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين.

وقال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة بن زيد (٦) هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر وكذا رواه مالك في تفسيرة عن نافع، عن ابن عمر.

وقوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) أي: جعلوا له (٧) شركاء عبدوهم معه، ودَعَوُا الناس إلى ذلك.

ثم قال تعالى مهدِّدًا لهم (٨) ومتوعدا لهم على لسان نبيه ﷺ: (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)

(١) ت، أ:: حنين".

(٢) في ت، أ: "به مني".

(٣) في ت: "الكراء".

(٤) في ت، أ: "نعم".

(٥) في أ: "المسوف".

(٦) في ت: "وقتادة وابن زيد".

(٧) في ت: "جعلوا لله".

(٨) في ت: "له".

ج4 · ص510

أي: مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا، فمهما يكن من شيء (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) أي: مرجعكم وموئلكم إليها، كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠].

﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)﴾

يقول تعالى آمرًا العباد (١) بطاعته والقيام بحقه، والإحسان إلى خلقه، بأن يقيموا الصلاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات، والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب.

والمراد بإقامتها هو: المحافظة على وقتها وحدودها، وركوعها وخشوعها وسجودها.

وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر، أي: في الخفية، والعلانية وهي: الجهر، وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) وهو يوم القيامة، وهو يوم (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ) أي: لا يقبل من أحد فدية بأن تباع (٢) نفسه، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥].

وقوله: (وَلا خِلالٌ) قال ابن جرير: يقول: ليس هناك مُخَالَّة (٣) خليل، فيصفح (٤) عمن استوجب العقوبة، عن العقاب لمُخَالَّته، بل هنالك العدل والقسط، فالخلال مصدر، من قول القائل: "خاللت فلانا، فأنا أخاله مخالة وخلال"، ومنه قول امرئ القيس:

صَرَفتُ الهَوَى عَنْهُنَّ من خَشْيَة الرَّدَى … وَلَسْتُ بمقْلى الخلال ولا قَال (٥)

وقال قتادة: إن الله قد علم أن في الدنيا بيوعا وخلالا يتخالون بها في الدنيا، فينظر رجل من يخالل وعلام صاحب، فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله فسيقطع عنه.

قلت: والمراد من هذا أنه يخبر تعالى أنه لا ينفع أحدا بيع ولا فدية، ولو افتدى بملء الأرض ذهبا لو وجده، ولا ينفعه صداقة أحد ولا شفاعة أحد إذا لقي الله كافرا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].

(١) في ت، أ: "لعباده".

(٢) في ت: "يباع".

(٣) في ت: "مخالطة".

(٤) في ت: "فصفح".

(٥) البيت في تفسير الطبري (١٣/ ١٤٩).

ج4 · ص511

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾

يعدد تعالى نعمه على خلقه، بأن خلق لهم السماوات سقفا محفوظًا (١) والأرض فراشًا، وأنزل من السماء ماء فأخرج به أزواجا من نبات شتى، ما بين ثمار وزروع، مختلفة الألوان والأشكال، والطعوم والروائح والمنافع، وسخر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر، تجري عليه بأمر الله تعالى، وسخر البحر يحملها ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر، لجلب ما هنا إلى هناك، وما هناك إلى هاهنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر، رزقا للعباد من شرب وسقي وغير ذلك من أنواع المنافع.

(وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ) أي: يسيران لا يقران (٢) ليلا ولا نهارا، ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار عارضان (٣) فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٤) [لقمان: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٥].

﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾

وقوله: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) يقول: هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم (٥) وقالكم.

وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه.

وقرأ بعضهم: "وأتاكم من كل ما سألتموه".

وقوله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) يخبر عن عجز العباد عن تعداد النعم فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب، ﵀: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر (٦) من أن يحصيها (٧) العباد، ولكن أصبحوا توابين وامسُوا توابين.

(١) في أ: "مرفوعا".

(٢) في أ: "لا يفتران".

(٣) في ت، أ: "يتعارضان".

(٤) في هـ، ت، أ: "ألا وهو العزيز الغفار" والصواب ما أثبتناه.

(٥) في ت، أ: "لحالكم".

(٦) في أ: "أكبر".

(٧) في ت، أ: "تحصيها".

ج4 · ص512

وفي صحيح البخاري: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم، لك الحمد غير مَكْفِيّ ولا مودَع، ولا مستغنى عنه ربَّنا" (١).

وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن المُحبّر، حدثنا صالح المرْيّ عن جعفر بن زيد العَبْدِي، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة (٢) دواوين، ديوان، فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله تعالى عليه، فيقول الله لأصغر (٣) نعمه -أحسبَه. قال: في ديوان النعم: خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح كله، ثم تَنَحّى وتقول: وعزتك ما استوفيت. وتبقى الذنوب والنعم (٤) فإذا أراد الله أن يرحم قال: يا عبدي، قد ضاعفتُ لك حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك -أحسبه قال: ووهبت لك نعمي" (٥) غريب، وسنده ضعيف.

وقد روي في الأثر: أن داود، ﵇، قال: يارب، كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك علي؟ فقال الله تعالى: الآن شكرتني يا داود، أي: حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر النعم.

وقال الشافعي، ﵀: الحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه، إلا بنعمة (٦) تُوجِب على مُؤدى ماضي نعَمه بأدائها، نعمة حادثةَ توجب عليه شكره بها (٧).

وقال القائل في ذلك:

لو كل جَارِحَة مني لهَا لُغَةٌ … تُثْنيِ عَلَيكَ بما أولَيتَ مِنْ حَسنِ

لَكَانَ ما زَادَ شُكري إذ شَكَرت به … إليكَ أبلغَ في الإحسَان والمننِ

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾

يذكر تعالى في هذا المقام محتجا على مشركي العرب، بأن البلد الحرام مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم الذي كانت عامرة بسببه، آهلة تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن فقال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) وقد استجاب الله له، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقال تعالى:

(١) صحيح البخاري برقم (٥٤٥٨) من حديث أبي أمامة ﵁.

(٢) في أ: "ثلاث" وهو خطأ.

(٣) في ت، أ: "لأصغرهم".

(٤) في ت، أ: "والنعم والعمل الصالح فيستوعب عمله الصالح كله".

(٥) مسند البزار برقم (٣٤٤٤) "كشف الأستار" وفيه داود بن المحبر وصالح المرى وهما ضعفيان.

(٦) في هـ، ت، أ: "بنعمة حادثة" والمثبت من الرسالة.

(٧) الرسالة للشافعي (ص ٧، ٨).

ج4 · ص513

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي (١) بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]، وقال في هذه القصة: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) فعرفه كأنه دعا به بعد بنائها؛ ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة، فإنه دعا أيضا فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، كما ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطولا.

وقال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ) ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته.

ثم ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس وأنه برئ ممن عبدها، ورد أمرهم (٢) إلى الله، إن شاء عذبهم (٣) وإن شاء غفر لهم (٤) كما قال عيسى، ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وليس في هذا أكثر من الرد إلى مشيئة الله تعالى، لا تجويز (٥) وقوع ذلك.

قال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث، أن بكر بن سَوَادة حدثه، عن عبد الرحمن بن جُبَير (٦) عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ تلا قول إبراهيم: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقول (٧) عيسى ﵇: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ورفع يديه، [ثم] (٨) قال: "اللهم أمتي، اللهم أمتي، اللهم أمتي"، وبكى فقال الله: [يا جبريل] (٩) اذهب إلى محمد -وربك أعلم وسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل، ﵇، فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ ما قال، [قال] (١٠) فقال الله: اذهب إلى محمد، فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك (١١).

﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾

وهذا يدل على أن هذا دعاء ثان بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولى عن هاجر وولدها، وذلك قبل بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه، تأكيدًا ورغبة إلى الله، ﷿؛ ولهذا قال: (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)

وقوله: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) قال ابن جرير: هو متعلق بقوله: "المحرم" أي: إنما جعلته محرما ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده.

(١) في أ: "للتي" وهو خطأ.

(٢) في أ: "أمره".

(٣) في أ: "عذبه".

(٤) في أ: "له".

(٥) في ت: "لا تحرير".

(٦) في أ: "ابن جرير".

(٧) في ت، أ: "وقال".

(٨) زيادة من ت، أ.

(٩) زيادة من ت، أ.

(١٠) زيادة من ت.

(١١) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ١٥١).

ج4 · ص514

(فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: لو قال: "أفئدة الناس" لازدحم عليه فارس والروم واليهود (١) والنصارى والناس كلهم، ولكن قال: (مِنَ النَّاسِ) فاختص به المسلمون.

وقوله: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ) أي: ليكون ذلك عونا لهم على طاعتك وكما أنه (وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) فاجعل لهم ثمارا يأكلونها. وقد استجاب الله ذلك، كما قال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧] وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته: أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة، وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها، استجابة لخليله إبراهيم، ﵊.

﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾

قال ابن جرير: يقول تعالى مخبرا عن إبراهيم خليله أنه قال: (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) أي: أنت تعلم قصدي في دعائي وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، ولا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء.

ثم حمد ربه، ﷿، على ما رزقه من الولد بعد الكبر، فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي: إنه ليستجيب لمن دعاه، وقد استجاب لي فيما سألته (٢) من الولد.

ثم قال: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ) أي: محافظا عليها مقيما لحدودها (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) أي: واجعلهم كذلك مقيمين (٣) الصلاة (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) أي: فيما سألتك فيه كله.

(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) وقرأ بعضهم: "ولوالدي"، على الإفراد وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه (٤) لما تبين له عداوته (٥) لله، ﷿، (وَلِلْمُؤْمِنِينَ) أي: كلهم (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) أي: يوم تحاسب عبادك فتجزيهم (٦) بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، [والله أعلم] (٧).

(١) في ت: "واليهود والروم".

(٢) في ت: "فيما سألت".

(٣) في ت، أ: "مقيمي".

(٤) في ت: "ابنه".

(٥) في أ: "أنه عدو".

(٦) في ت: "فيجزيهم".

(٧) زيادة من أ.

ج4 · ص515

﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (٤٢)﴾

يقول [تعالى شأنه] (١) (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ) يا محمد (غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) أي: لا تحسبه إذ (٢) أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم، لا يعاقبهم على صنعهم (٣) بل هو يحصي ذلك عليهم ويعده عدا، أي: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ) أي: من شدة الأهوال يوم القيامة.

﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾

ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم ومجيئهم إلى قيام المحشر فقال: (مُهْطِعِينَ) أي: مسرعين، كما قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ] (٤) [القمر: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ إلى قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١٠٨ - ١١١]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣].

وقوله: (مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ) قال ابن عباس، ومجاهد وغير واحد: رافعي رءوسهم.

(لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) أي: [بل] (٥) أبصارهم طائرة شاخصة، يديمون النظر لا يطرفون لحظة لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة (٦) لما يحل بهم، عياذًا بالله العظيم من ذلك؛ ولهذا قال: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) أي: وقلوبهم خاوية خالية ليس فيها شيء لكثرة [الفزع و] (٧) الوجل والخوف. ولهذا قال قتادة وجماعة: إن أمكنة أفئدتهم خالية لأن القلوب لدى الحناجر قد خرجت من أماكنها من شدة الخوف. وقال بعضهم: (هَوَاءٌ) خراب لا تعي (٨) شيئا.

ولشدة ما أخبر الله تعالى [به] (٩) عنهم، قال لرسوله: (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ).

﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾

(١) زيادة من أ.

(٢) في ت: "إذا".

(٣) في ت، أ: "صنيعهم".

(٤) زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".

(٥) زيادة من أ.

(٦) في ت: "والمخافة والفكرة".

(٧) زيادة من ت، أ.

(٨) في أ: "لا يعي".

(٩) زيادة من ت.

ج4 · ص516

يقول تعالى مخبرًا عن قيل الذين ظلموا أنفسهم، عند معاينة العذاب: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ (١) مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ٩، ١٠]، وقال تعالى مخبرا عنهم في حال محشرهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧، ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].

وقال تعالى رادا عليهم في قولهم هذا: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ) أي: أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحال: أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، فذوقوا هذا بذاك.

قال مجاهد وغيره: (مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ) أي: ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، كما أخبر عنهم تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨].

(وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ) أي: قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم مزدجر لكم (٢) ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥].

وقد روى شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن [بن دابيل] (٣) أن عليا، ﵁، قال في هذه الآية: (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) قال: أخذ ذاك الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين صغيرين، فرباهما حتى استغلظا واستعلجا وشبا (٤).

قال: فأوثق رِجْل كل واحد منهما بوتد إلى تابوت، وجوعهما، وقعد هو ورجل آخر في التابوت قال: -ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم -قال: فطارا [قال] (٥) وجعل يقول لصاحبه: انظر، ما (٦) ترى؟ قال: أرى كذا وكذا، حتى قال: أرى الدنيا كلها كأنها ذباب. قال: فقال: صوب العصا،

(١) في أ: "وأكون".

(٢) في ت: "لكم مزدجر".

(٣) زيادة من ت، وفي أ: "بن دنيال".

(٤) في ت: "فشبا".

(٥) زيادة من ت، أ.

