سورة إبراهيم

ซูเราะฮ์ที่ 14 · ตอน 2/4 · เล่ม 4 หน้า 491–505

ج4 · ص491

وقال محمد بن كعب القُرظي، ﵀: لما قال أهل النار: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) قال لهم إبليس: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ) الآية، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم، فنودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠].

وقال عامر الشعبي: يقوم خطيبان يوم القيامة على رءوس الناس، يقول الله لعيسى ابن مريم: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٩]، قال: ويقوم إبليس -لعنه الله -فيقول: (وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) الآية.

ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنَّكَال. وأن خطيبهم إبليس، عطف بحال السعداء وأنهم يدخلون يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا (١) (خَالِدِينَ فِيهَا) ماكثين أبدا لا يحولون ولا يزولون، (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ) كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]، وقال: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً) شهادة أن لا إله إلا الله، (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) وهو المؤمن، (أَصْلُهَا ثَابِتٌ) يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن، (وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.

وهكذا قال الضحاك، وسعيد بن جُبَير، وعِكْرِمة وقتادة وغير واحد: إن ذلك عبارة عن المؤمن، وقوله الطيب، وعمله الصالح، وإن المؤمن كالشجرة من النخل، لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت، وصباح ومساء.

وهكذا رواه السُّدِّي، عن مُرَّة، عن ابن مسعود قال: هي النخلة.

وشعبة، عن معاوية بن قُرَة، عن أنس: هي النخلة.

(١) في ت: "شاءوا أين شاءوا" وفي أ: "شاءوا حيث شاءوا".

ج4 · ص492

وحماد بن سلمة، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس: أن رسول الله ﷺ أتي بقناع بُسْر فقال: (١) "ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة" قال: "هي النخلة" (٢).

وروي من هذا الوجه ومن غيره، عن أنس موقوفا (٣) وكذا نص عليه مسروق، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة وغيرهم.

وقال البخاري: حدثنا عُبَيدُ بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "أخبروني عن شجرة تشبه -أو: كالرجل -المسلم، لا يتحات ورقها [ولا ولا ولا] (٤) تؤتي أكلها كل حين". قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا، قال رسول الله ﷺ: "هي النخلة". فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتا، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا. قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا (٥).

وقال أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله ﷺ إلا حديثا واحدا -قال: كنا عند رسول الله ﷺ فأتى بجمار. فقال: "من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم". فأردت أن أقول: هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم، [فسكت] (٦) فقال رسول الله ﷺ: "هي النخلة" أخرجاه (٧).

وقال مالك وعبد العزيز، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يوما لأصحابه: "إن من الشجر شجرة لا يطرح ورقها، مثل المؤمن". قال: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في قلبي أنها النخلة [فاستحييت، حتى قال رسول الله ﷺ: "هي النخلة] " (٨) أخرجاه أيضا (٩).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان -يعني ابن زيد العطار -حدثنا قتادة: أن رجلا قال: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور! فقال: "أرأيت لو عمد إلى متاع

(١) في هـ، ت، أ: "فقرأ" والمثبت من الطبري والترمذي.

(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٧٠) والترمذي في السنن برقم (٣١١٩) من طريق حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: "وروى غير واحد مثل هذا موقوفا، ولا نعلم أحدا رفعه غير حماد بن سلمة، ورواه معمر وحماد بن زيد وغير واحد ولم يرفعوه".

(٣) رواه أبو بكر بن شعيب بن الحبحاب، عن أبيه، عن أنس بن مالك نحوه موقوفا، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١١٩) ورواه حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس موقوفا، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١١٩).

(٤) زيادة من ت، أ، والبخاري.

(٥) صحيح البخاري برقم (٤٦٩٨).

(٦) زيادة من ت، أ، والمسند.

(٧) المسند (٢/ ١٢) وصحيح البخاري برقم (٧٢) وصحيح مسلم برقم (٢٨١١).

(٨) زيادة من ت، أ، والصحيحين.

(٩) صحيح البخاري برقم (١٣١) وصحيح مسلم برقم (٢٨١١).

ج4 · ص493

الدنيا، فركب بعضها على بعض أكان يبلغ السماء؟ أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء؟ ". قال: ما هو يا رسول الله؟ قال: "تقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله"، عشر مرات في دبر كل صلاة، فذاك أصله في الأرض وفرعه في السماء" (١).

