سورة الزمر

ซูเราะฮ์ที่ 39 · ตอน 3/3 · เล่ม 7 หน้า 114–125

123
ج7 · ص114

إصبع، والثرى على إصبع؟ قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. قال: وأنزل الله ﷿: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) إلى آخر الآية.

وهكذا رواه البخاري، ومسلم، والنسائي -من طرق-عن الأعمش (١) به (٢).

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن حسن الأشقر، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء عن أبي الضحى، عن ابن عباس (٣) قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس فقال: كيف تقول يا أبا القاسم: يوم يجعل الله السماء على ذه -وأشار بالسبابة-والأرض على ذه، والجبال على ذه وسائر الخلق (٤) على ذه -كل ذلك يشير بإصبعه (٥) -قال: فأنزل الله ﷿: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) الآية.

وكذا رواه الترمذي في التفسير عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن الصَّلْت، عن أبي جعفر، عن أبي كدينة يحيى بن المهلب، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، به (٦)، وقال: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

ثم قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة (٧)، ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض".

تفرد به من هذا الوجه (٨)، ورواه مسلم من وجه آخر (٩).

وقال (١٠) البخاري -في موضع آخر-: حدثنا مُقَدَّم بن محمد، حدثنا عمي القاسم بن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر (١١)، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع، وتكون السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك".

تفرد به أيضا من هذا الوجه (١٢)، ورواه مسلم من وجه آخر (١٣). وقد رواه (١٤) الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر أبسط من هذا السياق وأطول، فقال:

حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر (١٥) أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده، يحركها يقبل بها ويدبر: "يمجد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا

(١) في ت: "من طريق الأعمش".

(٢) المسند (١/ ٣٧٨) وصحيح البخاري برقم (٧٤٥١) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٥٢).

(٣) في ت: "عن ابن عباس ﵄".

(٤) في أ: "الخلائق".

(٥) في ت: "بأصابعه".

(٦) المسند (١/ ٣٢٤) وسنن الترمذي برقم (٣٢٤٠).

(٧) في ت: "وروى البخاري بإسناده أن أبا هريرة".

(٨) صحيح البخاري برقم (٤٨١٢).

(٩) صحيح مسلم برقم (٢٧٨٧) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به.

(١٠) في ت: "وروى".

(١١) في أ: "عن ابن عمر ﵄".

(١٢) صحيح البخاري برقم (٧٤١٢).

(١٣) صحيح مسلم برقم (٢٧٨٨) من طريق سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر به.

(١٤) في ت: "وروى".

(١٥) في أ: "عن ابن عمر ﵄".

ج7 · ص115

الملك، أنا العزيز، أنا الكريم". فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا: لَيَخِرَّن به.

وقد رواه مسلم، والنسائي، وابن ماجه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم -زاد مسلم: ويعقوب بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن (١) عمر، به، نحوه (٢).

ولفظ مسلم -عن عبيد الله بن مقسم (٣) في هذا الحديث-: أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي النبي ﷺ، قال: يأخذ الله سمواته وأرضيه بيده ويقول: أنا الملك، ويقبض أصابعه ويبسطها: أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ؟.

وقال البزار: حدثنا سليمان بن سيف (٤)، حدثنا أبو علي الحنفي، حدثنا عباد المنْقرَي، حدثني محمد بن المنكدر قال: حدثنا عبد الله بن عمر [﵄] (٥)، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية على المنبر: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) حتى بلغ: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، فقال المنبر هكذا، فجاء وذهب ثلاث مرات (٦).

ورواه الإمام الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبيد بن عمير، عن عبد الله بن عمرو، وقال: صحيح (٧).

وقال الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبد الرحمن بن معاوية العُتْبي، حدثنا حيان بن نافع بن صخر بن جويرية، حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن معمر بن الحسن، عن بكر بن خُنَيْس، عن أبي شيبة، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير (٨) قال: قال رسول الله ﷺ لنفر من أصحابه: "إني قارئ عليكم آيات من آخر سورة الزمر، فمن بكى منكم وجبت له الجنة"؟ فقرأها من عند قوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)، إلى آخر السورة، فمنا من بكى، ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا: يا رسول الله لقد جهدنا أن نبكي فلم نبك؟ فقال: "إني سأقرؤها عليكم فمن لم يبك فليتباك". هذا حديث غريب جدا (٩).