(٦) في ت: "ماذا".

ج4 · ص517

فصوبها، فهبطا. قال: فهو قول الله، ﷿: (وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال). قال أبو إسحاق: وكذلك هي في قراءة عبد الله: "وإن كاد مكرهم" (١).

قلت: وكذا رُوي عن أبي بن كعب، وعمر بن الخطاب، ﵄، أنهما قرآ: "وإن كاد"، كما قرأ علي. وكذا رواه سفيان الثوري، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أذنان (٢) عن علي، فذكر نحوه.

وكذا رُوي عن عكرمة أن سياق هذه القصة لنمرود ملك كنعان: أنه رام أسباب السماء بهذه الحيلة والمكر، كما رام ذلك بعده فرعون ملك القبط في بناء الصرح، فعجزا وضعفا. وهما أقل وأحقر، وأصغر وأدحر.

وذكر مجاهد هذه القصة عن بختنصر، وأنه لما انقطع بصره عن الأرض وأهلها، نودي أيها الطاغية: أين تريد؟ فَفَرق، ثم سمع الصوت فوقه فصوب الرماح، فصَوبت النسور، ففزعت الجبال من هدتها، وكادت الجبال أن تزول من حس (٣) ذلك، فذلك قوله: (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)

ونقل ابن جُريج (٤) عن مجاهد أنه قرأها: "لَتَزُولُ منه الجبال"، بفتح اللام الأولى، وضم (٥) الثانية.

وروى العوفي عن ابن عباس في قوله: (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال. وكذا قال الحسن البصري، ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من كفرهم بالله وشركهم به، ما ضر ذلك شيئا من الجبال ولا غيرها، وإنما عاد وبال ذلك على أنفسهم.

قلت: ويشبه هذا إذا قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧].

والقول الثاني في تفسيرها: ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) يقول شركهم، كقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١]، وهكذا قال الضحاك وقتادة.

(١) تفسير الطبري (١٣/ ١٦٠)، وصوب العصا: خفضها وأنزلها أ. هـ. مستفادا من حاشية الشعب.

(٢) في ت: "أرباب"، وفي أ: "أريان".

(٣) في ت: "من حين".

(٤) في أ: "ابن جرير".

(٥) في ت، أ: "ورفع".

ج4 · ص518

﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾

يقول تعالى مقررًا لوعده ومؤكدًا: (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) أي: من نصرتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

ثم أخبر أنه ذو عزة لا يمتنع (١) عليه شيء أراده، ولا يغالب، وذو انتقام ممن (٢) كفر به وجحده (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) [الطور: ١١]؛ ولهذا قال: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) أي: وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض، وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة، كما جاء في الصحيحين، من حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، ليس فيها معلم لأحد" (٣).

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: أنا أول الناس سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) قالت: قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: "على الصراط".

رواه مسلم منفردًا به دون البخاري، والترمذي، وابن ماجه، من حديث داود بن أبي هند، به (٤) وقال الترمذي: حسن صحيح.

ورواه أحمد أيضا، عن عفان، عن وهيب (٥) عن داود، عن الشعبي، عنها (٦) ولم يذكر مسروقًا (٧).

وقال قتادة، عن حسان بن بلال المزني، عن عائشة، ﵂، أنها سألت رسول الله ﷺ عن قول الله: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) قال: قالت (٨) يا رسول الله، فأين الناس يومئذ؟ قال: "لقد سألتني (٩) عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي، ذاك أن الناس على جسر جهنم" (١٠) (١١).

وروى الإمام أحمد، من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ، عن قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]،

(١) في ت: "تمتنع".

(٢) في ت: "بمن".

(٣) صحيح البخاري برقم (٦٥٢١) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩٠).

(٤) المسند (٦/ ٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩١) وسنن الترمذي برقم (٣١٢١) وابن ماجة برقم (٤٢٧٩).

(٥) في ت: "وهب".

(٦) في ت: "عنهما".

(٧) المسند (٦/ ١٣٤).

(٨) في ت، أ: "قلت".

(٩) في ت: "سألتيني".

(١٠) في ت: "على حشرهم".

(١١) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ١٦٦).

ج4 · ص519

فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: "هم على متن جهنم" (١).

وقال ابن جرير: حدثنا الحسن، حدثنا علي بن الجعد، أخبرني القاسم، سمعت الحسن قال: قالت عائشة: يا رسول الله، (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ) فأين الناس يومئذ؟ قال: "إن هذا شيء ما سألني عنه أحد"، قال: "على الصراط يا عائشة".