وعن ابن عباس (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) قال: هي شجرة في الجنة.

﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾

وقوله: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) قيل: غُدوة وعَشيا. وقيل: كل شهر. وقيل: كل شهرين.

وقيل: كل ستة أشهر. وقيل: كل سبعة أشهر. وقيل: كل سنة.

والظاهر من السياق: أن المؤمن مثله كمثل شجرة، لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت من صيف أو شتاء، أو ليل أو نهار، كذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار في كل وقت وحين.

(بِإِذْنِ رَبِّهَا) أي: كاملا حسنا كثيرا طيبا، (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)

وقوله: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) هذا مثل كفر الكافر، لا أصل له ولا ثبات، وشبه بشجرة الحنظل، ويقال لها: "الشريان". [رواه شعبة، عن معاوية بن قُرَّة، عن أنس بن مالك: أنها شجرة الحنظل] (٢).

وقال أبو بكر البزار الحافظ: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس -أحسَبه رفعه-قال: "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة"، قال: هي النخلة، (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) قال: هي الشّرْيان (٣).

ثم رواه عن محمد بن المثنى، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن معاوية، عن أنس موقوفا (٤).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد -هو ابن سلمة -عن شعيب بن الحَبْحاب عن أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ قال: "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة" هي "الحنظلة". فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: هكذا كنا نسمع.

ورواه ابن جرير، من حديث حماد بن سلمة، به (٥) ورواه أبو يعلى في مسنده بأبسط من هذا فقال:

(١) أورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٢٢) وعزاه لابن أبي حاتم، وهو مرسل.

(٢) زيادة من ت، أ.

(٣) ورواه حماد بن سلمة عن شعيب بن الحبحاب عن أنس مرفوعا مثله رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٧٠، ٥٨٥).

(٤) ورواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٨٣) عن محمد بن المثنى به موقوفا، ورواه شبابة وعمرو بن الهيثم، عن شعبة فأوقفوه. انظر: تفسير الطبري (١٦/ ٥٨٣).

(٥) تفسير الطبري (١٦/ ٥٨٥).

ج4 · ص494

حدثنا غسان، عن حماد، عن شعيب، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ أتي بقناع عليه بُسْر، فقال: ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها فقال: "هي النخلة" (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) قال: "هي الحنظل" (١) قال شعيب: فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كنا نسمع (٢).

وقوله: (اجْتُثَّتْ) أي: استؤصلت (مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) أي: لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شيء.

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾

قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مَرْثَد قال: سمعت سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب، ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) " (٣).

ورواه مسلم أيضا وبَقِيَّة الجماعة كلهم، من حديث شعبة، به (٤).

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود يَنْكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر"، مرتين أو ثلاثا، ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحَنُوط من حَنُوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر. ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان". قال: "فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فِي السِّقَاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنُوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها، فلا يمرون -يعني بها -على ملأ من الملائكة

(١) في أ: "الحنظلة".

(٢) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣١١٩) عن عبد بن حميد، عن أبي الوليد، عن حماد بن سلمة به نحوه، وقد سبق الكلام عليه.

(٣) صحيح البخاري برقم (٤٦٩٩).

(٤) صحيح مسلم برقم (٢٨٧١) وسنن أبي داود برقم (٤٧٥٠) وسنن الترمذي برقم (٣١٢٠) وسنن النسائي (٤/ ١٠١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٦٩).

ج4 · ص495

إلا قالوا: ما هذا الروح [الطيب] (١)؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي [كانوا] (٢) يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عِليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى".

قال: "فتُعَاد روحه [في جسده] (٣) فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة -قال: فيأتيه من رَوْحِها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره. ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة. رب، أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي".

قال: "وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المُسُوح، فجلسوا منه مد البصر. ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سَخَط من الله وغَضَب". قال: "فتَفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفُّود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها (٤) في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح. ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على مَلأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمونه بها في الدنيا [حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا] (٥) فيستفتح له فلا يفتح له". ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فيقول الله: "اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا". ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١].

"فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل

(١) زيادة من ت، أ، والمسند.

(٢) زيادة من ت، أ، والمسند.

(٣) زيادة من ت، أ، والمسند.

