سورة الأعراف

ซูเราะฮ์ที่ 7 · ตอน 9/11 · เล่ม 3 หน้า 507–521

ج3 · ص507

عن عبد الله بن مسعود، ﵁، في قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا [فَأَتْبَعَهُ]) (١) الآية، قال: هو رجل من بني إسرائيل، يقال له: بَلْعم بن أبَرَ. وكذا رواه شعبة وغير واحد، عن منصور، به.

وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن ابن عباس [﵄] (٢) هو صيفي بن الراهب.

قال قتادة: وقال كعب: كان رجلا من أهل البلقاء، وكان يعلم الاسم الأكبر، وكان مقيما ببيت (٣) المقدس مع الجبارين.

وقال العَوْفي، عن ابن عباس [﵄] (٤) هو رجل من أهل اليمن، يقال له: بَلْعَم، آتاه الله آياته فتركها.

وقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة، يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي الله موسى إلى ملك مَدْين يدعوه إلى الله، فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى، ﵇.

وقال سفيان بن عيينة، عن حُصَين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس [﵄] (٥) هو بلعم بن باعر. وكذا قال مجاهد وعكرمة.

وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن مغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس [﵄] (٦) قال: هو بلعام -وقالت ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت.

وقال شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو [﵄] (٧) في قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ [آيَاتِنَا]) (٨) قال: هو صاحبكم أمية بن أبي الصلت.

وقد روي من غير وجه، عنه وهو صحيح إليه، وكأنه إنما أراد أن أمية بن أبي الصلت يشبهه، فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه، فإنه أدرك زمان رسول الله ﷺ، وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته، وظهرت لكل من له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة، قبحه الله [تعالى] (٩) (١٠) وقد جاء في بعض الأحاديث: "أنه ممن آمن لسانه، ولم يؤمن قلبه"؛ فإن له أشعارا ربانية وحكما وفصاحة، ولكن لم يشرح الله صدره للإسلام.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن أبي سعيد الأعور، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا) قال: هو رجل أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها واحدة. قال:

(١) زيادة من ك.

(٢) زيادة من أ.

(٣) في أ: "بيت".

(٤) زيادة من أ.

(٥) زيادة من أ.

(٦) زيادة من أ.

(٧) زيادة من أ.

(٨) زيادة من ك، م، أ.

(٩) زيادة من أ.

(١٠) انظر: العقيدة في السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٣٠).

ج3 · ص508

فلك واحدة، فما الذي تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل. فدعا الله، فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أن (١) ليس فيهم مثلها رغبت عنه، وأرادت شيئًا آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة، فصارت كلبة، فذهبت دعوتان. فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله، فعادت كما كانت، فذهبت الدعوات الثلاث، وسميت البسوس. (٢) غريب.

وأما المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة، فإنما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو رجل من مدينة الجبارين، يقال له: "بلعام" (٣) وكان يعلم اسم الله الأكبر.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيره من علماء السلف: كان [رجلا] (٤) مجاب الدعوة، ولا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه.

وأغرب، بل أبعد، بل أخطأ من قال: كان قد (٥) أوتي النبوة فانسلخ منها. حكاه ابن جرير، عن بعضهم، ولا يصح (٦)

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم -يعني بالجبارين -ومن معه، أتاه يعني بلعام (٧) -أتاه بنو عمه وقومه، فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه. قال: إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه، ذهبت دنياي وآخرتي. فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه الله ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: (فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ [مِنَ الْغَاوِينَ]) (٨)

وقال السدي: إن الله لما انقضت الأربعون سنة التي قال الله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة: ٢٦] بعث يوشع بن نون نبيا، فدعا بني إسرائيل، فأخبرهم أنه نبي، وأن الله [قد] (٩) أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدقوه. وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: "بلعم" وكان عالمًا، يعلم الاسم الأعظم المكتوم، فكفر -لعنه الله -وأتى الجبارين وقال لهم: لا ترهبوا بني إسرائيل، فإني إذا خرجتم تقاتلونهم ادعوا عليهم دعوة فيهلكون! وكان عندهم فيما شاء من الدنيا، غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء، يعظمهن (١٠) فكان ينكح أتانا له، وهو الذي قال الله تعالى (١١) (فَانْسَلَخَ مِنْهَا)

(١) في أ: "أنه".

