سورة الزمر

ซูเราะฮ์ที่ 39 · ตอน 2/3 · เล่ม 7 หน้า 99–113

123
ج7 · ص99

كذب على الله، وكَذَّب رسول الله، قالوا الباطل وردوا الحق؛ ولهذا قال متوعدا لهم: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) وهم الجاحدون المكذبون.

ثم قال: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) قال مجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن (١) زيد: (الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) هو الرسول. وقال السدي: هو جبريل ﵇، (وَصَدَّقَ بِهِ) يعني: محمدا ﷺ.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) قال: من جاء بلا إله إلا الله، (وَصَدَّقَ بِهِ) يعني: رسول الله ﷺ.

وقرأ الربيع بن أنس: "الذين جاءوا (٢) بالصدق" يعني: الأنبياء، "وصدقوا به" يعني: الأتباع.

وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) قال: أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة، فيقولون: هذا ما أعطيتمونا، فعملنا فيه بما أمرتمونا.

وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين، فإن المؤمن يقول الحق ويعمل به، والرسول ﷺ أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير، فإنه جاء بالصدق (٣)، وصدق المرسلين، وآمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) هو رسول الله ﷺ (وَصَدَّقَ بِهِ) المسلمون (٤).

(أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) قال ابن عباس: اتقوا الشرك.

(لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) يعني: في الجنة، مهما طلبوا وجدوا، (ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) كما قال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦].

(١) في أ: "وأبو".

(٢) في أ: "والذي جاء".

(٣) في أ: "جاء بالحق".

(٤) في ت، س، أ: "قال المسلمون".

ج7 · ص100

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾.

يقول تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) -وقرأ بعضهم: "عباده"-يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه.

وقال (١) ابن أبي حاتم هاهنا: حدثنا أبو عبيد الله (٢) ابن أخي ابن، وهب حدثنا عمي، حدثنا أبو هانئ، عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي (٣)، عن فضالة بن عبيد الأنصاري؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا، وقَنَعَ به".

ورواه الترمذي والنسائي من حديث حيوة بن شريح، عن أبي هانئ الخولاني، به (٤). وقال الترمذي: صحيح.

(وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) يعني: المشركين يخوفون الرسول ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها (٥) من دونه؛ جهلا منهم وضلالا؛ ولهذا قال تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ) أي: منيع الجناب لا يضام، من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه، فإنه العزيز الذي لا أعز منه، ولا أشد انتقاما منه، ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله ﷺ.

وقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) يعني: [أن] (٦) المشركين كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره، مما (٧) لا يملك لهم ضرا ولا نفعا؛ ولهذا قال: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ) أي: لا تستطيع شيئا من الأمر (٨).

وذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديث قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن (٩) ابن عباس مرفوعا: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، جفت الصحف، ورفعت الأقلام، واعمل لله بالشكر في اليقين، واعلم أن الصبر على ما تكره خير كثير، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا" (١٠).

(قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ) أي: الله كافيّ، عليه توكلت وعليه يتوكل المتوكلون، كما قال هود، ﵇، حين قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].

(١) في ت: "وروى".

(٢) في أ: "عبد الله".

(٣) في أ: "الحسيني".

(٤) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٢٢) والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٣٠٦) من طريق عبد الله بن وهب عن أبي هانئ به.

(٥) في أ: "يدعون بها".

(٦) زيادة من ت، أ.

(٧) في ت، س، أ: "ممن".

(٨) في ت: "الأمور".

(٩) في ت: "حدثنا بسنده إلى".

(١٠) رواه أحمد في مسنده (١/ ٢٩٣) والترمذي في السنن برقم (٢٥١٦) من طريق الليث بن سعد عن قيس بن الحجاج به، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".

ج7 · ص101

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا عبد الله بن بكر (١) السهمي، حدثنا محمد بن حاتم، عن أبي المقدام -مولى آل عثمان-عن محمد بن كعب القرظي، حدثنا ابن عباس (٢) [﵄] (٣) -رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: "من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق [منه] (٤) بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله" (٥).