(٤) في أ: "لم يدعها".

(٥) زيادة من ت، أ، والمسند.

ج4 · ص496

قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: ومن أنت فوجهك [الوجه] (١) يجيئ بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب، لا تقم الساعة".

ورواه أبو داود من حديث الأعمش، والنسائي وابن ماجة من حديث المنهال بن عمرو، به (٢).

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن يونس بن خباب (٣) عن المِنْهَال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى جنازة، فذكر نحوه.

وفيه: "حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، [وكل ملك في السماء] (٤) وفتحت أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله، ﷿، أن يعرج بروحه من قبلهم".

وفي آخره: "ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، وفي يده مرزبَّة لو ضرب بها جبل لكان ترابا، فيضربه ضربة فيصير ترابا. ثم يعيده الله، ﷿، كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين". قال البراء: ثم يفتح له باب إلى النار، ويمهد من فرش النار (٥).

وقال سفيان الثوري، عن أبيه، عن خَيْثَمَة، عن البراء في قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) قال: عذاب القبر.

وقال المسعودي، عن عبد الله بن مُخَارق، عن أبيه، عن عبد الله قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبته الله، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ. وقرأ عبد الله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) (٦).

وقال الإمام عبد بن حميد، ﵀، في مسنده: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم". قال: "فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ " قال: "فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله". قال: "فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة". قال نبي الله ﷺ: "فيراهما جميعا". قال

(١) زيادة من ت، أ، والمسند.

(٢) المسند (٤/ ٢٨٧) وسنن أبي داود برقم (٤٧٥٣) وسنن النسائي برقم (٤/ ٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (١٥٤٨).

(٣) في هـ، أ: "يونس بن حبيب" والمثبت من ت والمسند.

(٤) زيادة من ت، أ، والمسند.

(٥) المسند (٤/ ٢٩٥).

(٦) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٩٧).

ج4 · ص497

قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا، ويملأ عليه خَضِرًا إلى يوم القيامة.

رواه مسلم عن عبد بن حميد، به (١) وأخرجه النسائي من حديث يونس بن محمد المؤدب، به (٢).

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جُرَيْج، أخبرني أبو الزبير، أنه سأل جابر بن عبد الله عن فَتَّاني القبر فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن هذه الأمة تُبْتَلَى في قبورها، فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه، جاء ملك شديد الانتهار، فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول المؤمن: أقول: إنه رسول الله وعبده. فيقول له الملك: انظر إلى مقعدك الذي كان لك في النار، قد أنجاك الله منه، وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة، فيراهما كليهما. فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي. فيقال له: اسكن. وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أهله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، أقول كما يقول الناس. فيقال له: لا دريت، هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة، قد أبدلت مكانه مقعدك من النار".

قال جابر: فسمعت النبي ﷺ يقول: "يبعث كل عبد في القبر على ما مات، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه".

إسناده (٣) صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (٤) (٥).

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عباد بن راشد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: شَهِدنا مع رسول الله ﷺ جنازة، فقال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس، إن هذه الأمة تُبتَلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مطراق فأقعده، قال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله (٦) فيقول له: صدقت. ثم يفتح له بابا إلى النار، فيقول: هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت فهذا منزلك. فيفتح له بابا إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه، فيقول له: اسكن. ويفسح له في قبره". "وإن كان كافرا أو منافقا يقول (٧) له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا (٨) فيقول: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت. ثم يفتح له بابا إلى الجنة، فيقول له: هذا

(١) المنتخب لعبد بن حميد برقم (١١٧٨) وصحيح مسلم برقم (٢٨٧٠).

(٢) سنن النسائي (٤/ ٩٧).

(٣) في ت: "إسناد".

(٤) في ت: "ولم يخرجوه".

(٥) الذي في المسند (٣/ ٣٤٦): حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير به، وكذا في أطراف المسند لابن حجر (٢/ ١١٠).

(٦) في أ: "وأن محمدا رسول الله".

(٧) في ت، أ: "فيقول".

(٨) في أ: "شيئا فقلته".

ج4 · ص498

منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به فإن الله، ﷿، أبدلك به هذا. فيفتح (١) له بابا إلى النار، ثم يقمَعه قمعةً بالمطراق يسمعها خَلْقُ الله، ﷿، كلهم غير الثقلين". فقال بعض القوم: يا رسول الله، ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق (٢) إلا هيل عند ذلك. فقال رسول الله ﷺ: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) (٣).