(٢) ورواه أبو الشيخ في تفسيره كما في الدر المنثور (٣/ ٦٠٨).

(٣) في د، ك، م، أ: "بلعم".

(٤) زيادة من أ.

(٥) في أ: "من قال أنه".

(٦) تفسير الطبري (١٣/ ٢٥٩).

(٧) في د، ك، م، أ: "بلعم".

(٨) زيادة من د، ك، م، أ. وفي هـ: "الآية".

(٩) زيادة من د، أ.

(١٠) في أ: "لعظمهن".

(١١) في أ: "الله ﷿".

ج3 · ص509

وقوله: (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ) أي: استحوذ عليه وغلبه على أمره، فمهما أمره امتثل وأطاعه؛ ولهذا قال: (فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) أي: من الهالكين الحائرين (١) البائرين.

وقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا محمد بن بكر، عن الصلت بن بَهْرام، حدثنا الحسن، حدثنا جُنْدُب البجلي في هذا المسجد؛ أن حذيفة -يعني بن اليمان، ﵁ -حدثه قال: قال رسول الله ﷺ: "إن مما أتخوف عليكم رجُل قرأ القرآن، حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رِدْء الإسلام اعتراه (٢) إلى ما شاء الله، انسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك". قال: قلت: يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك: المرمي أو الرامي؟ قال: "بل الرامي".

هذا إسناد جيد (٣) والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين، ولم يرم بشيء سوى الإرجاء، وقد وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وغيرهما.

وقوله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) يقول تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) أي: لرفعناه من التدنس عن (٤) قاذورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها، (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ) أي: مال إلى زينة الدنيا وزهرتها، وأقبل على لذاتها ونعيمها، وغرّته كما غرت غيره من غير أولي البصائر (٥) والنهى.

وقال أبو الزاهرية في قوله تعالى: (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ) قال: تراءى له الشيطان على غَلْوة من قنطرة بانياس، فسجدت الحمارة لله، وسجد بلعام للشيطان. وكذا قال عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نُفَير، وغير واحد.

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير، ﵀: وكان من قصة هذا الرجل: ما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه: أنه سُئل عن هذه الآية: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [فَانْسَلَخَ مِنْهَا]) (٦) فحدث عن سيار أنه كان رجلا يقال له بلعام، وكان قد أوتي النبوة وكان مجاب الدعوة، قال: وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام -أو قال: الشام -قال فرُعب الناس منه رعبًا شديدًا، قال: فأتوا بلعام، فقالوا: ادع الله على هذا الرجل وجيشه! قال: حتى أوَامر ربي -أو: حتى أؤامر -قال: فوامر في الدعاء عليهم، فقيل له: لا تدع عليهم، فإنهم عبادي، وفيهم نبيهم. قال: فقال لقومه: إني قد آمرت ربي في الدعاء عليهم، وإني قد نهيت. فأهدوا له هدية فقبلها، ثم راجعوه فقالوا: ادع عليهم. فقال: حتى أوامر. فوامر، فلم يَحُر إليه شيء. فقال: قد وامرت فلم يَحُر إلى شيء! فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك المرة الأولى. قال: فأخذ يدعو عليهم، فإذا دعا عليهم، جرى على لسانه الدعاء على قومه، وإذا أراد أن يدعو أن يفتح

(١) في أ: "الجائرين".

(٢) في أ: "اعتره".

(٣) ورواه البزار في مسنده برقم (١٧٥) من طريق: حدثنا محمد بن مرزوق والحسن بن أبي كبشة، حدثنا محمد بن بكر البرساني به. قال الهيثمي في المجمع (١/ ١٨٨): "إسناده حسن".

(٤) في أ: "من".

(٥) في أ: "الأبصار".

(٦) زيادة من أ.

