سورة الأعراف

ซูเราะฮ์ที่ 7 · ตอน 2/11 · เล่ม 3 หน้า 402–416

ج3 · ص402

﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾

يقول تعالى محذرًا بني آدم من إبليس وقبيله، ومبينًا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم، ﵇، في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم، إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعدما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠]

﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾

قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا. فتضع المرأة على فرجها النسعة، أو الشيء وتقول:

اليوم يبدُو بعضُه أو كلّه … وما بَدا منه فلا أحلّهُ

فأنزل الله [تعالى] (١) (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) الآية. (٢)

قلت: كانت العرب -ما عدا قريشًا -لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش -وهم الحُمْس -يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبًا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، فمن لم يجد ثوبًا جديدًا ولا أعاره أحمسي ثوبًا، طاف عريانًا. وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئًا يستره بعض الشيء وتقول:

اليوم يبدُو بعضُه أو كلّه … وما بدَا منه فلا أحلّهُ (٣)

وأكثر ما كان النساء يطفن [عراة] (٤) بالليل، وكان هذا شيئًا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) فقال تعالى ردًا عليهم: (قُلْ) أي: قل يا محمد لمن ادعى ذلك: (إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) أي: هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) أي: أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته.

وقوله: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) أي: بالعدل والاستقامة، (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)

(١) زيادة من ك.

(٢) تفسير الطبري (١٢/ ٣٧٧).

(٣) البيت منسوب لضباعة بنت عامر بن قرط، وله قصة ذكرها ابن حبيب البغدادي في المنمق (ص ٢٧٠)

(٤) زيادة من ك، م.

ج3 · ص403

أي: أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله [تعالى] (١) وما جاءوا به [عنه] (٢) من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك.

وقوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُون * [فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ] (٣) الضَّلالَة) (٤) -اختلف في معنى [قوله تعالى] (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) فقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) يحييكم بعد موتكم.

وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.

وقال قتادة: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئًا، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولا كذلك يعيدكم آخرًا.

واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: "يا أيها الناس، إنكم تحشرون (٥) إلى الله حُفَاة عُرَاة غُرْلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].

وهذا الحديث مُخَرَّجٌ في الصحيحين، من حديث شعبة، وفي صحيح البخاري - أيضا - من حديث الثوري به. (٦)

وقال وقَاء بن إياس أبو يزيد، عن مجاهد: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) قال: يبعث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا.

وقال أبو العالية: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) رُدُّوا إلى علمه فيهم.

وقال سعيد بن جبير: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) كما كتب عليكم تكونون -وفي رواية: كما كنتم تكونون عليه تكونون.

وقال محمد بن كعب القُرَظِي في قوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة، ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه. ومن ابتُدئ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه، إن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملت (٧) بأعمال أهل الشقاء، ثم صاروا إلى ما ابتدئوا عليه.

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من ك.

(٣) زيادة من ك، أوفي هـ: "إلى قوله".

(٤) زيادة من أ.

(٥) في أ: "محشورون".

(٦) تفسير الطبري (١٢/ ٣٨٦) وصحيح البخاري برقم (٤٦٢٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٠).

(٧) في أ: "عملوا".

ج3 · ص404

وقال السُّدِّي: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) يقول: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) كما خلقناكم، فريق مهتدون وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا، كما قال [تعالى] (١) ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم (٢) مؤمنًا وكافرًا.

قلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري " فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع -أو: ذراع -فيسبق (٣) عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع -أو: ذراع -فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة" (٤)

وقال أبو القاسم البَغَوي: حدثنا علي بن الجَعْد، حدثنا أبو غَسَّان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: "إن العبد ليعمل -فيما يرى الناس -بعمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار. وإنه ليعمل -فيما يرى الناس -بعمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم" (٥)

هذا قطعة من حديث رواه البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مُطَرَّف المدني، في قصة "قُزْمان" يوم أحد (٦)

وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال": تُبْعَثُ كل نَفْسٍ على ما كانت عليه".

وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه، عن الأعمش، به. ولفظه: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" (٧)

قلت: ولا بد من الجمع بين هذا القول -إن كان هو المراد من الآية -وبين قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وما جاء في الصحيحين، عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه" (٨) وفي صحيح مسلم، عن عِياض بن حمَار (٩) قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حُنَفَاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" الحديث. ووجه

(١) زيادة من أ.

(٢) في ك، أ: "بدأ خلقهم".

(٣) في ك: "ويسبق".

(٤) صحيح البخاري برقم (٣٢٠٨).

(٥) ورواه البغوي في تفسيره (٣/ ٢٢٤) من طريق عبد الرحمن بن أبي شريح، عن أبي القاسم البغوي به.

(٦) صحيح البخاري برقم (٦٦٠٧، ٦٤٩٣).

(٧) تفسير الطبري (١٢/ ٣٨٤) وصحيح مسلم برقم (٢٨٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٣٠).

(٨) صحيح البخاري برقم (١٣٨٥) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٨).

(٩) في أ: "حماد".

ج3 · ص405

الجمع على هذا أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر، في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده، والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم بذلك الميثاق، وجعله في غرائزهم وفطرهم، ومع هذا قدر أن (١) منهم شقيًا ومنهم سعيدًا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] وفي الحديث: "كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمُعْتِقُهَا، أو مُوبِقها" (٢) وقدر الله نافذ في بريته، فإنه هو ﴿الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣] و﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] وفي الصحيحين: "فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة"؛ ولهذا قال تعالى: (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) ثم علل ذلك فقال: (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ]) (٣)

قال ابن جرير: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربه فيها؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه هاد، وفريق الهدى، فرق. وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية [الكريمة] (٤)

﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾

هذه الآية الكريمة ردٌّ على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف بالبيت عُراة، كما رواه مسلم والنسائي وابن جرير (٥) -واللفظ له -من حديث شعبة، عن سلمة بن كُهَيْل، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء: الرجال بالنهار، والنساء بالليل. وكانت المرأة تقول:

اليومَ يبدُو بعضُه أو كُلّه … وما بَدَا مِنْه فلا أحِلّهُ

فقال الله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (٦)

وقال العَوْفي، عن ابن عباس في قوله [تعالى] (٧) (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) الآية، قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة -والزينة: اللباس، وهو ما يوارى السوأة، وما سوى ذلك من جَيّد البزِّ والمتاع -فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد.

وكذا قال مجاهد، وعطاء، وإبراهيم النَّخعي، وسعيد بن جُبَيْر، وقتادة، والسُّدِّي، والضحاك،

(١) في ك: "أن يكون".

(٢) قطعة من حديث رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري.

(٣) زيادة من د، ك، م، أ. وفي هـ: "الآية".

(٤) زيادة من ك، أ.

(٥) في أ: "ابن ماجة".

(٦) صحيح مسلم برقم (٣٠٢٨) وسنن النسائي (٥/ ٢٣٣) وتفسير الطبري (١٢/ ٣٩٠).

(٧) زيادة من أ.

ج3 · ص406

ومالك عن الزهري، وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها: أنها أنزلت في طوائف المشركين بالبيت عراة.

وقد روى الحافظ بن مَرْدُويه، من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي، عن قتادة، عن أنس مرفوعا؛ أنها أنزلت (١) في الصلاة في النعال. ولكن في صحته نظر (٢) والله أعلم.

ولهذه الآية، وما ورد في معناها من السنة، يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل الثياب (٣) البياض، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا علي بن عاصم، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكَفِّنوا فيها موتاكم، وإن من خير أكحالكم الإثْمِد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر".

هذا حديث جيد الإسناد، رجاله (٤) على شرط مسلم. ورواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، به (٥) وقال الترمذي: حسن صحيح.