وقوله: (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ) أي: على طريقتكم، وهذا تهديد ووعيد. . (إِنِّي عَامِلٌ) أي: على طريقتي ومنهجي، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أي: ستعلمون غب ذلك ووباله (مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) أي: في الدنيا، (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ) أي: دائم مستمر، لا محيد له عنه. وذلك يوم القيامة.

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾.

يقول تعالى مخاطبا رسوله محمدا ﷺ: (إِنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ) يعني: القرآن (لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ) أي: لجميع الخلق من الإنس والجن لتنذرهم به، (فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ) أي: فإنما يعود نفع ذلك إلى نفسه، (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) أي: إنما يرجع وبال ذلك على نفسه، (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) أي: بموكل أن يهتدوا، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢]، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].

ثم قال تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى، بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند المنام، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠، ٦١]، فذكر الوفاتين: الصغرى ثم الكبرى. وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى؛ ولهذا قال: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) فيه دلالة على أنها تجتمع في الملأ الأعلى، كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره. وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبيد الله (٦) بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁،

(١) في أ: "بكير".

(٢) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده إلى ابن عباس".

(٣) زيادة من ت.

(٤) زيادة من ت، س، أ.

(٥) ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١٨) من طرق عن أبي المقدام به، ورواه ابن عدي في الكامل (٥/ ٢٤١) من طريق شيبان عن عيسى ابن ميمون عن محمد بن كعب القرظي به.

(٦) في أ: "عبد الله".

ج7 · ص102

قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلْينْفُضْه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" (١).

وقال بعض السلف [﵏] (٢) يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله تعالى أن تتعارف (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) التي قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى.

قال السدي: إلى بقية أجلها. وقال ابن عباس: يمسك أنفس الأموات، ويرسل أنفس الأحياء، ولا يغلط. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)

﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾.

يقول تعالى ذاما للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد، التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان حداهم على ذلك، وهي لا تملك شيئا من الأمر، بل وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالا من الحيوان بكثير (٣).

ثم قال: قل: أي يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما اتخذوه (٤) شفعاء لهم عند الله، أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له، فمرجعها كلها إليه، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].

(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: هو المتصرف في جميع ذلك. (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أي: يوم القيامة، فيحكم بينكم بعدله، ويجزي كلا بعمله.

ثم قال تعالى ذاما للمشركين أيضا: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ) أي: إذا قيل: لا إله إلا الله (اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) قال مجاهد: (اشْمَأَزَّتْ) انقبضت.

وقال السدي: نفرت. وقال قتادة: كفرت واستكبرت. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: استكبرت. كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]، أي: عن المتابعة والانقياد لها. فقلوبهم (٥) لا تقبل الخير، ومن لم يقبل الخير يقبل الشر؛ ولهذا قال: (وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) أي: من الأصنام والأنداد، قاله مجاهد، (إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) أي: يفرحون ويسرون.

(١) صحيح البخاري برقم (٦٣٢٠) وصحيح مسلم برقم (٢٧١٤).

(٢) زيادة من ت.

(٣) في س: "بكبير".

(٤) في ت: "ما اتخذوا".

(٥) في ت: "بقلوبهم".

ج7 · ص103

﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾

يقول تعالى بعد ما ذكر عن المشركين ما ذكر من المذمة، لهم في حبهم الشرك، ونفرتهم عن التوحيد (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي: ادع أنت الله وحده لا شريك له، الذي خلق السموات والأرض وفطرها، أي: جعلها على غير مثال سبق، (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي: السر والعلانية، (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي: في دنياهم (١)، ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم، وقيامهم من قبورهم.

وقال (٢) مسلم في صحيحه: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة (٣) بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة [﵂] (٤) بأي شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (٥) وقال (٦) الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، وأخبرنا سهيل بن أبي صالح وعبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود (٧) أن رسول الله ﷺ قال: "من قال: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الدنيا (٨) أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا تُوَفِّينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، إلا قال الله، ﷿، لملائكته يوم القيامة: إن عبدي قد عهد إلي عهدا فأوفوه إياه، فيدخله الله الجنة".