ج3 · ص510

لقومه (١) دعا أن يفتح لموسى وجيشه -أو نحوًا من ذا إن شاء الله. قال (٢) ما نراك تدعو إلا علينا. قال: ما يجري على لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليه أيضا ما استجيب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم. إن الله يبغض الزنا، وإنهم إن وقعوا بالزنا هلكوا، ورجوت أن يهلكهم الله، فأخرجوا النساء يَسْتقبلنهم (٣)؛ فإنهم قوم مسافرون، فعسى أن يزنوا فيهلكوا. قال: ففعلوا. قال: فأخرجوا النساء يستقبلنهم. قال: وكان للملك ابنة، فذكر من عظمها ما الله أعلم به! قال: فقال أبوها -أو بلعام-: لا تمكني نفسك إلا من موسى! قال: ووقعوا في الزنا. قال: وأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل، قال: فأرادها على نفسه، فقالت: ما أنا بممكنة نفسي إلا من موسى. قال: فقال: إن منزلتي (٤) كذا وكذا، وإن من حالي كذا وكذا. قال: فأرسلت إلى أبيها تستأمره، قال: فقال لها: فأمكنيه قال: ويأتيهما رجل من بني هارون ومعه الرمح فيطعنهما. قال: وأيده الله بقوة. فانتظمهما جميعا، ورفعهما على رمحه (٥) فرآهما الناس -أو كما حدَّث -قال: وسلط الله عليهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفا.

قال أبو المعتمر: فحدثني سَيَّار: أن بلعامًا ركب حمارة له حتى (٦) أتى العلولي (٧) -أو قال: طريقا من العلولي (٨) -جعل يضربها ولا تُقْدم، وقامت عليه فقالت: علام تضربني؟ أما ترى هذا الذي بين يديك؟ فإذا الشيطان بين يديه، قال: فنزل وسجد له، قال الله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا) إلى قوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)

قال: فحدثني بهذا سيار، ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره.

قلت: هو بلعام -ويقال: بلعم -بن باعوراء، ابن أبر. ويقال: ابن باعور بن شهوم (٩) بن قوشتم ابن ماب بن لوط بن هاران -ويقال: ابن حران -بن آزر. وكان يسكن قرية من قرى البلقاء.

قال ابن عساكر: وهو الذي كان يعرف اسم الله الأعظم، فانسلخ من دينه، له ذكر في القرآن. ثم أورد (١٠) من قصته نحوا مما ذكرنا هاهنا، وأورده عن وهب وغيره، والله أعلم.

وقال محمد بن إسحاق بن يسار عن سالم أبي النضر؛ أنه حدث: أن موسى، ﵇، لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام إليه فقالوا له: هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل، قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإنا قومك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله عليهم. قال: ويلكم! نبي الله معه الملائكة والمؤمنون، كيف أذهب أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم؟! قالوا له: ما لنا من منزل! فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه، حتى فتنوه فافتتن، فركب حمارة (١١) له متوجهًا إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبل حُسْبان، فلما سار عليها غير كثير، ربضت به، فنزل عنها فضربها، حتى إذا

(١) في م: "على قومه".

(٢) في أ: "فقالوا له".

(٣) في أ: "تستقبلهم".

(٤) في أ: "إن من منزلتي".

(٥) في م: "على رأس رمحه".

(٦) في أ: "حتى إذا".

(٧) في ك: "العلوي".

(٨) في ك: "العلوي".

(٩) في أ: "شهتوم".

(١٠) في أ: "ثم ذكر".

(١١) في م، أ: "حمارا".

ج3 · ص511

أذلقها قامت فركبها. فلم تسر به كثيرًا حتى ربضت به، فضربها حتى إذا أذلقها أذن الله لها فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم: أين تذهب؟ أما (١) ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين لتدعو (٢) عليهم؟ فلم ينزع عنها يضربها، فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك. فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان، على عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل. فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا! قال: فهذا ما لا أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه! قال: واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جَمِّلوا النساء وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كُفِيتموهم، ففعلوا. فلما دخل النساء العسكر، مرت امرأة من الكنعانيين اسمها "كسبي ابنة صور، رأس أمته" برجل من عظماء بني إسرائيل، وهو "زمرى بن شلوم"، رأس سبط سمعان بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ﵈، فقام إليها، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها، ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى، ﵇، فقال: إني أظنك ستقول هذا حرام عليك؟ قال: أجل، هي حرام عليك، لا تقربها. قال: فوالله لا نطيعك في هذا. ثم دخل بها قبته فوقع عليها. وأرسل الله، ﷿، الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون، صاحب أمر موسى، وكان غائبا حين صنع زمرى بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس في بني إسرائيل، فأخبر الخبر، فأخذ حربته، وكانت من حديد كلها، ثم دخل القبة وهما متضاجعان، فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لَحْيَيْه -وكان بكر العيزار -وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك. ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوه قد هلك منهم سبعون ألفا -والمقلل لهم يقول: عشرون ألفا -في ساعة من النهار. فمن هنالك تعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللَّحَى -لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحييه -والبكر من كل أموالهم وأنفسهم؛ لأنه كان بكر أبيه العيزار. ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا [فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ]) (٣) -إلى قوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (٤)