ورواه أحمد، عن عفان (٢) عن القاسم بن الفضل، عن الحسن، به (٣).

وقال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثني الحسن بن علي الحلواني، حدثنا أبو تَوْبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد -يعني: أخاه -أنه سمع أبا سلام، حدثني أبو أسماء الرَّحَبِي؛ أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدثه قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ، فجاءه (٤) حَبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد. فدفعته دفعة كاد يُصرَع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟! فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سَمّاه به أهله! فقال رسول الله ﷺ: "إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي". فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال رسول الله ﷺ: "أينفعك شيء إن حدثتك؟ " فقال: أسمع بأذني. فنكت رسول الله ﷺ بعود معه، فقال: "سل". فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله ﷺ: "هم في الظلمة دون الجسر" (٥) قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: فقال: " [فقراء] (٦) المهاجرين". قال اليهودي: فما تُحْفَتهُم حين يدخلون الجنة؟ قال: "زيادة كبد النون" قال: فما غذاؤهم في أثرها؟ قال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها". قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عين فيها تسمى سلسبيلا". قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان؟ قال: "أينفعك إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد. قال: "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فَعَلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا (٧) بإذن الله -تعالى -وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنَّثا بإذن الله" قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي. ثم انصرف، فقال رسول الله ﷺ: "لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه، حتى أتاني الله به" (٨).

[و] (٩) قال أبو جعفر بن جرير الطبري: حدثني ابن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي

(١) المسند (٦/ ١١٧).

(٢) في ت، أ: "عثمان".

(٣) تفسير الطبري (١٣/ ١٦٦) والمسند (٦/ ١٠١).

(٤) في ت: "فجاء".

(٥) في ت: "الحشر".

(٦) زيادة من ت، أ، ومسلم.

(٧) في أ: "ذكرا".

(٨) صحيح مسلم برقم: (٣١٥).

(٩) زيادة من ت.

ج4 · ص520

مريم، حدثنا سعيد بن ثوبان الكَلاعي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: أتى النبيَّ ﷺ حَبْر من اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله في كتابه: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) فأين الخَلْق عند ذلك؟ فقال: "أضياف الله، فلن يعجزهم ما لديه" (١).

ورواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، به.

وقال شعبة: أخبرنا أبو إسحاق، سمعت عمرو بن ميمون -وربما قال: قال عبد الله، وربما لم يقل -فقلت له: عن عبد الله؟ فقال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ) قال: أرض كالفضة البيضاء نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها (٢) خطيئة، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاةً عراة كما خلقوا. قال: أراه قال: قياما حتى يُلجِمَهم العرق (٣).

وروي من وجه آخر عن شعبة وعن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود، بنحوه. وكذا رواه عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود، به.

وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، لم يخبر به. أورد ذلك كله ابن جرير (٤).

وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن عُبَيد بن عَقِيل، حدثنا سهل بن حماد أبو عتاب، حدثنا جرير بن أيوب، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، عن النبي ﷺ في قول الله، ﷿: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ) قال: "أرض بيضاء لم يسقط عليها دم (٥) ولم يعمل عليها خطيئة". ثم قال: لا نعلم رفعه إلا جرير بن أيوب، وليس بالقوي (٦).

ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثا معاوية بن هشام، عن سنان (٧) عن جابر الجُعْفي، عن أبي جُبَيرة (٨) عن زيد قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى اليهود فقال: "هل تدرون لم أرسلت إليهم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أرسلت إليهم أسألهم عن قول الله: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ) إنها تكون يومئذ بيضاء مثل الفضة". فلما جاءوا سألهم فقالوا: تكون بيضاء مثل النَّقِي (٩).

وهكذا رَوى عن علي، وابن عباس، وأنس بن مالك، ومجاهد بن جبير: أنها تبدل يوم القيامة بأرض من فضة.

وعن علي، ﵁، أنه قال: تصير الأرض فضة، والسموات ذهبا.

(١) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ١٦٤).

(٢) في ت، أ: "فيها".

(٣) تفسير الطبري (١٣/ ١٦٤).

(٤) تفسير الطبري (١٣/ ١٦٤).

(٥) في ت: "دما".

(٦) مسند البزار برقم (٣٤٣١) "كشف الأستار" وجرير بن أيوب ضعفه الأئمة.

(٧) في ت، أ: "شيبان".

(٨) في أ: "عن ابن حبرة".

(٩) تفسير الطبري (١٣/ ١٦٤).