قال سهيل: فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن أن عونا أخبر بكذا وكذا؟ فقال: ما في أهلنا جارية إلا وهي تقول هذا في خدرها. انفرد به الإمام أحمد (٩).

وقال (١٠) الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثني حُييّ (١١) بن عبد الله؛ أن

(١) في أ: "دينا لهم".

(٢) في ت: "روى".

(٣) في ت: "عن أبي سلمة".

(٤) زيادة من ت.

(٥) صحيح مسلم برقم (٧٧٠).

(٦) في ت: "وروى".

(٧) في ت، أ: "مسعود ﵁".

(٨) في أ: "في الحياة الدنيا".

(٩) المسند (١/ ٤١٢) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٧٤): "رجاله رجال الصحيح".

(١٠) في ت: "وروى".

(١١) في ت: "يحيى".

ج7 · ص104

أبا عبد الرحمن حدثه قال: أخرج لنا عبد الله بن عمرو قرطاسا وقال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول: "اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت رب كل شيء، وإله كل شيء، أشهد أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، والملائكة يشهدون، أعوذ بك من الشيطان وشركه، وأعوذ بك أن أقترف على نفسي إثما، أو أجره إلى (١) مسلم".

قال أبو عبد الرحمن: كان رسول الله ﷺ يعلمه (٢) عبد الله بن عمرو أن يقول ذلك حين يريد أن ينام. تفرد به أحمد أيضا (٣).

وقال (٤) [الإمام] (٥) أحمد أيضا: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش (٦)، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي راشد الحُبْرَاني قال: أتيت عبد الله بن عمرو فقلت له: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ. فألقى بين يَدَي صحيفة فقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ، فنظرت فيها فإذا فيها أن أبا بكر الصديق (٧) قال: يا رسول الله، علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت. فقال له رسول الله ﷺ: "يا أبا بكر، قل اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت، رب كل شي ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، أو (٨) أقترف على نفسي سوءا، أو أجره إلى مسلم".

ورواه الترمذي، عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش (٩)، به (١٠)، وقال: حسن غريب من هذا الوجه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا شيبان، عن ليث، عن مجاهد قال: قال أبو بكر الصديق: أمرني رسول الله ﷺ أن أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي من الليل: "اللهم فاطر السموات والأرض" إلى آخره (١١).

وقوله: (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) وهم المشركون، (مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ) أي: ولو أن جميع ملك الأرض وضعفه معه (لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ) أي: الذي أوجبه الله لهم يوم القيامة، ومع هذا لا يُتقبل منهم الفداء ولو كان ملء الأرض ذهبا، كما قال في الآية الأخرى: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) أي: وظهر لهم من الله من العذاب والنكال بهم ما لم يكن في بالهم ولا في حسابهم،.

﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾.

(وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) أي: وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم، (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي: وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا.

(١) في أ: "على".

(٢) في ت، س: "يعلم".

(٣) المسند (٢/ ١٧١).

(٤) في ت: "وروى".

(٥) زيادة من أ.

(٦) في ت: "عباس".

(٧) في ت: "الصديق ﵁".

(٨) في ت، أ: "أن".

(٩) في أ: "عباس".

(١٠) المسند (٢/ ١٩٦) وسنن الترمذي برقم (٣٥٢٩).

(١١) المسند (١/ ١٤).

ج7 · ص105

﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.

يقول تعالى مخبرا عن (١) الإنسان أنه في حال الضراء يَضْرَع إلى الله، ﷿، وينيب إليه ويدعوه، وإذا (٢) خوله منه نعمة بغى وطغى، وقال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ) أي: لما يعلم الله من استحقاقي له، ولولا أني عند الله تعالى خصيص لما خَوَّلني هذا!

قال قتادة: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ على خيرٍ عندي.

قال الله ﷿: (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ) أي: ليس الأمر كما زعموا، بل [إنما] (٣) أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه، أيطيع أم يعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك، فهي فتنة أي: اختبار، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) فلهذا يقولون ما يقولون، ويدعون ما يدعون.

(قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادعى هذه الدعوى، كثير ممن سلف من الأمم (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: فما صح قولهم ولا منعهم جمعهم وما كانوا يكسبون.

(فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ) أي: من المخاطبين (٤) (سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) أي: كما أصاب أولئك، (وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ) كما قال تعالى مخبرا عن قارون أنه قال له قومه: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٦ - ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥].

وقوله: (أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) أي: يوسعه على قوم ويضيقه على آخرين، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أي: لعبرا وحججا.

(١) في ت: "عن حال".

(٢) في ت: "فإذا".

(٣) زيادة من ت، أ.

(٤) في ت: "المخلطين".

ج7 · ص106

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)﴾

هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر. ولا يصح حمل هذه [الآية] (١) على غير توبة (٢)؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه.

وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف؛ أن ابن جريج أخبرهم: قال يعلى: إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس (٣) [﵄] (٤)؛ أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا. فأتوا محمدا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة. فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، ونزل [قوله] (٥): (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ).

وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث ابن جريج، عن يعلى بن مسلم المكي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به (٦).

والمراد من الآية الأولى قوله: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ الآية. [الفرقان: ٧٠].

وقال (٧) الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل قال: سمعت أبا عبد الرحمن المري (٨) يقول: سمعت (٩) ثوبان -مولى رسول الله ﷺ-يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) إلى آخر الآية"، فقال رجل: يا رسول الله، فمن أشرك؟ فسكت النبي (١٠) ﷺ ثم قال: "ألا ومن أشرك" ثلاث مرات. تفرد به الإمام أحمد (١١).

وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا سريج (١٢) بن النعمان، حدثنا روح بن قيس، عن أشعث بن جابر الحداني، عن مكحول، عن (١٣) عمرو بن عَبَسة (١٤) قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، شيخ كبير يدعم على عصا له، فقال: يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات، فهل يغفر لي؟ فقال: "ألست تشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: بلى، وأشهد أنك رسول الله. فقال: "قد غفر لك غدراتك وفجراتك". تفرد به أحمد (١٥).

(١) زيادة من أ.

(٢) في ت: "التوبة".

(٣) في ت: "روى البخاري بسنده عن ابن عباس".

(٤) زيادة من أ.

(٥) زيادة من ت، س.

(٦) صحيح البخاري برقم (٤٨١٠) وصحيح مسلم برقم (١٢٢) وسنن أبي داود برقم (٧٢٧٤) وسنن النسائي (٧/ ٨٦).

(٧) في ت: "وروى".

(٨) في أ: "السري".

(٩) في ت: "سمعت عن".

(١٠) في ت: "رسول الله".

(١١) المسند (٥/ ٢٧٥).

(١٢) في أ: "شريح".

(١٣) في ت: "وعن".

(١٤) في ت، ا: "عنبسة".

(١٥) المسند (٤/ ٣٨٥).

ج7 · ص107

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حوشب (١)، عن أسماء بنت يزيد (٢) قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] وسمعته يقول: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) ولا يبالي (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)

ورواه أبو داود والترمذي، من حديث ثابت، به (٣).

فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد: أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا يقنطن (٤) عبد من رحمة الله، وإن عظمت ذنوبه وكثرت؛ فإن باب التوبة والرحمة واسع، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وقال تعالى في حق المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النساء: ١٤٥، ١٤٦]، وقال ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، ثم قال ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤]، وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠].

قال الحسن البصري: انظر (٥) إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة!.

والآيات في هذا كثيرة جدا.

وفي الصحيحين عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ، حديث الذي (٦) قتل تسعا (٧) وتسعين نفسا، ثم ندم وسأل عابدا من عُبَّاد بني إسرائيل: هل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله وأكمل (٨) به مائة. ثم سأل عالما من علمائهم: هل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها، فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب فهو منها. فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة. وذكر أنه نأى بصدره عند الموت، وأن الله أمر البلدة الخيرة أن تقترب، وأمر تلك البلدة أن تتباعد (٩) (١٠) هذا معنى الحديث، وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه.

(١) في ت: "وروى أيضا".

(٢) في أ: "يزيد ﵂".

(٣) المسند (٦/ ٤٥٤) وسنن أبي داود برقم (٣٩٨٢) وسنن الترمذي برقم (٣٢٣٧).