وقوله تعالى: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) اختلف المفسرون في معناه (٥) فأما على سياق ابن إسحاق، عن سالم بن أبي النضر: أن بلعاما اندلع لسانه على صدره -فتشبيهه بالكلب في لهثه (٦) في كلتا حالتيه إن زجر وإن ترك. وقيل: معناه: فصار مثله في ضلاله واستمراره فيه، وعدم انتفاعه بالدعاء إلى الإيمان وعدم الدعاء، كالكلب في لهثه (٧) في حالتيه، إن

(١) في ك، م: "ألا".

(٢) في أ: "تدعو".

(٣) زيادة من أ.

(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٦٤).

(٥) في أ: "في معنى هذا".

(٦) في د، ك، م: "لهيثه".

(٧) في د، ك، م، "لهيثه".

ج3 · ص512

حملت عليه وإن تركته، هو يلهث في الحالين، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإيمان ولا عدمه؛ كما قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ونحو ذلك.

وقيل: معناه: أن قلب الكافر والمنافق والضال، ضعيف فارغ من الهدى، فهو كثير الوجيب (١) فعبر عن هذا بهذا، نقل نحوه عن الحسن البصري وغيره.

وقوله تعالى: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ) أي: لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعام، وما جرى له في إضلال الله إياه وإبعاده من رحمته، بسبب أنه استعمل نعمة الله عليه -في تعليمه الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب -في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن، وشعب الإيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم الله موسى بن عمران، [﵇] (٢)؛ ولهذا قال: (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) أي: فيحذروا أن يكونوا مثله؛ فإن الله قد أعطاهم علمًا، وميزهم على من عداهم من الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد ﷺ يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته، كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به؛ ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه فلم يعلم به العباد، أحل الله به ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة.

وقوله: (سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) يقول تعالى ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، أي: ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي (٣) لا همة لها (٤) إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حَيِّز العلم والهدى وأقبل على شهوة نفسه، واتبع هواه، صار شبيها بالكلب، وبئس المثل مثله؛ ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" (٥)

وقوله: (وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) أي: ما ظلمهم الله، ولكن هم ظلموا أنفسهم، بإعراضهم عن اتباع الهدى، وطاعة المولى، إلى الركون إلى دار البلى، والإقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى.

﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾

يقول تعالى: من هداه الله فإنه لا مضل له، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة، فإنه تعالى ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ ولهذا جاء في حديث ابن مسعود: "إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".

(١) في أ: "الوجيف".

(٢) زيادة من ك.

(٣) في د، ك: "الذين".

(٤) في ك، م: "لهم".

(٥) صحيح البخاري برقم (٢٦٢٢).

ج3 · ص513

الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وغيرهم (١)

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾

يقول تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا) أي: خلقنا وجعلنا (لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ) أي: هيأناهم لها، وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق، علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" (٢)

وفي صحيح مسلم أيضا، من حديث عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة أم المؤمنين، ﵂، أنها قالت: دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. فقال [رسول الله ﷺ] (٣) أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها (٤) أهلا وهم في أصلاب آبائهم" (٥)

وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود [﵁] (٦) ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم (٧) سعيد".

وتقدم أن الله [تعالى] (٨) لما استخرج ذرية آدم من صلبه وجعلهم فريقين: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، قال: "هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي".

والأحاديث في هذا كثيرة، ومسألة القدر كبيرة ليس هذا موضع بسطها.

وقوله تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا) يعني: ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله [سببا للهداية] (٩) كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ] (١٠) [الأحقاف: ٢٦] وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] هذا في حق المنافقين، وقال في حق الكافرين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] ولم يكونوا صمًا بكمًا عميًا إلا عن الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]،

(١) المسند (١/ ٣٩٢) وسنن أبي داود برقم (١٠٩٧) وسنن النسائي (٦/ ٨٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٨٩٢).