وهذا أيضا إسناد لا بأس به، فإن عباد بن راشد التميمي روى له البخاري مقرونا، ولكن ضعفه بعضهم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يَسَار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٤) "إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة (٥) كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان". قال: "فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يُعْرَج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقولون: مرحبا بالروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان" قال: "فلا يزال يقال لها ذلك، حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿.

وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغَسَّاق، وآخر من شكله أزواج. فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لا تفتح (٦) لك أبواب السماء. فيرسل (٧) من السماء، ثم يصير (٨) إلى القبر"، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول.

ورواه النسائي وابن ماجة، من طريق ابن أبي ذئب (٩) بنحوه (١٠).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، ﵁، قال: إذا خرجت روح العبد المؤمن، تلقاها ملكان يصعدان بها. قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك. قال: ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قِبَل الأرض، صَلَّى الله عليك وعلى جَسَد كنت تَعْمُرينه، فيُنطَلَقُ به إلى ربه ﷿، فيقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل. وإن الكافر إذا خرجت روحه. قال حماد: وذكر من

(١) في ت: "ففتح".

(٢) في ت: "مطرقة".

(٣) المسند (٣/ ٣).

(٤) في ت، أ: "عن النبي ﷺ أنه قال".

(٥) في ت، أ: "الطيبة".

(٦) في ت، أ: "يفتح".

(٧) في ت: "فترسل".

(٨) في ت: "تصير".

(٩) في ت: "ابن أبي ذهاب" وفي أ: "ابن أبي ذر".

(١٠) المسند (٢/ ٣٦٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٦٢) وقال البوصيرى في الزوائد (٣/ ٣١١): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".

ج4 · ص499

نَتْنها وذكر مقتا، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض. قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة: فردّ رسول الله ﷺ رَبْطَةً كانت عليه على أنفه، هكذا (١).

وقال ابن حبان في صحيحه: حدثنا عمر بن محمد الهمداني، حدثنا زيد بن أخزم، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن قسامة بن زهير، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن المؤمن إذا قُبض، أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي إلى روح الله. فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا يشمونه حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون ما هذا الريح الطيبة التي جاءت من قِبل الأرض؟ ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين، فَلهُم أشدّ فرحًا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: دعوه حتى يستريح، فإنه كان في غمّ! فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ فيقولون: ذُهب به إلى أمه الهاوية. وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسْح فيقولون: اخرجي إلى غضب الله، فتخرج كأنتن ريح جيفة، فَيُذْهَب به إلى باب الأرض" (٢).

وقد روي أيضا من طريق هَمَّام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه. قال: "فَيُسأل: ما فعل فلان، ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ " قال: "وأما الكافر فإذا قُبضت نفسه، وذُهب بها إلى باب الأرض تقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحا أنتن من هذه. فَيُبْلَغُ بها الأرض السفلى" (٣).

قال قتادة: وحدثني رجل، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح المؤمنين تجمع بالجابية. وأرواح الكفار تجمع ببرهوت، سبخة بحضرموت.

وقال الحافظ أبو عيسى الترمذي، ﵀: حدثنا يحيى بن خلف، حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقْبرُِي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا قبر الميت -أو قال: أحدكم -أتاه ملكان أسودان أزرقان (٤) يقال لأحدهما: المنكر، والآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا. ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين. ثم ينوّر له فيه، ثم يقال له: نَمْ. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نَمْ نومةَ العروس الذي لا يوقظه إلا أحَبَّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثلهم، لا أدري. فيقولان: قد كنا نعلم أنك

(١) صحيح مسلم برقم (٢٨٧٢).

(٢) صحيح ابن حبان برقم (٧٣٣) "موارد".

(٣) صحيح ابن حبان برقم (٧٣١) "موارد" ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٥١) من طريق همام به نحوه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٤) في ت: "أزراق".

ج4 · ص500

تقول ذلك، فيقال (١) للأرض: التئمي عليه. فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك" (٢).

ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

وقال حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) قال: "ذاك إذا قيل له في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، جاءنا بالبينات من عند الله، فآمنت به وصدّقت. فيقال له: صَدَقْتَ، على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تبعث" (٣).