وأغرب منه ما رواه في المعجم الكبير أيضا: حدثنا هاشم بن مُرْثَد (١٠)، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك

(١) في أ: "أبي".

(٢) المسند (٢/ ٧٢) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٧٦٨٩) وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٧٥).

(٣) في ت: "عمر".

(٤) في أ: "يوسف".

(٥) زيادة من أ.

(٦) ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (١٢٨): حدثنا أبو بكر البرذعي عن سليمان بن سيف به، ورواه ابن عدي في الكامل (٤/ ٣٤٢) والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣٥٢) من طريق عبادة بن ميسرة به، وفي إسناده عباد بن ميسرة المنقري، وهو ضعيف وعند ابن عدي: "فتحرك المنبر مرتين".

(٧) لم أجده في المطبوع من مسند عبد الله بن عمرو ﵁.

(٨) في ت: "وروى الطبراني في المعجم الكبير بإسناده عن جرير".

(٩) المعجم الكبير (٢/ ٣٤٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٠١): "فيه بكر بن خنيس وهو متروك".

(١٠) في هـ، ت، أ: "زيد" والتصويب من المعجم.

ج7 · ص116

الأشعري (١) قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى يقول: ثلاث خلال غَيَّبتُهُنَّ عن عبادي، لو رآهن رجل ما عمل سوءًا أبدا: لو كشفت غطائي فرآني حتى نستيقن ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أتيتهم، وقبضت السموات بيدي، ثم قبضت الأرض (٢) والأرضين، ثم قلت: أنا الملك، من ذا الذي له الملك دوني؟ ثم أريتهم (٣) الجنة وما أعددت لهم فيها من كل خير، فيستيقنوها. وأريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوها، ولكن عمدا غيبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون، وقد بينته لهم" (٤).

وهذا إسناد متقارب، وهي نسخة تروى بها أحاديث جمة، والله أعلم.

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾.

يقول تعالى مخبرا عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة، فقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ)، هذه النفخة هي الثانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت (٥) بها الأحياء من أهل السموات والأرض، إلا من شاء الله كما هو (٦) مصرح (٧) به مفسرا في حديث الصور المشهور. ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولا وهو الباقي آخرا بالديمومة (٨) والبقاء، ويقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] ثلاث مرات. ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي هو واحد وقد قهر كل شيء، وحكم بالفناء على كل شيء. ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، وهي النفخة الثالثة نفخة البعث، قال تعالى: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) أي: أحياء بعد ما كانوا عظاما ورفاتا، صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥].

قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم قال: سمعت

(١) في أ: "الأشعري ﵁".

(٢) في هـ: "قبضت الأرضين" وفي س، ت، أ: "قبضت الأرض ثم الأرضين" والمثبت من المعجم.

(٣) في س: "أريهم".

(٤) المعجم الكبير (٣/ ٢٩٤)، وفي إسناده: محمد بن إسماعيل بن عياش، ضعيف ولم يسمع من أبيه.

(٥) في س: "تموت".

(٦) في أ: "جاء".

(٧) في ت، س: "مصرحا".

(٨) في أ: "بالديمومية".

ج7 · ص117

يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت رجلا قال لعبد الله بن عمرو (١): إنك تقول: الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ قال: لقد هممت ألا أحدثكم شيئا، إنما قلت: سترون بعد قليل أمرا عظيما. ثم قال عبد الله بن عمرو: قال رسول الله ﷺ: "يخرج الدجال في أمتي، فيمكث فيهم أربعين-لا أدري أربعين يوما أو أربعين عاما أو أربعين شهرا أو أربعين ليلة -فيبعث الله (٢) عيسى ابن مريم (٣)، كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر فيهلكه الله (٤). ثم يلبث الناس بعده سنين سبعا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، حتى لو أن (٥) أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه". قال: سمعتها من رسول الله ﷺ: "ويبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا". قال: "فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارة أرزاقهم، حسن عيشهم. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى له، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه، فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق. ثم يرسل الله -أو: ينزل الله مطرا كأنه الطل-أو الظل شك نعمان -فتنبت منه أجساد الناس. ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] " قال: "ثم يقال: أخرجوا بعث النار". قال: "فيقال: كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين (٦) فيومئذ تبعث الولدان شيبا، ويومئذ يكشف عن ساق".