(٢) صحيح مسلم برقم (٢٦٥٣).

(٣) زيادة من د.

(٤) في د، ك، م: "للنار".

(٥) صحيح مسلم برقم (٢٦٦٢).

(٦) زيادة من أ.

(٧) في ك، م، أ: "أو".

(٨) زيادة من أ.

(٩) زيادة من د، ك، م، أ.

(١٠) زيادة من أ. وفي هـ: "الآية".

ج3 · ص514

وقال: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦، ٣٧].

وقوله تعالى: (أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ) أي: هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون الهدى، كالأنعام السارحة التي لا تنتفع (١) بهذه الحواس منها إلا في الذي يعيشها من ظاهر الحياة الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ] (٢) [البقرة: ١٧١] أي: ومثلهم -في حال دعائهم إلى الإيمان -كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه (٣) ما يقول؛ ولهذا قال في هؤلاء: (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) أي: من الدواب؛ لأن الدواب قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أبس بها، وإن لم تفقه كلامه، بخلاف هؤلاء؛ ولأن الدواب تفقه (٤) ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها، بخلاف الكافر فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده، فكفر بالله وأشرك به؛ ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده، ومن كفر به (٥) من البشر، كانت الدواب أتم منه؛ ولهذا قال تعالى: (أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)

﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾

عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله تسعا وتسعين اسما مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر".

أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه (٦) رواه البخاري، عن أبى اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد به (٧) وأخرجه الترمذي، عن الجوزجاني، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن شعيب فذكر بسنده مثله، وزاد بعد قوله: "يحب الوتر": هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر،

(١) في ك، م: "لا ينتفع".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في أ: "لا تفهم".

(٤) في أ: "تفعل".

(٥) في أ: "بالله".

(٦) صحيح البخاري برقم (٦٤١٠) وصحيح مسلم برقم (٢٦٧٧).

(٧) صحيح البخاري برقم (٧٣٩٢).

ج3 · ص515

الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفوّ، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور (١)

ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة [﵁] (٢) ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث.

ورواه ابن حبان في صحيحه، من طريق صفوان، به (٣) وقد رواه ابن ماجه في سننه، من طريق آخر (٤) عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعا (٥) فسرد الأسماء كنحو ما تقدم بزيادة ونقصان.

والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد: أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي: أنهم جمعوها من القرآن كما رود (٦) عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي، والله أعلم.

ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في التسعة والتسعين (٧) بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده، عن يزيد بن هارون، عن فضيل بن مرزوق، عن أبي سلمة الجهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أعلمته (٨) أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحًا". فقيل: يا رسول الله، أفلا نتعلمها؟ فقال: "بلى، ينبغي لكل من سمعها (٩) أن يتعلمها".

وقد أخرجه الإمام أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه بمثله (١٠)

وذكر الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه: "الأحوذي في شرح الترمذي"؛ أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم، فالله أعلم.

وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) قال: إلحاد الملحدين: أن دعوا "اللات (١١) في أسماء الله.

(١) بعدها في م: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".

(٢) زيادة من أ.

(٣) سنن الترمذي برقم (٣٥٠٧).

(٤) في أ: "أخرى".

(٥) سنن ابن ماجة برقم (٣٨٦١)، وقال البوصيري: "إسناد طريق ابن ماجة ضعيف لضعف عبد الملك بن محمد الصنعاني".

(٦) في ك، م، أ: "روى".

(٧) في د: "تسعة وتسعين".

(٨) في م: "علمته".

(٩) في أ: "ينبغي لمن سمعها".

(١٠) المسند (١/ ٣٩٢)، وصحيح ابن حبان برقم (٢٣٧٢) "موارد".

(١١) في أ: "اللات والعزى".

ج3 · ص516

وقال ابن جريج، عن مجاهد: (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) قال: اشتقوا "اللات" من الله، واشتقوا "العزى" من العزيز.

وقال قتادة: (يُلْحِدُونَ) يشركون. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الإلحاد: التكذيب. وأصل الإلحاد في كلام العرب: العدل عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر، لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر.

﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾

يقول تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا) أي: ومن الأمم (أُمًّةٌ) قائمة بالحق، قولا وعملا (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) يقولونه ويدعون إليه، (وَبِهِ يَعْدِلُونَ) يعملون ويقضون.

وقد جاء في الآثار: أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية، هي هذه الأمة المحمدية.

قال سعيد، عن قتادة في تفسير هذه الآية: بلغنا أن نبي الله ﷺ كان يقول إذا قرأ هذه الآية: "هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (١) [الأعراف: ١٥٩]

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس في قوله تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من أمتي قومًا على الحق، حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل". (٢)

وفي الصحيحين، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة -وفي رواية -: حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك -وفي رواية -: وهم بالشام" (٣)

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾

يقول تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) ومعناه: أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا، حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا (٤) أنهم على شيء، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٤، ٤٥]؛ ولهذا قال تعالى: (وَأُمْلِي لَهُمْ) أي: وسأملي لهم، أطول لهم ما هم فيه (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) أي: قوي شديد.

(١) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٨٦)، وهو مرسل.

(٢) رواه الثعلبي في تفسيره كما في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (١/ ٤٧٤).

(٣) صحيحح البخاري برقم (٣٦٤١) وصحيح مسلم برقم (١٠٣٧).

(٤) في أ: "ويعتقدون".

ج3 · ص517

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾

يقول تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا) هؤلاء المكذبون بآياتنا (مَا بِصَاحِبِهِمْ) يعني محمدًا -صلوات الله وسلامه عليه (١) (مِنْ جِنَّةٍ) أي: ليس به جنون، بل هو رسول الله حقًا دعا إلى حق، (إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي: ظاهر لمن كان له قلب ولب يعقل به ويعي به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] يقول إنما أطلب منكم أن تقوموا لله قياما خالصا لله، ليس فيه تعصب ولا عناد، ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ أي: مجتمعين ومتفرقين، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ في هذا الذي جاءكم بالرسالة من الله: أبه جنون أم لا؟ فإنكم إذا فعلتم ذلك، بان لكم وظهر أنه رسول [الله] (٢) حقًا وصدقًا.

وقال قتادة بن دعامة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان على الصفا، فدعا قريشًا فجعل يُفَخِّذهم فَخِذًا فَخِذًا: "يا بني فلان، يا بني فلان"، فحذرهم بأس الله ووقائع الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون. بات يصوت إلى الصباح -أو: حتى أصبح، فأنزل الله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (٣)

﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾

يقول تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا) -هؤلاء المكذبون بآياتنا -في ملك الله وسلطانه في السماوات والأرض، وفيما خلق [الله] (٤) من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا شبيه، ومِنْ فِعْل من لا ينبغي أن تكون (٥) العبادة. والدين الخالص إلا له. فيؤمنوا به، ويصدقوا رسوله، وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت، فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه.

وقوله: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)؟ يقول: فبأي تخويف وتحذير وترهيب -بعد تحذير محمد وترهيبه، الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه -يصدقون، إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد من عند الله، ﷿؟!.

وقد روى الإمام أحمد عن حسن بن موسى وعفان (٦) بن مسلم وعبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جُدْعَان، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت ليلة أسري بي، لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوقي، فإذا أنا برعد وبرق وصواعق"، قال: "وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، قلت: من

(١) في أ: "ﷺ"

(٢) زيادة من د، ك، م، أ.

(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٨٩).

(٤) زيادة من م.

(٥) في ك، أ: "يكون".

(٦) في أ: "عثمان".

ج3 · ص518

هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا. فلما نزلت إلى السماء الدنيا فنظرت إلى أسفل مني، فإذا أنا برَهج ودخان وأصوات (١) فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين (٢) يُحَرِّفون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب".

علي بن زيد بن جدعان له منكرات (٣).