وقال ابن جرير: حدثنا مجاهد بن موسى والحسن بن محمد قالا حدثنا يزيد، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (٤) "إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه مدبرين، فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصيام عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى من عن يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل. فيؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قِبَلي مَدخَلٌ. فيؤتى من عند رجليه فيقول (٥) فعل الخيرات: ما قِبَلي مدخل. فيقال له اجلس.

فيجلس، قد تَمثّلت (٦) له الشمس، قد دنت للغروب، فيقال له أخبرنا عما (٧) نسألك. فيقول: دعوني (٨) حتى أصلي. فيقال: إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك. فيقول: وعَمَّ تسألوني؟ فيقال: أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم، ماذا تقول فيه، وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد؟ فيقال له: نعم. فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاءنا (٩) بالبينات من عند الله، فصدقناه. فيقال له: على ذلك حَييتَ، وعلى ذلك متّ، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله. ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويُنَوَّر له فيه، ويفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى ما أعد الله لك فيها. فيزداد غبطة [وسرورا] (١٠) ثم يجعل نسمه في النسم الطيب، وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة، ويعاد الجسد إلى ما بدئ منه من التراب"، وذلك قول الله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) (١١).

ورواه ابن حبّان، من طريق المعتمر بن سليمان، عن محمد بن عمرو، وذكر جواب الكافر

(١) في ت: "ويقال".

(٢) سنن الترمذي برقم (١٠٧١).

(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٩٦).

(٤) في ت، أ: "عن أبي هريرة قال".

(٥) في ت: "فتقول".

(٦) في ت، أ: "مثلت".

(٧) في ت: "كما".

(٨) في ت، أ: "دعني".

(٩) في ت، أ: "جاء".

(١٠) زيادة من ت، أ، والطبري.

(١١) تفسير الطبري (١٦/ ٥٩٦، ٥٩٧).

ج4 · ص501

وعذابه (١).

وقال البزار: حدثنا سعيد بن بحر القراطيسي، حدثنا الوليد بن القاسم، حدثنا يزيد بن كَيْسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة -أحسَبه رفعه-قال: "إن المؤمن ينزل به الموت، ويعاين ما يعاين، فيودّ (٢) لو خرجت -يعني نفسُه -والله يحب لقاءه، وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء، فتأتيه أرواح المؤمنين، فتستخبره (٣) عن معارفهم من أهل الأرض، فإذا قال: تركت فلانا في الأرض (٤) أعجبهم ذلك. وإذا قال: إن فلانا قد مات، قالوا: ما جيء به إلينا. وإن المؤمن يجلس في قبره، فيسأل: من ربك؟ فيقول: ربي الله (٥) ويسأل: من نبيك؟ فيقول: محمد نبيي (٦) فيقال: ماذا دينك؟ قال: ديني الإسلام. فيفتح له باب في قبره، فيقول -أو: يقال -انظر إلى مجلسك. ثم يرى القبر فكأنما كانت رَقْدَة. وإذا كان عَدُو الله نزل به الموت وعاين ما عاين، فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبدا، والله يبغض لقاءه، فإذا جلس في قبره -أو: أجلس -يقال له: من ربك؟ فيقول: لا أدري. فيقال: لا دريت. فيفتح له باب من جهنم، ثم يضرب (٧) ضربة يسمعها (٨) كل دابة إلا الثقلين، ثم يقال له: نم كما ينام المنهوش". قلت لأبي هريرة: ما المنهوش؟ قال: الذي تنهشه الدواب والحيات، ثم يضيق عليه قبره.

ثم قال: لا نعلم رواه إلا الوليد بن القاسم (٩).