انفرد بإخراجه مسلم في صحيحه (٧).

وقال البخاري: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح قال: سمعت أبا هريرة [﵁] (٨) عن النبي ﷺ قال: "بين النفختين أربعون" (٩). قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوما؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبي، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عَجْبُ ذنبه فيه يركب الخلق (١٠).

وقال أبو يعلى: حدثنا يحيى بن معين، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة [﵁] (١١)، عن النبي ﷺ قال: "سألت جبريل، ﵇، عن هذه الآية: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال: هم الشهداء، مقلدون أسيافهم حول عرشه، تتلقاهم ملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت نمارها ألين من الحرير، مَدُّ (١٢) خطاها مد أبصار الرجال، يسيرون في الجنة يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا إلى ربنا، ﷿، لننظر كيف يقضي بين خلقه، يضحك إليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه".

(١) في أ: "عمرو ﵄".

(٢) في أ: "الله تعالى".

(٣) في أ: "ابن مريم ﵇".

(٤) في أ: "فيهلكه الله على يده".

(٥) في ت، س، أ: "حتى أن لو كان".

(٦) في س: "وتسعون".

(٧) المسند (٢/ ١٦٦) وصحيح مسلم برقم (٢٩٤٠).

(٨) زيادة من أ.

(٩) في ت: "أربعين".

(١٠) صحيح البخاري برقم (٤٨١٤).

(١١) زيادة من ت، أ.

(١٢) في أ: "قدر".

ج7 · ص118

رجاله كلهم ثقات إلا شيخ إسماعيل بن عياش، فإنه غير معروف والله أعلم (١).

وقوله: (وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) أي: أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق، ﵎، للخلائق لفصل القضاء، (وَوُضِعَ الْكِتَابُ) قال قتادة: كتاب الأعمال، (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ) قال ابن عباس: يشهدون على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات (٢) الله إليهم، (وَالشُّهَدَاءِ) أي: الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر، (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ) أي: بالعدل (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) قال الله [تعالى] (٣): ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال [الله] (٤) تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، ولهذا قال: (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ) أي: من خير أو شر (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ)

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾.

يخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النار؟ وإنما يساقون سوقا عنيفا بزجر وتهديد ووعيد، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أي: يدفعون إليها دفعا. هذا وهم عطاش ظماء، كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥، ٨٦]. وهم في تلك الحال صُمُّ وبكم وعمي، منهم من يمشي على وجهه، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].

وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) أي: بمجرد وصولهم إليها فتحت لهم أبوابها سريعا، لتعجل لهم العقوبة، ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية -الذين هم غلاظ الأخلاق، شداد القوى على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل-: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) أي: من جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم، (يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ) أي: يقيمون عليكم الحجج والبراهين (٥) على صحة ما دعوكم إليه، (وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) أي: ويحذرونكم من شر هذا اليوم؟ فيقول الكفار لهم: (بَلَى) أي: قد جاءونا وأنذرونا، وأقاموا علينا الحجج والبراهين، (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)

(١) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٥٣) من طريق أبي أسامة عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم بنحوه، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.

(٢) في س، أ: "رسالة".

(٣) زيادة من ت، س، أ.

(٤) زيادة من أ.

(٥) في س، أ: "والبرهان".

ج7 · ص119

أي: ولكن كذبناهم وخالفناهم، لما سبق إلينا (١) من الشَقْوة التي كنا نستحقها حيث عَدَلْنا عن الحق إلى الباطل، كما قال تعالى مخبرا عنهم في الآية الأخرى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٨ - ١٠]، أي: رجعوا على أنفسهم بالملامة والندامة ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] أي: بعدا لهم وخسارا.