ثم قال تعالى:

﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾

يقول تعالى: من كُتِب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما نظر، فإنه لا يجزي (٤) عنه شيئا، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾

يقول تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ) كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] قيل: نزلت في قريش. وقيل: في نفر من اليهود. والأول أشبه؛ لأن الآية مكية، وكانوا يسألون عن وقت الساعة، استبعادًا لوقوعها، وتكذيبًا بوجودها؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨]

وقوله: (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: "منتهاها" أي: متى محطها؟ وأيان آخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة؟

(قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ) أمر تعالى نبيه ﷺ إذا سئل عن وقت الساعة، أن يرُدَّ علمها إلى الله تعالى؛ فإنه هو الذي يجليها لوقتها، أي: يعلم جلية أمرها، ومتى يكون على التحديد، [أي] (٥) لا يعلم ذلك [أحد] (٦) إلا هو تعالى؛ ولهذا قال: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ)

قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) قال: ثقل علمها على أهل السماوات والأرض أنهم لا يعلمون. قال معمر: قال الحسن: إذا جاءت، ثقلت على أهل السماوات والأرض، يقول: كَبُرَت عليهم.

(١) في م: "وأصوات عالية".

(٢) في أ: "هذه أصوات الشياطين".

(٣) المسند (٢/ ٣٥٣).

(٤) في م، ك: "لا يجدى".

(٥) زيادة من م.

(٦) زيادة من أ.

ج3 · ص519

وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) قال: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة.

وقال ابن جُرَيْج: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) قال: إذا جاءت انشقت السماء (١) وانتثرت النجوم، وكورت الشمس، وسيرت الجبال، وكان ما قاله الله، ﷿ (٢) فذلك ثقلها.

واختار ابن جرير، ﵀: أن المراد: ثَقُلَ علم وقتها على أهل السماوات والأرض، كما قال (٣) قتادة.

وهو كما قالاه، كقوله تعالى: (لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً) ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السماوات والأرض، والله أعلم.

وقال السدي [في قوله تعالى] (٤) (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) يقول: خفيت في السماوات والأرض، فلا يعلم قيامها حين تقوم ملك مقرب، ولا نبي مرسل.

(لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً) [قال] (٥) يبغتهم قيامها، تأتيهم على غفلة.

وقال قتادة في قوله تعالى: (لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً) قضى الله أنها (لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً) قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال (٦) "إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق ويخفض ميزانه ويرفعه" (٧)

وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما (٨) بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومَنّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقْحَته فلا يَطْعَمُه. ولتقومَنّ الساعة وهو يَلِيط حوضه فلا يسقي فيه. ولتقومَنّ الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها" (٩)

وقال مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: "تقوم الساعة والرجل يحلب اللِّقْحَة، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة. والرجلان (١٠) يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم. والرجل يلوط حوضه فما يصدر حتى تقوم" (١١)

وقوله [تعالى] (١٢) (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) اختلف المفسرون في معناه، فقيل: معناه: كما قال (١٣) العوفي عن ابن عباس: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) يقول: كأن بينك وبينهم مودة،

(١) في أ: "السموات".

(٢) في أ: "الله تعالى".

(٣) في م، أ: "قاله".

(٤) زيادة من م.

(٥) زيادة من أ.

(٦) في م: "كان يقول".

(٧) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٩٧) والثعلبي في تفسيره كما في "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٤٧٥) وهو مرسل.

(٨) في م: "ثوبا".

(٩) صحيح البخاري برقم (٦٥٠٦).

(١٠) في ك: "والرجل".

(١١) صحيح مسلم برقم (٢٩٥٤).

(١٢) زيادة من ك، م، أ.

(١٣) في ك، م، أ: "فقيل معناه: كأنك حفى بها كما قال".

ج3 · ص520

كأنك صديق لهم. قال ابن عباس: لما سأل الناس محمدًا ﷺ عن الساعة، سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدا حفي بهم، فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده، استأثر بعلمها، فلم يطلع الله عليها ملكًا مقربًا ولا رسولا.

وقال قتادة: قالت قريش لمحمد ﷺ: إن بيننا وبينك قرابة، فأسرّ إلينا متى الساعة. فقال الله، ﷿: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا)

وكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وأبي مالك، والسُّدِّي، وهذا قول. والصحيح عن مجاهد -من رواية ابن أبي نَجِيح وغيره -: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) قال: استَحْفَيت عنها السؤال، حتى علمت وقتها.

وكذا قال الضحاك، عن ابن عباس: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) يقول: كأنك عالم بها، لست تعلمها، (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ)

وقال معمر، عن بعضهم: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) كأنك عالم بها.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) كأنك عالم بها، وقد أخفى الله علمها على خلقه، وقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤].