وقال الإمام أحمد، ﵀: حدثنا حُجَين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المُنكَدِر قال: كانت أسماء -يعني بنت الصديق ﵂، تحدث عن النبي ﷺ قالت: قال: "إذا دخل الإنسان قبره، فإن كان مؤمنا أحَفّ به عملُه: الصلاةُ والصيام"، قال: "فيأتيه الملك من نحو الصلاة فترده، ومن نحو الصيام فيرده"، قال: "فيناديه: اجلس. فيجلس. فيقول له: ماذا تقول في هذا الرجل؟ يعني النبي ﷺ، قال: من؟ قال: محمد. قال أشهد أنه رسول الله، قال: يقول: وما يدريك؟ أدركته؟ قال: أشهد أنه رسول الله. قال: يقول: على ذلك عشتَ، وعليه متّ، وعليه تبعثُ. وإن (١٠) كان فاجرًا أو كافرًا، جاءه الملك ليس بينه وبينه شيء يَرُدّه، فأجلسه يقول: اجلس، ماذا تقول في هذا الرجل؟ قال: أي رجل؟ قال: محمد؟ قال: يقول: والله ما أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. قال له الملك: على ذلك عشتَ، وعليه متَ، وعليه

(١) صحيح ابن حبان برقم (٧٨١) "موارد".

(٢) في ت: "فود".

(٣) في ت: "فيستخبرونه".

(٤) في أ: "في الدنيا".

(٥) في ت: "الله ربي".

(٦) في ت، أ: "نبيي محمد".

(٧) في ت، أ: "يضربه".

(٨) في ت، أ: "يسمع".

(٩) مسند البزار برقم (٨٧٤) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٥٢): "في الصحيح طرف منه رواه البزار ورجاله ثقات خلا سعيد بن بحر القراطيسي فإني لم أعرفه".

(١٠) في ت: "قال: وإن".

ج4 · ص502

تبعثُ. قال: وتسلَّط عليه دابة في قبره، معها سوط تَمْرَته (١) جَمرةٌ مثل غَرْب (٢) البعير، تضربه ما شاء الله، صماء لا تسمع صوتَه فترحَمه" (٣).

وقال العوفي، عن ابن عباس، ﵄، في هذه الآية قال: إن المؤمن إذا حَضرَه الموت شهدته الملائكة، فسلموا عليه وبشروه بالجنة، فإذا مات مَشَوا مع جنازته، ثم صَلَّوا عليه مع الناس، فإذا دفن أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقال له: من رسولك؟ فيقول: محمد ﷺ. فيقال له: ما شهادتك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فيوسَّع له في قبره مد بَصَره. وأما الكافر فتنزل عليه الملائكة، فيبسطون أيديهم -"والبسط": هو الضرب -يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت. فإذا أدخل قبره أقعد، فقيل له: من ربك؟ فلم يَرْجع إليهم شيئا، وأنساه الله ذكر ذلك. وإذا قيل: من الرسول الذي بُعثَ إليك؟ لم يهتد له، ولم يرجع إليه شيئًا، كذلك يضل الله الظالمين.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، حدثنا شريح بن مسلمة حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البجلي، عن أبي قتادة الأنصاري في قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) الآية، قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال (٤) له: من ربك؟ فيقول: الله. فيقال له: من نبيك؟ فيقول: محمد بن عبد الله. فيقال له في ذلك مرات. ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك في النار لو زُغْت (٥) ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى منزلك [من الجنة إذ ثبت. وإذا مات الكافر أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ من نبيك؟ فيقول: لا أدري، كنت أسمع الناس يقولون. فيقال له: لا دريت. ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى منزلك] (٦) لو ثبت، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك إذ زغت (٧) فذلك قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ)

وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) قال: لا إله إلا الله، (وَفِي الآخِرَةِ) المسألة في القبر (٨).

وقال قتادة: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، (وَفِي الآخِرَةِ) في القبر. وكذا روي عن غير واحد من السلف.

وقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي في كتابه "نوادر الأصول": حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن

(١) في ت، أ: "تمر به".

(٢) في ت، أ: "عرف".

(٣) المسند (٦/ ٣٥٢).

(٤) في ت: "يقال".

(٥) في ت: "لو رغبت".

(٦) زيادة من ت، أ.

(٧) في ت، أ: "إذ رغبت".

(٨) تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٩٦).