وللإمام أحمد أيضا، وأهل السنن بإسناد جيد، عن سَمُرَة بن جُنْدَب قال: قال رسول الله ﷺ: "عليكم بالثياب البياض فالبسوها؛ فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم" (٦)

وروى الطبراني بسند (٧) صحيح، عن قتادة، عن محمد بن سيرين: أن تميما الداري اشترى رداءً بألف، فكان يصلي فيه.

وقوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ]) (٨) الآية. قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف آية: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا)

وقال البخاري: قال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرَف ومَخِيلة.

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثَوْر، عن مَعْمَر، عن

ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب، ما لم يكن سرَفًا أو مَخِيلة. إسناده

(١) في أ: "نزلت".

(٢) ورواه العقيلي في الضعفاء الكبير (٣/ ١٤٣) من طريق عباد بن جويرية، عن الأوزاعي، عن قتادة به. وعباد بن جويرية قال فيه الإمام أحمد: "كذاب أفاك". ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٢٨٧) من طريق يعقوب، الدعاء عن يحيى بن عبد الله الدمشقي، عن الأوزاعي به. ويعقوب وشيخه لا يعرفان.

(٣) في د، ك، م، أ: "اللباس".

(٤) في م: "رجاله كلهم ثقات".

(٥) المسند (١/ ٢٤٧) وسنن أبي داود برقم (٤٠٦١) وسنن الترمذي برقم (٩٤٤) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٧٢).

(٦) المسند (٥/ ٧) وسنن النسائي (٨/ ٢٠٥).

(٧) في م: "بإسناد".

(٨) زيادة من ك، م، أ. وفي هـ: "الآية".

ج3 · ص407

صحيح.

وقال الإمام أحمد: حدثنا بَهْز، حدثنا هَمّام، عن قتادة، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، في غير مَخِيلة ولا سرَف، فإن الله يحب أن يرى (١) نعمته على عبده" (٢)

ورواه النسائي وابن ماجه، من حديث قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مَخِيلة" (٣)

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سليمان بن سليم الكِناني، حدثنا يحيى بن جابر الطائي (٤) سمعت المقدام بن معديكرب الكندي (٥) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطنه، حَسْبُ ابن آدم أكلات يُقِمْنَ صُلبه، فإن كان فاعلا لا محالة، فثلث طعامٌ، وثلث شرابٌ، وثلث لنفسه".

ورواه النسائي والترمذي، من طرق، عن يحيى بن جابر، به (٦) وقال الترمذي: حسن -وفي نسخة: حسن صحيح.

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا سُوَيْد بن عبد العزيز (٧) حدثنا بَقِيَّة، عن يوسف بن أبي كثير، عن نوح بن ذَكْوان، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من السَّرف أن تأكل كل ما اشتهيت".

ورواه الدارقطني في الأفراد، وقال: هذا حديث غريب تفرد به بقية. (٨)

وقال السُّدِّي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة، يحرمون عليهم الودَكَ ما أقاموا في الموسم؛ فقال الله [تعالى] (٩) لهم: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ]) (١٠) يقول: لا تسرفوا في التحريم.

وقال مجاهد: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَلا تُسْرِفُوا) يقول: ولا تأكلوا حرامًا، ذلك الإسراف.

وقال عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: (وَكُلُوا (١١) وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)

(١) في ك: "ترى".

(٢) المسند (٢/ ١٨٢).

(٣) سنن النسائي (٥/ ٧٩) وسنن ابن ماجة برقم (٣٦٠٥).

(٤) في أ: "الطائي قال".

(٥) في ك: "العبدي".

(٦) المسند (٤/ ١٣٢) النسائي في السنن الكبرى برقم (٦٧٦٨) وسنن الترمذي برقم (٢٣٨٠).

(٧) في جميع النسخ: "سويد بن عبد العزيز" وصوابه: "سويد بن سعيد" كما في مسند أبي يعلى وكتب الرجال.