(٤) في ت: "ولا يقنط".

(٥) في ت: "انظروا".

(٦) في ت: "أن رجلا".

(٧) في أ: "تسعة".

(٨) في ت: "فأكمل".

(٩) في أ: "تبتعد".

(١٠) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٧٠) ومسلم برقم (٢٧٦٦).

ج7 · ص108

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ﵄ (١) [في] (٢) قوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) إلى آخر الآية، قال: قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيرا (٣) ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله تعالى لهؤلاء: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولا من هؤلاء، من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. قال ابن عباس [﵄] (٤) من آيس عباد الله (٥) من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه.

وروى الطبراني من طريق الشعبي، عن شُتَير بن شَكَل أنه قال: سمعت ابن مسعود يقول إن أعظم آية في كتاب الله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وإن أكثر آية في القرآن فرجا في سورة الغرف: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)، وإن أشد آية في كتاب الله تصريفا (٦) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. فقال له مسروق: صدقت.

وقال الأعمش، عن أبي سعيد، عن أبي الكنود قال: مر عبد الله -يعني ابن مسعود-على قاص، وهو يذكر الناس، فقال: يا مذكر لم تُقَنِّط (٧) الناس؟ ثم قرأ: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) رواه ابن أبي حاتم.

ذكر أحاديث فيها نفي القنوط:

قال (٨) الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا أبو عبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله (٩)، حدثني أخشن السدوسي قال: دخلت على أنس بن مالك (١٠) فقال (١١) سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده، لو لم تخطئوا (١٢) لجاء الله بقوم يخطئون، ثم يستغفرون الله فيغفر لهم" تفرد به [الإمام] (١٣) أحمد (١٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى (١٥) حدثني ليث حدثني محمد بن قيس -قاص عمر بن عبد العزيز-عن أبي صِرْمة، عن أبي أيوب الأنصاري، ﵁، أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت منكم شيئا سمعته من رسول الله ﷺ يقول: "لولا أنكم تذنبون، لخلق الله

(١) في س: "عنه".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ت: العزير."

(٤) زيادة من ت.

(٥) في أ: "العباد".

(٦) في ت، س: "تفويضا".

(٧) في س: "يقنط".

(٨) في ت: "روى".

(٩) في أ: "عبيد الله السدوسي".

(١٠) في ت: "عن ابن مالك" وفي أ: "أنس بن مالك ﵁".

(١١) في ت: "قال".

(١٢) في ت: "تخطئون".

(١٣) زيادة من أ.

(١٤) المسند (٣/ ٢٣٨).

(١٥) في أ: "إسحاق بن أبي عيسى".

ج7 · ص109

قوما يذنبون فيغفر لهم".

هكذا (١) رواه الإمام أحمد، وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي جميعا، عن قتيبة، عن الليث بن سعد به (٢). ورواه مسلم من وجه آخر به، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي صرمة -وهو الأنصاري صحابي-عن أبي أيوب به (٣).

وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك الحراني، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النُّكري قال: سمعت أبي يحدث عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس (٤) قال: قال رسول الله ﷺ: "كفارة الذنب (٥) الندامة"، وقال رسول الله ﷺ: "لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون، فيغفر لهم" تفرد به أحمد (٦).

وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني عبد الأعلى بن حماد النَّرسِي، حدثنا داود بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عبد الله مسلمة الرازي، عن أبي عمرو البجلي، عن عبد الملك بن سفيان الثقفي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه، علي بن أبي طالب، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يحب العبد المفتن التواب". لم يخرجوه من هذا الوجه (٧).

وقال (٨) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت وحميد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: إن إبليس -عليه لعائن الله-قال: يا رب، إنك أخرجتني من الجنة من أجل آدم، وإني لا أستطيعه إلا بسلطانك. قال: فأنت مسلط. قال: يا رب، زدني. قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله. قال: يا رب، زدني. قال: أجعل صدورهم مساكن لكم، وتجرون منهم مجرى الدم. قال: يا رب، زدني. قال: أجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. فقال آدم [﵇] (٩) يا رب، قد سلطته علي، وإني لا أمتنع [منه] (١٠) إلا بك. قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء. قال: يا رب، زدني. قال: الحسنة عشر أو أزيد، والسيئة واحدة أو أمحوها. قال: يا رب، زدني. قال: باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد. قال: يا رب، زدني. قال: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

وقال محمد بن إسحاق: قال نافع: عن عبد الله بن عمير، عن عمر، ﵁، في حديثه قال: وكنا نقول ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)

(١) في س: "كذا".