ج4 · ص503

نافع، عن ابن أبي فُدَيْك، عن عبد الرحمن بن عبد الله (١) عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم، ونحن في مسجد المدينة، فقال: "إني رأيت البارحة عجبًا، رأيت رجلا من أمتي [جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه برُّه بوالديه (٢) فرد عنه. ورأيت رجلا من أمتي] (٣) قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وُضوءه فاستنقذه من ذلك. ورأيت رجلا من أمتي [قد] (٤) احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم. ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا، كلما ورد حوضا مُنع منه، فجاءه صيامه فسقاه وأرواه. ورأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلَقا حلقا، وكلما دنا لحقة طردوه، فجاءه اغتساله من الجنابة، فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي. ورأيت رجلا من أمتي [من] (٥) بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، وهو متحير فيها، فجاءته حجته وعمرته، فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور، ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه، فجاءته صلَة الرحم، فقالت: يا معشر المؤمنين، كلموه، فكلموه. ورأيت رجلا من أمتي يتقي وَهَج النَّار أو شَررهَا بيده عن وجهه، فجاءته صدقته فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه. ورأيت رجلا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فاستنقذاه من أيديهم، وأدخلاه مع ملائكة الرحمة. ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه، بينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خُلُقه، فأخذ بيده فأدخله على الله، ﷿. ورأيت رجلا من أمتي قد هَوت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته، فجعلها في يمينه. [ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه، فجاءته أفراطه فثقلوا ميزانه] (٦) ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم، فجاءه وجَله من الله، فاستنقذه من ذلك ومضى. ورأيت رجلا من أمتي هوى في النار، فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا فاستخرجته من النار، [ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يُرعَد كما ترعد السَّعَفة، فجاء حسن ظنه بالله، فسكَّن رِعْدَته، ومضى] (٧) ورأيت رجلا من أمتي على الصراط يزحف أحيانا ويحبو أحيانا، فجاءته صلاته عليَّ، فأخذت بيده فأقامته ومضى على الصراط. ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة، فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة: أن لا إله إلا الله، ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة" (٨).

قال القرطبي بعد إيراده هذا الحديث من هذا الوجه: هذا حديث عظيم، ذكرَ فيه أعمالا خاصة تنجي من أهوال خاصة. أورده هكذا في كتابه "التذكرة" (٩).

(١) في التذكرة: "عبد الرحمن بن أبي عبد الله".

(٢) في ت: "بوالدته".

(٣) زيادة من ت، أ، والتذكرة.

(٤) زيادة من ت، أ، والتذكرة.

(٥) زيادة من ت، أ، والتذكرة.

(٦) زيادة من ت، أ، والتذكرة.

(٧) زيادة من ت، أ، والتذكرة.

(٨) ذكره الزبيدي في الإتحاف وعزاه للحكيم في النوادر وضعفه، ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق برقم (٤٩) من طريق سعيد بن عبد الله، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة مرفوعا بأخصر منه، وذكر أن ابن تيمية كان يعظم شأن هذا الحديث ويقول: "شواهد الصحة عليه".

(٩) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص ٢٤٠ - ٢٤٢).

ج4 · ص504

وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في هذا حديثا غريبا مطولا فقال: حدثنا أبو عبد الله (١) أحمد بن إبراهيم النُّكْرِي، حدثنا محمد بن بكر البرساني أبو عثمان، حدثنا أبو عاصم الحبطي -وكان من خيار أهل البصرة، وكان من أصحاب حزم، وسلام بن أبي مطيع -حدثنا بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن تميم الداري، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله، ﷿، لملك الموت: انطلق إلى وليي فأتني به، فإني قد ضَربته بالسراء والضراء، فوجدته حيث أحب. ائتني به فَلأريحنَّه (٢).

فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحَنُوط من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لونا، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر. فيجلس (٣) ملك الموت عند رأسه، وتحف به الملائكة. ويضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه ويَبْسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفَر تحت ذقنه، ويفتَح له بابٌ إلى الجنة، فإن نفسه لَتَعلَّلُ عند ذلك بطرف الجنة تارة، وبأزواجها (٤) [مرة] (٥) ومرَّةً بكسواتها ومرة بثمارها، كما يُعَلّل الصبي أهله إذا بكى". قال: "وإن أزواجه ليبتهشن عند ذلك ابتهاشًا".