وقوله هاهنا: (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) أي: كل من رآهم وعلم حالهم يشهد (٢) عليهم بأنهم مستحقون للعذاب؛ ولهذا لم يسند هذا القول (٣) إلى قائل معين، بل أطلقه ليدل على أن الكون شاهد عليهم بأنهم مستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم به؛ ولهذا قال جل وعلا (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) أي: ماكثين فيها لا خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها، (فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) أي: فبئس المصير وبئس المقيل لكم، بسبب تكبركم في الدنيا، وإبائكم عن اتباع الحق، فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه، فبئس الحال وبئس المآل.

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾.

وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدا إلى الجنة (زُمَرًا) أي: جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضا.

(حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا) أي: وصلوا إلى أبواب الجنة بعد مجاوزة الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة، وقد ورد في حديث الصور أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم بالدخول، فيقصدون، آدم، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدا، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كما فعلوا في العرصات (٤) عند استشفاعهم إلى الله، ﷿، أن يأتي لفصل القضاء، ليظهر شرف محمد ﷺ على سائر البشر في المواطن كلها.

وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أول شفيع في الجنة" وفي لفظ لمسلم: "وأنا أول من يقرع باب الجنة". (٥).

وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك، رضي الله

(١) في س، أ: "لنا".

(٢) في أ: "شهد".

(٣) في أ: "هذا الذي قاله".

(٤) في ت، أ: "الصرخات".

(٥) صحيح مسلم برقم (١٩٦).

ج7 · ص120

عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. قال: يقول: بك أُمِرْتُ ألا أفتح لأحد قبلك".

ورواه مسلم عن عمرو (١) الناقد وزهير بن حرب، كلاهما عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان -وهو ابن المغيرة القيسي-عن ثابت، عن أنس، به (٢).

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا مَعْمَر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة (٣) قال: قال رسول الله ﷺ: "أول زمرة تلج (٤) الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها. آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة (٥)، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن. لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد (٦) يسبحون الله بكرة وعشيا".

رواه البخاري عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك. ورواه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، كلاهما عن معمر بإسناده نحوه (٧). وكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة [﵁] (٨)، عن رسول الله ﷺ (٩).

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خَيْثَمة، حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زُرْعَة، عن أبي هريرة [﵁] (١٠) قال: قال رسول الله ﷺ: "أول زُمْرَة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشدُّ كوكب دُرِّي في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتْفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء" (١١).

وأخرجاه أيضا من حديث جرير (١٢).

وقال الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "يدخل الجنة من أمتي زُمْرَة، هم سبعون ألفا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر". فقام عُكَّاشة بن مِحْصَن فقال: يا رسول الله ادع الله، أن يجعلني منهم: فقال: "اللهم اجعله منهم". ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال ﷺ: "سبقك بها عُكَّاشة".

أخرجاه (١٣) (١٤) وقد روى هذا الحديث -في السبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب-البخاري ومسلم، عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وابن مسعود، ورفاعة بن عرابة

(١) في أ: "عمرو بن محمد الناقد".

(٢) المسند (٢/ ٣١٦) وصحيح مسلم برقم (١٩٧).

(٣) في أ: "أبي هريرة ﵁".

(٤) في ت: "يدخلون".

(٥) في س، أ: "ومجامرهم من الألوة".

(٦) في أ: "قلب رجل واحد".

(٧) المسند (٢/ ٣١٦) وصحيح البخاري برقم (٣٢٢٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤).

(٨) زيادة من أ.

(٩) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٣٢٤٦).

(١٠) زيادة من أ.

(١١) مسند أبي يعلى (١٠/ ٤٧٠).

(١٢) صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤).

(١٣) في ت: "أخرجه البخاري ومسلم".

(١٤) صحيح البخاري برقم (٦٥٤٢) وصحيح مسلم برقم (٢١٥).

ج7 · ص121

الجهني، وأم قيس بنت محصن.

ولهما عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول الله ﷺ قال: "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا -أو: سبعمائة ألف-آخذٌ بعضهم ببعض، حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر". (١).