(٢) المسند (٥/ ٤١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٧٤٨) وسنن الترمذي برقم (٣٥٣٩).

(٣) صحيح مسلم برقم (٢٧٤٨).

(٤) في أ: "ابن عباس ﵄".

(٥) في أ: "الذنوب".

(٦) المسند (١/ ٢٨٩).

(٧) زوائد عبد الله على المسند (١/ ٨٠).

(٨) في ت: "وروى".

(٩) زيادة من ت، س، أ.

(١٠) زيادة من ت، س، أ.

ج7 · ص110

قال عمر، ﵁: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص قال: فقال هشام: لما أتتني جعلت أقرؤها بذي طُوًى أصَعَّد بها فيه وأصوت ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم أفهمنيها. قال: فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا، وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا. فرجعت إلى بعيري فجلست عليه، فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة.

ثم استحث [سبحانه] (١) وتعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة، فقال: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) أي: ارجعوا إلى الله واستسلموا له، (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) أي: بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة،.

(وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) وهو القرآن العظيم، (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) أي: من حيث لا تعلمون ولا تشعرون.

ثم قال: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) أي: يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة، ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله ﷿.

وقوله: (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) أي: إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق.

﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾.

(أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أي: تود أن لو (٢) أعيدت إلى الدار فتحسن (٣) العمل.

قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: أخبر الله سبحانه (٤)، ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه (٥)، وقال: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]،، (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) فأخبر الله تعالى: أن لو رُدوا لما قدروا على الهدى، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].

وقد قال (٦) الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني؟! فتكون عليه حسرة". قال: "وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني! " قال: "فيكون له الشكر".

ورواه النسائي من حديث أبي بكر بن عياش، به (٧).

(١) زيادة من ت، وفي أ: "الله".

(٢) في ت: "أن لو أن".

(٣) في أ: "لتحسن".

(٤) في أ: "أخبرنا الله تعالى".

(٥) في ت، س: "وعلمهم قبل أن يعلموه".

(٦) في ت: "روى".

(٧) المسند (٢/ ٥١٢).

ج7 · ص111

ولما تمنى أهل الجرائم العَودَ إلى الدنيا، وتحسروا على تصديق آيات الله واتباع رسله، قال [الله ﷾] (١) (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (٢) أي: قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه (٣) آياتي في الدار الدنيا، وقامت حججي عليك، فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها، وكنت من الكافرين بها، الجاحدين لها.

﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾.

يخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه، وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة، قال تعالى هاهنا: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ) أي: في دعواهم له شريكا وولدا (وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) أي: بكذبهم وافترائهم.

وقوله: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) أي: أليست جهنم كافية لها (٤) سجنا وموئلا لهم فيها [دار] (٥) الخزي والهوان، بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، عن عمرو بن شعيب (٦)، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنا من النار في واد يقال له بولس، من نار الأنيار، ويسقون عصارة أهل النار، ومن طينة الخَبَال" (٧).

وقوله: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ) أي: مما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله، (لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ) أي: يوم القيامة، (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: ولا يحزنهم (٨) الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فَزَع، مزحزحون عن كل شر، مُؤمَلون كل خير.

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾.

يخبر تعالى أنه خالق (٩) الأشياء كلها، وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكل تحت تدبيره وقهره وكلاءته.

(١) زيادة من ت، س، أ.

(٢) في ت: "قل" وهو خطأ.

(٣) في أ: "منه جاءتك".

(٤) في ت، س: "لهم".

(٥) زيادة من ت، س.