قال: "وتنزو الروح". قال البُرْسَاني: يريد أن تخرج من العَجَل إلى ما تحب. قال: "ويقول مَلَك الموت: اخرجي يا أيتها الروح الطيبة، إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب". قال: "ولَمَلَك الموت أشدّ به لطفا من الوالدة بولدها، يعرف أن ذلك الروح حبيب لربه، فهو يلتمس بلطفه تحببا لديه رضاء للرب عنه، فتُسَلُّ روحه كما تسل الشعرة من العجين". قال: "وقال الله، ﷿: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] " وقال ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩]، قال: "روح من جهة الموت، وريحان يتلقى به، وجنة نعيم تقابله". قال: "فإذا قَبض ملك الموت روحه، قالت الروح للجسد: جزاك الله عني خيرا، فقد كنت سريعا بي إلى طاعة الله، بطيئا بي عن معصية الله، فقد نجيت وأنجيت". قال: "ويقول الجسد للروح مثل ذلك".

قال: "وتبكي (٦) عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله فيها، وكل باب من السماء يصعد منه عمله. وينزل منه رزقه أربعين ليلة".

قال: "فإذا قَبَض ملك الموت روحه، أقامت الخمسمائة من الملائكة عند جسده، فلا يقلبه (٧) بنو آدم لشق إلا قلبته الملائكة قبلهم، وغسلته وكفنته بأكفان قبل أكفان بني آدم، وحنوط قبل حنوط

(١) في أ: "أبو عبد الرحمن".

(٢) في ت، أ: "فلأريحه".

(٣) في أ: "قال: فيجلس".

(٤) في ت، أ: "مرة بأزواجها".

(٥) زيادة من ت، أ.

(٦) في ت: "ويبكي".

(٧) في ت، أ: "فلا تقلبه".

ج4 · ص505

بني آدم، ويقوم من بين باب بيته إلى باب قبره صفّان من الملائكة، يستقبلونه بالاستغفار، فيصيح عند ذلك إبليس صيحة تتصدع (١) منها عظام (٢) جسده". قال: "ويقول لجنوده: الويل لكم. كيف خَلَص هذا العبد منكم، فيقولون إن هذا كان عبدا معصوما".

قال: "فإذا صعد ملك الموت بروحه، يستقبله جبريل في سبعين ألفا من الملائكة، كل يأتيه ببشارة من ربه سوى بشارة صاحبه". قال: "فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش، خَرّ الروح ساجدا". قال: "يقول الله، ﷿، لملك الموت: انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب".

قال: "فإذا وضع في قبره، جاءته الصلاة فكانت عن يمينه، وجاءه الصيام فكان عن يساره، وجاءه القرآن فكان عند رأسه، وجاءه مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه، وجاءه الصبر فكان ناحية القبر". قال: "فيبعث الله، ﷿، عُنُقًا من العذاب". قال: "فيأتيه عن يمينه" قال: "فتقول الصلاة: وراءك والله ما زال دائبا عمره كله وإنما استراح الآن حين وضع في قبره". قال: "فيأتيه عن يساره، فيقول الصيام مثل ذلك". قال: "ثم يأتيه من عند رأسه، فيقول القرآن والذكر مثل ذلك". قال: "ثم يأتيه من عند رجليه، فيقول مشيه إلى الصلاة مثل ذلك. فلا يأتيه العذاب من ناحية يلتمس هل يجد مساغًا إلا وجَد ولي الله قد أخذ جنته". قال: "فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج". قال: "ويقول الصبر لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أن أباشر أنا بنفسي إلا أني نظرت ما عندكم، فإن عجزتم كنت أنا صاحبه، فأما إذ أجزأتم عنه فأنا له ذخر عند الصراط والميزان".

قال: "ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصياصي، وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما، بين مَنْكِب كل واحد مسيرة كذا وكذا، وقد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما: منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يُقلّوها". قال: "فيقولان له: اجلس". قال: "فيجلس فيستوي جالسا". قال: "وتقع أكفانه في حقويه". قال: "فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ".

قال: قالوا: يا رسول الله، ومن يطيق الكلام عند ذلك، وأنت تصف من المَلَكَين ما تصف؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: " (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) "

قال: "فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، وديني الإسلام الذي دانت به الملائكة، ونبيي محمد خاتم النبيين". قال: "فيقولان: صدقت". قال: "فيدفعان القبر، فيوسعان من بين يديه أربعين ذراعا، وعن يمينه أربعين ذراعا، وعن شماله (٣) أربعين ذراعا، ومن خلفه أربعين ذراعا، ومن عند رأسه

(١) في ت، أ: "يتصدع".

(٢) في أ: "بعض عظام".

(٣) في أ: "وعن يساره".