وقال (٢) أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا أمامة (٣) الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وعدني ربي، ﷿، أن يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا، ولا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حَثَيَات من حثيات ربي ﷿" (٤).

وكذا رواه الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر [و] (٥) أبي اليمان عامر بن عبد الله بن لحُيّ (٦) عن أبي أمامة [﵁] (٧) (٨).

ورواه الطبراني، عن عتبة بن عَبْدٍ السُّلمي: "ثم يشفع كل ألف في سبعين ألفا" (٩).

وروى مثله، عن ثوبان وأبي سعيد الأنماري، وله شواهد من وجوه كثيرة.

وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) لم يذكر الجواب هاهنا، وتقديره: حتى إذا جاءوها، وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم إكراما وتعظيما، وتلقتهم الملائكة الخزنة بالبشارة والسلام والثناء، لا كما تلقى الزبانية الكفرة بالتثريب (١٠) والتأنيب، فتقديره: إذا كان هذا سَعِدوا وطابوا، وسُرّوا وفرحوا، بقدر كل ما يكون لهم فيه نعيم. وإذا حذف الجواب هاهنا ذهب الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل.

ومن زعم أن "الواو" في قوله: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) واو الثمانية، واستدل به على أن أبواب الجنة ثمانية، فقد أبعد النّجْعَة وأغرق في النزع. وإنما يستفاد كون أبواب الجنة ثمانية من الأحاديث الصحيحة.

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن (١١)، عن أبي هريرة (١٢) قال: قال رسول الله ﷺ: "من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله، دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب (١٣)، فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان" فقال أبو بكر، رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، ما

(١) صحيح البخاري برقم (٦٥٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢١٩).

(٢) في ت: "وروى".

(٣) في ت: "عن أبي أمامة".

(٤) المصنف (١١/ ٤٧١) ورواه الترمذي في السنن برقم (٢٤٣٧) من طريق إسماعيل بن عياش به، وقال: "هذا حديث حسن غريب".

(٥) زيادة من أ.

(٦) في أ: "يحيى".

(٧) زيادة من أ.

(٨) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٨٧).

(٩) المعجم الكبير (١٧/ ١٢٦، ١٢٧).

(١٠) في أ: "بالذم".

(١١) في ت: "فروى البخاري ومسلم".

(١٢) في أ: "أبي هريرة ﵁".

(١٣) في أ: "أبواب ثمانية".

ج7 · ص122

على أحد من ضرورة دُعي، من أيها (١) دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم".

ورواه البخاري ومسلم، من حديث الزهري، بنحوه (٢).

وفيهما من حديث أبي حازم سلمة بن دينار (٣)، عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون" (٤).

وفي صحيح مسلم، عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ -أو: فيسبغ الوضوء-ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء". (٥).

وقال (٦) الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسَين، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن معاذ، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "مفتاح الجنة: لا إله إلا الله" (٧).

ذكر سعة أبواب الجنة -نسأل الله العظيم من فضله أن يجعلنا من أهلها-:

في الصحيحين من حديث أبي زُرْعَة، عن أبي هريرة [﵁] (٨) في حديث الشفاعة الطويل: "فيقول الله (٩) يا محمد، أدخل من لا حساب عليه (١٠).

من أمتك من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس في الأبواب الأخر. والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة -ما بين عضادتي الباب-لكما بين مكة وهجر-أو هجر ومكة". وفي رواية: "مكة وبصرى" (١١).

وفي صحيح مسلم، عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم خطبة فقال فيها: "ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة، مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام" (١٢).

وفي المسند عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ، مثله (١٣).

وقال عبد بن حميد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن ما بين مصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة" (١٤).

وقوله: (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ) أي: طابت أعمالكم وأقوالكم، وطاب سعيكم فطاب جزاؤكم، كما أمر رسول الله ﷺ أن ينادى بين المسلمين في بعض الغزوات: "إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة" وفي رواية: "مؤمنة". (١٥).

(١) في أ: "أيتهما".

(٢) المسند (٢/ ٢٦٨) وصحيح البخاري برقم (٣٦٦٦) وصحيح مسلم برقم (١٠٢٧).