(٨) مسند أبي يعلى (٥/ ١٥٤) وأطراف الغرائب والأفراد لابن القيسراني (ق ٧٢) ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٣٣٥٢) من طريق سويد بن سعيد به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٩٥): "هذا إسناد ضعيف" وهو مسلسل بالعلل.

(٩) زيادة من م.

(١٠) زيادة من ك، م، أ. وفي هـ "الآية".

(١١) في م: "كلوا".

ج3 · ص408

في الطعام والشراب.

وقال ابن جرير: وقوله: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) يقول الله: إن الله [تعالى] (١) لا يحب المتعدين (٢) حَدَّه في حلال أو حرام، الغالين فيما أحل أو حَرّم، بإحلال الحرام وبتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يحلل ما أحل، ويحرم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به.

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾

يقول تعالى ردًا على من حَرَّم شيئًا من المآكل أو المشارب، والملابس، من تلقاء نفسه، من غير شرع من الله: (قُلْ) يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم: (مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ]) (٣) الآية، أي: هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حسًا (٤) في الدنيا، فهي لهم خاصة يوم القيامة، لا يَشْرَكهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنة محرّمة على الكافرين.

قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو حُصَين محمد بن الحسين القاضي، حدثنا يحيى الحِمَّاني، حدثنا يعقوب القُمِّي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير،

عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة، يصفرون ويُصفِّقون. فأنزل الله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) فأمروا بالثياب. (٥)

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شَقِيقٍ، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لا أحد أغير من الله، فلذلك حَرَّم الفواحش ما ظَهَر منها وما بَطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله".

أخرجاه في الصحيحين، من حديث سليمان بن مهْران الأعمش، عن شقيق عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود (٦) وتقدم الكلام في سورة الأنعام على ما يتعلق بالفواحش ما ظهر منها وما بطن.

وقوله: (وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) قال السُّدِّي: أما الإثم فالمعصية، والبغي أن تبغي على الناس بغير الحق.

(١) زيادة من ك.

(٢) في ك، م: "المعتدين".

(٣) زيادة من ك، م، أ.

(٤) في ك: "حبا".

(٥) المعجم الكبير (١٢/ ١٣)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٣): "فيه يحيى الحماني وهو ضعيف".

(٦) المسند (١/ ٣٨١)، وصحيح البخاري برقم (٤٦٣٤)، وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٠).

ج3 · ص409

وقال مجاهد: الإثم المعاصي كلها، وأخبر أن الباغي بغيه كائن على نفسه.

وحاصل ما فُسّر (١) به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى الناس، فحرم الله هذا وهذا.

وقوله: (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) أي: تجعلوا له شريكا في عبادته، وأن تقولوا عليه (٢) من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولدًا ونحو ذلك، مما لا علم لكم به كما قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ [وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ]﴾ (٣) الآية [الحج: ٣٠، ٣١].

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾

يقول تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ) أي: قرن وجيل (أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ) أي: ميقاتهم المقدر لهم (لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً) عن ذلك (٤) (وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)

ثم أنذر تعالى بني آدم بأنه سيبعث إليهم رسلا يقصون عليهم آياته، وبَشر وحذر فقال: (فَمَن اتَّقَى وَأَصْلَحَ) أي: ترك المحرمات وفعل الطاعات (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا) أي: كذبت بها قلوبهم، واستكبروا عن العمل بها (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: ماكثون فيها مكثًا مخلدًا.

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾

يقول [تعالى] (٥) (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) أي: لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله، أو كذب بآيات الله المنزلة.

(أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ) اختلف المفسرون في معناه، فقال العَوْفي عن ابن عباس: ينالهم ما كتب عليهم، وكتب لمن يفترى على الله أن وجهه مسود.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: نصيبهم من الأعمال، من عَمِل خيرًا جُزِي به،

(١) في أ: "فسرا".

(٢) في ك: "على الله".

(٣) زيادة من ك، م، أ.

(٤) في أ: "أي من ذلك".

(٥) زيادة من أ.