(٦) في ت: "روى ابن أبي حاتم بإسناده عن عمرو بن شعيب"

(٧) ورواه أحمد في مسنده (٢/ ١٧٨) والترمذي في السنن برقم (٢٤٩٢) من طريق محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب بنحوه، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".

(٨) في ت: "أي لا يجزيهم".

(٩) في ت: "خلق".

ج7 · ص112

وقوله: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ)، قال مجاهد: المقاليد هي: المفاتيح بالفارسية. وكذا قال قتادة، وابن زيد، وسفيان ابن عيينة.

وقال السدي: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: خزائن السموات والأرض.

والمعنى على كلا القولين: أن أزمَّة الأمور بيده، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ ولهذا قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) أي: حججه وبراهينه (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)

وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا غريبا جدًا -وفي صحته نظر-ولكن (١) نذكره كما ذكره، فإنه قال:

حدثنا يزيد (٢) بن سِنان البصري بمصر، حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا الأغلب بن تميم، عن مخلد بن هذيل العبدي، عن عبد الرحمن المدني، عن عبد الله بن عمر، عن عثمان بن عفان، ﵁، أنه سأل رسول الله ﷺ عن تفسير: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) فقال: "ما سألني عنها أحد قبلك يا عثمان"، قال: "تفسيرها: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا قوة إلا بالله، الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، من قالها يا عثمان إذا أصبح عشر مرار أعطي خصالا ستا: أما أولاهن: فيحرس من إبليس وجنوده، وأما الثانية: فيعطى قنطارا من الأجر، وأما الثالثة: فترفع (٣) له درجة في الجنة، وأما الرابعة: فيتزوج من الحور العين، وأما الخامسة: فيحضره (٤) اثنا عشر ملكا، وأما السادسة: فيعطى من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور. وله مع هذا يا عثمان من الأجر كمن حج وتقبلت حجته، واعتمر فتقبلت عمرته، فإن مات من يومه طبع بطابع الشهداء".

ورواه أبو يعلى الموصلي من حديث يحيى بن حماد، به مثله (٥). وهو غريب، وفيه نكارة شديدة، والله أعلم.

وقوله: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي حاتم وغيره، عن ابن عباس [﵄ أنه قال] (٦): إن المشركين بجهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إلهه، فنزلت: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

وهذه كقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].

وقوله: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أي: أخلص العبادة لله وحده، لا شريك له، أنت

(١) في أ: "ولكن نحن".

(٢) في أ: "زيد".

(٣) في ت: "فيرفع".

(٤) في س: "فتحضره".

(٥) ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٧٣) من طريق أبي عن شجاع بن مخلد عن يحيى بن حماد به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١١٥): "رواه أبو يعلى في الكبير، وفيه الأغلب بن تميم، وهو ضعيف".

(٦) زيادة من ت، س.

ج7 · ص113

ومن معك، أنت ومن اتبعك وصدقك.

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾.

يقول تعالى: وما قدر المشركون الله حق قدره، حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته.

قال مجاهد: نزلت في قريش. وقال السدي: ما عظموه حق عظمته.

وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [﵄] (١): (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله [تعالى] (٢) عليهم، فمن آمن أن الله على كل شي قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره.

وقد وردت (٣) أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.

قال البخاري: قوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود (٤) قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد: إنا نجد أن الله ﷿ يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء (٥) والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع. فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الآية (٦).

و[قد] (٧) رواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع من (٨) صحيحه، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، كلهم من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم عن عبيدة، عن [عبد الله] (٩) ابن مسعود، ﵁، بنحوه (١٠).

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله، ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، أبلغك أن الله [تعالى] (١١) يحمل الخلائق على إصبع، والسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ت: "ورد".

(٤) في ت، أ: "مسعود ﵁".

(٥) في ت، أ: "والماء على إصبع".

(٦) صحيح البخاري برقم (٤٨١١).

(٧) زيادة من أ.

(٨) في أ: "في".

(٩) زيادة من ت.

(١٠) صحيح البخاري برقم (٧٤١٤، ٧٤١٥، ٧٤٥١) والمسند (١/ ٤٢٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٦) وسنن الترمذي برقم (٣٢٣٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٥١).

(١١) زيادة من أ.