ولهذا القول أرجح في المعنى من الأول، والله أعلم؛ ولهذا قال: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)

ولهذا لما جاء جبريل، ﵇، في صورة أعرابي، يعلم الناس أمر دينهم، فجلس من رسول الله ﷺ مجلس السائل المسترشد، وسأله عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم قال: فمتى الساعة؟ قال له رسول الله ﷺ: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" أي: لست أعلم بها منك ولا أحد أعلم بها من أحد، ثم قرأ النبي ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية (١)

وفي رواية: فسأله عن أشراط الساعة، ثم قال: "في خمس لا يعلمهن إلا الله". وقرأ هذه الآية، وفي هذا كله يقول له بعد كل جواب: "صدقت"؛ ولهذا عجب الصحابة من هذا السائل يسأله ويصدقه، ثم لما انصرف قال رسول الله ﷺ: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم (٢) دينكم" (٣)

وفي رواية قال: "وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها، إلا صورته هذه".

وقد ذكرت هذا الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد، في أول شرح صحيح البخاري، ولله الحمد والمنة (٤)

ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال: يا محمد، قال له رسول الله ﷺ: هاء (٥) -

(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٠) ومسلم في صحيحه برقم (٩).

(٢) في م، أ: "يعلمكم أمر".

(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٠) ومسلم في صحيحه برقم (٩).

(٤) وانظر هذا المطلب في: شرح الحافظ ابن حجر "فتح الباري" (١/ ١١٤).

(٥) في أ: "هاؤم".

ج3 · ص521

على نحو من صوته -قال: يا محمد، متى الساعة؟ قال له رسول الله ﷺ: "ويحك إن الساعة آتية، فما أعددت لها؟ " قال: ما أعددت لها كبير (١) صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله. فقال له رسول الله ﷺ: "المرء مع من أحب". فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث (٢)

وهذا له طرق متعددة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة، عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال: "المرء مع من أحب" (٣) وهي متواترة عند كثير من الحفاظ المتقنين.

ففيه أنه، ﵇، كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه، أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم، وهو الاستعداد لوقوع ذلك، والتهيؤ له قبل نزوله، وإن لم يعرفوا تعيين وقته.

ولهذا قال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ﵂، قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ، سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فنظر (٤) إلى أحدث إنسان (٥) منهم فقال: "إن يعش هذا لم يدركه الهرم حتى قامت عليكم ساعتكم" (٦) يعني بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة.

ثم قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس؛ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الساعة، وعنده غلام من الأنصار يقال له محمد، فقال رسول الله ﷺ: "إن يعش هذا الغلام فعسى ألا يدركه الهَرَم حتى تقوم الساعة". انفرد به مسلم (٧)

وحدثنا حجاج بن الشاعر، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا معبد بن هلال العنزي (٨) عن أنس بن مالك، ﵁؛ أن رجلا سأل النبي ﷺ قال: متى الساعة؟ فسكت رسول الله ﷺ هُنَيهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة، فقال: "إن عُمِّرَ هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" -قال أنس: ذلك الغلام من أترابي (٩)

وقال: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أنس قال: مر غلام للمغيرة بن شعبة -وكان من أقراني (١٠) -فقال للنبي ﷺ: "إن يؤخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" (١١)

(١) في أ: "كثير".

(٢) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٣٩) من حديث أنس بن مالك، ﵁.

(٣) جاء من حديث أنس بن مالك وصفوان بن عسال وعبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري:. أما حديث أنس بن مالك فهو السابق ذكره. وأما حديث صفوان بن عسال فرواه الترمذي في السنن برقم (٣٥٣٥). وأما حديث عبد الله بن مسعود فرواه البخاري في صحيحه برقم (٦١٦٩) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٤٠). وأما حديث أبي موسى الأشعري فرواه البخاري في صحيحه برقم (٦١٧٠) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٤١).

(٤) في ك، م: "فينظر".

(٥) في ك، م، أ: "أسنان".

(٦) صحيح مسلم برقم (٢٩٥٢).

(٧) صحيح مسلم برقم (٢٩٥٣).

(٨) في ك، م، أ: "سعيد بن أبي هلال المصري".

(٩) صحيح مسلم برقم (٢٩٥٣).

(١٠) في ك، م: "أترابي".

(١١) صحيح مسلم برقم (٢٩٥٣).