ج3 · ص410

ومن عمل شرًا جُزِي به.

وقال مجاهد: ما وعدوا فيه من خير وشر.

وكذا قال قتادة، والضحاك، وغير واحد. واختاره ابن جرير.

وقال محمد بن كعب القرظي: (أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ) قال: عمله ورزقه وعمره.

وكذا قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهذا القول قوي في المعنى، والسياق يدل عليه، وهو قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ) ويصير المعنى في هذه الآية كما في قوله [تعالى] (١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩، ٧٠] وقوله ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا [ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ]﴾ (٢) [لقمان: ٢٣، ٢٤].

وقوله [تعالى] (٣) (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ [قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ]) (٤) الآية: يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين تفزعهم (٥) عند الموت وقَبْض أرواحهم إلى النار، يقولون لهم (٦) أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدنيا وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله؟ ادعوهم يخلصوكم (٧) مما أنتم فيه. قالوا: (ضَلُّوا عَنَّا) أي: ذهبوا عنا فلا نرجو نفعهم، ولا خيرهم. (وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) أي: أقروا واعترفوا على أنفسهم (أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ).

﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾

يقول تعالى مخبرًا عما يقوله لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه المكذبين بآياته: (ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ) أي: من أشكالكم وعلى صفاتكم، (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: من الأمم السالفة الكافرة، (مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ فِي النَّارِ) يحتمل أن يكون بدلا من قوله: (فِي أُمَمٍ) ويحتمل أن يكون (فِي أُمَمٍ) أي: مع أمم.

وقوله: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) كما قال الخليل، ﵇: ﴿ثُمَّ (٨) يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ [وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا] (٩) الآية [العنكبوت: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧].

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من د، ك، م، أ.

(٣) زيادة من أ.

(٤) زيادة من أ.

(٥) في أ: "تقرعهم".

(٦) في د: "قائلين لهم".

(٧) في أ: "يخلصونكم".

(٨) في د، ك، م: "ويوم".

(٩) زيادة من ك، م، أ.

ج3 · ص411

وقوله [تعالى] (١) (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا) أي: اجتمعوا فيها كلهم، (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ) أي: أخراهم دخولا -وهم الأتباع -لأولاهم -وهم المتبوعون -لأنهم أشد جرمًا من أتباعهم، فدخلوا قبلهم، فيشكوهم (٢) الأتباع إلى الله يوم القيامة؛ لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل، فيقولون: (رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ) أي: أضعف عليهم العقوبة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ [وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا] (٣) [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨]

وقوله: (قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ) أي: قد فعلنا ذلك وجازينا كلا بحسبه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا [فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ] (٤) [النحل: ٨٨] وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ] (٥) [العنكبوت: ١٣] وقال: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ] (٦) [النحل: ٢٥]

(وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأخْرَاهُمْ) أي: قال المتبوعون للأتباع: (فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) قال السدي: فقد ضللتم كما ضللنا.

(فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) وهذا الحال كما أخبر الله تعالى عنهم في حال محشرهم، في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣]

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾

قوله: (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) قيل: المراد: لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء.

(١) زيادة من م.

(٢) في أ: "فيشكونهم".

(٣) زيادة من ك، م، أ. وفي هـ: "الآية".

(٤) زيادة من ك، م، أ. وفي هـ: "الآية".

(٥) زيادة من أ. وفي هـ: "الآية".

(٦) زيادة من ك، م، أ. وفي هـ: "الآية".

ج3 · ص412

قاله مجاهد، وسعيد بن جبير. ورواه العَوْفي وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وكذا رواه الثوري، عن ليْث، عن عطاء، عن ابن عباس.

وقيل: المراد: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء.

رواه الضحاك، عن ابن عباس. وقاله السُّدِّي وغير واحد، ويؤيده ما قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن المِنْهَال -هو ابن عمرو -عن زاذان، عن البراء؛ أن رسول الله ﷺ ذكر قَبْض روح الفاجر، وأنه يُصْعَد بها إلى السماء، قال: "فيصعدون بها، فلا تمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان، بأقبح أسمائه التي كان يُدْعَى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون بابها له فلا يفتح له". ثم قرأ رسول الله ﷺ: (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ]) (١) الآية.