(٣) في ت: "وفي الصحيحين".

(٤) صحيح البخاري برقم (١٨٩٦) وصحيح مسلم برقم (١١٥٢).

(٥) صحيح مسلم برقم (٢٣٤).

(٦) في ت: "وروى".

(٧) ورواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٤٢) من طريق إسماعيل بن عياش به، وشهر بن حوشب فيه كلام ولم يسمع من معاذ.

(٨) زيادة من أ.

(٩) في أ: "قال الله ﷿".

(١٠) في أ: "لا حساب عليه ولا ملامة".

(١١) صحيح البخاري برقم (٤٧١٢) وصحيح مسلم برقم (١٩٤).

(١٢) صحيح مسلم برقم (٢٩٦٧).

(١٣) المسند (٥/ ٣).

(١٤) المنتخب برقم (٩٢٤) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.

(١٥) رواه النسائي في السنن (٥/ ٢٣٤) من حديث أبي هريرة.

ج7 · ص123

وقوله: (فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) أي: ماكثين فيها أبدا، لا يبغون عنها حولا.

(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ) أي: يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب الوافر، والعطاء العظيم، والنعيم المقيم، والملك الكبير، يقولون عند ذلك: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ) أي: الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام، كما دعوا في الدنيا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤ - ٣٥].

وقولهم: (وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) قال أبو العالية، وأبو صالح، وقتادة، والسدي، وابن زيد (١): أي أرض الجنة.

وهذه الآية كقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، ولهذا قالوا: (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) أي: أين (٢) شئنا حللنا، فنعم الأجر أجرنا على عملنا.

وفي الصحيحين من حديث الزهري، عن أنس في قصة المعراج قال النبي ﷺ: "أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك" (٣).

وقال عبد بن حميد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد [﵁] (٤) أن رسول الله ﷺ سأل ابن صائد عن تربة الجنة؟ فقال: دَرْمَكة بيضاءُ مِسْك خالص: فقال رسول الله ﷺ: "صدق".

وكذا رواه مسلم، من حديث أبي مسلمة (٥)، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، به (٦).

ورواه مسلم [أيضا] (٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن الجُرَيْرِي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد؛ أن ابن صائد (٨) سأل رسول الله ﷺ عن تربة الجنة، فقال: "دَرْمكة بيضاء مسك خالص" (٩).

وقول ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة (١٠)، عن علي بن أبي طالب، ﵁، في قوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا)، قال: سيقوا حتى انتهوا إلى باب من أبواب الجنة، فوجدوا عندها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها، فجرت عليهم نضرة

(١) في ت: "وأبو صالح وغيرهما".

(٢) في أ: "حيث".

(٣) انظر: الحديث بطوله عند تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء.

(٤) زيادة من أ.

(٥) في س: "سلمة".

(٦) المنتخب برقم (٨٧٤) وصحيح مسلم برقم (٢٩٢٨).

(٧) زيادة من أ.

(٨) في س: "صياد".

(٩) صحيح مسلم برقم (٢٩٢٨).

(١٠) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده عن علي" وفي أ: "حمزة".

ج7 · ص124

النعيم، فلم تُغَير أبشارهم بعدها أبدا، ولم تُشْعَث أشعارهم أبدا بعدها، كأنما دهنوا بالدهان، ثم عمدوا إلى الأخرى كأنما أمروا بها، فشربوا منها، فأذهبت ما كان في بطونهم من أذى أو قذى، وتلقتهم الملائكة على أبواب (١) الجنة: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ). ويلقى كل غلمان صاحبهم يطيفُون به، فعل (٢) الولدان بالحميم جاء من الغيبة: أَبْشِر، قد أعَد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا. وقال: وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين، فيقول: هذا فلان -باسمه في الدنيا-فيقلن: أنت رأيته؟ فيقول: نعم. فيستخفهن الفرح حتى تخرج إلى أَسكُفَّة (٣) الباب. قال: فيجيء فإذا هو بنمارق مصفوفة، وأكواب موضوعة، وزرابي مبثوثة. قال: ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه (٤)، فإذا هو قد أسس على جندل اللؤلؤ، بين أحمر وأخضر وأصفر [وأبيض] (٥)، ومن كل لون. ثم يرفع طرفه إلى سقفه، فلولا أن الله قدره له، لألمَّ أن يذهب ببصره، إنه لمثل البرق. ثم ينظر إلى أزواجه من الحور العين، ثم يتكئ على أريكة من أرائكه، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] الآية (٦).