هكذا رواه، وهو قطعة من حديث طويل رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، من طرق، عن المنهال بن عمرو، به (٢) وقد رواه الإمام أحمد بطوله فقال:

حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مِنْهَال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب [﵁] (٣) قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولَمَّا يُلْحَد. فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر". مرتين أو ثلاثًا ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحَنُوط من حَنُوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ بصره. ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (٤) اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان".

قال: "فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يَدَعوها (٥) في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط. ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها فلا يمرون -يعني-بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله، ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عِليِّين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى".

(١) زيادة من ك، م، أ.

(٢) تفسير الطبري (١٢/ ٤٢٤)، وسنن أبي داود برقم (٤٧٥٣)، وسنن النسائي (٤/ ٧٨)، وسنن ابن ماجة برقم (١٥٤٨).

(٣) زيادة من ك، أ.

(٤) في ك، م: "المطمئنة".

(٥) في ك: "يدعها".

ج3 · ص413

قال: "فتعاد روحه، فيأتيه مَلَكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة". "فيأتيه (١) من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مَدّ بصره".

قال: "ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسُرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي".

قال: "وإن العبد الكافر، إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة (٢) نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم (٣) المسوح، فيجلسون منه مَدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط الله وغضب". قال: "فَتُفَرّق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفُّود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يَدَعُوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح (٤) ثم قرأ رسول الله ﷺ: (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) فيقول الله، ﷿: اكتبوا كتابه في سجّين في الأرض السفلى. فتطرح روحه طرحا". ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]

"فتعاد روحه في جسده. ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري. فيقولان (٥) ما دينك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري فيقولان (٦) ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. فيأتيه من حَرّها وسمومها، ويُضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك؛ هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من (٧) أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة" (٨)

(١) في ك، م، أ: "قال: فيأتيه".

(٢) في م: "إذا كان في انقطاع عن الآخرة وإقبال من الدنيا".

(٣) في م: "معهم السياط".

(٤) في م، أ: "فلا يفتح له".

(٥) في م، أ: "فيقولان له".

(٦) في م، أ: "فيقولان له".

(٧) في م: "ومن".

(٨) المسند (٤/ ٢٨٧).

ج3 · ص414

وقال أحمد أيضا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن يونس بن خَبَّاب، عن المِنْهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى جنازة، فذكر نحوه.

وفيه: "حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك من السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله، ﷿، أن يعرج بروحه من قبلهم".

وفي آخره: "ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، في يده مَرْزَبَّة لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله، ﷿، كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين". قال البراء: "ثم يفتح له باب من النار، ويمهد له فرش من النار" (١)

وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه وابن جرير -واللفظ له -من حديث محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يَسَار، عن أبي هريرة [﵁] (٢) أن رسول الله ﷺ قال: "الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حَمِيدة، وأبشري برَوْح وريحان، ورب غير غضبان، فيقولون ذلك حتى يُعْرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقولون: من هذا؟ فيقولون: فلان. فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري برَوْح وريحان، ورب غير غضبان، فيقال لها ذلك حتى ينتهى به إلى السماء التي فيها الله، ﷿. وإذا كان الرجل السَّوْء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغَسّاق، وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان. فيقولون: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لم تفتح (٣) لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر" (٤)

وقد قال ابن جُرَيج في قوله: (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) قال: لا تفتح لأعمالهم، ولا لأرواحهم.

وهذا فيه جمع بين القولين، والله أعلم.