ثم قال: حدثنا، أبي حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النّهْدِي، حدثنا مسلمة (٧) بن جعفر البجلي قال: سمعت أبا معاذ البصري يقول: إن عليا، ﵁، كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ، فقال النبي (٨) ﷺ: "والذي نفسي، بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يُسْتَقبلون -أو: يُؤْتون-بنوق لها أجنحة، وعليها رحال الذهب، شراك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما فيُغْسَل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدا، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون -أو: فيأتون-باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة (٩)، فيسمع (١٠) لها طنين يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قَيّمها فيفتح له، فإذا رآه خَرّ له -قال مسلمة: أراه قال: ساجدًا (١١) -فيقول: ارفع رأسك، فإنما أنا قَيمك، وُكِّلْتُ بأمرك. فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي، وأنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن". فيدخل بيتًا من أسّه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ، طرائق أصفر وأخضر وأحمر، ليس فيها (١٢) طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون حَشْيَة، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مُخّ ساقها من باطن الحُلَل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه. الأنهار

(١) في أ: "باب".

(٢) في أ: "مثل".

(٣) في س: "أسفكة".

(٤) في أ: "بنائه".

(٥) زيادة من ت، س، أ.

(٦) ورواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٣٥) وابن المبارك في الزهد برقم (١٤٥٠) والضياء المقدسي في المختارة (٥٤١) من طرق عن أبي إسحاق بنحوه.

(٧) في ت، أ: "سلمة".

(٨) في ت: "رسول الله".

(٩) في س: "الصفحة".

(١٠) في أ: "فلو سمع".

(١١) في ت: "خر له ساجد" وهو خطأ والصواب: "ساجدا".

(١٢) في ت، س:: منها".

ج7 · ص125

من تحتهم تَطّرد، أنهار من ماء غير آسن -قال: صاف، لا كدر فيه-وأنهار من لبن لم يتغير طعمه -قال: لم يخرج من ضروع الماشية-وأنهار من خمر لذة للشاربين -قال: لم تعصرها الرجال بأقدامهم -وأنهار من عسل مصفى-قال: لم يخرج من بطون النحل. يستجني الثمار، فإن شاء قائما، وإن شاء قاعدا، وإن شاء متكئا -ثم تلا ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الإنسان: ١٤]-فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض-قال: وربما قال: أخضر. قال: -فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها، أي الألوان شاء، ثم يطير فيذهب (١)، فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم، تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون. ولو أن شعرة من شعر (٢) الحوراء وقعت لأهل الأرض، لأضاءت الشمس معها سوادًا في نور".

هذا حديث غريب، وكأنه مرسل، والله أعلم.

﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾

لما ذكر تعالى حكمه في أهل الجنة والنار، وأنه نزل كُلا في المحل الذي يليق به ويصلح له وهو العادل في ذلك الذي لا يجور -أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول عرشه المجيد، يسبحون بحمد ربهم، ويمجدونه (٣) ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور، وقد فصل القضية، وقضى الأمر، وحكم بالعدل؛ ولهذا قال: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: بين الخلائق (بِالْحَقِّ)

ثم قال: (وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: ونطق الكون أجمعه (٤) -ناطقه وبهيمه-لله رب العالمين، بالحمد في حكمه وعدله؛ ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل على أن جميع المخلوقات شَهِدَت له بالحمد.

قال قتادة: افتتح الخلق بالحمد في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] واختتم بالحمد في قوله: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

آخر تفسير سورة الزمر ولله الحمد (٥) [أولا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا] (٦)

(١) في س: "ثم تطير فتذهب".

(٢) في ت: "شعور".

(٣) في أ: "ويحمدونه".

(٤) في ت، س: "جميعه".

(٥) في أ: "والله أعلم".

(٦) زيادة من س.