وقوله: (وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) هكذا قرأه (٥) الجمهور، وفسروه بأنه البعير. قال ابن مسعود: هو الجمل ابن الناقة. وفي رواية: زوج الناقة. وقال الحسن البصري: حتى يدخل البعير في خُرْق الإبرة. وكذا قال أبو العالية، والضحاك. وكذا روى علي بن أبي طلحة، والعَوْفي عن ابن عباس.

(١) المسند (٤/ ٢٩٥).

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ك: "يفتح".

(٤) المسند (٢/ ٣٦٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٤٤٢) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٦٢) وتفسير الطبري (١٢/ ٤٢٤).

(٥) في د، ك، م: "فسره".

ج3 · ص415

وقال مجاهد، وعكرمة، عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها: " [حتى] (١) يلج الجُمَّل في سم الخياط" بضم الجيم، وتشديد الميم، يعني: الحبل الغليظ في خرم الإبرة.

وهذا اختيار سعيد بن جبير. وفي رواية أنه قرأ: "حتى يلج الجُمَّل" يعني: قُلُوس السفن، وهي الحبال الغلاظ.

وقوله: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ [وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ]) (٢) قال محمد بن كعب القُرَظِي: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ) قال: الفرش، (وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) قال: اللحُفُ.

وكذا قال الضحاك بن مُزاحِم، والسُّدِّي، (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾

لما ذكر تعالى حال الأشقياء (٣) عطف بذكر حال السعداء، فقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: آمنت قلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم، ضد أولئك الذين كفروا بآيات الله، واستكبروا عنها.

وينبه (٤) تعالى على أن الإيمان والعمل به سهل؛ لأنه تعالى قال: (لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ) أي: من حسد وبغضاء، كما جاء في الصحيح للبخاري، من حديث قتادة، عن أبي المتوكِّل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا خلص المؤمنون من النار حُبِسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة؛ فوالذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنة أدلّ منه بمسكنه كان في الدنيا" (٥)

وقال السُّدِّي في قوله: (وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ) الآية: إن أهل الجنة إذا سبقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فشربوا (٦) من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل، فهو "الشراب الطهور"، واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم "نضرة النعيم" فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدًا.

(١) زيادة من ك، م، أ.

(٢) زيادة من، م، أ.

(٣) في أ: "ما للأشقياء".

(٤) في م، أ: "ونبه".

(٥) صحيح البخاري برقم (٢٤٤٠).

(٦) في م: "فيشربون".

ج3 · ص416

وقد روى أبو إسحاق، عن عاصم، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نحوًا من ذلك (١) كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.

وقال قتادة: قال علي، ﵁: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: (وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ) رواه ابن جرير.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن إسرائيل قال: سمعت الحسن يقول: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت: (وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ) (٢)

وروى النسائي وابن مَرْدُويه -واللفظ له -من حديث أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني، فيكون له شكرًا. وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني فيكون له حسرة" (٣)

ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا: (أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة، وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم. وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ: "واعلموا أن أحدكم (٤) لن يدخله عمله الجنة". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يَتَغَمَّدَنِي الله برحمة منه وفضل" (٥)

﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)﴾

يخبر تعالى بما يخاطب أهل الجنة أهل النار إذا استقروا في منازلهم، وذلك على وجه التقريع والتوبيخ: (أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا [فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا]) (٦) "أن" هاهنا مفسِّرة للقول المحذوف، و"قد" للتحقيق، أي: قالوا لهم: (قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ) كما أخبر تعالى في سورة "الصافات" عن الذي كان له قرين من الكفار: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الآيات: ٥٥ - ٥٩]

(١) في ك، م، أ: "هذا".

(٢) تفسير عبد الرزاق (١/ ٢١٧).

(٣) سنن النسائي الكبرى كما في تحفة الأشراف للمزي برقم (١٢٤٩٢) ورواه أحمد في مسنده (٢/ ٥١٢) والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٥) من طريق أبي بكر بن عياش به، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.

(٤) في أ: "أحدا".

(٥) صحيح البخاري برقم (٦٤٦٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة، ﵁.

(٦) زيادة من ك، م.